في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌۖ أُجِيبُ دَعۡوَةَ ٱلدَّاعِ إِذَا دَعَانِۖ فَلۡيَسۡتَجِيبُواْ لِي وَلۡيُؤۡمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمۡ يَرۡشُدُونَ} (186)

178

وقبل أن يمضي السياق في بيان أحكام تفصيلية عن مواعيد الصيام ، وحدود المتاع فيه وحدود الإمساك . . نجد لفتة عجيبة إلى أعماق النفس وخفايا السريرة . نجد العوض الكامل الحبيب المرغوب عن مشقة الصوم ، والجزاء المعجل على الاستجابة لله . . نجد ذلك العوض وهذا الجزاء في القرب من الله ، وفي استجابته للدعاء . . تصوره الفاظ رفافة شفافة تكاد تنير :

( وإذا سألك عبادي عني ، فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان . فليستجيبوا لي ، وليؤمنوا بي ، لعلهم يرشدون ) . .

فإني قريب . . أجيب دعوة الداع إذا دعان . . أية رقة ؟ وأي انعطاف ؟ وأية شفافية ؟ وأي إيناس ؟ وأين تقع مشقة الصوم ومشقة أي تكليف في ظل هذا الود ، وظل هذا القرب ، وظل هذا الإيناس ؟

وفي كل لفظ في التعبير في الآية كلها تلك النداوة الحبيبة :

( وإذا سألك عبادي عني فإني قريب . أجيب دعوة الداع إذا دعان ) . .

إضافة العباد إليه ، والرد المباشر عليهم منه . . لم يقل : فقل لهم : إني قريب . . إنما تولى بذاته العلية الجواب على عباده بمجرد السؤال . . قريب . . ولم يقل اسمع الدعاء . . إنما عجل بإجابة الدعاء : ( أجيب دعوة الداع إذا دعان ) . .

إنها آية عجيبة . . آية تسكب في قلب المؤمن النداوة الحلوة ، والود المؤنس ، والرضى المطمئن ، والثقة واليقين . . ويعيش منها المؤمن في جناب رضي ، وقربى ندية ، وملاذ أمين وقرار مكين .

وفي ظل هذا الأنس الحبيب ، وهذا القرب الودود ، وهذه الاستجابة الوحية . . يوجه الله عباده إلى الاستجابة له ، والإيمان به ، لعل هذا أن يقودهم إلى الرشد والهداية والصلاح .

( فليستجيبوا لي ، وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون ) . .

فالثمرة الأخيرة من الاستجابة والإيمان هي لهم كذلك . . وهي الرشد والهدى والصلاح . فالله غني عن العالمين .

والرشد الذي ينشئه الإيمان وتنشئه الاستجابة لله هو الرشد . فالمنهج الإلهي الذي اختاره الله للبشر هو المنهج الوحيد الراشد القاصد ؛ وما عداه جاهلية وسفه لا يرضاه راشد ، ولا ينتهي إلى رشاد . واستجابة الله للعباد مرجوة حين يستجيبون له هم ويرشدون . وعليهم أن يدعوه ولا يستعجلوه . فهو يقدر الاستجابة في وقتها بتقديره الحكيم .

أخرج أبو داود والترمذي وابن ماجه من حديث ابن ميمون - بإسناده - عن سلمان الفارسي - رضي الله عنه - عن النبي [ ص ] أنه قال : " إن الله تعالى ليستحي أن يبسط العبد إليه يديه يسأله فيهما خيرا فيردهما خائبين " .

وأخرج الترمذي عن عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي - بإسناده - عن ابن ثوبان : ورواه عبد الله بن الإمام أحمد - بإسناده - عن عبادة بن الصامت : أن النبي [ ص ] قال : " ما على ظهر الأرض من رجل مسلم يدعو الله عز وجل بدعوة إلا آتاه الله إياها ، أو كف عنه من السوء مثلها ، ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم " .

وفي الصحيحين : أن رسول الله [ ص ] قال : " يستجاب لأحدكم ما لم يعجل . يقول : دعوت فلم يستجب لي ! " . .

