( وقل : الحق من ربكم ، فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر ) . .
بهذه العزة ، وبهذه الصراحة ، وبهذه الصرامة ، فالحق لا ينثني ولا ينحني ، إنما يسير في طريقه قيما لا عوج فيه ، قويا لا ضعف فيه ، صريحا لا مداورة فيه . فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر . ومن لم يعجبه الحق فليذهب ، ومن لم يجعل هواه تبعا لما جاء من عند الله فلا مجاملة على حساب العقيدة ؛ ومن لم يحن هامته ويطامن من كبريائه أمام جلال الله فلا حاجة بالعقيدة إليه .
إن العقيدة ليست ملكا لأحد حتى يجامل فيها . إنما هي ملك لله ، والله غني عن العالمين . والعقيدة لا تعتز ولا تنتصر بمن لا يريدونها لذاتها خالصة ، ولا يأخذونها كما هي بلا تحوير . والذي يترفع عن المؤمنين الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه لا يرجى منه خير للإسلام ولا المسلمين .
ثم يعرض ما أعد للكافرين ، وما أعد للمؤمنين في مشهد من مشاهد القيامة :
( إنا أعتدنا للظالمين نارا أحاط بهم سرادقها ؛ وإن يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل يشوي الوجوه . بئس الشراب وساءت مرتفقا . إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات إنا لا نضيع أجر من أحسن عملا . أولئك لهم جنات عدن تجري من تحتهم الأنهار ، يحلون فيها من أساور من ذهب ؛ ويلبسون ثيابا خضرا من سندس وإستبرق ، متكئين فيها على الأرائك . نعم الثواب وحسنت مرتفقا ) .
( إنا أعتدنا للظالمين نارا ) . . أعددناها وأحضرناها . . فهي لا تحتاج إلى جهد لإيقادها ، ولا تستغرق زمنا لإعدادها ! ومع أن خلق أي شيء لا يقتضي إلا كلمة الإرادة : كن . فيكون . إلا أن التعبير هنا بلفظ( اعتدنا )يلقي ظل السرعة والتهيؤ والاستعداد ، والأخذ المباشر إلى النار المعدة المهيأة للاستقبال !
وهي نار ذات سرادق يحيط بالظالمين ، فلا سبيل إلى الهرب ، ولا أمل في النجاة والإفلات . ولا مطمع في منفذ تهب منه نسمة ، أو يكون فيه استرواح !
فإن استغاثوا من الحريق والظمأ أغيثوا . . أغيثوا بماء كدردي الزيت المغلي في قول ، وكالصديد الساخن في قول ! يشوي الوجوه بالقرب منها فكيف بالحلوق والبطون التي تتجرعه ( بئس الشراب ) الذي يغاث به الملهوفون من الحريق ! ويا لسوء النار وسرادقها مكانا للارتفاق والاتكاء . وفي ذكر الارتفاق في سرادق النار تهكم مرير . فما هم هنالك للارتفاق ، إنما هم للاشتواء !
كالمهل : خثارة الزيت ، المعدن المذاب .
بعد أن أمر اللهُ رسوله صلى الله عليه وسلم أن لا يلتفت إلى قولِ أولئك الأغنياء الذين قالوا : إن طردتَ أولئك الفقراء آمنا بك ، أمره أن يقول لهم ولغيرِهم على طريق التهديد والوعيد : إن ما جئتُ به هو الحقُّ من عند ربكم ، فمن شاءَ أن يؤمن به فليؤمن فذلك خير له ، ومن شاء أن يكفر فليكفر فانه لا يظلم إلا نفسه . إن الله قد أعدّ لمن ظلم نفسه بالكفر نارا تحيط بهم كالسُّرادقِ ، وإن يطلبوا الغوثَ بطلب الماء يؤتَ لهم بماءٍ عكرٍ أسود يحرقُ الوجوه لشدة غليانه ، { بِئْسَ الشراب وَسَآءَتْ مُرْتَفَقاً . . }
ما أقبح ذلك الشرابَ ، ويا لسوءِ النار وسرادقها مكانا للارتفاق والاتكاء .
قوله تعالى : " وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر " " الحق " رفع على خبر الابتداء المضمر ، أي قل هو الحق . وقيل : هو رفع على الابتداء ، وخبره في قوله " من ربكم " . ومعنى الآية : قل يا محمد لهؤلاء الذين أغفلنا قلوبهم عن ذكرنا : أيها الناس من ربكم الحق فإليه التوفيق والخذلان ، وبيده الهدى والضلال ، يهدي من يشاء فيؤمن ، ويضل من يشاء فيكفر ، ليس إلي من ذلك شيء ، فالله يؤتي الحق من يشاء وإن كان ضعيفا ، ويحرمه من يشاء وإن كان قويا غنيا ، ولست بطارد المؤمنين لهواكم ، فإن شئتم فآمنوا ، وإن شئتم فاكفروا . وليس هذا بترخيص وتخيير بين الإيمان والكفر ، وإنما هو وعيد وتهديد . أي إن كفرتم فقد أعد لكم النار ، وإن آمنتم فلكم الجنة .
