وأعجب ما في الأمر أن المشركين ، يجعلون لله ما يكرهون من البنات وغير البنات ، ثم يزعمون كاذبين أن سينالهم الخير والإحسان جزاء على ما يجعلون ويزعمون ! والقرآن يقرر ما ينتظرهم وهو غير ما يزعمون :
( ويجعلون لله ما يكرهون وتصف ألسنتهم الكذب أن لهم الحسنى . لا جرم أن لهم النار وأنهم مفرطون ) .
والتعبير يجعل ألسنتهم ذاتها كأنها الكذب ذاته ، أو كأنها صورة له ، تحكيه وتصفه بذاتها . كما تقول قوامه يصف الرشاقة وعينه تصف الحور . لأن ذلك القوام بذاته تعبير عن الرشاقة مفصح عنها ، ولأن هذه العين بذاتها تعبير عن الحور مفصح عنه . كذلك قال : تصف ألسنتهم الكذب ، فهي بذاتها تعبير عن الكذب مفصح عنه مصور له ، لطول ما قالت الكذب وعبرت عنه حتى صارت رمزا عليه ودلالة له ! .
وقولهم : أن لهم الحسنى ، وهم يجعلون لله ما يكرهون هو ذلك الكذب الذي تصفه ألسنتهم أما الحقيقة التي يجبههم بها النص قبل أن تكمل الآية ، فهي أن لهم النار دون شك ولا ريب ، وعن استحقاق وجدارة :
( لا جرم أن لهم النار ) وأنهم معجلون إليها غير مؤخرين عنها : ( وأنهم مفرطون ) والفرط هو ما يسبق ، والمفرط ما يقدم ليسبق فلا يؤجل .
{ أن لهم الحسنى } : أي : الجنة ، إذ قال بعضهم ولئن رجعت إلى ربي أن لي عنده للحسنى .
{ وأنهم مفرطون } : أي : مقدمون إلى جهنم ، متروكون فيها .
وآخر آية في هذا السياق ( 62 ) تضمنت التنديد بسوء حال الذين لا يؤمنون بالآخرة ، وذلك أنهم لجهلهم بالله ، وقبح تصورهم لظلمة نفوسهم ، أنهم يجعلون لله تعالى ما يكرهونه لأنفسهم ، من البنات ، والشركاء ، وسب الرسول وازدرائه ، ومع هذا يتبجحون بالكذب ب " أن لهم الحسنى " ، أي : الجنة يوم القيامة . فرد تعالى على هذا الافتراء والهراء السخيف بقوله : ( لا جرم ) ، أي : حقاً وصدقاً ولا محالة ، { أن لهم النار } ، بدل الجنة ، { وأنهم مفرطون } ، إليها ، مقدرون متروكون فيها أبداً . هذا ما تضمنته الآية في قوله تعالى : { ويجعلون لله ما يكرهون وتصف ألسنتهم الكذب أن لهم الحسنى لا جرم أن لهم النار وأنهم مفرطون } ، وإن قرئ " مفرطون " باسم الفاعل ، فهم حقاً مفرطون في الشر والفساد ، والكفر والضلال ، والانحطاط إلى أبعد حد .
- بيان سوء اعتقاد الذين لا يؤمنون بالآخرة ، وهو أنهم ينسبون إلى نفوسهم الحسنى ، ويجعلون لله ما يكرهون من البنات ، والشركاء ، وسب الرسل وامتهانهم .
وقوله : ( ويجعلون لله ما يكرهون ) ، ( ما ) ، لمن يعقل . والمراد به النوع ، كقوله سبحانه : ( فانكحوا ما طاب لكم من النساء ) ، و ( ما ) تعم العقلاء وغيرهم . والمعنى : أن المشركين ينسبون لله ما يكرهونه لأنفسهم ، من البنات ومن الشركاء ، وهم أنفسهم يأنفون أن يكون عندهم الشركاء في أموالهم ورئاستهم .
قوله : ( وتصف ألسنتهم الكذب أن لهم الحسنى ) ، ( الكذب ) ، مفعول به . ( أن لهم الحسنى ) ، بدل منه ، بدل كل من كل{[2552]} ؛ أي : مع كل ظلمهم وعصيانهم ، فإنهم يكذبون بقولهم : ( أن لهم الحسنى ) ، أي : الجنة . وهذا غاية الكذب والتقول الظالم ؛ إذ يهذون بأن لهم من الله الجنة .
قوله : ( لا جرم أن لهم النار ) ، ( لا جرم ) ، أي : حقا ، لا بد منه ، أن لهؤلاء الظالمين النار بدلا مما زعموه من الحسنى ، وهي : الجنة ، ( وأنهم مفرطون ) ، بفتح الراء ؛ أي : مضيعون في النار منسيون فيها أبدا ، أو مقدمون معجل بهم إليهم . وذلك من أفرطته إلى كذا ، أي : قدمته . ومنه قول رسول الله ( ص ) : " أنا فرطكم على الحوض " ، أي : متقدمكم عليه . وكثيرا ما يقال للمتقدم إلى الماء لإصلاح شيء : فارط وفرط . ومفرطون بالتشديد ؛ أي : مقصرون ، من فرط في كذا ، أي : قصر{[2553]} .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.