التاسعة والعشرون : " صراط الذين أنعمت عليهم " صراط بدل من الأول بدل الشيء من الشيء ، كقولك : جاءني زيد أبوك . ومعناه{[103]} : أدم هدايتنا ، فإن الإنسان قد يهدى إلى الطريق ثم يقطع به . وقيل : هو صراط آخر ، ومعناه العلم بالله جل وعز والفهم عنه ، قاله جعفر بن محمد . ولغة القرآن " الذين " في الرفع والنصب والجر وهذيل تقول : اللذون في الرفع ، ومن العرب من يقول : اللذو{[104]} ، ومنهم من يقول الذي ، وسيأتي .
وفي " عليهم " عشر لغات ، قرئ بعامتها : " عليهُم " بضم الهاء وإسكان الميم . " وعليهِم " بكسر الهاء وإسكان الميم . و " عليهمي " بكسر الهاء والميم وإلحاق ياء بعد الكسرة . و " عليهمو " بكسر الهاء وضم الميم وزيادة واو بعد الضمة . و " عليهمو " بضم الهاء والميم كلتيهما وإدخال واو بعد الميم . و " عليهم " بضم الهاء والميم من غير زيادة واو . وهذه الأوجه الستة مأثورة عن الأئمة من القراء . وأوجه أربعة منقولة عن العرب غير محكية عن القراء : " عليهمي " بضم الهاء وكسر الميم وإدخال ياء بعد الميم ، حكاها الحسن{[105]} البصري عن العرب . و " عليهُمِ " بضم الهاء وكسر الميم من غير زيادة ياء . و " عليهِمُ " بكسر الهاء وضم الميم من غير إلحاق واو . و " عليهِمِ " بكسر الهاء والميم ولا ياء بعد الميم . وكلها صواب ، قاله ابن الأنباري .
الموفية الثلاثين : قرأ عمر بن الخطاب وابن الزبير رضي الله عنهما " صراط من أنعمت عليهم " . واختلف الناس في المنعم عليهم ، فقال الجمهور من المفسرين : إنه أراد صراط النبيين والصديقين والشهداء والصالحين . وانتزعوا ذلك من قوله تعالى : " ومن يطع الله والرسول فأولئك الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا{[106]} " [ النساء : 69 ] . فالآية تقتضي أن هؤلاء على صراط مستقيم ، وهو المطلوب في آية الحمد وجميع ما قيل إلى هذا يرجع ، فلا معنى لتعديد الأقوال والله المستعان .
الحادية والثلاثون : في هذه الآية رد على القدرية والمعتزلة والإمامية ؛ لأنهم يعتقدون أن إرادة الإنسان كافية في صدور أفعال منه طاعة كانت أو معصية ؛ لأن الإنسان عندهم خالق لأفعاله فهو غير محتاج في صدورها عنه إلى ربه ، وقد أكذبهم الله تعالى في هذه الآية إذ سألوه الهداية إلى الصراط المستقيم ، فلو كان الأمر إليهم والاختيار بيدهم دون ربهم لما سألوه الهداية ، ولا كرروا السؤال في كل صلاة وكذلك تضرعهم إليه في دفع المكروه وهو ما يناقض الهداية حيث قالوا : " صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين " [ الفاتحة : الآية ] . فكما سألوه أن يهديهم سألوه ألا يضلهم ، وكذلك يدعون فيقولون : " ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إن هديتنا{[107]} " [ آل عمران : 8 ] الآية .
الثانية والثلاثون : " غير المغضوب عليهم ولا الضالين " اختلف في " المغضوب عليهم " و " الضالين " من هم ؟ فالجمهور أن المغضوب عليهم اليهود والضالين النصارى ، وجاء ذلك مفسرا عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث عدي بن حاتم وقصة إسلامه ، أخرجه أبو داود الطيالسي في مسنده والترمذي في جامعه . وشهد لهذا التفسير أيضا قوله سبحانه في اليهود : " وباؤوا بغضب من الله " [ البقرة : 61 وآل عمران : 112 ] . وقال : " وغضب{[108]} الله عليهم " [ الفتح : 6 ] وقال في النصارى : " قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا وضلوا عن سواء السبيل{[109]} " [ المائدة : 77 ] . وقيل : " المغضوب عليهم " المشركون . و " الضالين " المنافقون . وقيل : " المغضوب عليهم " هو من أسقط فرض هذه السورة في الصلاة و " الضالين " عن بركة قراءتها . حكاه السلمي في حقائقه والماوردي في تفسيره وليس بشيء . قال الماوردي : وهذا وجه مردود ؛ لأن ما تعارضت فيه الأخبار وتقابلت فيه الآثار وانتشر فيه الخلاف لم يجز أن يطلق عليه هذا الحكم . وقيل : " المغضوب عليهم " باتباع البدع و " الضالين " عن سنن الهدى .
