في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{ثُمَّ كُلِي مِن كُلِّ ٱلثَّمَرَٰتِ فَٱسۡلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلٗاۚ يَخۡرُجُ مِنۢ بُطُونِهَا شَرَابٞ مُّخۡتَلِفٌ أَلۡوَٰنُهُۥ فِيهِ شِفَآءٞ لِّلنَّاسِۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَةٗ لِّقَوۡمٖ يَتَفَكَّرُونَ} (69)

51

والنص على أن العسل فيه شفاء للناس قد شرحه بعض المختصين في الطب . شرحا فنيا . وهو ثابت بمجرد نص القرآن عليه . وهكذا يجب أن يعتقد المسلم استنادا إلى الحق الكلي الثابت في كتاب الله ؛ كما أثر عن رسول الله .

روى البخاري ومسلم عن أبي سعيد الخدري أن رجلا جاء إلى رسول الله [ ص ] فقال : إن أخي استطلق بطنه ، فقال له رسول الله [ ص ] : " اسقه عسلا " فسقاه عسلا . ثم جاء فقال : يا رسول الله سقيته عسلا فما زاده إلا استطلاقا . قال : " اذهب فاسقه عسلا " فذهب فسقاه عسلا ثم جاء فقال : يا رسول الله ما زاده ذلك إلا استطلاقا . فقال رسول الله [ ص ] " صدق الله وكذب بطن أخيك اذهب فاسقه عسلا " فذهب فسقاه عسلا فبرى ء .

ويروعنا في هذا الأثر يقين الرسول [ ص ] أمام ما بدا واقعا عمليا من استطلاق بطن الرجل كلما سقاه أخوه . وقد انتهى هذا اليقين بتصديق الواقع له في النهاية . وهكذا يجب أن يكون يقين المسلم بكل قضية وبكل حقيقة وردت في كتاب الله . مهما بدا في ظاهر الأمر أن ما يسمى الواقع يخالفها . فهي أصدق من ذلك الواقع الظاهري ، الذي ينثني في النهاية ليصدقها . .

ونقف هنا أمام ظاهرة التناسق في عرض هذه النعم : إنزال الماء من السماء . وإخراج اللبن من بين فرث ودم . واستخراج السكر والرزق الحسن من ثمرات النخيل والأعناب . والعسل من بطون النحل . . إنها كلها أشربة تخرج من أجسام مخالفة لها في شكلها . ولما كان الجو جو أشربة فقد عرض من الأنعام لبنها وحده في هذا المجال تنسيقا لمفردات المشهد كله . وسنرى في الدرس التالي أنه عرض من الأنعام جلودها وأصوافها وأوبارها لأن الجو هناك جو أكنان وبيوت وسرابيل فناسب أن يعرض من الأنعام جانبها الذي يتناسق مع مفردات المشهد . . وذلك أفق من آفاق التناسق الفني في القرآن .

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{ثُمَّ كُلِي مِن كُلِّ ٱلثَّمَرَٰتِ فَٱسۡلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلٗاۚ يَخۡرُجُ مِنۢ بُطُونِهَا شَرَابٞ مُّخۡتَلِفٌ أَلۡوَٰنُهُۥ فِيهِ شِفَآءٞ لِّلنَّاسِۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَةٗ لِّقَوۡمٖ يَتَفَكَّرُونَ} (69)

65

المفردات :

السبل : واحدها : سبل .

ذللا : واحدا : ذلول ، أي : منقادة طائعة .

شراب : عسلا .

مختلف ألوانه : من أبيض إلى أصفر إلى أسود بحسب اختلاف المرعى .

التفسير :

{ ثم كلي من كل الثمرات فاسلكي سبل ربك ذللا يخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه فيه شفاء للناس إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون } .

جاء الحديث في الآية السابقة ، عن إلهام النحل : أن تتخذ بيوتها من بعض الجبال ، ومن بعض الأشجار ، وفوق العروش التي يصنعها الإنسان ، فليس كل جبل صالحا لحياة النحل ، ولهذا جاءت من التبعيضية ، أي : اتخذي من بعض الجبال .

وهنا أباح الأكل من جميع ما تشتهيه ، وما تحب أكله من الثمرات ، { ثم كلي من كل الثمرات } . أي : الحلو والمز والحامض والحريف ، ويتحول بقدرة القادر إلى شهد .

{ فاسلكي سبل ربك ذللا } . أي : سيري في الطرق التي ألهمك الله أن تسلكيها ، وتدخلي فيها لطلب الثمار ، ولا تعسر عليك وإن توعرت ، ولا تضلي عن العودة منها وإن بعدت .

والخلاصة : سيري في الطرق والمسارات التي ذللها الله لك ، ويسر لك السير فيها ، والعودة منها إلى منزلك ، أو سيري حال كونك مذللة لله مسخرة منقادة لخدمة الإنسان .

{ يخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه } .

كان الحديث عن النحلة فيما سبق ، وهنا اتجه الحديث إلى الناس ؛ لإعلامهم بفضل الله عليهم .

والمعنى : يخرج من بطون النحل شراب هو العسل ، متعدد الألوان ، فتارة يكون أبيض ، وأخرى أصفر ، وحينا أحمر ، بحسب اختلاف المرعى .

{ فيه شفاء للناس } . أي : إن العسل نافع لكثير من الأمراض ، وكثيرا ما يدخل في تركيب العقاقير والأدوية .

وقد اختلف العلماء في هذا الشفاء ، هل هو عام لكل داء ، أو خاص ببعض الأمراض .

فقالت طائفة : هو على العموم في كل حال ولكل أحد .

وقالت طائفة أخرى : إن ذلك خاص ببعض الأمراض ، ولا يقتضي العموم في كل علة وفي كل إنسان ، وليس هذا بأول لفظ خصص في القرآن ، فالقرآن مملوء منه ، ولغة العرب يأتي فيها العام كثيرا بمعنى الخاص ، والخاص بمعنى العام ، ومما يدل على هذا ، أن العسل نكرة في سياق الإثبات ، فلا يكون عاما باتفاق أهل اللسان ، ومحققي أهل الأصول . وتنكيره وإن أريد به التعظيم ، لا يدل إلا على أن فيه شفاء عظيما لمرض أو أمراض ، لا لكل مريض ، فإن تنكير التعظيم لا يفيد العموم .

وحديث البخاري : ( إن أخي استطلق بطنه )42 ، يفيد : معرفة الرسول صلى الله عليه وسلم ، بأن هذا المرض يناسبه العسل ، ولا نستطيع أن نقول : إن جميع الأمراض يناسبها العسل ، بل نقول : العسل مناسب وشفاء لبعض الأمراض ، وينبغي أن نرجع إلى معرفة الأطباء المختصين ، ونتبع مشورتهم ، وأن نمتنع عن أكل العسل إذا أفاد الطبيب : أنه غير مناسب لمرض من الأمراض43 .

{ إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون } . أي : فيما ذكره الله تعالى من تعداد هذه النعم ، وتسخير النحل وإلهامها : أن تأكل من كل الثمرات ، وأن تتخذ البيوت من الجبال والشجر والعروش ، وتيسير نظامها وعملها وخروج العسل منها ؛ ليكون شفاء للناس ؛ في كل ما ذكر آيات ودلائل واضحات ، لقوم يتفكرون ويتأملون ، ويشهدون بأن كل ذلك من صنع الإله الواحد الأحد ، الذي ليس كمثله شيء ، وأنه لا ينبغي أن يكون له شريك ، ولا تصح الألوهية إلا له .

ملحق بتفسير الآية

تتبع علماء المواليد أحوال النحل ، وكتبوا فيها المؤلفات ، بكل اللغات ، وخصصوا لها مجلات تنشر أطوارها وأحوالها ، وقد وصلوا من ذلك إلى أمور :

( أ‌ ) أنها تعيش جماعات كبيرة ، قد يصل عدد بعضها نحو خمسين ألف نحلة ، وتسكن كل جماعة منها في بيت خاص يسمى : خلية .

( ب‌ ) أن كل خلية يكون فيها نحلة واحدة كبيرة تسمى : الملكة أو اليعسوب ، وهي أكبرهم جثة وأمرها نافذ فيهم ، وعدد يتراوح بين أربعمائة وخمسمائة يسمى الذكور ، وعدد آخر من خمسة عشر ألفا إلى خمسين ألف نحلة ، ويسمى : الشغالات أو العاملات .

( ج‌ ) تعيش هذه الفصائل الثلاث في كل خلية عيشة تعاونية على أدق ما يكون نظاما ، فعلى الملكة وحدها وضع البيض ، الذي يخرج منه نحل الخلية كلها فهي أم النحل ، وعلى الذكور تلقيح الملكات وليس لها عمل آخر ، وعلى الشغالة خدمة الخلية ، وخدمة الملكات ، وخدمة الذكور ، فتنطلق في المزارع طول النهار لجمع رحيق الأزهار ، ثم تعود إلى الخلية فتفرز عسلا ، يغذى به سكان الخلية صغارا وكبارا . . . كما عليها أن تنظف الخلية ، وتخفق بأجنحتها لتساعد على تهويتها ، وعليها أيضا الدفاع عن المملكة ، وحراستها من الأعداء ، كالنمل والزنابير وبعض الطيور .

