سورة الإسراء مكية وآياتها إحدى عشرة ومائة
هذه السورة - سورة الإسراء - مكية ، وهي تبدأ بتسبيح الله وتنتهي بحمده ؛ وتضم موضوعات شتى معظمها عن العقيدة ؛ وبعضها عن قواعد السلوك الفردي والجماعي وآدابه القائمة على العقيدة ؛ إلى شيء من القصص عن بني إسرائيل يتعلق بالمسجد الأقصى الذي كان إليه الإسراء . وطرف من قصة آدم وإبليس وتكريم الله للإنسان .
ولكن العنصر البارز في كيان السورة ومحور موضوعاتها الأصيل هو شخص الرسول [ ص ] وموقف القوم منه في مكة . وهو القرآن الذي جاء به ، وطبيعة هذا القرآن ، وما يهدي إليه ، واستقبال القوم له . واستطرادا بهذه المناسبة إلى طبيعة الرسالة والرسل ، وإلى امتياز الرسالة المحمدية بطابع غير طابع الخوارق الحسية وما يتبعها من هلاك المكذبين بها . وإلى تقرير التبعة الفردية في الهدى والضلال الاعتقادي ، والتبعة الجماعية في السلوك العملي في محيط المجتمع . . كل ذلك بعد أن يعذر الله - سبحانه - إلى الناس ، فيرسل إليهم الرسل بالتبشير والتحذير والبيان والتفصيل ) وكل شيء فصلناه تفصيلا ) .
ويتكرر في سياق السورة تنزيه الله وتسبيحه وحمده وشكر آلائه . ففي مطلعها : ( سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى . . . )وفي أمر بني إسرائيل بتوحيد الله يذكرهم بأنهم من ذرية المؤمنين مع نوح )إنه كان عبدا شكورا ) . . وعند ذكر دعاوي المشركين عن الآلهة يعقب بقوله : )سبحانه وتعالى عما يقولون علوا كبيرا ، تسبح له السماوات السبع والأرض ومن فيهن ، وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم ) . . وفي حكاية قول بعض أهل الكتاب حين يتلى عليهم القرآن : )ويقولون : سبحان ربنا إن كان وعد ربنا لمفعولا ) . . وتختم السورة بالآية )وقل الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا ، ولم يكن لهشريك في الملك ، ولم يكن له ولي من الذل ، وكبره تكبيرا ) .
في تلك الموضوعات المنوعة حول ذلك المحور الواحد الذي بينا ، يمضي سياق السورة في أشواط متتابعة .
يبدأ الشوط الأول بالإشارة إلى الإسراء : )سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله )مع الكشف عن حكمة الإسراء )لنريه من آياتنا ) . . وبمناسبة المسجد الأقصى يذكر كتاب موسى وما قضى فيه لبني إسرائيل ، من نكبة وهلاك وتشريد مرتين ، بسبب طغيانهم وإفسادهم مع إنذارهم بثالثة ورابعة )وإن عدتم عدنا ) . . ثم يقرر أن الكتاب الأخير - القرآن - يهدي للتي هي أقوم ، بينما الإنسان عجول مندفع لا يملك زمام انفعالاته . ويقرر قاعدة التبعة الفردية في الهدى والضلال ، وقاعدة التبعة الجماعية في التصرفات والسلوك .
ويبدأ الشوط الثاني بقاعدة التوحيد ، ليقيم عليها البناء الاجتماعي كله وآداب العمل والسلوك فيه ، ويشدها إلى هذا المحور الذي لا يقوم بناء الحياة إلا مستندا إليه .
ويتحدث في الشوط الثالث عن أوهام الوثنية الجاهلية حول نسبة البنات والشركاء إلى الله ، وعن البعث واستبعادهم لوقوعه ، وعن استقبالهم للقرآن وتقولاتهم على الرسول [ ص ] ويأمر المؤمنين أن يقولوا قولا آخر ، ويتكلموا بالتي هي أحسن .
وفي الشوط الرابع يبين لماذا لم يرسل الله محمدا [ ص ] بالخوارق فقد كذب بها الأولون ، فحق عليهم الهلاك اتباعا لسنة الله ؛ كما يتناول موقف المشركين من إنذارهم لله في رؤيا الرسول [ ص ] وتكذيبهم وطغيانهم . ويجيء في هذا السياق طرف من قصة إبليس ، وإعلانه أنه سيكون حربا على ذرية آدم . يجيء هذا الطرف من القصة كأنه كشف لعوامل الضلال الذي يبدو من المشركين . ويعقب عليه بتخويف البشر من عذاب الله ، وتذكيرهم بنعمة الله عليهم في تكريم الإنسان ، وما ينتظر الطائعين والعصاة يوم ندعو كل أناس بإمامهم : فمن أوتي كتابه بيمينه فأولئك يقرؤون كتابهم ولا يظلمون فتيلا . ومن كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلا .
ويستعرض الشوط الأخير كيد المشركين للرسول [ ص ] ومحاولة فتنته عن بعض ما أنزل إليه ومحاولة إخراجه من مكة . ولو أخرجوه قسرا - ولم يخرج هو مهاجرا بأمر الله - لحل بهم الهلاك الذي حل بالقرى من قبلهم حين أخرجت رسلها أو قتلتهم . ويأمر الرسول [ ص ] أن يمضي في طريقه يقرأ قرآنه ويصلي صلاته ، ويدعو الله أن يحسن مدخله ومخرجه ويعلن مجيء الحق وزهوق الباطل ، ويعقب بأن هذا القرآن الذي أرادوا فتنته عن بعضه فيه شفاء وهدى للمؤمنين ، بينما الإنسان قليل العلم )وما أوتيتم من العلم إلا قليلا ) .
ويستمر في الحديث عن القرآن وإعجازه . بينما هم يطلبون خوارق مادية ، ويطلبون نزول الملائكة ، ويقترحون أن يكون للرسول بيت من زخرف أو جنة من نخيل وعنب ، يفجر الأنهار خلالها تفجيرا ! أو أن يفجر لهم من الأرض ينبوعا . أو أن يرقى هو في السماء ثم يأتيهم بكتاب مادي معه يقرأونه . . . إلى آخر هذه المقترحات التي يمليها العنت والمكابرة ، لا طلب الهدى والاقتناع . ويرد على هذا كله بأنه خارج عن وظيفة الرسول وطبيعة الرسالة ، ويكل الأمر إلى الله . ويتهكم على أولئك الذين يقترحون هذه الاقتراحات كلها بأنهم لو كانوا يملكون خزائن رحمة الله - على سعتها وعدم نفادها - لأمسكوها خوفا من الإنفاق ! وقد كان حسبهم أن يستشعروا أن الكون وما فيه يسبح لله ، وأن الآيات الخارقة قد جاء بها موسى من قبل فلم تؤد إلىإيمان المتعنتين الذين استفزوه من الأرض ، فأخذهم الله بالعذاب والنكال .
وتنتهي السورة بالحديث عن القرآن والحق الأصيل فيه . القرآن الذي نزل مفرقا ليقرأه الرسول على القوم زمنا طويلا بمناسباته ومقتضياته ، وليتأثروا به ويستجيبوا له استجابة حية واقعية عملية . والذي يتلقاه الذين أوتوا العلم من قبله بالخشوع والتأثر إلى حد البكاء والسجود . ويختم السورة بحمد الله الذي لم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك ولم يكن له ولي من الذل . كما بدأها بتسبيحه وتنزيهه .