وفي صحيح مسلم : عن النبي [ ص ] أنه قال : " لا يزال يستجاب للعبد ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم ما لم يستعجل " قيل : يا رسول الله وما الاستعجال . قال : " يقول : قد دعوت ، وقد دعوت ، فلم أر يستجاب لي ، فيستحسر عند ذلك ويدع الدعاء " .

والصائم أقرب الدعاة استجابة ، كما روى الإمام أبو داود الطيالسي في مسنده - بإسناده - عن عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما - قال : سمعت رسول الله [ ص ] يقول : " للصائم عند إفطاره دعوة مستجابة " . . فكان عبد الله بن عمر إذا أفطر دعا أهله وولده ودعا . وروى ابن ماجه في سننه - بإسناده - عن عبد الله بن عمر كذلك قال : قال النبي [ ص ] : " إن للصائم عند فطره دعوة ما ترد " وفي مسند الإمام أحمد وسنن الترمذي والنسائي وابن ماجه عن أبي هريرة - رضي الله عنه - : قال : قال رسول الله [ ص ] : " ثلاثة لا ترد دعوتهم : الإمام العادل ، والصائم حتى يفطر ، ودعوة المظلوم يرفعها الله دون الغمام يوم القيامة ، وتفتح لها أبواب السماء ، ويقول : بعزتي لأنصرنك ولو بعد حين " . .

ومن ثم جاء ذكر الدعاء في ثنايا الحديث عن الصيام .

 
معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي - البغوي [إخفاء]  
{وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌۖ أُجِيبُ دَعۡوَةَ ٱلدَّاعِ إِذَا دَعَانِۖ فَلۡيَسۡتَجِيبُواْ لِي وَلۡيُؤۡمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمۡ يَرۡشُدُونَ} (186)

قوله تعالى : { وإذا سألك عبادي عني فإني قريب } . روى الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس ، قال : قال يهود أهل المدينة : يا محمد كيف يسمع ربنا دعاءنا وأنت تزعم أن بيننا وبين السماء مسيرة خمسمائة عام ؟ وإن غلظ كل سماء مثل ذلك ؟ فنزلت هذه الآية ، وقال الضحاك : سأل بعض الصحابة النبي صلى الله عليه وسلم ، فقالوا : أقريب ربنا فنناجيه ؟ أم بعيد فنناديه ؟ فأنزل الله تعالى : { وإذا سألك عبادي عني فإني قريب } وفيه إضمار ، كأنه قال لهم : إني قريب منهم بالعلم لا يخفى على شيء كما قال : { ونحن أقرب إليه من حبل الوريد } .

أخبرنا عبد الواحد المليحي ، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي ، أخبرنا محمد ابن يوسف أخبرنا محمد بن إسماعيل ، أخبرنا عبد الواحد ، عن عاصم عن أبي عثمان عن أبي موسى الأشعري قال : لما غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبر ، أو قال : لما توجه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى خيبر ، أشرف الناس على واد فرفعوا أصواتهم بالتكبير : الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أربعوا على أنفسكم ، إنكم لا تدعون أصم ، ولا غائباً إنكم تدعون سميعاً قريباً وهو معكم " .

قوله تعالى : { أجيب دعوة الداع إذا دعان } . قرأ أهل المدينة غير قالون وأبو عمرو بإثبات الياء فيهما في الوصل ، والباقون يحذفونها وصلاً ووقفاً ، وكذلك اختلف القراء في إثبات الياءات المحذوفة من الخط وحذفها في التلاوة ، ويثبت يعقوب جميعها ، وصلاً ووقفاً ، واتفقوا على إثبات ما هو مثبت في الخط وصلاً ووقفاً .

قوله تعالى : { فليستجيبوا لي } . قيل : الاستجابة بمعنى الإجابة ، أي : فليجيبوا لي بالطاعة ، والإجابة في اللغة : الطاعة وإعطاء ما سئل فالإجابة من الله تعالى العطاء ، ومن العبد الطاعة ، وقيل : فليستجيبوا لي أي ليستدعوا مني الإجابة ، وحقيقته فليطيعوني .

