الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{۞إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَسۡتَحۡيِۦٓ أَن يَضۡرِبَ مَثَلٗا مَّا بَعُوضَةٗ فَمَا فَوۡقَهَاۚ فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ فَيَعۡلَمُونَ أَنَّهُ ٱلۡحَقُّ مِن رَّبِّهِمۡۖ وَأَمَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَيَقُولُونَ مَاذَآ أَرَادَ ٱللَّهُ بِهَٰذَا مَثَلٗاۘ يُضِلُّ بِهِۦ كَثِيرٗا وَيَهۡدِي بِهِۦ كَثِيرٗاۚ وَمَا يُضِلُّ بِهِۦٓ إِلَّا ٱلۡفَٰسِقِينَ} (26)

قوله تعالى : " إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا " قال ابن عباس في رواية أبي صالح : لما ضرب الله سبحانه هذين المثلين للمنافقين : يعني " مثلهم كمثل الذي استوقد نارا " [ البقرة : 17 ] وقوله : " أو كصيب من السماء " [ البقرة : 19 ] قالوا : الله أجل وأعلى من أن يضرب الأمثال ، فأنزل الله هذه الآية . وفي رواية عطاء عن ابن عباس قال : لما ذكر الله آلهة المشركين فقال : " وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه{[375]} " [ الحج : 73 ] وذكر كيد الآلهة فجعله كبيت العنكبوت ، قالوا : أرأيت حيث ذكر الله الذباب والعنكبوت فيما أنزل من القرآن على محمد ، أي شيء يصنع ؟ فأنزل الله الآية . وقال الحسن وقتادة : لما ذكر الله الذباب والعنكبوت في كتابه وضرب للمشركين به المثل ، ضحكت اليهود وقالوا : ما يشبه هذا كلام الله ، فأنزل الله الآية .

و " يستحيي " أصله يستحيِيُ ، عينه ولامه حرفا علة ، أعلت اللام منه بأن استثقلت الضمة على الياء فسكنت . واسم الفاعل في هذا : مستحيٍ ، والجمع مستحيون ومستحيين . وقرأ ابن محيصن " يستحي " بكسر الحاء وياء واحدة ساكنة ، وروى عن ابن كثير ، وهي لغة تميم وبكر ابن وائل ، نقلت فيها حركة الياء الأولى إلى الحاء فسكنت ، ثم استثقلت الضمة على الثانية فسكنت ، فحذفت إحداهما للالتقاء ، واسم الفاعل مستح ، والجمع مستحون ومستحين . قاله الجوهري . واختلف المتأولون في معنى " يستحيي " في هذه الآية فقيل : لا يخشى ، ورجحه الطبري ، وفي التنزيل : " وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه{[376]} " [ الأحزاب : 37 ] بمعنى تستحي . وقال غيره : لا يترك . وقيل : لا يمتنع . وأصل الاستحياء الانقباض عن الشيء والامتناع منه خوفا من مواقعة القبيح ، وهذا محال على الله تعالى . وفي صحيح مسلم عن أم سلمة رضي الله عنها قالت : جاءت أم سليم إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت : يا رسول الله ، إن الله لا يستحيي من الحق . المعنى لا يأمر بالحياء فيه ، ولا يمتنع من ذكره .

قوله تعالى : " أن يضرب مثلا ما " " يضرب " معناه يبين ، و " أن " مع الفعل في موضع نصب بتقدير حذف من . " مثلا " منصوب بيضرب " بعوضة " في نصبها أربعة أوجه :

الأول : تكون " ما " زائدة ، و " بعوضة " بدلا من " مثلا " .

الثاني : تكون " ما " نكرة في موضع نصب على البدل من قوله : " مثلا " . و " بعوضة " نعت لما ، فوصفت " ما " بالجنس المنكر لإبهامها لأنها بمعنى قليل ، قاله الفراء والزجاج وثعلب .

الثالث : نصبت على تقدير إسقاط الجار ، المعنى أن يضرب مثلا ما بين بعوضة ، فحذفت " بين " وأعربت بعوضة بإعرابها ، والفاء بمعنى إلى ، أي إلى ما فوقها . وهذا قول الكسائي والفراء أيضا ، وأنشد أبو العباس :

يا أحسن الناس ما قَرْناً إلى قدم *** ولا حبالَ مُحِبٍّ واصلٍ تصل

أراد ما بين قرن ، فلما أسقط " بين " نصب .

الرابع : أن يكون " يضرب " بمعنى يجعل ، فتكون " بعوضة " المفعول الثاني . وقرأ الضحاك وإبراهيم بن أبي عبلة ورؤبة بن العجاج " بعوضة " بالرفع ، وهي لغة تميم . قال أبو الفتح : ووجه ذلك أن " ما " اسم بمنزلة الذي ، و " بعوضة " رفع على إضمار المبتدأ ، التقدير : لا يستحيي أن يضرب الذي هو بعوضة مثلا ، فحذف العائد على الموصول وهو مبتدأ . ومثله قراءة بعضهم : " تماما على الذي أحسن " أي على الذي هو أحسن . وحكى سيبويه : ما أنا بالذي قائل لك شيئا ، أي هو قائل . قال النحاس : والحذف في " ما " أقبح منه في " الذي " ، لأن " الذي " إنما له وجه واحد والاسم معه أطول . ويقال : إن معنى ضربت له مثلا ، مثلت له مثلا . وهذه الأبنية على ضرب واحد ، وعلى مثال واحد ونوع واحد والضرب النوع . والبعوضة : فعولة من بَعَض إذا قطع اللحم ، يقال : بضع وبعض بمعنى ، وقد بعضته تبعيضا ، أي جزأته فتبعض . والبعوض : البق{[377]} ، الواحدة بعوضة ، سميت بذلك لصغرها . قاله الجوهري وغيره .