وقصة الإسراء - ومعها قصة المعراج - إذ كانتا في ليلة واحدة - الإسراء من المسجد الحرام في مكة إلى المسجد الأقصى في بيت المقدس . والمعراج من بيت المقدس إلى السماوات العلى وسدرة المنتهى ، وذلك العالم الغيبي المجهول لنا . . هذه القصة جاءت فيها روايات شتى ؛ وثار حولها جدل كثير . ولا يزال إلى اليوم يثور .
وقد اختلف في المكان الذي أسرى منه ، فقيل هو المسجد الحرام بعينه - وهو الظاهر - وروى عن النبي [ ص ] " بينا أنا في المسجد في الحجر عند البيت بين النائم واليقظان إذ أتاني جبريل عليه السلام بالبراق " . وقيل : أسري به من دار أم هانيء بنت أبي طالب . والمراد بالمسجد الحرام الحرم لإحاطته بالمسجد والتباسه به . وعن ابن عباس : الحرم كله مسجد .
وروى أنه كان نائما في بيت أم هانيء بعد صلاة العشاء فأسري به ورجع من ليلته ، وقص القصة على أم هانى ء وقال : " مثل لي النبيون فصليت بهم " ثم قام ليخرج إلى المسجد ، فتشبثت أم هانى ء بثوبه ، فقال : " مالك ? " قالت : أخشى أن يكذبك قومك إن أخبرتهم . قال : " وإن كذبوني " . فخرج فجلس إليه أبو جهل ، فأخبره رسول الله [ ص ] بحديث الإسراء فقال أبو جهل : يا معشر بني كعب ابن لؤي هلم . فحدثهم ، فمن بين مصفق وواضع يده على رأسه تعجبا وإنكارا ؛ وارتد ناس ممن كان آمن به ؛ وسعى رجال إلى أبي بكر - رضي الله عنه - فقال : أوقال ذلك ? قالوا نعم . قال : فأنا أشهد لئن كان قال ذلك لقد صدق . قالوا : فتصدقه في أن يأتي في الشام في ليلة واحدة ثم يرجع إلى مكة قبل أن يصبح ? قال : نعم أنا أصدقه بأبعد من ذلك . أصدقه بخبر السماء ! فسمي الصديق . وكان منهم من سافر إلى بيت المقدس فطلبوا إليه وصف المسجد ، فجلى له ، فطفق ينظر إليه وينعته لهم ، فقالوا : أما النعت فقد أصاب . فقالوا : أخبرنا عن عيرنا . فأخبرهم بعدد جمالها وأحوالها ؛ وقال : تقدم يوم كذا مع طلوع الشمس يقدمها جمل أورق . فخرجوا يشتدون ذلك اليوم نحو الثنية - لمراقبة مقدم العير - فقال قائل منهم : هذه والله الشمس قد شرقت . فقال آخر : وهذه والله العير قد أقبلت يقدمها جمل أورق ، كما قال محمد . . ثم لم يؤمنوا ! . . وفي الليلة ذاتها كان العروج به إلى السماء من بيت المقدس .
واختلف في أن الإسراء كان في اليقظة أم في المنام . فعن عائشة - رضي الله عنها - أنها قالت : والله ما فقد جسد رسول الله [ ص ] ولكن عرج بروحه . وعن الحسن كان في المنام رؤيا رآها . وفي أخبار أخرى أنه كان بروحه وجسمه ، وأن فراشه - عليه الصلاة والسلام - لم يبرد حتى عاد إليه .
والراجح من مجموع الروايات أن رسول الله [ ص ] ترك فراشه في بيت أم هانى ء إلى المسجد فلما كان في الحجر عند البيت بين النائم واليقظان أسري به وعرج . ثم عاد إلى فراشه قبل أن يبرد .
على أننا لا نرى محلا لذلك الجدل الطويل الذي ثار قديما والذي يثور حديثا حول طبيعة هذه الواقعة المؤكدة في حياة الرسول [ ص ] والمسافة بين الإسراء والمعراج بالروح أو بالجسم ، وبين أن تكونرؤيا في المنام أو رؤية في اليقظة . . المسافة بين هذه الحالات كلها ليست بعيدة ؛ ولا تغير من طبيعة هذه الواقعة شيئا وكونها كشفا وتجلية للرسول [ ص ] عن أمكنة بعيدة وعوالم بعيدة في لحظة خاطفة قصيرة . . والذين يدركون شيئا من طبيعة القدرة الإلهية ومن طبيعة النبوة لا يستغربون في الواقعية شيئا . فأمام القدرة الإلهية تتساوى جميع الأعمال التي تبدو في نظر الإنسان وبالقياس إلى قدرته وإلى تصوره متفاوتة السهولة والصعوبة ، حسب ما اعتاده وما رآه . والمعتاد المرئي في عالم البشر ليس هو الحكم في تقدير الأمور بالقياس إلى قدرة الله . أما طبيعة النبوة فهي اتصال بالملأ الأعلى - على غير قياس أو عادة لبقية البشر - وهذه التجلية لمكان بعيد ، أو عالم بعيد ؛ والوصول إليه بوسيلة معلومة أو مجهولة ليست أغرب من الاتصال بالملأ الأعلى والتلقي عنه . وقد صدق أبو بكر - رضي الله عنه - وهو يرد المسألة المستغربة المستهولة عند القوم إلى بساطتها وطبيعتها فيقول : إني لأصدقه بأبعد من ذلك . أصدقه بخير السماء !
ومما يلاحظ - بمناسبة هذه الواقعة وتبين صدقها للقوم بالدليل المادي الذي طلبوه يومئذ في قصة العير وصفتها أن الرسول [ ص ] لم يسمع لتخوف أم هانى ء - رضي الله عنها - من تكذيب القوم له بسبب غرابة الواقعة . فإن ثقة الرسول بالحق الذي جاء به ، والحق الذي وقع له جعلته يصارح القوم بما رأى كائنا ما كان رأيهم فيه . وقد ارتد بعضهم فعلا ، واتخذها بعضهم مادة للسخرية والتشكيك . ولكن هذا كله لم يكن ليقعد الرسول [ ص ] عن الجهر بالحق الذي آمن به . . وفي هذا مثل لأصحاب الدعوة أن يجهروا بالحق لا يخشون وقعه في نفوس الناس ، ولا يتملقون به القوم ، ولا يتحسسون مواضع الرضى والاستحسان ، إذا تعارضت مع كلمة الحق تقال .
كذلك يلاحظ أن الرسول [ ص ] لم يتخذ من الواقعة معجزة لتصديق رسالته ، مع إلحاح القوم في طلب الخوارق - وقد قامت البينة عندهم على صدق الإسراء على الأقل - ذلك أن هذه الدعوة لا تعتمد على الخوارق ، إنما تعتمد على طبيعة الدعوة ومنهاجها المستمد من الفطرة القويمة ، المتفقة مع المدارك بعد تصحيحها وتقويمها . فلم يكن جهر الرسول [ ص ] بالواقعة ناشئا عن اعتماده عليها في شيء من رسالته . إنما كان جهرا بالحقيقة المستيقنة له لمجرد أنها حقيقة :
والآن نأخذ في الدرس الأول على وجه التفصيل : ( سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله ، لنريه من آياتنا إنه هو السميع البصير ) . .