قلت : وهذا حسن ، وتفسير النبي صلى الله عليه وسلم أولى وأعلى وأحسن . و " عليهم " في موضع رفع ؛ لأن المعنى غضب عليهم . والغضب في اللغة الشدة . ورجل غضوب أي شديد الخلق . والغضوب : الحية الخبيثة لشدتها . والغضبة : الدرقة من جلد البعير ، يطوى بعضها على بعض ، سميت بذلك لشدتها . ومعنى الغضب في صفة الله تعالى إرادة العقوبة ، فهو صفة ذات وإرادة الله تعالى من صفات ذاته أو نفس العقوبة ومنه الحديث : ( إن الصدقة لتطفئ غضب الرب ) فهو صفة فعل .
الثالثة والثلاثون : " ولا الضالين " الضلال في كلام العرب هو الذهاب عن سنن القصد وطريق الحق ، ومنه : ضل اللبن في الماء أي غاب . ومنه : " أئذا ضللنا في الأرض " [ السجدة : 10 ] أي غبنا بالموت وصرنا ترابا ، قال :
ألم تسأل فتخبرَك الديار *** عن الحي المُضَلَّلِ أين ساروا
والضُّلَضِلَة : حجر أملس يردده الماء في الوادي . وكذلك الغضبة : صخرة في الجبل مخالفة لونه قال :
أو غَضْبَةٍ في هَضْبَةٍ ما أمنعا
الرابعة والثلاثون : قرأ عمر بن الخطاب وأبي بن كعب " غير المغضوب عليهم ولا الضالين " وروي عنهما في الراء النصب والخفض في الحرفين ، فالخفض على البدل من " الذين " أو من الهاء والميم في " عليهم " أو صفة للذين والذين معرفة ولا توصف المعارف بالنكرات ولا النكرات بالمعارف ، إلا أن الذين ليس بمقصود قصدهم فهو عام فالكلام بمنزلة قولك : إني لأمر بمثلك فأكرمه أو لأن " غير " تعرفت لكونها بين شيئين لا وسط بينهما كما تقول : الحي غير الميت والساكن غير المتحرك والقائم غير القاعد ، قولان : الأول للفارسي والثاني للزمخشري . والنصب في الراء على وجهين : على الحال من الذين أو من الهاء والميم في عليهم كأنك قلت : أنعمت عليهم لا مغضوبا عليهم . أو على الاستثناء كأنك قلت : إلا المغضوب عليهم . ويجوز النصب بأعني ، وحكي عن الخليل .
الخامسة والثلاثون : " لا " في قوله " ولا الضالين " اختلف فيها فقيل هي زائدة ، قاله الطبري . ومنه قوله تعالى : " ما منعك ألا تسجد " [ الأعراف : 12 ] . وقيل : هي تأكيد دخلت لئلا يتوهم أن الضالين معطوف على الذين ، حكاه مكي والمهدوي . وقال الكوفيون : " لا " بمعنى غير ، وهي قراءة عمر وأُبَي ، وقد تقدم .