قوله تعالى : " فما فوقها " قد تقدم أن الفاء بمعنى إلى ، ومن جعل " ما " الأولى صلة زائدة ف " ما " الثانية عطف عليها . وقال الكسائي وأبو عبيدة وغيرهما : معنى " فما فوقها " - والله أعلم - ما دونها ، أي إنها فوقها في الصغر . قال الكسائي : وهذا كقولك في الكلام : أتراه قصيرا ؟ فيقول القائل : أو فوق ذلك ، أي هو أقصر مما ترى . وقال قتادة وابن جريج : المعنى في الكبر .

قوله تعالى : " فأما الذين آمنوا فيعلمون أنه الحق من ربهم " الضمير في " أنه " عائد على المثل أي أن المثل حق . والحق خلاف الباطل . والحق : واحد الحقوق . والحقة ( بفتح الحاء ) أخص منه ، يقال : هذه حقتي ، أي حقي . " وأما الذين كفروا " لغة بني تميم وبني عامر في " أما " أيما ، يبدلون من إحدى الميمين ياء كراهية التضعيف ، وعلى هذا ينشد بيت عمر بن أبي ربيعة :

رأت رجلا أيْمَا إذا الشمس عارضت *** فيضحَى وأيْمَا بالعشي فيَخْصَرُ{[378]}

قوله تعالى : " فيقولون ماذا أراد الله بهذا مثلا " اختلف النحويون في " ماذا " ، فقيل : هي بمنزلة اسم واحد بمعنى أي شيء أراد الله ، فيكون في موضع نصب ب " أراد " . قال ابن كيسان : وهو الجيد . وقيل : " ما " اسم تام في موضع رفع بالابتداء ، و " ذا " بمعنى الذي وهو خبر الابتداء ، ويكون التقدير : ما الذي أراده الله بهذا مثلا ، ومعنى كلامهم هذا : الإنكار بلفظ الاستفهام . و " مثلا " منصوب على القطع ، التقدير : أراد مثلا ، قاله ثعلب . وقال ابن كيسان : هو منصوب على التمييز الذي وقع موقع الحال .

قوله تعالى : " يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا " قيل : هو من قول الكافرين ، أي ما مراد الله بهذا المثل الذي يفرق به الناس إلى ضلالة وإلى هدى . وقيل : بل هو خبر من الله عز وجل ، وهو أشبه ، لأنهم يقرون بالهدى أنه من عنده ، فالمعنى : قل يضل الله به كثيرا ويهدي به كثيرا ، أي يوفق ويخذل ، وعليه فيكون فيه رد على من تقدم ذكرهم من المعتزلة وغيرهم في قولهم : إن الله لا يخلق الضلال ولا الهدى . قالوا : ومعنى " يضل به كثيرا " التسمية هنا ، أي يسميه ضالا ، كما يقال : فسقت فلانا ، يعني سميته فاسقا ؛ لأن الله تعالى لا يضل أحدا . هذا طريقهم في الإضلال ، وهو خلاف أقاويل المفسرين ، وهو غير محتمل في اللغة ، لأنه يقال : ضلله إذا سماه ضالا ، ولا يقال : أضله إذا سماه ضالا ، ولكن معناه ما ذكره المفسرون أهل التأويل من الحق أنه يخذل به كثيرا من الناس مجازاة لكفرهم .

" وما يضل به إلا الفاسقين " ولا خلاف أن قوله : " وما يضل به إلا الفاسقين " أنه من قول الله تعالى . و " الفاسقين " نصب بوقوع الفعل عليهم ، والتقدير : وما يضل به أحدا إلا الفاسقين الذين سبق في علمه أنه لا يهديهم . ولا يجوز أن تنصبهم على الاستثناء لأن الاستثناء لا يكون إلا بعد تمام الكلام . وقال نوف البكالي : قال عزير فيما يناجي ربه عز وجل : إلهي تخلق خلقا فتضل من تشاء وتهدي من تشاء . قال فقيل : يا عزير اعرض عن هذا ! لتعرضن{[379]} عن هذا أو لأمحونك من النبوة ، إني لا أسأل عما أفعل وهم يسألون . والضلال أصله الهلاك ، يقال منه : ضل الماء في اللبن إذا استهلك ، ومنه قوله تعالى : " أإذا ضللنا في الأرض{[380]} " [ السجدة :10 ] وقد تقدم في الفاتحة{[381]} . والفسق أصله في كلام العرب الخروج عن الشيء ، يقال : فسقت الرطبة إذا خرجت عن قشرها ، والفأرة من جحرها . والفويسقة : الفأرة ، وفي الحديث : ( خمس فواسق يقتلن في الحل والحرم الحية والغراب الأبقع والفأرة والكلب العقور والحُدَيَّا ) . روته عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم ، أخرجه مسلم . وفي رواية ( العقرب ) مكان ( الحية ) . فأطلق صلى الله عليه وسلم عليها اسم الفسق لأذيتها ، على ما يأتي بيانه في هذا الكتاب إن شاء الله تعالى . وفسق الرجل يفسق ويفسق أيضا - فسقا وفسوقا ، أي فجر . فأما قوله تعالى : " ففسق عن أمر ربه " فمعناه خرج . وزعم ابن الأعرابي أنه لم يسمع قط في كلام الجاهلية ولا في شعرهم{[382]} فاسق . قال : وهذا عجب ، وهو كلام عربي حكاه عنه ابن فارس والجوهري .