تبدأ السورة بتسبيح الله ، أليق حركة نفسية تتسق مع جو الإسراء اللطيف ، وأليق صلة بين العبد والرب في ذلك الأفق الوضيء .
وتذكر صفة العبودية : ( أسرى بعبده ) لتقريرها وتوكيدها في مقام الإسراء والعروج إلى الدرجات التي لم يبلغها بشر ؛ وذلك كي لا تنسى هذه الصفة ، ولا يلتبس مقام العبودية ، بمقام الألوهية ، كما التبسا في العقائد المسيحية بعد عيسى عليه السلام ، بسبب ما لابس مولده ووفاته ، وبسبب الآيات التي أعطيت له ، فاتخذها بعضهم سببا للخلط بين مقام العبودية ومقام الألوهية . . وبذلك تبقى للعقيدة الإسلامية بساطتها ونصاعتها وتنزيهها للذات الإلهية عن كل شبهة من شرك أو مشابهة ، من قريب أو من بعيد .
والإسراء من السرى : السير ليلا . فكلم ( أسرى ) تحمل معها زمانها . ولا تحتاج إلى ذكره . ولكنالسياق ينص على الليل ( سبحان الذي أسرى بعبده ليلا ) للتظليل والتصوير - على طريقة القرآن الكريم - فيلقي ظل الليل الساكن ، ويخيم جوه الساجي على النفس ، وهي تتملى حركة الإسراء اللطيفة وتتابعها .
والرحلة من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى رحلة مختارة من اللطيف الخبير ، تربط بين عقائد التوحيد الكبرى من لدن إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام ، إلى محمد خاتم النبيين [ ص ] وتربط بين الأماكن المقدسة لديانات التوحيد جميعا . وكأنما أريد بهذه الرحلة العجيبة إعلان وراثة الرسول الأخير لمقدسات الرسل قبله ، واشتمال رسالته على هذه المقدسات ، وارتباط رسالته بها جميعا . فهي رحلة ترمز إلى أبعد من حدود الزمان والمكان ؛ وتشمل آمادا وآفاقا أوسع من الزمان والمكان ؛ وتتضمن معاني أكبر من المعاني القريبة التي تتكشف عنها للنظرة الأولى .
ووصف المسجد الأقصى بأنه ( الذي باركنا حوله ) وصف يرسم البركة حافة بالمسجد ، فائضة عليه . وهو ظل لم يكن ليلقيه تعبير مباشر مثل : باركناه . أو باركنا فيه . وذلك من دقائق التعبير القرآني العجيب .
والإسراء آية صاحبتها آيات : ( لنريه من آياتنا ) والنقلة العجيبة بين المسجد الحرام والمسجد الأقصى في البرهة الوجيزة التى لم يبرد فيها فراش الرسول [ ص ] أيا كانت صورتها وكيفيتها . . آية من آيات الله ، تفتح القلب على آفاق عجيبة في هذا الوجود ؛ وتكشف عن الطاقات المخبوءة في كيان هذا المخلوق البشري ، والاستعدادات اللدنية التي يتهيأ بها لاستقبال فيض القدرة في أشخاص المختارين من هذا الجنس ، الذي كرمه الله وفضله على كثير من خلقه ، وأودع فيه هذه الأسرار اللطيفة . . ( إنه هو السميع البصير ) . . يسمع ويرى كل ما لطف ودق ، وخفي على الأسماع والأبصار من اللطائف والأسرار .
والسياق يتنقل في آية الافتتاح من صيغة التسبيح لله : سبحان الذي أسرى بعبده ليلا إلى صيغة التقرير من الله : ( لنريه من آياتنا ) إلى صيغة الوصف لله : ( إنه هو السميع البصير ) وفقا لدقائق الدلالات التعبيرية بميزان دقيق حساس . فالتسبيح يرتفع موجها إلى ذات الله سبحانه . وتقرير القصد من الإسراء يجيء منه تعالى نصا . والوصف بالسمع والبصر يجيء في صورة الخبر الثابت لذاته الإلهية . وتجتمع هذه الصيغ المختلفة في الآية الواحدة لتؤدي دلالاتها بدقة كاملة .
سورة الإسراء في جملتها تدور حول الرسول والرسالة فتبدأ بالحديث عن الإسراء بدايته ونهايته وغايته وهذا هو العنوان الذي تندرج تحته موضوعات السورة وكلها موضوعات لها أوجه مناسبة بالرسول محمد صلى الله عليه وسلم .
فقد تحدثت عن بني إسرائيل بمناسبة الحديث عن الإسراء إلى بيت المقدس ، وكان اليهود يعيرون النبي بأنه لم يذهب إلى بيت المقدس مع أن الرسل السابقين قد ذهبت إليه وولدت حوله وهبط عليهم الوحي في معبده ويعيرون بأنه ليس من سلسلة الأنبياء ، فقد اختص الله إبراهيم بأن جعله أبا للأنبياء والمرسلين وجعل الرسالة كلها في عقبه بيد أن جميع المرسلين كانوا من نسل ولده إسحاق ، ثم يعقوب الملقب بإسرائيل وقد أنجب يعقوب اثني عشر سبطا لقبوا بالأسباط{[1]} ، وكان من نسلهم جميع أنبياء بني إسرائيل .
أما النبي محمد صلى الله عليه وسلم فكان وحده من نسل إسماعيل بن إبراهيم ، وقد جعل الله الإسراء إلى بيت المقدس ؛ ليكون بمثابة تدشين لنبوته ثم جعله يصلي إماما بالأنبياء ؛ ليكون هذا اعترافا بأنه أهل الرسالة ، وتشير بعض الآيات في القرآن إلى هذا المعنى{[2]} .
وصلاة النبي بالأنبياء تشير إلى وحدة الرسالات والنبوات وأنها جميعا من عند الله وأن الأنبياء والمرسلين أرسلوا من أجل هداية الناس ودعوتهم إلى التوحيد وإرشادهم إلى الفضائل وتحذيرهم من الرذائل ، فالغاية من الرسالة واحدة والهدف واحد وإن اختلفت الوسائل باختلاف الشعوب وطبائعها ، فمن الأنبياء من حارب رذائل معينة انتشرت بين قومه كتطفيف الكيل الذي جاء به شعيب ، والمثلية الجنسية التي حاربها لوط ، ولكن الأنبياء في الأساس العام دعاة إلى توحيد الله وهداة إلى الفضائل ومكارم الأخلاق ، ولذلك تلتقي الديانات على فكرة التوحيد وحسن السلوك ، وفي سورة الأعراف نجد آيات متلاحقة تتحدث عن رسالة كل نبي وتتشابه جميعها في أنها تبدأ أولا بالدعوة إلى توحيد الله . قال تعالى : { لقد أرسلنا نوحا إلى قومه فقال يا قومي اعبدوا الله ما لكم من إله غيره . . . } ( الأعراف : 59 ) .
{ و إلى عاد أخاهم هودا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره . . . } ( الأعراف : 65 )
{ وإلى ثمود أخاهم صالحا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره . . . } ( الأعراف 73 )
فالرسالات متحدة في الأساس العام وهو التوحيد .
ومتخصصة في الفروع التي تعالجها والمشاكل التي تقدم حلولها وبعبارة أخرى : الغاية واحدة والوسيلة مختلفة .