السادسة والثلاثون : الأصل في " الضالين " : الضاللين حذفت حركة اللام الأولى ثم أدغمت اللام في اللام فاجتمع ساكنان مدة الألف واللام المدغمة . وقرأ أيوب السختياني : " ولا الضالين " بهمزة غير ممدودة كأنه فر من التقاء الساكنين ، وهي لغة . حكى أبو زيد قال : سمعت عمرو بن عبيد - يقرأ : " فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جأَنّ " [ الرحمن : 39 ] فظننته قد لحن حتى سمعت من العرب : دأبة وشأبة . قال أبوالفتح :وعلى هذه اللغة قول كُثَير :
ثم أكد سبحانه وتعالى الإخبار بأن ذلك لن يكون إلا بإنعامه منبهاً بهذا التأكيد الذي أفاده الإبدال على عظمة هذا الطريق فقال : { صراط الذين أنعمت عليهم } فأشار إلى أن-{[262]} ) الاعتصام به في اتباع رسله ، ولما كان سبحانه عام{[263]} النعمة لكل موجود عدواً كان أو ولياً ، وكان حذف المنعم به لإرادة التعميم{[264]} من باب تقليل اللفظ لتكثير المعنى فكان من المعلوم أن محط السؤال بعض أهل النعمة وهم أهل الخصوصية . يعني{[265]} لو قيل : اتبع طريق أهل مصر مثلاً لا أهل دمشق ، علم أن المنفي غير داخل في الأول لأن شرطه أن يتبعاه{[266]} متعاطفاه كما صرحوا به ، بخلاف ما لو قيل : اتبع طريق أهل مصر غير الظلمة ، فإنه يعلم أن الظلمة منهم ، فأريد هنا التعريف بأن النعمة عامة ولو لم تكن إلا بالإيجاد ، ومن المعلوم أن السلوك لا بد وأن يصادف طريق بعضهم وهم منعم عليهم فلا يفيد السؤال حينئذ ، فعرف أن المسؤول إنما هو طريق أهل النعمة بصفة{[267]} الرحيمية تشوقت النفوس إلى معرفتهم فميزهم ببيان أضدادهم{[268]} تحذيراً منهم{[269]} ، فعرف أنهم قسمان : قسم أريد للشقاوة فعاند في إخلاله{[270]} بالعمل فاستوجب الغضب ، وقسم لم{[271]} يرد للسعادة فضل من جهة إخلاله بالعلم فصار إلى العطب فقال مخوفاً بعد الترجية{[272]} ليكمل الإيمان بالرجاء والخوف معرفاً{[273]} بأن النعمة عامة والمراد منها ما يخص أهل الكرامة :
{ غير المغضوب عليهم } أي الذين تعاملهم معاملة الغضبان لمن وقع عليه غضبه ، وتعرفت " غير " لتكون صفة للذين بإضافتها إلى الضد فكان مثل : الحركة غير السكون ، ولما كان المقصود من " غير " النفي{[274]} لأن السياق له وإنما عبر بها دون أداة استثناء دلالة على بناء الكلام بادئ{[275]} بدء على إخراج المتلبس بالصفة{[276]} وصوناً للكلام{[277]} عن إفهام أن ما يعد{[278]} أقل ودون لا{[279]} { ولا الضالين } فعلم مقدار النعمة على القسم الأول وأنه لا نجاة إلا باتباعهم وأن من حاد عن سبيلهم عامداً أو مخطئاً شقي ليشمّر{[280]} أولو الجد عن{[281]} ساق العزم وساعد الجهد في اقتفاء{[282]} آثارهم{[283]} للفوز بحسن جوارهم في سيرهم وقرارهم .
قال الحرالي : { المغضوب عليهم } الذين ظهر{[284]} منهم المراغمة وتعمد المخالفة فيوجب{[285]} ذلك الغضب من الأعلى والبغض من الأدنى . { الضالين } الذين{[286]} وجهوا وجهة هدى فزاغوا عنها من غير تعمد لذلك . " أمين " كلمة عزم{[287]} من الأمن ، مدلولها أن المدعو مأمون منه أن يرد من دعاه لأنه لا يعجزه شيء ولا يمنعه وهي{[288]} لا تصلح إلا لله لأن ما دونه لا ينفك عن عجز أو منع { انتهى- {[289]} } وهو صوت سمي به الفعل الذي هو استجب{[290]} وقد انعطف المنتهى{[291]} على المبتدأ بمراقبة القسم الأول اسم الله فحازوا{[292]} ثمرة الرحمة وخالف هذان{[293]} القسمان فكانوا من حزب الشيطان فأخذتهم النقمة ، وعلم أن نظم القرآن على ما هو عليه معجز ، ومن ثم اشترط في{[294]} الفاتحة في الصلاة لكونها واجبة في الترتيب ، فلو قدم فيها أو{[295]} أخر لم تصح الصلاة وكذا لو أدرج فيها ما ليس منها للإخلال بالنظم . -{[296]}
قال الأصبهاني : فإن القرآن معجز والركن الأبين{[297]} الإعجاز يتعلق بالنظم والترتيب . انتهى .