قوله تعالى : { وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون } . لكي يهتدوا ، فإن قيل فما وجه قوله تعالى : ( أجيب دعوة الداع ) وقوله ( ادعوني أستجب لكم ) وقد يدعى كثيراً فلا يجيب ؟ قلنا : اختلفوا في معنى الآيتين قيل معنى الدعاء هاهنا الطاعة ، ومعنى الإجابة الثواب ، وقيل معنى الآيتين خاص وإن كان لفظهما عاماً ، تقديرهما : أجيب دعوة الداع إن شئت ، كما قال : ( فيكشف ما تدعون إليه إن شاء ) أو أجيب دعوة الداعي إن وافق القضاء أو : أجيبه إن كانت الإجابة خيراً له ، أو أجيبه إن لم يسأل محالاً .

أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي ، أخبرنا أبو منصور محمد بن محمد السمعاني ، أخبرنا أبو جعفر محمد بن أحمد بن عبد الجبار الرياني ، أخبرنا حميد ابن زنجويه ، أخبرنا عبد الله بن صالح ، حدثني معاوية بن صالح أن ربيعة بن يزيد حدثه عن أبي إدريس عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " يستجيب الله لأحدكم ما لم يدع بإثم ، أو قطيعة رحم ، أو يستعجل . قالوا : وما الاستعجال يا رسول الله ؟ قال : قد دعوتك يا رب ، قد دعوتك يا رب ، فلا أراك تستجيب لي ، فيستحسر عند ذلك فيدع الدعاء " .

وقيل : هو عام ، ومعنى قوله " أجيب " أي أسمع ، ويقال ليس في الآية أكثر من إستجابة الدعوة ، فأما إعطاء المنية فليس بمذكور فيها ، وقد يجيب السيد عبده ، والوالد ولده ثم لا يعطيه سؤله ، فالإجابة كائنة لا محالة عند حصول الدعوة ، وقيل : معنى الآية أنه لا يجيب دعاءه ، فإن قدر له ما سأل أعطاه ، وإن لم يقدره له ادخر له الثواب في الآخرة ، أو كف عنه به سوءاً والدليل عليه ما أخبرنا عبد الواحد المليحي ، أخبرنا أبو منصور السمعاني ، أخبرنا أبو جعفر الرياني ، أخبرنا حميد زنجويه ، أخبرنا محمد بن يوسف ، أخبرنا ابن ثوبان ، وهو عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان عن أبيه ، عن مكحول عن جبير بن نفير عن عبادة بن الصامت حدثهم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " ما على الأرض رجل مسلم يدعو الله تعالى بدعوة إلا آتاه ، الله إياها ، أو كف عنه من السوء مثلها ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم " . وقيل : إن الله تعالى يجيب دعاء المؤمن في الوقت ، ويؤخر إعطاء من يجيب مراده ليدعوه فيسمع صوته ويعجل إعطاء من لا يحبه لأنه يبغض صوته ، وقيل : إن للدعاء آداباً وشرائط وهي أسباب الإجابة فمن استكملها كان من أهل الإجابة ، ومن أخل بها فهو من أهل الاعتداء في الدعاء فلا يستحق الإجابة .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌۖ أُجِيبُ دَعۡوَةَ ٱلدَّاعِ إِذَا دَعَانِۖ فَلۡيَسۡتَجِيبُواْ لِي وَلۡيُؤۡمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمۡ يَرۡشُدُونَ} (186)