وقد ذكر السيد رشيد رضا في تفسير المنار{[3]} : أن تعدد الرسل يشبه دولة أو جمهورية لها رئيس يحكمها بقانون عام ، وللرئيس نواب عنه يحكمون المحافظات فكل محافظ يتفق مع الآخر في الأساس العام للحكم ويختلف عنه باختلاف طبيعة الأقاليم فلمحافظة السويس أو البحر الأحمر أو الوادي الجديد مثلا تشريعات خاصة بها ، ولكنها تلتقي مع بقية المحافظات في احترام الأساس العام للحكم وتنفيذ دستور الدولة وطاعة رئيسها .
وكذلك الرسل ، الإله الذي أرسلهم إله واحد لا شريك له والدعوة التي أرسلوا بها دعوة واحدة في روحها وهدفها . ولكن الوسيلة لتهذيب السلوك تختلف من نبي إلى آخر ومن شعب لآخر .
ونجد نصوص القرآن والسنة تؤكد هذا المعنى وتأيده . فالقرآن يقول : { إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده . . . }
ولذلك نجد المسلم يؤمن بالرسالات كلها وبالرسل والكتب الصحيحة التي أنزلها الله : { قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي النبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون } . ( البقرة : 136 ) .
وفي الصحيحين{[4]} يقول النبي صلى الله عليه وسلم : ( إنما مثلي ومثل الأنبياء من قبلي كمثل رجل بنى دارا فأتمها وأكملها إلا موضع لبنة فجعل الناس يقولون لو وضعت هذه اللبنة فأنا هذه اللبنة وأنا خاتم الرسل ) .
ويروي البخاري : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( الأنبياء أخوات لعلات{[5]} أمهاتهم شتى ودينهم واحد ){[6]} .
وأبناء العلات هم أبناء الضرائر يكون أبوهم رجلا واحدا وأمهاتهم متعددات ، فكذلك الرسل ربهم الذي أرسلهم إله واحد ورسالاتهم متعددة بتعدد بلادهم .
وقريب من ذلك قوله صلى الله عليه وسلم : ( إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق ) .
وفي هذه الوحدة رد على اليهود الذين ادعوا أنهم شعب الله المختار وأن الرسالة لا تكون إلا فيهم وأنهم أبناء الله وأم من عداهم لا يصح أن يكون رسولا .
فالله هو الذي خلق الخلق وهو يصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس ، والرسالة منة إلهية يعطيها الله من يشاء من عباده .
بل إن الرسل أنفسهم فضل الله بعضهم على بعض فجعل منهم أولي العزم ، الذين تحملوا البلاء أكثر من غيرهم .
قال تعالى : { تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض } . ( البقرة 253 ) .
وقال سبحانه : { فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل } . ( الأحقاف : 35 ) .
وأولوا العزم من الرسل خمسة هم : نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد .
وسموا بأولي العزم لتحملهم من البلاء والجهاد والكفاح أكثر مما تحمله سواهم ، ومن قواعد الإيمان أن تؤمن بالله ربا وخالقا ، وأن تؤمن بأن الله أرسل رسلا لهداية الناس : { رسلا مبشّرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل } ( النساء : 165 ) .
وهؤلاء الرسل كثرة كثيرة في تاريخ البشرية الطويل ، وهم علامات مضيئة وشارات ترشد البشرية ، ولا يعلم عددهم إلا الله ، قال تعالى : { ولقد أرسلنا رسلا من قبلك منهم من قصصنا عليك ومنهم من لم نقصص عليك . . ( غافر : 78 ) .
وقد ورد ذكر كثير من الرسل في القرآن الكريم ، قال تعالى : { وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه نرفع درجات من نشاء إن ربك حكيم عليم . ووهبنا له إسحاق ويعقوب كلا هدينا ونوحا هدينا من قبل ومن ذريته داود وسليمان وأيوب ويوسف وموسى وهارون وكذلك نجزي المحسنين . وزكريا ويحيى وعيسى وإلياس كل من الصالحين . وإسماعيل واليسع ويونس ولوطا وكلا فضلنا على العالمين } . ( الأنعام : 83-86 ) .
كان موسى رسول بني إسماعيل وصاحب الثورات والألواح وصاحب الشريعة التي أرسل على أساسها عيسى ، فلم يأتي عيسى بشرع جديد ، بل كان في دعوته تابعا لتعاليم الثورات وغاية فكرته أن صاح صيحات متتابعة يدعوهم فيها إلى صدق الإيمان والإخلاص ويبعدهم عن حب المادة ويسموا بهم إلى الروحانية الخالصة .
ولذلك يقول عيسى : ما جئت لأنقض الناموس بل لأجدده ، وقال القرآن على لسان الجن : { إنا سمعنا كتابا أنزل من بعد موسى } . ( الأحقاف : 30 ) .
وفي البخاري يقول ورقة بن نوفل للنبي صلى الله عليه وسلم : هذا هو الناموس الذي أنزله الله على موسى{[7]} .
فموسى صاحب دين ينتظم القوانين المدنية والشرائع الدينية ، أما عيسى فجاء بفكرة إصلاحية روحية فقط . وقد عادت الكنيسة في الغرب إلى هذه الحدود الدينية وحدها . أما شريعة اليهود فهي شريعة متكاملة ولا ينافسها إلا الإسلام لأنه هو الدين الوحيد الذي يناظر اليهودية في اشتماله على منهج ونظام مدني وديني . وقد استقبل الأنبياء والمرسلون رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة الإسراء ورحبوا به وقال له كل نبي : مرحبا بالأخ الصالح والنبي الصالح وهذا دليل على أن الأنبياء والمرسلين إخوة في المهمة التي كلفوا بها والدعوة التي وقفوا حياتهم من أجلها .
استقبل النبي صلى الله عليه وسلم في السماء الأولى آدم ، وفي الثانية يحيى وعيسى ، وفي الثالثة يوسف ، وفي الرابعة إدريس ، وفي الخامسة هارون ، وفي السادسة موسى ، وفي السابعة إبراهيم ، وقد بكى موسى عند وداع النبي صلى الله عليه وسلم له ، فسأله النبي صلى الله عليه وسلم : ما يبكيك يا موسى ؟ قال : أبكي لأن غلاما بعث من بعدي سيدخل من أمته الجنة أكثر مما يدخل من أمتي . وهو بكاء الغبطة لا بكاء الحسد ، ولعل موسى قد تذكر أنه طلب رؤية الله فلم يجب إلى ذلك قال تعالى : { وواعدنا موسى ثلاثين ليلة وأتممناها بعشر فتم ميقات ربه أربعين ليلة وقال موسى لأخيه هارون اخلفني في قومي وأصلح ولا تتبع سبيل المفسدين . ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه قال رب أرني أنظر إليك قال لن تراني ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني . . . } ( الأعراف : 142 ، 143 ) .
ثم إن موسى رأى النبي صلى الله عليه وسلم في ليلة الإسراء ، يأخذ ليلا ويركب البراق وجبريل في الركاب ويصلي إماما بالأنبياء ويصعد في السماوات العلا ويرى من فضل الله ما يرى وتحوطه عناية الله وفضل الله ويرى الجنة ونعيمها ويرى الملأ الأعلى يخصونه بالسلام والتحية . وتلك كلها خصائص اختص الله بها محمدا عليه الصلاة والسلام .