والحاصل أنه لما رفعت{[262]} تلك الصفات العلية لمخاطبها الحجب وكشفت{[263]} له بسمو مجدها وعلو جدها وشرف حمدها-{[264]} جلائل الستر{[265]} وأشرقت{[266]} به{[267]} رياض الكرم ونشرت له لطائف{[268]} عواطفها بسط البر والنعم{[269]} ثم اخترقت به مهامه العظمة والكبرياء وطوت في تيسيرها له مفاوز الجبروت والعز{[270]} وأومضت له بوارق النقم من ذلك الجناب الأشم{[271]} وصل إلى مقام الفناء عن{[272]} الفاني وتمكن في{[273]} رتبة شهود البقاء للباقي فبادر الخضوع له معرضا عن السوى حاكماً على الأغيار بما لها من ذواتها من-{[274]} العدم والتوى{[275]} فقال : { إياك نعبد } وفي تلك الحال تحقق العجز عن توفية{[276]} ذلك المقام ما له من الحق فقال : { وإياك نستعين } . فكشف له الشهود في حضرات المعبود عن طرق عديدة ومنازل سامية بعيدة ورأى أحوالاً جمة وأودية مدلهمة وبحاراً مغرقة{[277]} وأنواراً{[278]} هادية وأخرى محرقة ، ورأى لكل أهلاً{[279]} قد أسلكوا{[280]} فجاء تارة حزناً وأخرى{[281]} سهلاً ، وعلم أن لا نجاة إلا بهدايته ولا عصمة بغير عنايته ولا سعادة إلا برحمته ولا سلامة لغير أهل نعمته{[282]} ؛ فلما أشرق واستنار وعرف مواقع الأسرار بالأقدار كأنه قيل له : ماذا تطلب وفي-{[283]} أي مذهب تذهب ؟ فقال : { اهدنا الصراط المستقيم } .
ولما طلب أشرف طريق سأل أحسن رفيق فقال : { صراط الذين أنعمت عليهم } ولما كانت النعمة قد تخص الدنيوية عينها واستعاذ{[284]} من أولئك الذين شاهدهم في التيه سائرين وعن القصد عائرين حائرين أو جائرين فقال : { غير المغضوب عليهم ولا الضالين } .
وقد أشير في أم الكتاب . كما قال العلامة سعد الدين مسعود ابن عمرو التفتازاني الشافعي . إلى جميع النعم فإنها ترجع إلى إيجاد وإبقاء أولاً و{[285]} { إلى - {[286]} } إيجاد وإبقاء ثانياً في دار الفناء والبقاء ، أما الإيجاد الأول فبقوله { الحمد لله رب العالمين } فإن الإخراج من العدم إلى الوجود أعظم تربية ، وأما الإبقاء الأول فبقوله : { الرحمن الرحيم } أي المنعم بجلائل النعم ودقائقها التى بها البقاء ، وأما الإيجاد الثاني فبقوله : { مالك يوم الدين } وهو ظاهر ، وأما الإبقاء الثاني فبقوله : { إياك نعبد } إلى آخرها ، فإن منافع ذلك تعود إلى الآخرة .
ثم جاء التصدير بالحمد بعد الفاتحة في أربع سور أشير في كل-{[287]} سورة منها إلى نعمة من هذه النعم على ترتيبها . انتهى ، وسيأتي في أول كل سورة من الأربع ما يتعلق بها من بقية كلامه إن شاء الله تعالى ، وهذا يرجع إلى أصل مدلول الحمد فإن مادته بكل ترتيب تدور على بلوغ الغاية ويلزم منه الاتساع والإحاطة والاستدارة فيلزمها مطأطأة الرأس وقد يلزم الغاية الرضا فيلزمه الشكر وسيبين وينزل على الجزئيات في سورة النحل إن شاء الله تعالى ، ثم في أول سبأ تحقيق ما قاله الناس-{[288]} فيه وفي النسبة بينه وبين الشكر فقد بان سر الافتتاح بها من حيث تصديرها بالحمد{[289]} جزئياً فكلياً الذي كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه{[290]} فهو أجذم{[291]} ؛ وتعقبه{[292]} بمدح المحمود بما ذكر من أسمائه الحسنى مع اشتمالها على جملة{[293]} معاني القرآن من الحكم النظرية والأحكام العملية فهي أم القرآن لأنها له-{[294]} عنوان وهو كله لما تضمنته على قصرها بسط وتبيان .