ولما كان دعاء الصائم مجاباً وكان هذا{[7697]} الشهر بالخصوص مظنة الإجابة للصيام و{[7698]}لمكان ليلة القدر ، وكان ذكر كبريائه سبحانه وتعالى مهيئاً لعباده للإحساس بالبعد فكان ربما أوقع في وهم أنه على عادة المتكبرين في بعد المسافة عن محالّ العبيد وأنه إن{[7699]} كان بحيث يسمع لم يكن لأحد منهم أن يسأله{[7700]} إلا بواسطة رفع هذا{[7701]} الوهم بقوله : { وإذا } دالاً بالعطف على غير مذكور أن التقدير : فإذا سألك عبادي عني فإني{[7702]} مع علو شأني رقيب على من أطاعني ومن عصاني " وقال الحرالي : لما أثبت الحق سبحانه وتعالى كتاب الصيام لعباده لما أرادهم له{[7703]} من إعلائهم{[7704]} إلى خبء{[7705]} جزائه وأطلعهم على ما شاء في صومهم من ملكوته بحضور{[7706]} ليلة القدر فأنهاهم{[7707]} إلى التكبير على {[7708]}عظيم ما هداهم إليه واستخلفهم في فضله وشكر نعمته بما{[7709]} خولهم من عظيم فضله وأظهر عليهم من رواء بركاته ما يدعو الناظرين{[7710]} لهم إلى سؤالهم عما نالوه من ربهم فيليحون{[7711]} لمن دونهم ما{[7712]} به يليق بهم رتبة{[7713]} {[7714]}رتبة ؛ يؤثر{[7715]} عن عمر رضي الله تعالى عنه أنه قال : " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكلم{[7716]} أبا بكر رضي الله تعالى عنه فكأنما يتكلمان بلسان أعجم لا أفهم مما يقولان شيئاً " إلى أن ينتهي الأمر إلى أدنى{[7717]} السائلين الذين هم في رتبة حضرة بعد{[7718]} {[7719]}فيبشرون بمطالعة القرب{[7720]} فقال : و { إذا } عطفاً على أمور متجاوزة كأنه{[7721]} يقول : إذا خرجت من معتكفك فصليت وظهرت زينة الله التي باهى بها ملائكته ليست زينة الدنيا التي يتمقتها{[7722]} أهل حضرته من ملائكته فإذا سألك من حاله كذا فأنبئه{[7723]} بكذا وإذا سألك من حاله كذا فأنبئه{[7724]} بكذا وإذا { سألك عبادي عني } أي هل أنا على حال المتكبرين من ملوك الدنيا في البعد عمن دونهم فأخبرهم أني لست كذلك .