وحين فرض الله على النبي صلى الله عليه وسلم خمسين صلاة رجع إلى الهبوط ، فمر بموسى في السماء السادسة ، فقال له : ماذا أعطاك ربك ؟ قال : خمسين صلاة ، فقال له موسى : ارجع إلى ربك ، فاسأله التخفيف ، فإن أمتك لا تطيق ذلك ، وإني جاهدت بني إسرائيل قبلك . وعاد النبي صلى الله عليه وسلم إلى ربه ، فسأله التخفيف ، فحط عنه عشر صلوات ، فلما رجع إلى موسى ، قال له : ارع إلى ربك فاسأله التخفيف ، وتكررت توصية موسى للنبي صلى الله عليه وسلم مرارا حتى أصبحت خمس صلوات ، ثم قال الله له : { يا محمد ، هي خمس في العمل ، وخمسون في الثواب ، والحسنة بعشر أمثالها ، لا يبدل القول لدي ، وما أنا بظلام للعبيد } . وقد عاد النبي صلى الله عليه وسلم إلى موسى فقال له : ماذا أعطاك ربك ؟ قال النبي صلى الله عليه وسلم : خمس صلوات ، فقال له موسى : ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : سألت ربي حتى استحييت ولكني أرضي وأسلم .
ومن هذا الحديث نعرف ما بين الأنبياء من صلات ووشائج ونلمس رحمة موسى بالأمة المحمدية .
وقد نقل إلى النبي صلى الله عليه وسلم خبرته في جهاد بني إسرائيل . ولذلك قال عليه الصلاة والسلم : ( كان موسى خيرهم لي حين رجعت إليه ) . وفي رواية : ( فمررت بموسى ، ونعم الصاحب كان لكم ) .
وكأنما أريد بهذه الرحلة العجيبة إعلان وراثة الرسول صلى الله عليه وسلم الأخير لمقدسات الرسل قبله واشتمال رسالته على هذه المقدسات وارتباط رسالته بها جميعا ، فهي رحلة ترمز إلى أبعد من حدود الزمان والمكان ، وتربط بين عقائد التوحيد الكبرى من لدن إبراهيم وأسماعيل عليهما السلام إلى محمد خاتم النبييين عليه الصلاة والسلام .
هي سورة مكية نزلت في السنة الحادية عشرة للبعثة قبل الهجرة بسنة . وتسمى سورة الإسراء نظرا لذكر الإسراء في صدرها ، كما تسمى سورة بني إسرائيل للحديث عنهم وعن إفسادهم في الأرض وعقوبة الله لهم على هذا الفساد .
وعدد آياتها 111 آية وهي مكية اتفاقا إلا الآيات : 26 ، 32 ، 57 ، ومن آية 73 ، إلى 80 فمدنية ، وقد نزلت بعد القصص ، فهي من أواخر ما نزل بمكة وقد تميزت آياتها بالطول النسبي وبسط الفكرة والدعوة إلى الآداب ومكارم الأخلاق على حين تجد الآيات المكية التي نزلت في أوائل البعثة تتميز بقصر الفواصل ، ومراعاة السجع ، والدعوة إلى التوحيد ، وسوق الأدلة على الإيمان بالله ، والآيات المدنية تتميز بالطول ، وبيان أحكام التشريع ، ونظام العبادات ، والمعاملات ، فسورة الإسراء اشتملت على خصائص السورة المكية ، ومن ناحية أخرى ظهر فيها صفات من خصائص السور المدنية ؛ لأنها من أواخر العهد المكي فهي ممهدة للعهد المدني ، حيث استقرت الدعوة في المدينة ونزل القرآن يرسم سياسة المسلمين الداخلية والخارجية ويبين للمؤمنين نظام الحرب والسلم وأدب المعاملة وفن الحديث وطريقة الدعوة ومنهاج الحياة . وقد ذكر العلماء أن من واجبات المفسر أن يعرف مكي القرآن ومدنيه وما يشبه المدني وهو مكي وما يشبه المكي وهو مدني{[8]} ، وأن يعرف تاريخ النزول وأسباب النزول وما نزل من القرآن أولا وما نزل تاليا وما نزل مفردا وما نزل مشيعا بالملائكة . . فإن هذه المعرفة تعطينا ضوءا كاشفا يوضح أهداف السورة ومقصد الآيات وأسرار التشريع ، فهي دراسة للجو المحيط بالنص ولا غنى لمن أراد دراسة نص من النصوص عن معرفة قائله والبيئة الاجتماعية التي نشأ فيها والعوامل والظروف التي أحاطت بهذا النص .
ونحن حين ندرس القرآن نحيط بدراسة مماثلة للنص وما حوله ، ثم نحتاج إلى صفة أخرى هي صدق النية وعمق النظرة وإخلاص القلب وسلامة الفطرة حتى نستكشف هدى القرآن وسمو تعاليمه ؛ لأنها تظهر واضحة أمام المؤمنين ، وتخفى عن عيون الجاحدين قال تعالى : { وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجابا مستورا . وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا وإذا ذكرت ربك في القرآن وحده ولوا على أدبارهم نفورا } . ( الإسراء : 45 ، 46 ) .
بدأت سورة الإسراء بقوله تعالى : { سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصا الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا إنه هو السميع البصير } .
وهذا هو مطلع السورة أو عنوانها الذي يحشد موضوعات السورة ، إن السورة في مجملها تتحدث عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن القرآن الذي نزل عليه وموقف المشركين من هذا القرآن . وفي خلال هذا الحديث تستطرد إلى ذكر بني إسرائيل والحديث عن ماضيهم وإفسادهم في الأرض وعقوبة الله لهم كأنها تتوعد كل مكذب ومفسد بالعقاب العادل وفي هذا تهديد لكفار مكة ، ولكل خارج على نطاق الإيمان وشريعة العدل والنظام الإلهي ( انظر الآيات : 1-22 ) .
كما تحدثت السورة عن قضية التوحيد لتقيم عليها البناء الاجتماعي كله وآداب العمل والسلوك ، فأمرت بالإحسان إلى الوالدين ، وبإيتاء ذي القربى حقه والمسكين وابن السبيل ، ونهت عن التبذير والقتل والزنا وتطفيف الكيل وأكل مال اليتيم ، والكبر والبطر . ( الآيات : 23_39 ) .
وقد أمرت المسلمين بجملة من الآداب في أسلوب رائع حكيم يدعوا الناس إلى التمسك بها ويؤيد أن القرآن كتاب تربية أخلاقية وسلوكية . وأن هذه التربية هي التي صاغت المجتمع الإسلامي المحمدي صياغة جديدة مهذبة .
وبذلك كانت معجزة القرآن أنه غدا روحا جديدة يسري في أوصال المجتمع العربي والإسلامي فيهدم حطام الجاهلية وأوثانها ، ويقيم على أشلائها دولة جديدة تؤمن بالله ورسوله وتهتدي بكتابه الذي أنزله نورا وهدى . فترى المسلم إما عابدا في مسجده أو ساعيا على رزقه أو مجاهدا في سبيل إعلاء كلمة الله . وجمعت المسلمين تحت راية جديدة عمادها الإخلاص وأساسها الحب لله ولدينه وقوتها في تماسك المسلمين وأخوتهم وترابطهم وتساندهم ، فصلة الرحم والعطف على الفقير والبعد عن الكبر والشح والظلم كلها آداب سلوكية جعلت من المؤمنين خير أمة أخرجت للناس .
