التاسعة والعشرون : " صراط الذين أنعمت عليهم " صراط بدل من الأول بدل الشيء من الشيء ، كقولك : جاءني زيد أبوك . ومعناه{[103]} : أدم هدايتنا ، فإن الإنسان قد يهدى إلى الطريق ثم يقطع به . وقيل : هو صراط آخر ، ومعناه العلم بالله جل وعز والفهم عنه ، قاله جعفر بن محمد . ولغة القرآن " الذين " في الرفع والنصب والجر وهذيل تقول : اللذون في الرفع ، ومن العرب من يقول : اللذو{[104]} ، ومنهم من يقول الذي ، وسيأتي .
وفي " عليهم " عشر لغات ، قرئ بعامتها : " عليهُم " بضم الهاء وإسكان الميم . " وعليهِم " بكسر الهاء وإسكان الميم . و " عليهمي " بكسر الهاء والميم وإلحاق ياء بعد الكسرة . و " عليهمو " بكسر الهاء وضم الميم وزيادة واو بعد الضمة . و " عليهمو " بضم الهاء والميم كلتيهما وإدخال واو بعد الميم . و " عليهم " بضم الهاء والميم من غير زيادة واو . وهذه الأوجه الستة مأثورة عن الأئمة من القراء . وأوجه أربعة منقولة عن العرب غير محكية عن القراء : " عليهمي " بضم الهاء وكسر الميم وإدخال ياء بعد الميم ، حكاها الحسن{[105]} البصري عن العرب . و " عليهُمِ " بضم الهاء وكسر الميم من غير زيادة ياء . و " عليهِمُ " بكسر الهاء وضم الميم من غير إلحاق واو . و " عليهِمِ " بكسر الهاء والميم ولا ياء بعد الميم . وكلها صواب ، قاله ابن الأنباري .
الموفية الثلاثين : قرأ عمر بن الخطاب وابن الزبير رضي الله عنهما " صراط من أنعمت عليهم " . واختلف الناس في المنعم عليهم ، فقال الجمهور من المفسرين : إنه أراد صراط النبيين والصديقين والشهداء والصالحين . وانتزعوا ذلك من قوله تعالى : " ومن يطع الله والرسول فأولئك الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا{[106]} " [ النساء : 69 ] . فالآية تقتضي أن هؤلاء على صراط مستقيم ، وهو المطلوب في آية الحمد وجميع ما قيل إلى هذا يرجع ، فلا معنى لتعديد الأقوال والله المستعان .
الحادية والثلاثون : في هذه الآية رد على القدرية والمعتزلة والإمامية ؛ لأنهم يعتقدون أن إرادة الإنسان كافية في صدور أفعال منه طاعة كانت أو معصية ؛ لأن الإنسان عندهم خالق لأفعاله فهو غير محتاج في صدورها عنه إلى ربه ، وقد أكذبهم الله تعالى في هذه الآية إذ سألوه الهداية إلى الصراط المستقيم ، فلو كان الأمر إليهم والاختيار بيدهم دون ربهم لما سألوه الهداية ، ولا كرروا السؤال في كل صلاة وكذلك تضرعهم إليه في دفع المكروه وهو ما يناقض الهداية حيث قالوا : " صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين " [ الفاتحة : الآية ] . فكما سألوه أن يهديهم سألوه ألا يضلهم ، وكذلك يدعون فيقولون : " ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إن هديتنا{[107]} " [ آل عمران : 8 ] الآية .
الثانية والثلاثون : " غير المغضوب عليهم ولا الضالين " اختلف في " المغضوب عليهم " و " الضالين " من هم ؟ فالجمهور أن المغضوب عليهم اليهود والضالين النصارى ، وجاء ذلك مفسرا عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث عدي بن حاتم وقصة إسلامه ، أخرجه أبو داود الطيالسي في مسنده والترمذي في جامعه . وشهد لهذا التفسير أيضا قوله سبحانه في اليهود : " وباؤوا بغضب من الله " [ البقرة : 61 وآل عمران : 112 ] . وقال : " وغضب{[108]} الله عليهم " [ الفتح : 6 ] وقال في النصارى : " قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا وضلوا عن سواء السبيل{[109]} " [ المائدة : 77 ] . وقيل : " المغضوب عليهم " المشركون . و " الضالين " المنافقون . وقيل : " المغضوب عليهم " هو من أسقط فرض هذه السورة في الصلاة و " الضالين " عن بركة قراءتها . حكاه السلمي في حقائقه والماوردي في تفسيره وليس بشيء . قال الماوردي : وهذا وجه مردود ؛ لأن ما تعارضت فيه الأخبار وتقابلت فيه الآثار وانتشر فيه الخلاف لم يجز أن يطلق عليه هذا الحكم . وقيل : " المغضوب عليهم " باتباع البدع و " الضالين " عن سنن الهدى .
قلت : وهذا حسن ، وتفسير النبي صلى الله عليه وسلم أولى وأعلى وأحسن . و " عليهم " في موضع رفع ؛ لأن المعنى غضب عليهم . والغضب في اللغة الشدة . ورجل غضوب أي شديد الخلق . والغضوب : الحية الخبيثة لشدتها . والغضبة : الدرقة من جلد البعير ، يطوى بعضها على بعض ، سميت بذلك لشدتها . ومعنى الغضب في صفة الله تعالى إرادة العقوبة ، فهو صفة ذات وإرادة الله تعالى من صفات ذاته أو نفس العقوبة ومنه الحديث : ( إن الصدقة لتطفئ غضب الرب ) فهو صفة فعل .