ولما كان لا يسأل{[7725]} عن الشيء إلاّ إن{[7726]} كان معظماً له متشوقاً إلى تعجيل الإخبار به كان الأنسب للمقام و{[7727]}الأقرّ لعيون العباد والأزجر لأهل العناد تقريب الجواب وإخباره سبحانه وتعالى بنفسه الشريفة دون واسطة إشعاراً بفرط قربه وحضوره مع كل سائل فقال : { فإني } دون فقل إني ، فإنه لو أثبت قل ، لأوهم بُعداً وليس المقام كذلك ، ولكان قوله إني ، موهماً فيحتاج إلى أن يقال إن الله أو نحوه ، ومع ذلك فلا ينفك عن إشكال ؛ وإذا كان هذا التلطف بالسائلين فما ظنك بالسالكين السائرين ! وقال الأستاذ أبو القاسم القشيري ما معناه : الذين يسألون عن الجبال وعن اليتامى وعن المحيض وعن الأهلة ونحوها يجابون بالواسطة ، وأما الذين يسألون عني {[7728]}فإني أرفع{[7729]} الوسائط بيني وبينهم . وقال الإمام قاضي القضاة ناصر الدين بن ميلق{[7730]} ما معناه : إنه سبحانه وتعالى لما كان قد تعرف إلى عباده بأفعاله وآياته وما ركز{[7731]} في العقول من معرفته كان حذف الواسطة في الإخبار عنه{[7732]} أنسب بخلاف الأهلة ونحوها فإن العقول لا تستقل بمعرفتها ، فكان الإخبار عنها بواسطة الرسول الذي لا تعرف {[7733]}إلا من{[7734]} جهته أنسب . { قريب } فعيل من القرب وهو مطالعة الشيء حساً أو معنى أي{[7735]} من طلبني بعقله وجدني{[7736]} وعرفني وإنما أرسلت الرسل زيادة في التعرف{[7737]} ورفعاً{[7738]} للحرج {[7739]}بسر التلطف{[7740]} ، وإسقاط قل ، أسرع في التعرف فهو أجدر بتعظيم الواسطة لأن الإسراع في الإجابة أقرب دلالة على صدقه في الرسالة . قال الحرالي : بشر{[7741]} أهل حضرة البعد بالقرب{[7742]} لما رقي أهل القرب إلى الوصول بالقرب{[7743]} فكان المبشر واصلاً وكان المتقاصر{[7744]} عن القرب مبشراً به ، ومعلوم{[7745]} أن قرب الله وبعد المخلوق منه ليس بعد مسافة ولا قرب مسافة ، فالذي يمكن إلاحته{[7746]} من معنى القرب أن من سمع فيما يخاطب به خطاب ربه فهو قريب ممن كان {[7747]}ذلك الخطاب{[7748]} منه ، ومن كان إنما يسمع الخطاب ممن واجهه بالخطاب في حسه ومحسوسه فسمعه ممن دون ربه كان بعيداً بحسب تلك الواسطة من بعد دون بعد إلى أبعد البعد ، ولذلك يعلن للنبي صلى الله عليه وسلم{ إنما عليك البلاغ }[ الرعد : 40 ] وكان {[7749]}أن ما{[7750]} يتلوه لأمته إنما هو كلام ربه يتلو لهم كلام ربهم ليسمعوه من ربهم لأمته حتى لا يكون صلى الله عليه وسلم واسطة بين العبد وربه بل يكون يوصل العبد إلى ربه ، وللإشارة{[7751]} بهذا المعنى يتلى{[7752]} كلمة قل ، في القرآن ليكون إفصاحاً {[7753]}لسماع كلام الله{[7754]} سبحانه وتعالى ممن سمع كائناً من كان ، وفي إشعاره إهزاز القلوب والأسماع إلى نداء الحج إثر الصوم ، لأنه جعل تعالى أول يوم من شهور الحج إثر{[7755]} يوم من أيام الصوم ، فكأن منادي الله ينادي يوم الفطر بالحج ، ففي خفي{[7756]} إشارته إعلاء نداء{[7757]} إبراهيم عليه الصلاة والسلام الذي تقدم أساس أمر الإسلام على حنيفيته وملته ، وليكون في هذه الآية الجامعة توطئة لذكر الحج لما تقدم من أن هذه السورة تنتظم{[7758]} جوامعها خلال تفاصيلها انتظاماً عجيباً يليح المعنى لأهل الفهم ويفصله{[7759]} لأهل العلم ثم يحكم به على أهل الحكم قال{[7760]} : { أجيب } من الإجابة{[7761]} وهي {[7762]}اللقاء بالقول ابتداء شروع{[7763]} لتمام اللقاء بالمواجهة { دعوة الداع } ففيه إشعار بإجابة الداعي أي للحج{[7764]} عند خاتمة الصوم يعني لما بين العبادتين من تمام{[7765]} المناسبة ، فإن حال الصوم التابع لآية الموت{[7766]} في كونه{[7767]} محواً لحال البرزخ وحال الحج في كونه سفراً إلى مكان مخصوص على حال التجرد كحال الحشر{[7768]} ؛ قال : وجاء الفطر يعني بعد إكمال الصوم بما يعين على إجابة دعوة الوفادة على الله سبحانه وتعالى إثر الخلوة في بيت الله ليكون انتقالهم{[7769]} من بيت خلوته بالعكوف إلى موقف تجليه{[7770]} في الحج ، وفيه تحقيق للداعي{[7771]} من حاله{[7772]} ليس الداعي من أغراضه وشهواته ، فإن الله سبحانه وتعالى يجيب دعوة العبد إذا كان فيه رشد{[7773]} وإلا ادخرها له أو{[7774]} كفر بها عنه كما بينه صلى الله عليه وسلم{[7775]} .