( وفي الآيات : 39-58 ) تحدثت السورة عن أوهام الوثنية الجاهلية حول نسبة البنات والشركاء إلى الله وعن البعث واستبعادهم لوقوعه وعن استقبالهم للقرآن وتقولاتهم على الرسول عليه الصلاة والسلام ، وأمرت المؤمنين أن يقولوا قولا آخر ويتكلموا بالتي هي أحسن .
( وفي الآيات : 59-76 ) بينت السورة لماذا كانت معجزة محمد صلى الله عليه وسلم معجزة عقلية خالدة ولم تكن معجزة مادية محدودة ، فقد كذب الأولون بالخوارق فحق عليهم الهلاك إتباعا لسنة الله ، كما تناولت الحديث عن الإسراء وحكمته ، وأن الله جعله فتنة وامتحانا للناس ليتميز المؤمنون ، وينكشف المنافقون ، ويجيء في هذا طرف من قصة إبليس وإعلانه أنه سيكون حربا على ذرية آدم .
يجيء هذا الطرف من القصة كأنه كشف لعوامل الظلال الذي يبدو من المشركين ويعقب عليه بتخويف البشر من عذاب الله وتذكيرهم بنعمة الله عليهم في تكريم الإنسان وتفضيله على جميع المخلوقات وتسخير جميع الكون له حتى يفكر بعقله ويؤمن بقلبه فمن اهتدى أخذ كتابه بيمينه يوم القيامة ومن عمى عن الحق في الدنيا فهو في الآخرة أعمى وأظل سبيلا .
( وفي الآيات 73-88 ) تستعرض السورة كيد المشركين للرسول ومحاولتهم فتنته عن بعض ما أنزل إليه ومحلولة إخراجه من مكة ، ثم تأمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يمضي في طريقه يقرأ القرآن ويؤذي الصلاة ويدعو الله أن يحسن مدخله ومخرجه ، وتذكر رسالة القرآن بأنها شفاء لأمراض الجاهلية ورحمة بالجماعة الإسلامية .
( وفي الآيات : 77-111 ) ختام السورة ويستمر فيها الحديث عن القرآن وإعجازه على حين يطلب كفار مكة خوارق مادية ويطلبون نزول الملائكة ويقترحون أن يكون للرسول بيت من زخرف أو جنة من نخيل وعنب يفجر الأنهار خلالها تفجيرا ، أو أن يفجر لهم من الأرض ينبوعا أو أن يرقى هو في السماء ثم يأتيهم بكتاب مادي معه يقرؤونه . . إلى آخر هذه المقترحات التي يمليها العنت والمكابرة لا طلب الهدى والاقتناع ، ويرد الله على هذا كله بأنه خارج عن وظيفة الرسول صلى الله عليه وسلم وطبيعة الرسالة .
فالرسول يوحى إليه وليس إلها يتحكم في مظاهر الكون ، وقد سبق أن أعطى الله موسى معجزات مادية فكذب بها فرعون وجحد نبوة موسى فكانت العاقبة أن أغرق الله فرعون ومن معه من المكذبين .
إن طريقة القرآن هي طريقة الدعوة الهادفة المتأنية وقد نزل مفرقا ليقرأه الرسول صلى الله عليه وسلم على قومه في هدوء وتؤدة وليجيب على أسئلة السائلين وليكون كتاب الحياة يحياها مع المؤمنين يعلمهم دينهم ويرد عنهم دعاوى أعدائهم ويلفت أنظارهم إلى الكون وما فيه حتى يعبدوا الله ويسجدوا له عن خشوع ويقين وتختم السورة بحمد الله وتنزيهه عن الولد والشريك في الملك كما بُدئت بتنزيه الله وتسبيحه . وإذا أردنا إيجازا أكثر أمكننا أن نرجع أهداف سورة الإسراء إلى الأمور الآتية :
1- معجزة الإسراء من مكة إلى بيت المقدس : آية 1 .
2-تاريخ بني إسرائيل وإسرائيل وإفسادهم في الأرض وعقوبة الله لهم : الآيات : 2-8 .
3- جملة من الآداب يجب على المسلمين أن يتحلوا بها حتى تظل رابطتهم قوية متماسكة ، وحتى لا يصيبهم ما أصاب اليهود عندما أفسدوا في الأرض : 23-29 .
4- بيان أن كل ما في السماوات والأرض مسبح لله : آية 44 .
5- الكلام في البعث مع إقامة الأدلة على إمكانه : الآيات 50-55 .
6- الرد على المشركين الذين اتخذوا مع الله آلهة من الأوثان والأصنام آية : 46 .
7- الحكمة في عدم إنزال الآيات التي اقترحوها على محمد صلى الله عليه وسلم : آية : 46 .
8- قصة سجود الملائكة لآدم وامتناع إبليس من ذلك الآيات : 61-65 .
9- تعدد بعض نعم الله : الآيات 66-72 .
10- طلب المشركين من الرسول صلى الله عليه وسلم أن يوافقهم في بعض معتقداتهم وإلحافهم في ذلك : الآيات 73-77 .
11- أمر النبي صلى الله عليه وسلم بإقامة الصلاة والتهجد في الليل : 78-87 .
12- بيان إعجاز القرآن وأن البشر يستحيل عليهم أن يأتوا بمثله : الآيات : 88-100 .
13- قصة موسى مع فرعون : 101-105 .
14- الحكمة في إنزال القرآن منجما : الآيات 106-110 .
15- تنزيه الله عن الولد والشريك والناصر والمعين : الآية 111 .
أهداف السورة تؤيد أنها سورة مكية نزلت تثبت العقيدة وترسل أدب السلوك وتذكر تاريخ اليهود . ثم تناقش المشركين في آلهتهم ، وفي تعنتهم وكفرهم ، وتذكر طرفا من قصة آدم وإبليس وقصة موسى وفرعون لتوضح عقوبة المتكبرين ومثوبة المؤمنين . وفي أثناء السورة حديث عن القرآن وإعجازه ، وعجز البشر عن الإتيان بمثله ، وتعديد نعم الله على خلقه لتستميل الناس إلى الإيمان بالله وتقيم الحجة على أعداء الدين .
ومما لا شك فيه أن تصورنا لموقف الإسلام في مكة قبل الهجرة يعيننا كثيرا على فهم الصورة ويوضح أن القرآن كان كتاب الحياة ، صور موقف المشركين وعقيدتهم وتعنتهم ، وذكر كرفا مما أصاب الأولين علهم يتعظون أو يعتبرون ، قال تعالى : { وكذلك أنزلناه قرآنا عربيا وصرّفنا فيه من الوعيد لعلهم يتقون أو يحدث لهم ذكرا . ( طه : 113 ) .
إنك تحس من خلال النص بنبضات حية تصور عانة المشركين وظلال عقيدتهم وتبرز أسلوب الدعوة الجديد الذي يملك الحجة على قضية الألوهية ويسوق الأدلة على قضيته من سجلات التاريخ ومن مواقع الكون ومشاهده ، ومن التحدي بالقرآن وتأكيد عجزهم عن الإتيان بمثله .