قلت : قد ذكر أبو بكر الأنباري في كتاب " الزاهر " له لما تكلم على معنى الفسق قول الشاعر :

يذهبن في نجد وغَوْراًوغورا{[383]} غائرا *** فواسقا عن قصدها جوائرا

والفِسّيق : الدائم الفسق . ويقال في النداء : يا فسق ويا خبث ، يريد : يا أيها الفاسق ، ويا أيها الخبيث . والفسق في عرف الاستعمال الشرعي : الخروج من طاعة الله عز وجل ، فقد يقع على من خرج بكفر وعلى من خرج بعصيان .


[375]:راجع ج 12 ص 97.
[376]:راجع ج 14 ص 190.
[377]:قال الدميري: "هو وهم". وذكر البعوض بأوصافها. ويدل على أن البعوض غير البق ما ورد عنه صلى الله عليه وسلم: "لو كانت الدنيا تعدل عند الله بعوضة.." الحديث.
[378]:الخصر (بالتحريك): البرد.
[379]:في نسخة من الأصل: أعرض عن هذا، وإلا محوتك من النبوة.
[380]:راجع ج 14 ص 91.
[381]:راجع ص 150
[382]:أي بمعنى الخارج من طاعة الله، وهو بهذا المعنى حقيقة شرعية.
[383]:غورا، منصوب بفعل محذوف؛ أي: ويسلكن. (راجع كتاب سيبويه ج 1 ص 49 طبع بولاق).
 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{۞إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَسۡتَحۡيِۦٓ أَن يَضۡرِبَ مَثَلٗا مَّا بَعُوضَةٗ فَمَا فَوۡقَهَاۚ فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ فَيَعۡلَمُونَ أَنَّهُ ٱلۡحَقُّ مِن رَّبِّهِمۡۖ وَأَمَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَيَقُولُونَ مَاذَآ أَرَادَ ٱللَّهُ بِهَٰذَا مَثَلٗاۘ يُضِلُّ بِهِۦ كَثِيرٗا وَيَهۡدِي بِهِۦ كَثِيرٗاۚ وَمَا يُضِلُّ بِهِۦٓ إِلَّا ٱلۡفَٰسِقِينَ} (26)

ولما ثبت بعجزهم عن المعارضة أن هذا الكلام كلامه سبحانه ثبت أن ما فيه من الأمثال أقواله فهددهم في هذه السورة المدنية على العناد وتلاه بالآية التي أخبر فيها بأن ثمار الدنيا وأزواجها وإن شابهت ما في الجنة بالاسم وبعض الشكل فقد باينته بالطعوم والطهارة وما لا يعلمه حق علمه إلا الله تعالى فاضمحلت نسبتها إليها ، وكان في ختم الآية بخالدون إشارة إلى أن الأمثال التي هي أحسن كلام الناس وإن شابهت أمثاله سبحانه في الاسم ودوام الذكر فلا نسبة لها إليها لجهات لا تخفى{[1338]} على المنصف فلم يبق إلا طعنهم بأنها لكونها بالأشياء الحقيرة لا تليق بكبريائه فبين حسنها ووجوب الاعتداد بها وإنعام النظر فيها بالإشارة بعدم الاستحياء من ضربها لكونها حقاً إلى أن الأشياء كلها وإن عظمت حقيرة بالنسبة إلى جلاله وعظمته وكماله ، فلو ترك التمثيل بها لذلك لانسد ذلك الباب الذي هو من أعجب العجاب{[1339]} فقال تعالى على طريق الاستنتاج{[1340]} من المقدمات المسلَّمات{[1341]} وأكد سبحانه دفعاً لظن أنه يترك لما لبّسوا{[1342]} به الأمثال التي هي أكشف شيء للأشكال وأجلى في{[1343]} جميع الأحوال{[1344]} . وقال الحرالي : لما كانت الدعوة تحوج مع المتوقف{[1345]} فيها والآبي لها إلى تقريب للفهم بضرب الأمثال وكانت هذه الدعوة جامعة الدعوات وصل بها هذه الآية الجامعة لإقامة الحجة في ضرب الأمثال وأن ذلك من الحق سبحانه

{ والله لا يستحيي من الحق{[1346]} } [ الأحزاب : 53 ] {[1347]} وليختم{[1348]} ذكر ما تضمنه صدر السورة من الحروف{[1349]} التي أنزل عليها القرآن بسابعها الذي هو حرف المثل ، وبين تعالى أن مقدار الحكمة الشاهد للممثل{[1350]} في البعوضة وفيما هو أظهر للحس وآخذ{[1351]} في العلم . وإنما يجب الالتفات للقدر لا للمقدار ولوقع{[1352]} المثل{[1353]} على ممثله قل أو جل دنا أو علا فتنزه تعالى{[1354]} عما يجده الخلق عندما ينشأ من بواطنهم وهمهم أن يظهروا أمراً{[1355]} فيتوهمون فيه نقصاً فيرجعهم ذلك عن إظهاره قولاً أو فعلاً - انتهى . فقال{[1356]} تعالى : { إن الله } أي المحيط بكل شيء جلالاً وعظمة وكمالا { لا يستحيي } أي لا يفعل ما يفعله المستحي من ترك ما يستحي منه .