ولما كان كل خلق داعياً لحاجته وإن لم ينطق بها أشار تعالى إلى مقصد إظهار الدعاء مقالاً وابتهالاً فقال : { إذا دعان } ليكون حاله صدقاً بمطابقة حاله مقالاً{[7776]} ، وفي قراءة الاكتفاء بكسرة{[7777]} { الداع{[7778]} } و { دعان{[7779]} } عن يائهما ، وقراءة تمكينهما توسعة{[7780]} القراءة{[7781]} بما تيسر على قبائل العرب {[7782]}بحسب ما في{[7783]} ألسنة بعضها من التمكين وما في ألسنة بعضها من الحذف{ ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدّكر{[7784]} }[ القمر : 17 ] وفي إجابته حجة عليهم بأن السيد إذا التزم إجابة عبده كان إجابة العبد لسيده أوجب التزاماً لاستغناء السيد وحاجة العبد ، فحين كان الغني مجيباً كان أولى بأن يكون المحتاج مستجيباً يعني فلذلك سبب عنه قوله إشارة إلى شرط الإجابة { فليستجيبوا لي{[7785]} } إنباء عما قد دعاهم إليه من قربه وقصد بيته{[7786]} بما جبلهم عليه من حاجتهم إليه ، وجاء بصيغة الاستفعال المشعر باستخراج الإجابة مما شأنه الإباء لما في الأنفس من كره فيما تحمل{[7787]} عليه من الوصول إلى بيت لم يكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس - انتهى وفيه تصرف . ولما أوجب استجابته سبحانه {[7788]}في كل{[7789]} ما{[7790]} دعا إليه وكانت الاستجابة بالإيمان أول المراتب وأولاها{[7791]} وكانت مراتب الإيمان في قوته وضعفه {[7792]}لا تكاد تتناهى {[7793]}قال مخاطباً لمن آمن وغيره : { وليؤمنوا بي } أي مطلق الإيمان أو{[7794]} حق الإيمان ، ثم علل ذلك بقوله : { لعلهم يرشدون * } أي ليكونوا على رجاء من الدوام على إصابة المقاصد والاهتداء إلى طريق الحق .

قال الحرالي : والرشد حسن التصرف في الأمر حساً أو معنى في {[7795]}دين أو دنيا ، ومن مقتضى{[7796]} هذه الآية{[7797]} تتفضل جميع أحوال السالكين إلى الله سبحانه وتعالى من توبة التائب من حد بعده إلى سلوك سبيل قربه إلى{[7798]} ما يؤتيه الله من وصول العبد إلى ربه - انتهى{[7799]} .