والقرآن من خلال حديثه ينتقل من فن إلى فن ، ومن وصف للإسراء إلى تاريخ لليهود إلى رد على دعوى المشركين إلى قصص لآدم وإبليس وفرعون وموسى .
ويربط القرآن بين هذه الأفكار المتناثرة برباط قوي متين يؤكد أنه كتاب الله ، ولو كان من صنع بشر لتلمس طرقا للانتقال فكل كاتب تجد في كتابته أثرا للقوة في مكان ، ثم تفتر قوته في مكان آخر ، قال تعالى : { أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا } . ( النساء : 82 ) ، وقد تعرضت علوم السابقين للنقض والتعديل ، ولم يبق كتاب في تاريخ البشرية سلم من النقض والعيب إلا هذا الكتاب .
وفي سورة الإسراء : آية 88 يقول الله عز وجل : { قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا } .
{ سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله ، لنريه ، من آياتنا إنه ، هو السميع البصير ( 1 ) }
سبحان : اسم فعل لتسبيح الله{[322]} وتنزيهه ، فمعنى سبحان الله : أسبح الله سبحانه التقديس والتنزيه على السوء من الذات والصفات والأفعال والأسماء والأحكام أي ما أبعد الذي له هذه الصفات عن جميع النقائص .
أسرى : سار في الليل{[323]} ومعنى أسرى به صيره ساريا .
ليلا : أي في جزء من الليل ، أو في ساعات منه{[324]} .
من المسجد الحرام : أي : ابتداء الإسراء المسجد الحرام وسمي حراما لتحريم القتل والعدوان فيه ، حتى لو وجد فيه قاتل أبيه حرم عليه قتله داخل المسجد لقوله : ومن دخله كان آمنا .
إلى المسجد الأقصى : هو بيت المقدس وسمي الأقصى ؛ لبعد المسافة بينه وبين المسجد الحرام .
الذي باركنا حوله : بارك الله حوله بركات مادية ومعنوية وأحاطه ببركات الدنيا والدين ، فجعل حوله الأشجار والثمار وجعله متعبد الأنبياء من وقت موسى ومهبط الوحي ومسرى محمد صلى الله عليه وسلم .
لنريه من آياتنا : فيها بيان لحكمة الإسراء ، وقد رأى النبي من آيات الله ودلائل قدرته الكثير ورأى صورا وأشكالا جسمت فيها المعاني بصورة ملموسة محسوسة .
كما رأى الملائكة تعبد الله على أشكال شتى منها القائم ، والراكع ، والساجد ، ورأى الأنبياء والمرسلين ، ورأى الجنة والنار .
وكان لدى النبي صلى الله عليه وسلم من الصفاء والنقاء والطهر ما جعله أهلا لأن يرى آيات الله في هذا الكون وأن يتفتح قلبه الشريف ليحيط بأسرار الكون ونظمه وليرى العالم العلوي وملائكة السماء ، وهناك فرض الله عليه الصلاة تحية خالدة لهذا اللقاء الكريم .
إنه هو السميع البصير : السميع بدعاء محمد صلى الله عليه وسلم ، البصير بما أصابه من أذى المشركين وهو يسمع ويرى ما لطف دق وخفا عن الأسماع والأبصار من اللطائف والأسرار .
1- { سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصا الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا إنه هو السميع البصير .
تحدثت الآية على تنزيه الله أن يكون له صاحبة أو ولد وبينت أن الإسراء بعبد من عبيد الله اختاره واصطفاه ، وأن العبودية كلما تحقق مضمونها من الخضوع والخشوع والإخلاص لله سما صاحبها وزاد قدره وكان الإسراء من أول بيت وضع للناس ، من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى ، حيث كانت الرسل تتعبد وحيث اعترفت له الأنبياء بالرسالة ، وحيث صعد من هذا المكان الطاهر إلى السماوات العلا إلى سدرة المنتهى إلى جنة المأوى ، ولم يتحول بصره يمينا ولا شمالا ولا تجاوز الطريق المرسوم ، بل كان في سمت النبيين وأمانة الصديقين وسمو المرسلين .
المعراج والمصعد والمرقى كلها بمعنى واحد تدل على الصعود والارتقاء ومعراج الرسول صلى الله عليه وسلم هو صعوده إلى السماوات العلا ، حيث لقي من فضل الله الكثير ورأى من آيات ربه الكبرى .
وكان الإسراء والمعراج في ليلة واحدة ، الإسراء رحلة من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى ، والمعراج رحلة سماوية إلى الملإ الأعلى . وقد تحدثت سورة النجم عن المعراج في قوله تعالى : { والنجم إذا هوى . ما ضل صاحبكم وما غوى . وما ينطق عن الهوى . إن هو إلا وحي يوحى . علمه شديد القوى . ذو مرة فاستوى . وهو بالأفق الأعلى . ثم دنا فتدلى . فكان قاب قوسين أو أدنى . فأوحى إلى عبده ما أوحى . ما كذب الفؤاد ما رأى . أفتمارونه على ما يرى . ولقد رآه نزلة أخرى . عند سدرة المنتهى . عندها جنة المأوى . إذ يغشى السدرة ما يغشى . ما زاغ البصر وما طغى . لقد رأى من آيات ربه الكبرى . } ( النجم : 1-18 ) .
وقع الإسراء في السنة الحادية عشرة للبعثة ، قبل الهجرة بسنة{[325]} أو قبلها بسنة وشهرين .
وكان المشركون قد أمعنوا في إيذاء النبي صلى الله عليه وسلم وبالغوا في تعذيب المسلمين حتى اضطروهم للهجرة إلى الحبشة مرتين ، ولما يئس النبي صلى الله عليه وسلم من أهل مكة ذهب إلى الطائف وبها قبائل ثقيف فدعاهم للإسلام ورغبهم في الإيمان ، وكان يأمل أن يجيبوه إلى دعوته ، ولكنهم ردوه أسوأ رد وأرصدوا له الغلمان يرجمونه بالحجارة ، حتى دميت قدماه الشريفتان ، وقد أغمى على النبي من شدة الإيذاء{[326]} ، فلما أفاق وجد نفسه مكذبا في قومه مضطهدا في مكة معذبا في الطائف وحيدا غريبا ، فمد يده إلى الله سبحانه قائلا :
( اللهم أشكو إليك ضعف قوتي ، وقلة حيلتي ، وهواني على الناس ، يا رب العالمين أنت رب المستضعفين وأنت ربي إلا من تكلني ، إلى عدو يتجهمني أو بعيد ملكته أمري ، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات وصلح عليه أمر الدنيا والآخر أن ينزل بي سخطك أو يحل علي غضبك ، لك العتبى حتى ترضى . عافيتك هي أوسع لي إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي ) .
وقد جاءه جبريل وقال : يا محمد هذا ملك الجبال ، وإن الله أمره أن يطيعك في قومك بسبب ما فعلوه بك ، فئن شئت أن يطبق عليهم الأخشبين ( جبلين بمكة ) ، فعل ، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : لا تفعل إني لأرجو أن يخرج من ظهورهم من يعبد الله . اللهم اهد قومي فهم لا يعلمون .
فقال جبريل للنبي صلى الله عليه وسلم : صدق من سماك الرءوف الرحيم .