والحياء{[1357]} قال الحرالي انقباض النفس عن عادة انبساطها في ظاهر البدن لمواجهة ما تراه نقصاً حيث يتعذر عليها الفرار بالبدن { أن }{[1358]} كلمة مدلولها ممن أجريت عليه حقيقة باطن من ذاته وعلمه يتصل بها ما يظهرها ، وسيبويه رحمه الله يراها اسماً ، وعامة النحاة لانعجام معناها عليهم يرونها حرفاً { يضرب } من ضرب المثل وهو{[1359]} وقع المثل على الممثل ، لأن أصل{[1360]} الضرب وقع شيء على شيء ، والمعنى أن يوجد الضرب متجدداً{[1361]} مستمراً وهذا لا يساويه أن يقال من ضربه{[1362]} مثلاً ، فإنه يصدق لمثل واحد سابق أو لاحق ، وتحقيقه أن المصدر لا يقع{[1363]} إلا على كمال الحقيقة من غير نظر إلى زمان{[1364]} ولا غيره وأما بفعل{[1365]} فإنه يفهم إيقاع الحقيقة من غير نظر أيضاً إلى زمان ، وبفهمها مع{[1366]} النظر إلى الزمان مع التجدد{[1367]} والاستمرار ومع كمال الحقيقة وقبل كمالها عند الشروع فيها وإلى هذا القيد الأخير ينظر قول الحرالي : إن الحياء من أن يضرب المثل استحياء من وقعه في الباطن ، والحياء من ضربه المثل استحياء من إظهاره بالقول ، فنفى الأصل الأبلغ{[1368]} الذي بنفيه{[1369]} يكون نفي الضرب أحق ، فليراجع هذا المعنى مع تكرار كلمة " إن " فإنها كثيرة الدور{[1370]} / في القرآن جليلة قدر المعنى في مواقعها ، وإنما يجري على ترك الالتفات إلى موقع معناها ما يقوله النحاة في معنى التقريب إنّ أنّ والفعل في{[1371]} معنى المصدر ، والواجب في الإعراب والبيان الإفصاح عن ترتب معانيهما ، وعند هذا يجب أن تكون{[1372]} أن اسماً والفعل صلتها نحو{[1373]} من وما { مثلاً ما } مثل أمر ظاهر للحس ونحوه ، يعتبر به أمر خفي يطابقه فينفهم معناه باعتباره و " ما " {[1374]} في نحو هذا الموقع لمعنى الاستغراق ، فهي هنا لشمول الأدنى والأعلى من الأمثال - انتهى .

ثم بين ذلك بقوله : { بعوضة } .

وقال الحرالي : ولما كان ضرب المثل متعلقاً بمثل وممثل كان الضرب واقعاً عليهما ، فكان لذلك متعدياً إلى مفعولين : مثلاً ما وبعوضة ، والبعوض{[1375]} جنس معروف من أدنى الحيوان الطائر مقداراً وفيه استقلال وتمام خلقة{[1376]} ، يشعر به معنى البعض الذي منه لفظه ، لأن البعض يوجد{[1377]} فيه جميع أجزاء الكل فهو بذلك كل ، { فما فوقها } أي من{[1378]} معنى يكون أظهر منها ، والفاء تدل على ارتباط ما إما تعقيب واتصال أو تسبيب ، ففيه هنا إعلام بأقرب ما يليه على الاتصال والتدريج إلى أنهى ما يكون - انتهى . والمعنى أن ذلك إن اعتبر بالنسبة إليه سبحانه كان هو وأنتم وغيركم بمنزلة واحدة في الحقارة ، وإن اعتبر بالنسبة إليكم كان الفريقان بمنزلة واحدة في أنه خلق حقير ضعيف صغير من تراب ، وأما شرف بعضه على بعض فإنما كان بتشريف الله له ولو شاء لعكس الحال .

ثم ذكر شأن{[1379]} قسمي المؤمنين والكافرين بقسمي كل منهم في قبول أمثاله فقال{[1380]} مؤكداً بالتقسيم لأن حال كل من القسمين حال المنكر لما وقع للآخر{[1381]} : { فأما }{[1382]} ، قال الحرالي : كأنها مركبة من " إن " دالة على باطن ذات و " ما " دالة على ظاهر مبهم ، يؤتى به للتقسيم - انتهى . { الذين آمنوا } أي بما ذكرنا أول السورة ، {[1383]} ولما تضمن أما معنى الشرط كما فسره سيبويه بمهما يكن من شيء أجيب بالفاء في قوله : { فيعلمون{[1384]} أنه } أي ضرب المثل { الحق } كائناً{[1385]} { من ربهم } أي المحسن إليهم بجميع أنواع الإحسان ، وأنه ما أراد بهم إلا تربيتهم بالإحسان بضربه على عوائد فضله{[1386]} ، وأما أمثال غيره فإن لم يكن فيها نوع من الباطل فلا بد فيها من ضرب من التسمُّح تكون به غير جديرة باسم الحق ولا عريقة فيه .