[7697]:ليس في م.
[7698]:من م وظ ومد، وفي الأصل: أو.
[7699]:من م وظ ومد، وفي الأصل: إذا.
[7700]:من ظ، وفي الأصل: ينله، وفي م: يسيلة، وفي مد: يسيله.
[7701]:ليس في ظ.
[7702]:زيد في م: قريب.
[7703]:زيد من م ومد وظ.
[7704]:من م ومد وظ، وفي الأصل: إعلامهم.
[7705]:من ظ ، وفي الأصل وم ومد: حب؛ قال تعالى: الصوم لي وأنا أجزى ولم يظهر ما يجزي ليعلى شأن الصائمين.
[7706]:زيد في ظ: ليلة.
[7707]:من م ومد وظ: وأنهاهم.
[7708]:من م وظ ومد، وفي الأصل: إلى.
[7709]:من م وظ ومد، وفي الأصل: مما.
[7710]:من م وظ ومد، وفي الأصل: الناظر.
[7711]:من م ومد وفي ظ: فيلحون، وفي الأصل: فيلتحون.
[7712]:ليس في م.
[7713]:زيد من مد.
[7714]:ليس في م.
[7715]:ليس في م.
[7716]:من م وظ ومد، وفي الأصل: تكلم.
[7717]:في ظ: أولى
[7718]:زيد من ظ وم ومد.
[7719]:في الأصل: فيشيرون بمطالع العرب، والتصحيح من م وظ ومد.
[7720]:في الأصل: فيشيرون بمطالع العرب والتصحيح من م وظ ومد.
[7721]:في م: لأنه.
[7722]:من ظ وفي الأصل: سمعتها وفي م: ينمقتها وفي مد: بمقتها.
[7723]:من م ومد وظ، وفي الأصل: فانتبه.
[7724]:من م ومد وظ، وفي الأصل: فانتبه.
[7725]:من م ومد وظ وفي الأصل: السائل.
[7726]:في م وظ ومد: من.
[7727]:زيد من ظ ومد.
[7728]:في الأصل: فإني أوقع، والتصحيح من م وظ ومد.
[7729]:في الأصل: فغني أوقع والتصحيح من م وظ ومد..
[7730]:في م فقط: الملق، وفي ظ ومد: الميلق.
[7731]:من م ومد وظ: وفي الأصل: ذكر.
[7732]:في ظ: عليه.
[7733]:في م: الامي.
[7734]:في م: الامي.
[7735]:زيد من ظ ومد.
[7736]:في ظ: وجد لي.
[7737]:في م: التعريف.
[7738]:من م وظ ومد، وفي الأصل: دفعا.
[7739]:في الأصل: يسر التلطيفه، والتصحيح من بقية الأصول.
[7740]:في الأصل: يسر التلطيفه، والتصحيح من بقية الأصول.
[7741]:زيد في م: به.
[7742]:كرر هذه العبارة في الأصل مرتين. ووقع فيه "رمى" مكان "رقى" والتصحيح من م ومد وظ.
[7743]:كرر هذه العبارة في الأصل مرتين. ووقع فيه "رمى" مكان "رقى" والتصحيح من م ومد وظ.
[7744]:من م ومد وظ، وفي الأصل: التقاصر.
[7745]:والقرب المنسوب إلى الله تعالى يستحيل أن يكون قربا بالمكان وإنما القرب هنا عبارة عن كونه تعالى سامعا لدعائه مسرعا في إنجاح طلبة من سأله فمثل حالة تسهيله ذلك بحالة من قرب بمكانه ممن يدعوه فإنه لقرب المسافة يجيب دعاءه،ونظير هذا القرب هنا قوله تعالى "ونحن أقرب إليه من حبل الوريد" وما روى من قوله عليه السلام: هو بينكم وبين أعناق رواحلكم- البحر المحيط 2 / 45.
[7746]:من م ومد وظ، وفي الأصل: الاحية.
[7747]:كرره في الأصل ثانيا، وفيه: الخطأ، مكان: الخطاب فيكلا الموضعين، والتصحيح من بقية الأصول.
[7748]:كرره في الأصل ثانيا، وفيه: الخطأ مكان: الخطاب، في كلا الموضعين والتصحيح من بقية الأصول.
[7749]:في الأصول: كلها: إنما – كذا.
[7750]:في الأصول كلها: إنما –كذا.
[7751]:في م: للإرشاد.
[7752]:في م ومد: تتلا.
[7753]:في ظ: لكلام.
[7754]:في ظ: لكلام.
[7755]:في م وظ: آخر.
[7756]:من م وفي الأصل وظ ومد: حقى – كذا.
[7757]:زيد في الأصل "أمر" .
[7758]:من م ومد وظ، وفي الأصل: ينتظم.
[7759]:من م ومد وظ، في الأصل: تفصله.
[7760]:في م: فقال.