قال الأستاذ أبو الحسن الحرالي في مفتاح الباب المقفل لفهم القرآن المنزل في آخر الباب التاسع منه : ولننه هذه الأبواب بذكر القرآن ومحتواه على الكتب وجمعه وقراءته وبيانه وتنزيله وإنزاله وحكيمه{[295]} ومبينه ومجيده وكريمه وعظيمه ومرجعه إلى السبع المثاني والقرآن العظيم أم القرآن ومحتواها عليه{[296]} ، فنذكر جميع ذلك في الباب العاشر ، الباب العاشر في محل أم القرآن من القرآن ووجه محتوى القرآن على جميع الكتب والصحف المتضمنة لجميع الأديان .
اعلم أن الله سبحانه جمع نبأه العظيم كله عن شأنه العظيم في السبع المثاني أم القرآن وأم الكتاب وكنزها تحت عرشه ليظهره{[297]}ا في الختم عند تمام أمر الخلق وظهور بادئ الحمد بمحمد صلى الله عليه وسلم ، لأنه تعالى يختم بما به بدأ ولم يظهرها قبل ذلك ، لأن ظهورها يذهب وهل الخلق ويمحو كفرهم ولا يتم-{[37]} بناء القرآن إلا مع قائم بمشهود بيان الفعل ليتم الأمر مسمعاً ومرأى{[38]} وذلك لمن{[39]} يكون من خلقه كل خلق ليبين به ما من أمره كل أمر ، ثم فيما بين بدء الأمر المكنون وخاتم الخلق الكامل تدرج تنَشّؤ{[40]} الخلق وبدو الأمر على حسب ذلك الأمر صحفاً فصحفاً وكتاباً فكتاباً ، فالصحف لما يتبدل سريعاً ، والكتاب لما يثبت ويدوم أمداً ، والألواح لما يقيم وقتاً .
ففي التوراة أحكام الله على عباده في الدنيا بالحدود والمصائب والضراء والبأساء ، وفي القرآن منها ما شاء الله وما يظهره الفقه من الحدود ، ومعارف{[41]} الصوفية من مؤاخذة المصائب ؛ وفي الإنجيل أصول تلك الأحكام والإعلام بأن المقصود بها ليست هي بل ما وراءها من أمر الملكوت ، وفي القرآن منها ما شاء الله مما يظهره{[42]} العلم والحكمة الملكوتية ، وفي الزبور تطريب الخلق وجداً وهم عن أنفسهم إلى ربهم ، وفي الفرآن منه ما شاء الله مما تظهره الموعظة الحسنة ، ثم أنهى الأمر والخلق{[43]} من جميع وجوهه ، فصار قرآناً جامعاً للكل{[44]} متمماً للنعمة مكملاً للدين
( اليوم أكملت لكم دينكم }[ المائدة : 3 ] الآية ، بعثت لأتمم مكارم الأخلاق . وإن إلى ربك المنتهى .
ووجه فوت{[45]} أم القرآن للقرآن-{[46]} أن القرآن مقصود تنزيله التفصيل والجوامع ، فيه نجوم مبثوثة غير منتظمة ، واحدة إثر واحدة ، والجوامع في أم القرآن منتطمة واحدة بعد واحدة إلى تمام السبع على وفاء لا مزيد فيه ولا نقص عنه ؛ أظهر تعالى{[47]} بما له{[48]} سورة صورة تجليه{[49]} من بدء الملك إلى ختم الحمد ، وبما لعبده{[50]} سور مصورة{[51]} تأديه من براءته من الضلال إلى هدى الصراط المستقيم ،
{ ووجدك ضالاً فهدى }[ الضحى :7 ] وبما بينه وبينه قيام ذات الأمر والخلق فكان ذلك هو القرآن العظيم الجامع لما حواه القرآن المطلق الذكر بما فيه من ذلك تفصيلاً من مبينه{[52]} وهو ما عوينت آية مسموعة ، ومن مجيده وهو ما جربت أحكامه من بين عاجل{[53]} ما شهد وآجل ما علم ، يعلم ما شهد فكان معلوماً بالتجربة المتيقنة{[54]} بما تواتر من القصص الماضي{[55]} وما شهد له من الأثر الحاضر وما يتجدد مع الأوقات من أمثاله وأشباهه ، ومن كريمه وهو ما ظهرت فيه أفانين إنعامه فيما دق وجل وخفي وبدا ، ومن حكيمه{[56]} وهو ما ظهر في الحكمة المشهورة{[57]} تقاضيه وانتظام مكتوب خلقه على حسب تنزيل أمره ؛ وما كان منه بتدريج وتقريب للأفهام ففاءت{[58]} من حال إلى حال وحكم إلى حكم كان تنزيلاً ، وما أهوى به{[59]} من علو إلى سفل{[60]} كان إنزالاً ، وهو إنزال حيث لا وسائط وتنزيل حيث الوسائط ؛ وبيانه حيث الإمام العامل به مظهره في أفعاله وأخلاقه كان خلقه القرآن ، وقرآنه تلفيق تلاوته على حسب ما تتقاضاه النوازل .