قوله تعالى : " إنا أعتدنا " أي أعددنا . " للظالمين " أي للكافرين الجاحدين . " نارا أحاط بهم سرادقها " قال الجوهري : السرادق واحد السرادقات التي تمد فوق صحن الدار . وكل بيت من كرسف{[10509]} فهو سرادق . قال رؤبة{[10510]} :
يا حَكَمُ بنَ المنذر بن الجارُود *** سُرادقُ المجد عليك ممدودْ
يقال : بيت مسردق . وقال سلامة بن جندل يذكر أبرويز{[10511]} وقتله النعمان بن المنذر تحت أرجل الفيلة :
هو المُدْخِلُ النعمانَ بيتاً سماؤُه *** صُدورُ الفُيولِ بعد بيتٍ مُسَرْدَقِ
وقال ابن الأعرابي : " سرادقها " سورها . وعن ابن عباس : حائط من نار . الكلبي : وقال ابن الأعرابي : " سرادقها " سورها . وعن ابن عباس : حائط من نار . الكلبي : عنق تخرج من النار فتحيط بالكفار كالحظيرة . القتبي : السرادق الحجرة التي تكون حول الفسطاط . وقال ابن عزيز . وقيل : هو دخان يحيط بالكفار يوم القيامة ، وهو الذي ذكره الله تعالى في سورة " والمرسلات " . حيث يقول : " انطلقوا إلى ظل ذي ثلاث شعب{[10512]} " [ المرسلات : 30 ] وقوله : " وظل من يحموم{[10513]} " [ الواقعة : 43 ] قاله قتادة . وقيل : إنه البحر المحيط بالدنيا . وروي يعلي بن أمية قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( البحر هو جهنم - ثم تلا - نارا أحاط بهم سرادقها - ثم قال - والله لا أدخلها أبدا ما دمت حيا ولا يصيبني منها قطرة ) ذكره الماوردي . وخرج ابن المبارك من حديث أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( لسرادق النار أربع جدر كثف{[10514]} كل جدار مسيرة أربعين سنة ) . وخرجه أبو عيسى الترمذي ، وقال فيه : حديث حسن صحيح غريب . قلت : وهذا يدل على أن السرادق ما يعلو الكفار من دخان أو نار ، وجدره ما وصف .
قوله تعالى : " وإن يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل يشوي الوجوه " قال ابن عباس : المهل ماء غليظ مثل دردي{[10515]} الزيت . مجاهد : القيح والدم . الضحاك : ماء أسود ، وإن جهنم لسوداء ، وماؤها أسود وشجرها أسود وأهلها سود . وقال أبو عبيدة : هو كل ما أذيب من جواهر الأرض من حديد ورصاص ونحاس وقصدير ، فتموج بالغليان ، فذلك المهل . ونحوه عن ابن مسعود قال سعيد بن جبير : هو الذي قد انتهى حره . وقال : المهل ضرب من القطران ، يقال : مهلت البعير فهو ممهول . وقيل : هو السم . والمعنى في هذه الأقوال متقارب . وفي الترمذي عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله " كالمهل " قال : ( كعكر الزيت فإذا قربه إلى وجهه سقطت فروة وجهه ) قال أبو عيسى : هذا حديث إنما نعرفه من حديث رشدين بن سعد ورشدين قد تكلم فيه من قبل حفظه . وخرج عن أبي أمامة عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله : " ويسقى من ماء صديد يتجرعه{[10516]} " قال : ( يقرب إلى فيه فكرهه فإذا أدني منه شوى وجهه ووقعت فروة رأسه إذا شربه قطع أمعاءه حتى يخرج من دبره . يقول الله تعالى " وسقوا ماء حميما فقطع أمعاءهم{[10517]} " [ محمد : 15 ] يقول " وإن يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل يشوي الوجوه بئس الشراب وساءت مرتفقا " قال : حديث غريب .
قلت : وهذا يدل على صحة تلك الأقوال ، وأنها مرادة ، والله أعلم . وكذلك نص عليها أهل اللغة . في الصحاح " المهل " النحاس المذاب . ابن الأعرابي : المهل المذاب من الرصاص . وقال أبو عمرو . المهل دردي الزيت . والمهل أيضا القيح والصديد . وفي حديث أبي بكر : ادفنوني في ثوبي هذين فإنهما للمهل والتراب . و " مرتفقا " قال مجاهد : معناه مجتمعا ، كأنه ذهب إلى معنى المرافقة . ابن عباس : منزلا . عطاء : مقرا . وقيل مهادا . وقال القتبي : مجلسا ، والمعنى متقارب ، وأصله من المتكأ ، يقال منه : ارتفقت أي اتكأت على المرفق . قال الشاعر :
قالت له وارتفقتْ ألا فتًى *** يسوق بالقوم غَزَالاتِ الضُّحَى
ويقال : ارتفق الرجل إذا نام على مرفقه لا يأتيه نوم . قال أبو ذؤيب الهذلي :
نام الخلي وبت الليلَ مُرْتِفقا{[10518]}*** كأنَّ عيني فيها الصاب مَذْبُوحُ