قال الحرالي : لما كان الذين آمنوا ممن بادر فأجاب وكان ضرب المثل تأكيد دعوة وموعظة لمن حصل منه توقف حصل للذين آمنوا استبصار بنور الإيمان في ضرب المثل ، فصاروا عالمين بموقع الحق فيه ، وكما استبصر فيه الذين آمنوا استغلق معناه على الذين كفروا وجهلوه{[1387]} فاستفهموا عنه استفهام إنكار لموقعه - انتهى . فلذا{[1388]} قال { وأما الذين كفروا } أي المجاهرون منهم والمساترون{[1389]} { فيقولون } {[1390]} أي قولاً مستمراً{[1391]} { ماذا{[1392]} } {[1393]} أي الذي{[1394]} { أراد الله } الذي هو أجل جليل { بهذا } الحقير {[1395]} أي بضربه له{[1396]} { مثلاً } {[1397]} أي على جهة المثلية{[1398]} استهزاء وجهلاً{[1399]} وعناداً وجفاءً{[1400]} ؛ ثم وصل بذلك ذكر ثمرته عند الفريقين جواباً لسؤال من سأل منهم فقال : { يضل به كثيراً } أي منهم بأن لا يفهمهم المراد منه فيظنون بذلك الظنون . وقال الحرالي : وكان إضلالاً لهم ، لأن في ضرب المثل بما يسبق لهم استزراؤه بنحو الذباب والعنكبوت الذي استزروا ضرب المثل به تطريق لهم إلى الجهالة فكان{[1401]} ذلك إضلالاً ، وقدم الجواب بالإضلال لأنه مستحق المستفهم ، والإضلال التطريق للخروج عن الطريق الجادة{[1402]} المنجية{[1403]} - انتهى .

{ ويهدي به كثيراً } أي ببركة اعتقادهم الخير وتسليمهم له الأمر يهديهم ربهم بإيمانهم فيفهمهم المراد منه ويشرح صدورهم لما فيه من المعارف فيزيدهم به إيماناً وطمأنينة وإيقاناً{[1404]} ، والمهديون{[1405]} كثير في الواقع قليل بالنسبة إلى الضالين . ولما كان المقام للترهيب كما مضى في قوله : { فاتقوا النار } اكتفى في المهتدين بما سبق{[1406]} من بشارتهم وقال في ذم القسم الآخر وتحذيره : { وما يضل به إلا } ، قال الحرالي : كأنها مركبة من " إن " و " لا " مدلولها نفي حقيقة ذات عن حكم ما قبلها - انتهى . { الفاسقين } أي الخارجين{[1407]} عن العدل والخير . وقال الحرالي : الذين خرجوا عن إحاطة الاستبصار وجهات تلقي الفطرة والعهد الموثق وحسن الرعاية ، لأن الفسق خروج عن محيط كالكمام للثمرة والجحر{[1408]} للفأرة - انتهى .