من هدى السنة

روى البخاري ومسلم عن أبي سعيد الخدري : أن رجلا جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : إن أخي استطلق بطنه ، فقال له رسول الله : ( اسقه عسلا ) فسقاه عسلا ، ثم جاء فقال يا رسول الله ، سقيته عسلا ، فما زاده إلا استطلاقا ، قال : ( اذهب فاسقه عسلا ) ، فذهب فسقاه عسلا ، ثم جاء فقال : يا رسول الله ، ما زاده ذلك إلا استطلاقا ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( صدق الله وكذب بطن أخيك ، اذهب فاسقه عسلا ) فذهب فسقاه عسلا فبرئ44 .

وعلّل هذا بعض الأطباء الماضين ، قال :

كان لدى هذا الرجل فضلات في المعدة ، فلما سقاه عسلا ؛ تحللت فأسرعت إلى الخروج فزاد إسهاله ، فاعتقد الأعرابي أن هذا يضره وهو فائدة لأخيه ، ثم سقاه فازداد التحلل والدفع ، وكلما سقاه حدث مثل هذا ، حتى اندفعت الفضلات الفاسدة المضرة بالبدن ، فاستمسك بطنه ، وصلح مزاجه ، وزالت الآلام والأسقام ، بإرشاده عليه السلام .

وروى البخاري عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :

( الشفاء في ثلاثة : شرطة محجم ، أو شربة عسل ، أو كية بنار ، وأنهي أمتي عن الكي )45 .

وروى البخاري أيضا عن جابر بن عبد الله قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( إن كان في شيء من أدويتكم ، أو يكون في شيء من أدويتكم خير ، ففي شرطة محجم ، أو شربة عسل ، أو لذعة بنار توافق الداء ، وما أحب أن أكوى )46 .

وقد تحدث الأطباء في القديم والحديث عن فضل العسل وأهميته في علاج بعض الأمراض ، وذكروا أن التركيب الكيماوي للعسل كما يلي :

من 25 : 40% جلوكوز .

من 30 : 45% ليفيلوز .

من 15 : 25% ماء .

والجلوكوز الموجود في العسل بنسبة أكثر من أي غذاء آخر ، وهو سلاح الطبيب في أغلب الأمراض ، واستعماله في ازدياد مستمر بتقدم الطب ، فيعطى بالفم ، وبالحقن الشرجية ، وتحت الجلد ، وفي الوريد ويعطى بصفته مقويا ومغذيا ، وضد التسمم الناشئ من أمراض أعضاء الجسم ، مثل : التسمم البولي الناشئ من أمراض الكبد ، والاضطرابات المعدية والمعوية ، وضد التسمم في الحميات ، مثل : التيفويد والالتهاب الرئوي ، والسحائي ، والمخي ، والحصبة ، وفي حالات ضعف القلب ، وحالات الذبحة الصدرية ، وبصفة خاصة في الارتشاحات العمومية الناشئة من التهابات الكلي الحادة وفي احتقان المخ ، وفي الأورام المخية . . الخ47 .

 
التسهيل لعلوم التنزيل، لابن جزي - ابن جزي [إخفاء]  
{ثُمَّ كُلِي مِن كُلِّ ٱلثَّمَرَٰتِ فَٱسۡلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلٗاۚ يَخۡرُجُ مِنۢ بُطُونِهَا شَرَابٞ مُّخۡتَلِفٌ أَلۡوَٰنُهُۥ فِيهِ شِفَآءٞ لِّلنَّاسِۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَةٗ لِّقَوۡمٖ يَتَفَكَّرُونَ} (69)

{ ثم كلي من كل الثمرات } ، عطف كلي على ا{ تخذي } ، و{ من } للتبعيض ، وذلك أنها إنما تأكل النوار من الأشجار ، وقيل : المعنى من كل الثمرات التي تشتهيها .

{ فاسلكي سبل ربك } ، يعني : الطرق في الطيران ، وأضافها إلى الرب ؛ لأنها ملكه وخلقه ، { ذللا } ، أي : مطيعة منقادة ، ويحتمل أن يكون حالا من السبل ، قال مجاهد : لم يتعرض قط على النحل طريق أو حالا من النحل ، أي : منقادة لما أمرها الله به .

{ يخرج من بطونها شراب } ، يعني : العسل ، { مختلفا ألوانه } ، أي : منه أبيض وأصفر وأحمر .

{ فيه شفاء للناس } ، الضمير للعسل ؛ لأن أكثر الأدوية مستعملة من العسل ، كالمعاجين والأشربة النافعة من الأمراض ، وكان ابن عمر يتداوى به من كل شيء ، فكأنه أخذه على العموم ، وعلى ذلك الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أن رجلا جاء إليه ، فقال : إن أخي يشتكي بطنه ، " فقال اسقه عسلا " ، فذهب ثم رجع فقال : قد سقيته فما نفع ، قال " فاذهب فاسقه عسلا ، فقد صدق الله وكذب بطن أخيك " ، فسقاه فشفاه الله عز وجل .