{ واتقوا يوماً ترجعون فيه إلى الله{[61]} }[ البقرة :281 ] قال صلى الله عليه وسلم في مضمون قوله تعالى
{ إن علينا جمعه{[62]} وقرآنه{[63]} }[ القيامة :17 ] " اجعلوها بين آية الدين والآية التي قبلها " لأنه-{[64]} ربما تقدم{[65]} كيان الآية وتأخر في النظم قرآنها{[66]} على ما تقدم عليها ، آية
{ يا أيها النبي إنا أحللنا لك أزواجك{[67]} }[ الأحزاب : 50 ] الآية متأخرة الكيان متقدمة{[68]} القرآن على آية
{ لا يحل لك النساء من بعد{[69]} }[ الأحزاب : 52 ] فقد يتطابق{[70]} قرآن الأمر وتطوير الخلق وقد لا يتطابق والله يتولى إقامتهما ؛ وأما الجمع ففي قلبه نسبة جوامعه السبع في أم{[71]} القرآن إلى القرآن بمنزلة نسبة{[72]} جمعه في قلبه لمحاً واحداً إلى أم القرآن
{ وما أمرنا إلا واحدة كلمح بالبصر{[73]} }[ القمر :50 ] فهو جمع في قلبه ، وقرآن على لسانه ، وبيان في أخلاقه وأفعاله ، وجملة في صدره ، وتنزيل في تلاوته ،
{ وقال الذين كفروا لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة{[74]} }[ الفرقان :32 ] قال الله تعالى : كذلك أي كذلك أنزلناه{[75]} ، إلا{[76]} ما هو منك بمنزلة سماء الدنيا من الكون
( إنا أنزلناه في ليلة مباركة{[77]} }[ الدخان :3 ] أي إلى سماء الدنيا
{ و{[78]}نزلناه تنزيلاً{[79]} }[ الإسراء :106 ] وعلى لسانه في أمد أيام النبوة ، وقال في تفسيره : القرآن باطن{[80]} وظاهره محمد صلى الله عليه وسلم ، قالت عائشة رضى الله عنها : كان خلقه القرآن ، فمحمد صلى الله عليه وسلم صورة باطن سورة القرآن ، فالقرآن باطنه وهو ظاهره{[81]}
{ نزل به الروح الأمين * على قلبك{[82]} }[ الشعراء : 194 ] .
وقال في تفسير الفاتحة : وكانت سورة الفاتحة أمّاً للقرآن ، لأن القرآن جميعه مفصل من مجملها ، فالآيات الثلاث الأول شاملة لكل معنى تضمنته الأسماء الحسنى والصفات العلى ، فكل ما في القرآن من ذلك فهو مفصل من جوامعها ، والآيات الثلاث الأخر من قوله : { اهدنا } شاملة لكل ما يحيط بأمر الخلق في الأوصول إلى الله والتحيز إلى رحمة الله والانقطاع دون ذلك ، فكل ما في القرآن منه فمن تفصيل جوامع هذه ، وكل ما يكون وصلة بين مما ظاهرهن{[83]} هذه{[84]} من الخلق ومبدؤه وقيامه من الحق فمفصل{[85]} من آية{[86]} { إياك نعبد وإياك نستعين } انتهى .
ومن أنفع الأمور في ذوق هذا المشرب استجلاء الحديث القدسي الذي رواه مسلم في صحيحه وأصحاب السنن الأربعة عن أبي هريرة{[87]} رضى الله عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " قال الله عز وجل : قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين ولبعدي ما سأل فإذا قال العبد " الحمد لله رب العالمين " قال الله تعالى : حمدني{[88]} عبدي ، وإذا قال " الرحمن الرحيم " قال الله : أثنى عليّ عبدي ، وإذا قال : " مالك يوم الدين " قال الله : مجدني عبدي . وقال مرة : فوض إليّ عبدي ، وإذا قال : " إياك نعبد وإياك نستعين " قال : هذا بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل ، وإذا قال : " اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين " قال : " هذا لعبدي ولعبدي ما سأل{[89]} " والله أعلم{[90]} .