[1338]:في ظ: لا يخفى.
[1339]:وفي م: العجايب.
[1340]:وفي م: الاستفتاح وما في الأصل هو الظاهر.
[1341]:العبارة من هنا إلى "الأحوال" ليست في ظ.
[1342]:في م ومد لسوا- كذا.
[1343]:في م: من.
[1344]:قال البيضاوي وأجاد في قوله: لما كانت الآيات السابقة متضمنة لأنواع من التمثيل عقب ذلك ببيان حسنه وما هو الحق له والشرط فيه وهو أن يكون على وفق الممثل له من الجهة التي تعلق به التمثيل في العظم والصغر والحسة والشرف دون الممثل فإن التمثيل إنما يصار إليه لكشف المعنى الممثل له ورفع الحجاب عنه وإبرازه في صورة المشاهد المحسوس ليساعد فيه الوهم العقل ويصالحه عليه، فإن المعنى الصرف إنما يدركه العقل مع منازعة الوهم، لأن من طبعه ميل الحس وحب المحاكاة، ولذلك شاعت الأمثال في الكتب الإلهية وفشت في عبارات البلغاء وإشارات الحكماء فيمثل الحقير بالحقير كما يمثل العظيم بالعظيم وإن كان الممثل أعظم من كل عظيم لا ما قالت الجهلة من الكفار لما مثل الله تعالى حال المنافقين بحال المستوقدين وأصحاب الصيب وعبادة الأصنام في الوهن والضعف ببيت العنكبوت، وأيضا لما أرشدهم إلى ما يدل على أن المتحدى به وحي منزل ورتب عليه وعيد ممن كفر به ووعد من آمن به بعد ظهور أمره شرع في جواب ما طعنوا به فيه فقال: "إن الله لا يستحيي" أي لا يترك ضرب المثل بالبعوضة ترك من يستحيي أن يمثل بها لحقارتها – انتهى كلامه.
[1345]:في ظ: التوقف.
[1346]:سورة 33 آية 53
[1347]:زيد في الأصل: "وليتضمن" ولم تكن الزيادة في م ومد وظ فحذفناها.
[1348]:من ظ وفي الأصل: ليتختم، وفي م ومد: ليتختم.
[1349]:زيد في م: الذي.
[1350]:في ظ: للمثل.
[1351]:في م ومد وظ: أحد وزيد في مد: مما – كذا.
[1352]:في م: لواقع.
[1353]:وفي ظ: للمثل.
[1354]:العبارة من هنا إلى "انتهى" ليست في ظ.
[1355]:في م أمر.
[1356]:قال علي المهائمي في تفسيره: ولما كان ذكر الدال على مزيد يد عنايته بنوع الإنسان بإصلاح معاشه ومعاده بإرسال الرسل وذكر النحل والنمل لبيان عظيم عنايته بأحقر الأشياء حق ألهم الأول طريق تحصيل العسل والثاني شأن سليمان عليه السلام، وذكر الذباب والعنكبوت لتحقير الأصنام مريبا لهم حتى كأنهم قالوا لو دل إعجازه على أنه كلام الله دل ذكرها على أنه ليس بكلامه، إذ لا يليق لعظمته رد الله عليهم بقوله "إن الله لا يستحيي" – انتهى كلامه.
[1357]:قال أبو حيان حيان الأندلسي: الحياء تغير وانكسار يعتري الإنسان من خوف ما يعاب به ويذم، ومحله الوجه، ومنبعه من القلب، واشتقاقه من الحياة وضده القحة، والحياء والاستحياء والانخزال والانقماع والانقلاع متقاربة المعنى فتنوب كل واحدة منها مناب الأخرى. وقال النسفي: ولا يجوز على القديم التغير وخوف الذم ولكن الترك لما كان من لوازمه عبر عنه، ويجوز أن تقع هذه العبارة في كلام الكفرة فقالوا: أما يستحيي رب محمد أن يضرب مثلا بالذباب والعنكبوت فجاءت على سبيل المقابلة وإطباق الجواب على السؤال وهو فمن من كلامهم بديع – انتهى.
[1358]:قال البيضاوي: و"أن" بصلتها مخفوض المحل عند الخليل بإضمار من منصوب بإفضاء الفعل إليه بعد حذفها عند سيبويه.
[1359]:وضرب المثل اعتماله من ضرب الخاتم، وأصله وقع الشيء على آخر.
[1360]:في مد: أمثل
[1361]:وفي م: متجرد.
[1362]:في م: ضرب.
[1363]:وفي م: لا يؤثر.
[1364]:وفي م: إلى برهان إلى برهان – كذا.
[1365]:في ظ: يفعل.
[1366]:وفي م: منه.
[1367]:في م: التجدر.
[1368]:في م: كلا أبلغ – كذا.
[1369]:في م: ينفيه.
[1370]:وفي م: القدر.
[1371]:في م: "هي".
[1372]:في مد: يكون.
[1373]:في مد: مثل.
[1374]:قال البيضاوي : "ما" إبهامية تزيد للنكرة إبهاما وشياعا وتسد عنها طرق التقييد واستفهامية هي المبتدأ كأنه لما ورد استبعادهم ضرب الله الأمثال قال بعده: ما البعوضة فما فوقها حتى لا يضرب به المثل.
[1375]:وفي م: البعوضة.
[1376]:وفي ظ: خلقته.
[1377]:في مد وظ: توجد.
[1378]:في البيضاوي: ومعناه ما زاد عليها في الجثة كالذباب والعنكبوت كأنه قصد به رد ما استنكره والمعنى أنه لا يستحيي ضرب المثل بالبعوض فضلا عما هو أكبر منه أو في المعنى الذي جعلت فيه مثلا وهو الصغر والحقارة كجناحها فغنه عليه السلام ضربه مثلا للدنيا أو ما زاد عليها في القلة كنخبة النمل لقوله عليه السلام: ما اصاب المؤمن من مكروه فهو كفارة لخطاياه حتى نخبة النملة – انتهى.
[1379]:ليس في ظ.
[1380]:العبارة من هنا إلى "للآخر" ليست في ظ ومد.
[1381]:في مد: الآخر – كذا.
[1382]:في تفسير النسفي: و "أما" حرف فيه معنى الشرط ولذا يجاب بالفاء وفائدته في الكلام أن يعطيه فضل توكيد ولذا قال سيبويه في تفسيره: مهما يكن من شيء فزيد ذاهب وهذا التفسير يفيد كونه تأكيدا وأنه في معنى الشرط، وفي إيراد الجملتين مصدرتين به إحماد عظيم لأمر المؤمنين واعتداد بليغ بعلمهم أنه الحق ونعى على الكافرين إغفالهم حظهم ورميهم بالكلمة الحمقاء.
[1383]:العبارة من هنا إلى "قوله" ليست في ظ ومد.
[1384]:زيد في م ومد: علما نافعا.
[1385]:ليس في ظ
[1386]:زيد في م ومد : فيقولون إذعانا وتسليما "آمنا به كل من عند ربنا".
[1387]:في م: جهلوا وفي مد: جهلوا عنه.
[1388]:في م: فكذا.
[1389]:زيد في م ومد: فيجهلون ذلك.
[1390]:ليست في ظ، وزيد بعدها في مد: اعتراضا واستهزاء.
[1391]:ليست في ظ، وزيد بعدها في مد: اعتراضا واستهزاء.
[1392]:قال علي المهائمي "فأما الذين آمنوا فيعلمون أنه الحق" أي الثابت الذي لا يمكن تبديله إذ لا يمكن بيان خسة الشيء بتمثيله بأعظم الأشياء "من ربهم" أي الذي رباهم بما بين لهم من مراتب الأشياء ليضعوا كل شيء موضعه ، "وأما الذين كفروا فيقولون" مع علمهم بحقيته "ما ذا أراد الله" مع غاية عظمته "بهذا" أي يجعل هذا الحقير مثلا مع أنه لا يناسب عظمته – انتهى كلامه.
[1393]:ليس في ظ.
[1394]:ليس في ظ.
[1395]:ليست في ظ.
[1396]:ليست في ظ.
[1397]:ليست في ظ.
[1398]:ليست في ظ.
[1399]:قال أبو البركات النسفي: وسياق الآية لبيان أن ما استنكره الجهلة من الكفار واستغربوه من أن تكون المحقرات من الأشياء مضروبا بها المثل ليس بموضع الاستنكار والاستغراب لأن التمثيل إنما يصار إليه لما فيه من كشف المعنى وإدناء المتوهم من المشاهد، ولبيان أن المؤمنين الذين عادتهم الإنصاف والنظر في الأمور بناظر العقل إذا سمعوا بهذا التمثيل علموا أنه لحق وأن الكفار الذين غلب الجهل على عقولهم كابروا وعاندوا وقضوا عليه بالبطلان وقابلوه بالإنكار، وأن ذلك سبب هدى للمؤمنين وضلال الفاسقين.
[1400]:زيد في مد: فالآية من الاحتباك، ذكر أولا العلم دليلا على حذف ضده ثانيا، وثانيا الاعتراض دليلا على حذف ضده أولا.
[1401]:في ظ: وكان.
[1402]:في ظ: الجارة – كذا.
[1403]:في م: المنحية.
[1404]:العبارة من هنا إلى "الضالين" ليست في ظ.
[1405]:وفي تفسير النسفي: وأهل الهدى كثير في أنفسهم وإنما يوصفون بالقلة بالقياس إلى أهل الضلال، ولأن القليل من المهتدين كثير في الحقيقة وإن قلوا في الصورة: إن الكرام كثير في البلاد وإن قلوا كما غيرهم وإن كثروا
[1406]:وفي م: سيق.
[1407]:وقال البيضاوي : أي خارجين عن حد الإيمان كقوله تعالى "إن المنافقين هم الفاسقون" من قولهم: فسقت الرطبة عن قشرها – إذا خرجت وأصل الفسق الخروج عن القصد.
[1408]:في ظ: الجحرة.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{۞إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَسۡتَحۡيِۦٓ أَن يَضۡرِبَ مَثَلٗا مَّا بَعُوضَةٗ فَمَا فَوۡقَهَاۚ فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ فَيَعۡلَمُونَ أَنَّهُ ٱلۡحَقُّ مِن رَّبِّهِمۡۖ وَأَمَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَيَقُولُونَ مَاذَآ أَرَادَ ٱللَّهُ بِهَٰذَا مَثَلٗاۘ يُضِلُّ بِهِۦ كَثِيرٗا وَيَهۡدِي بِهِۦ كَثِيرٗاۚ وَمَا يُضِلُّ بِهِۦٓ إِلَّا ٱلۡفَٰسِقِينَ} (26)