[7761]:والإجابة عبارة عن الوفاء بما ضمن للمطيعين من الثواب – البحر المحيط 2 / 45 وفيه: وروى أنه نزل قوله "أجيب دعوة الداع إذا دعان" لما نزل "فإني قريب" قال المشركون: كيف يكون قريبا ومن بيننا وبينه على قولك سبع سماوات في غلظ، سمك كل سماء خمسمائة عام وفيما بين كل سماء وسماء مثل ذلك فبين بقوله "أجيب" أن ذلك القرب هو الإجابة والقدرة .
[7762]:ليس في م.
[7763]:من م ومد وظ، وفي الأصل: المشروع.
[7764]:زيد من م وظ ومد.
[7765]:ليس في م.
[7766]:في الأصل: الصوم والتصحيح من م وظ ومد.
[7767]:من م وظ ومد، وفي الأصل: كون.
[7768]:من م وظ ومد، وفي الأصل: الفطر.
[7769]:في ظ: انتقاله.
[7770]:من م ومد وظ، وفي الأصل: تجلية.
[7771]:من م ومد وظ، وفي الأصل: الداعي.
[7772]:في مد: حالة.
[7773]:في م ومد: رشده وفي ظ: رشدة.
[7774]:في م: و.
[7775]:وذكروا قيودا في هذا الكلام وتخصيصات فقيدت الإجابة بمشيئة الله تعالى، التقدير: عن شئت ويدل عليه التصريح بهذا القيد في الآية الأخرى "فيكشف ما تدعون إليه إن شاء"...وقيل: يكون المسؤول خيرا للسائل أي عن كان خيرا، وقيل: يكون المسؤول غير محال، وقد يثبت بصريح العقل وصحيح النقل أن بعض الدعاة لا يجيبه الله إلى ما سأل ولا يبلغه المقصود مما طلب فخصصوا الداعي بأن يكون مطيعا مجتنبا لمعاصيه – البحر المحيط 2 / 46
[7776]:زيد من م وظ ومد.
[7777]:من م ومد وظ، وفي الأصل: بكثرة.
[7778]:من مد وفي ظ: الداعياء، وفي الأصل: الداعي.
[7779]:في مد وظ: دعان .
[7780]:من م ومد وظ، وفي الأصل: بوسعة.
[7781]:في م فقط: القرآن.
[7782]:من م ومد وفي ظ: بما في، وفي الأصل: بحسب باقي.
[7783]:من م ومد وفي ظ : بما في وفي الأصل : بحسب باقي.
[7784]:سورة 54 آية 17
[7785]:أي فليطلبوا إجابتي لهم إذا دعوني – قاله ثعلب، فيكون استفعل قد جاءت بمعنى الطلب كاستغفر وهو الكثير فيها، أو فليجيبوا لي إذا دعوتهم إلى الإيمان والطاعة كما أني أجيبهم إذا دعوني لحوائجهم – قاله مجاهد وأبو عبيدة وغيرهما، ويكون استفعل فيه بمعنى أفعل وهو كثير في القرآن "فاستجاب لهم ربهم أني لا أضيع" فاستجبنا له يحي" – من البحر المحيط 2 / 47 .
[7786]:في الأصل بينه، والتصحيح من م ومد وظ.
[7787]:من م وظ ومد، وفي الأصل: يحمل.
[7788]:ليس في ظ.
[7789]:ليس في ظ.
[7790]:زيد من م ومد وظ: فيما.
[7791]:من م ومد وظ، وفي الأصل: أولا.
[7792]:من م ومد وظ، وفي الأصل: لا يكاد يتناهى.
[7793]:من م ومد وظ، وفي الأصل: لا يكاد يتناهى.
[7794]:من م ومد وظ، وفي الأصل: وفي البحر المحيط 2 / 47: معطوف على "فليجيبوا لي" ومعناه الأمر بالإيمان بالله وحمله على الأمر بإنشاء الإيمان لأن صدر الآية يقتضي أنهم مؤمنون فلذلك يؤول على الديمومة أو على إخلاص الدين والدعوة والعمل.
[7795]:ليس في م.
[7796]:زيد ما بين الحاجزين من م وظ ومد.
[7797]:في م وظ: تتفصل.
[7798]:زيد ما بين الحاجزين من م وظ ومد.
[7799]:قال الأندلسي: وختم الآية برجاء الرشد من أحسن الأشياء لأنه تعالى لما أمرهم بالاستجابة وبالإيمان به نبه على أن هذا التكليف ليس القصد منه إلا وصولك بامتثاله إلى رشاد في نفسك لا يصل إليه تعالى منه شيء من منافعه وإنما ذلك مختص بك، ولما كان الإيمان شبه بالطريق المسلوك في القرآن ناسب ذكر الرشاد وهو الهداية.