الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَيَجۡعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكۡرَهُونَۚ وَتَصِفُ أَلۡسِنَتُهُمُ ٱلۡكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ ٱلۡحُسۡنَىٰۚ لَا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ ٱلنَّارَ وَأَنَّهُم مُّفۡرَطُونَ} (62)

قوله تعالى : " ويجعلون لله ما يكرهون " ، أي : من البنات . " وتصف ألسنتهم الكذب " ، أي : وتقول ألسنتهم الكذب . " الكذب " ، مفعول " تصف " ، و " أن " ، في محل نصب بدل من الكذب ؛ لأنه بيان له . وقيل : " الحسنى " ، الجزاء الحسن ، قاله الزجاج . وقرأ ابن عباس وأبو العالية ومجاهد وابن محيصن " الكذب " ، برفع الكاف والذال والباء نعتا للألسنة ، وكذا " ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب{[9917]} " [ النحل : 116 ] . والكذب جمع كذوب ؛ مثل رسول ورسل ، وصبور وصبر ، وشكور وشكر . " أن لهم الحسنى " ، قال مجاهد : هو قولهم أن لهم البنين ، ولله البنات . " لا جرم أن لهم النار " قال الخليل : " لا جرم " ، كلمة تحقيق ، ولا تكون إلا جوابا ، يقال : فعلوا ذلك ، فيقال : لا جرم سيندمون . أي : حقا أن لهم النار . وقد تقدم مستوفى{[9918]} . " وأنهم مفرطون " ، متركون منسيون في النار ، قاله ابن الأعرابي وأبو عبيدة والكسائي والفراء ، وهو قول سعيد بن جبير ومجاهد . وقال ابن عباس وسعيد بن جبير أيضا : مبعدون . قتادة والحسن : معجلون إلى النار ، مقدمون إليها . والفارط : الذي يتقدم إلى الماء ، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم : ( أنا فرطكم على الحوض ) ، أي : متقدمكم . وقال القطامي :

فاسْتَعْجَلُونَا وكانوا من صَحَابَتِنَا *** كما تعجّل فُرَّاطٌ لورّاد

والفراط : المتقدمون في طلب الماء . والوراد : المتأخرون . وقرأ نافع في رواية ورش " مفرطون " ، بكسر الراء وتخفيفها ، وهي قراءة عبدالله بن مسعود وابن عباس ، ومعناه مسرفون في الذنوب والمعصية ، أي : أفرطوا فيها . يقال : أفرط فلان على فلان ، إذا أربى عليه ، وقال له أكثر مما قال من الشر . وقرأ أبو جعفر القارئ " مفرطون " ، بكسر الراء وتشديدها ، أي : مضيعون أمر الله ، فهو من التفريط في الواجب .


[9917]:راجع ص 195 من هذا الجزء.
[9918]:راجع ج 9 ص 20.
 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{وَيَجۡعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكۡرَهُونَۚ وَتَصِفُ أَلۡسِنَتُهُمُ ٱلۡكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ ٱلۡحُسۡنَىٰۚ لَا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ ٱلنَّارَ وَأَنَّهُم مُّفۡرَطُونَ} (62)

ولما كان ما تقدم أمارة على كراهتهم لما نسبوه إلى الله تعالى ، أتبعه التصريح بعد التلويح بقوله تعالى : { ويجعلون لله } ، أي ، وهو الملك الأعظم { ما يكرهون } ، أي : لأنفسهم ، من البنات والأموال والشركاء في الرئاسة ، ومن الاستخفاف برسلهم وجنودهم والتهاون برسالاتهم ، ثم وصف جراءتهم مع ذلك ، الكائنة في محل الخوف ، المقتضية لعدم التأمل اللازم لعدم العقل فقال : { وتصف } ، أي : تقول معتقدة مع القول الصفاء ، ولما كان قولاً لا حقيقة له بوحه ، أسنده إلى اللسان فقال : { ألسنتهم } ، أي : مع ذلك ، مع أنه قول لا ينبغي أن يتخيله عاقل ، { الكذب } ، ثم بينه بقوله : { أن لهم الحسنى } ، أي عنده ، ولا جهل أعظم ، ولا حكم أسوأ ، من أن تقطع بأن من تجعل له ما تكره ، يجعل لك ما تحب ، فكأنه قيل : فما لهم عنده ؟ فقيل : { لا جرم } ، أي : لا ظن ولا تردد في { أن لهم النار } ، التي هي جزاء الظالمين ، { وأنهم مفرطون * } ، أي : مقدمون ، معجلون إليها بتقديم من يسوقهم وإعجاله لهم ؛ وقال الرماني : متروكون فيها ، من قول العرب : ما أفرطت ورائي أحداً ، أي ما خلفت ولا تركت ، وقرأ نافع بالتخفيف والكسر ، أي مبالغون في الإسراف والجراءة على الله .