قوله تعالى : ( إن الله لا يستحي أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها فأما الذين آمنوا فيعلمون أنه الحق من ربهم وأما الذين كفروا فيقولون ماذا أراد الله بهذا مثلا يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا وما يضل به إلا الفاسقين الذين عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون في الأرض أولئك هم الخاسرون ( .

لما ضرب الله للمنافقين المثلين السابقين وهما : ( مثلهم كمثل الذي استوقد نارا ( ثم ( أو كصيب من السماء فيه ظلمات ورعد وبرق ( قال المنافقون : الله أعلى وأجل من أن يضرب هذه الأمثال ، فأنزل الله هذه الآية ، ( إن الله لا يستحي ( فقد بادروا بالتافه من القول على سبيل الهزء والاستخفاف بكلام الله سبحانه وهذان هزء واستخفاف تتقيأهما حناجر الذين لا يدركون مقاصد الكلم الفذ ، وهي مقاصد لا جرم أن تستنهض في الذهن جدية التبصر والتفكير ، لكن هؤلاء الجهلة المستخفين لا يعون من الأمور والأشياء إلا ما يتراءى لهم على السطوح دون ما تدبر متمكن سابر ، وهم كذلك قد خفي عن إدراكاتهم وتصوراتهم المتبلدة أن هذه الأمثال وغيرها لا ترد في القرآن عبثا ولا هي من قبل الكلمات التي تحفل بها السطور . هي أمثال تعرض للمعاني على شاكلة مرغوبة مثيرة تعين على الكشف عن مقاصد القرآن ومكتوباته التي تنقضي .

وقوله : ( إن الله لا يستحي ( لفظ الجلالة : اسم إن منصوب ، والجملة الفعلية المنفية بعده في محل رفع خبر إن ، ويستحي من الاستحياء وهو بالنسبة لبني البشر معلوم ، لكنه بالنسبة لله ينبغي تأويله بما يتلاءم وجلاله سبحانه ، ولعل خير ما يرد من تأويل لمعنى الاستحياء هنا بأنه الامتناع أو الاستكفاف ، وقيل : معناه الخشية ، ويترجح القول الأول ، وبذلك يكون معنى الآية على هذا الأساس : إن الله لا يستنكف أن يضرب مثلا من البعوضة ونحوها أو دون ذلك .