الثالثة والثلاثون : " ولا الضالين " الضلال في كلام العرب هو الذهاب عن سنن القصد وطريق الحق ، ومنه : ضل اللبن في الماء أي غاب . ومنه : " أئذا ضللنا في الأرض " [ السجدة : 10 ] أي غبنا بالموت وصرنا ترابا ، قال :
ألم تسأل فتخبرَك الديار *** عن الحي المُضَلَّلِ أين ساروا
والضُّلَضِلَة : حجر أملس يردده الماء في الوادي . وكذلك الغضبة : صخرة في الجبل مخالفة لونه قال :
أو غَضْبَةٍ في هَضْبَةٍ ما أمنعا
الرابعة والثلاثون : قرأ عمر بن الخطاب وأبي بن كعب " غير المغضوب عليهم ولا الضالين " وروي عنهما في الراء النصب والخفض في الحرفين ، فالخفض على البدل من " الذين " أو من الهاء والميم في " عليهم " أو صفة للذين والذين معرفة ولا توصف المعارف بالنكرات ولا النكرات بالمعارف ، إلا أن الذين ليس بمقصود قصدهم فهو عام فالكلام بمنزلة قولك : إني لأمر بمثلك فأكرمه أو لأن " غير " تعرفت لكونها بين شيئين لا وسط بينهما كما تقول : الحي غير الميت والساكن غير المتحرك والقائم غير القاعد ، قولان : الأول للفارسي والثاني للزمخشري . والنصب في الراء على وجهين : على الحال من الذين أو من الهاء والميم في عليهم كأنك قلت : أنعمت عليهم لا مغضوبا عليهم . أو على الاستثناء كأنك قلت : إلا المغضوب عليهم . ويجوز النصب بأعني ، وحكي عن الخليل .
الخامسة والثلاثون : " لا " في قوله " ولا الضالين " اختلف فيها فقيل هي زائدة ، قاله الطبري . ومنه قوله تعالى : " ما منعك ألا تسجد " [ الأعراف : 12 ] . وقيل : هي تأكيد دخلت لئلا يتوهم أن الضالين معطوف على الذين ، حكاه مكي والمهدوي . وقال الكوفيون : " لا " بمعنى غير ، وهي قراءة عمر وأُبَي ، وقد تقدم .
السادسة والثلاثون : الأصل في " الضالين " : الضاللين حذفت حركة اللام الأولى ثم أدغمت اللام في اللام فاجتمع ساكنان مدة الألف واللام المدغمة . وقرأ أيوب السختياني : " ولا الضالين " بهمزة غير ممدودة كأنه فر من التقاء الساكنين ، وهي لغة . حكى أبو زيد قال : سمعت عمرو بن عبيد - يقرأ : " فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جأَنّ " [ الرحمن : 39 ] فظننته قد لحن حتى سمعت من العرب : دأبة وشأبة . قال أبوالفتح :وعلى هذه اللغة قول كُثَير :
الفائدة السادسة عشرة : { الذين أنعمت عليهم } : قال ابن عباس : " هم النبيون والصديقون والشهداء والصالحون " . وقيل : المؤمنون ، وقيل : الصحابة ، وقيل : قوم موسى وعيسى قبل أن يغيروا ، والأول أرجح لعمومه ، ولقوله :{ مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين }[ النساء :69 ] .
الفائدة السابعة عشرة : إعراب { غير المغضوب } بدل ، ويبعد النعت لأن إضافته غير مخصوصة وهو قد جرى عن معرفة وقرئ بالنصب على الاستثناء أو الحال .
الفائدة الثامنة عشرة : إسناد نعمة عليهم إلى الله ، والغضب لما لم يسم فاعله على وجه التأدب : كقوله :{ وإذا مرضت فهو يشفين }[ الشعراء :80 ] ، وعليهم أول في موضع نصب ، والثاني في موضع رفع .
الفائدة التاسعة عشرة : { المغضوب عليهم } : اليهود ، و{ الضالين } : النصارى ، قال ابن عباس وابن مسعود وغيرهما ، وقد روى ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وقيل : ذلك عام في كل مغضوب عليه ، وكل ضال ، والأول أرجح لأربعة أوجه : روايته عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وجلالة قائله ، وذكر و " لا " في قوله : { ولا الضالين } دليل على تغاير الطائفتين ، وأن الغضب صفة اليهود في مواضع من القرآن : كقوله { فباءُوا بغضب }[ البقرة :90 ] ، والضلال صفة النصارى لاختلاف أقوالهم الفاسدة في عيسى ابن مريم عليه السلام ، ولقول الله فيه :{ قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا وضلوا عن سواء السبيل }[ المائدة :77 ] .
الفائدة العشرون هذه السورة جمعت معاني القرآن العظيم كله فكأنها نسخة مختصرة منه فتأملها بعد تحصيل الباب السادس من المقدمة الأولى :
تعلم ذلك في الألوهية حاصلا في قوله : { الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم } .
والدار الآخرة : في قوله : { مالك يوم الدين } .
العبادات كلها من الاعتقادات والأحكام التي تقتضيها الأوامر والنواهي : في قوله : { إياك نعبد } .
والشريعة كلها في قوله : { الصراط المستقيم } .
والأنبياء وغيرهم في قوله :{ الذين أنعمت عليهم } .
وذكر طوائف الكفار في قوله :{ غير المغضوب عليهم ولا الضالين } .
خاتمة : أمر بالتأمين عند خاتمة الفاتحة للدعاء الذي فيها ، وقولك آمين اسم فعل معناه اللهم استجب ، وقيل : هو من أسماء الله ويجوز فيه مد الهمزة وقصرها ولا يجوز تشديد الميم ، وليؤمن في الصلاة ، المأموم والفذ والإمام إذا أسر ، واختلفوا إذا جهر .