وقيل في إعراب ( مثلا ( مفعول به منصوب ، و ( ما ( زائدة ، و ( بعوضة ( بدل من ( مثلا ( وقيل غير ذلك من وجوه الإعراب مع أن الأول هو الراجح والله أعلم .

وقوله : ( فما فوقها ( الفاء بمعنى الى وتحتمل الفوقية هنا معنيين : أحدهما الدون ، أي الأصغر والأشد حقارة .

وثانيهما : الكبر ، أي يضرب مثلا بالبعوضة وبما أكبر منها .

وقوله : ( فأما الذين آمنوا فيعلمون أنه الحق من ربهم ( ذلك إطراء للمؤمنين وثناء عليهم لسرعة تصديقهم بما يتنزل من السماء بوساطة الوحي ، يستوي في ذلك الأمثال والآيات والأخبار ، فهم بذلك يعلمون في يقين أن المثل المضروب في الآية لهو مثل حق جدير بإعمال الفكر وتركيز النظر من أجل الخلوص إلى معطيات شتى منها الربط والتقريب ، ومنها الكشف والتيسير بما يمكن الإنسان الحريص من الوعي والاستفادة .

ولدى الكتابة في هذه المسألة نشهد في تثبت مستيقن أن هذا المثل حق من الله وأنه ليس من العبث أو اللغو في شيء تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا . بل إن الله يضرب الأمثال الكثيرة لكي يتدبر الناس ويتبصروا وليكون لهم من ذلك ما يحمل أذهانهم على الوعي والإدراك وما يحمل قلوبهم وطبائعهم على الإيمان والاستيقان .

والحق خلاف الباطل وهو مصدر للفعل الماضي حق بمعنى وجب وثبت ، فالحق هو الوجوب والتثبت واليقين ، وتلك أمور لا يخالطها شك أو باطل .

قوله : ( وأما الذين كفروا فيقولون ماذا أراد الله بهذا مثلا ( .

الذين ، اسم موصول في محل رفع مبتدأ والجملة الفعلية ( فيقولون ( وما بعدها خبر ، والجملة من مقول القول في محل نصب مفعول به للفعل فيقولون .

ويتساءل الكافرون في جحود ونكر عن الذي يريده الله من ضربه لهذا المثل ، وهو تساؤل سقيم وظالم يضيف إلى سجل الكفرة والمشركين مزيدا من الجهالات والضلالات التي تكشف عن عقول قد سميت العطب فلم تعد تقتدر على الاستفادة والاستبصار .

وقوله : ( ماذا ( جاء في إعرابها أكثر من قول : فقد ذهب بعضهم إلى أنها تشكل جملة اسمية من مبتدأ وخبر أي أن ما اسم استفهام في محل رفع مبتدأ ، وذا معناه الذي في محل رفع خبر مبتدأ ، وقيل : إن ( ماذا ( بمنزلة اسم واحد يفيد الاستفهام وهو في محل نصب مفعول به للفعل أراد ، وقوله ( مثلا ( منصوب على التمييز . {[32]}

قوله : ( يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا ( الضلال معناه في اللغة الضياع ، والإضلال التضييع ، والإنسان الضال هو الشخص الضائع الذي يسير على غير بصيرة أو هدى ، أما الهدى فهو يعني البيان أي الوضوح المتكشف المستبين .

وسبيل الهدى هي التي تتصف بالاعتدال والاستقامة كي يتيسر فيها المسير بغير تعثر . وأما المقصود الذي يعود إليه الضمير في قوله : ( به ( فهو المثل المضروب الذي سخر منه المنافقون وأهل الكتاب يحفزهم إلى ذلك الغباء المطبق والحماقة الكبيرة .

ولا يسخر من ذلك المثل الرباني المضروب إلا من كان في علم الله الأزلي ضالا ، وكثيرون هم الذين يميلون عن صراط الله والذين تجنح قلوبهم وعقولهم نحو الخطأ من التصور فيحتسبون في علم الله مجرمين ضالين ، وفي المقابل هؤلاء الجانحين إلى الهاوية يقف فريق المؤمنين الصادقين الذين استروحت أنفسهم مذاق العقيدة والإيمان والذين أخبتت قلوبهم ومشاعرهم لأمر الله إخباتا .

قوله : ( وما يضل به إلا الفاسقين ( من الفسق وهو الخروج ، سميت الفأرة فويسقة ، وذلك لخروجها كي تعبث وتؤذي ، والفاسقين منصوب على المفعولية للفعل يضل وفي الآية تبين لهذا الفريق الضال من الناس لما جحدوا الأمثال المضروبة الكريمة التي عرض لها القرآن من بين آياته ، وهي أمثال ربانية تتوارد في سياق القرآن لمعاني وأغراض توضيحية تتعامى عنها أبصار الذين أضلهم الله على علم ، وأولئك هم الفاسقون الذين خرجوا من ظل الرحمن ليلجوا طائعين حومة الشيطان .


[32]:البيان للأنباري جـ 1 ص 67.