وعاد النبي صلى الله عليه وسلم إلى مكة حزينا كئيبا ولم يستطع دخولها إلا في جوار المطعم بن عدي .
كانت الفترة التي سبقت الإسراء من أقسى الفترات على النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين ، وكان الامتحان قاسيا ، يواجه المؤمنين كل يوم بفتنة ومحنة ويستنصر المؤمنون رسول الله قائلين : ألا تعدوا الله لنا ، ألا تستنزل غضبه على عدونا ، فيجيبهم بأن طريق الدعوة طريق وعر وصعب ، وأن على المؤمن أن يتحمل البلاء في ذات الله ، ويصبح فيهم : ( والله لقد كان يؤتى بالرجل فيمن قبلكم فيشق بالمنشار من مفرق رأسه إلى قدميه فما يصده ذلك عن دينه ، والذي نفس محمد صلى الله عليه وسلم بيده ليتمن الله ذلك الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضر موت لا يخاف إلا الله أو الذئب على غنمه ولكنكم تستعجلون ) .
كان فضل الله على المؤمنين في هذه الفترة المؤلمة ؛ أن أعطى نبيه عليه السلام معجزة إلهية كبرى ؛ ليرى عوالم أخرى وليصعد في السماء ؛ وليرى من فضل الله ونعمه الكثير ثم يعود بالصلاة صلة بين المؤمنين وربهم فهي العون للمؤمن في رحلة الحياة وهي الملجأ والملاذ إلى الله وهي فترة المناجاة والمناداة فيها تسمو الروح وتطهر النفس ويناجي العبد إلها سميعا بصيرا مجيبا .
وردت قصة الإسراء والمعراج في كتب السنة الصحاح وسرت بين الأمة سريانا مستفيضا ووعتها بطون الكتب وتحدث بها الرواة حتى نقلها من أعاظم الرجال خمسة وأربعون صحابيا بطرق شتى وأخذها جيل عن جيل في تواتر وإجماع .
وأمر في جملته خاضع لقدرة الله التي لا تقف أمامها حدود وهو معجزة لرسول الله . والمعجزة : أمر خارق للعادة يظهره الله على يد مدعي الرسالة تصديقا له في دعواه ، وليس فيما كشفه العلم من قوانين الجذب العام ونظام الأفلاك ومسابح النجوم وعناصر الكواكب ونواميس الحركة وطبقات الهواء وتحديد الحركات ومعايير السرعة- ليس في ذلك كله وما يتصل به- ما يقف أمام الإسراء والمعراج .
فقد ثبت أن نجم المشتري يجري بسرعة ثلاثين ألف ميل في الساعة فيجري تسعة أميال كلما تنفس الإنسان . والمشتري أكبر من أرضنا بألف وأربعمائة مرة . وأن الله الذي جعل هذا الجسم الكثيف الهائل يقطع الأبعاد الشاسعة في لحظات لا يبعد عليه أن يسري بنبيه الكريم من مكة إلى بيت المقدس على مقتضى ناموس لا نعرفه ، وإن كان الوجود يشتمل عليه ، ما دام العلم قد أثبت سرعة عجيبة لأجرام كثيفة .
وإننا نشهد كل يوم كشفا عن ناموس ، وأبطالا لناموس ، حتى لقد صرح بعض علماء الغرب بأن أخوف ما نخافه أن ما نفاخر به اليوم من العلوم يصبح بعد مائة سنة باطلا منسوخا .
ويؤثر لرئيس مجمع ترقي العلوم بجامعة كمبردج سنة 1854م أن كنه المادة غير معروف ، وأن منتهى علمها مبتدأ جهلها .
ونحن إذا طوينا القرون القهقري فرجعنا إلى ما قبل اليوم منذ قرنين اثنين ، أفكنا نحسب موجات الأثير وعدسات التيلفزيون والتلستار تنقل صوت الإنسان وصورته إلى الأبعاد الشاسعة والأقطار النائية ؟
إن الإنسان قد أخذه العجب العجاب عند اختراع الطائرة العادية ، ثم الطائرة النفاثة والأطباق الطائرة ، والأقمار الصناعية .
وكان وصول الإنسان إلى القمر أخيرا خبرا مذهلا أخذ على الناس في كل أصقاع الدنيا لبهم واستولى على اهتمامهم ، وذلك كله مما يقرب في ذهن الإنسان سهولة الإسراء والمعراج خاصة وأنهما يقعان في دائرة القدرة الإلهية التي يخضع لها كل شيء في عالم السماوات والأرض والهواء والفضاء ، قال تعالى : { وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه سبحانه وتعالى عما يشركون } ( الزمر : 67 ) .
هذه جملة من الأحاديث النبوية الشريفة ترسم سورة الإسراء وتحكي قصته ومشاهداته بروايات متعددة .
قال الإمام أحمد : حدثنا حسن بن موسى ، حدثنا حماد بن سلمة ، أخبرنا ثابت البناني ، عن أنس بن مالك ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( أتيت بالبراق ، وهو دابة بيضاء ، فوق الحمار ودون البغل ، يضع حافره عند منتهى طرفه ، فركبته ، فسار بي ، حتى أتيت بيت المقدس فربطت الدابة في الحلقة التي يربط فيها الأنبياء ، ثم دخلت فصليت فيه ركعتين ، ثم خرجت فأتاني جبريل بإناء من خمر وإناء من لبن ، فاخترت اللبن ، فقال جبريل عليه السلام : أصبت الفطرة ، فقال : ثم عرج بي إلى السماء الدنيا ، فاستفتح جبريل عليه السلام ، فقيل له : من أنت ؟ قال جبريل : قيل : ومن معك ؟ قال : محمد ، قيل : وقد أرسل إليه ؟ قال : قد أرسل إليه ، ففتح لنا فإذا أنا بآدم ، فرحب بي ودعا لي الخير .
ثم عرج بنا إلى السماء الثانية ، فاستفتح جبريل ، فقيل له : من أنت ؟ قال : جبريل . قيل : ومن معك ؟ قال : محمد . قيل : وقد أرسل إليه ؟ قال : قد أرسل إليه ، ففتح لنا فإذا بابني الخالة يحيى وعيسى ، فرحبا بي ، ودعوا لي الخير .
ثم عرج بنا إلى السماء الثالثة ، فاستفتح جبريل . فقيل له : من أنت ؟ قال : جبريل . قيل : ومن معك ؟ قال : محمد . قيل : وقد أرسل إليه ؟ قال : قد أرسل إليه ، ففتح لنا فإذا أنا بيوسف عليه السلام ، وإذا هو قد أعطى شطر الحسن . فرحب بي ودعا لي بخير .
ثم عرج بنا إلى السماء الرابعة ، فاستفتح جبريل . فقيل له : من أنت ؟ قال : جبريل . فقيل : ومن معك ؟ قال : محمد . قيل : وقد أرسل إليه ؟ قال : قد بعث إليه ، ففتح لنا ، فإذا أنا بإدريس ، فرحب بي ودعا لي الجير .
يقول الله تعالى : { ورفعناه مكانا عليا } ( مريم : 57 ) .
ثم عرج بنا إلى السماء الخامسة ، فاستفتح جبريل . فقيل له : من أنت ؟ قال جبريل . فقيل : ومن معك ؟ قال : محمد . فقيل : قد أرسل إليه ، ففتح لنا ، فإذا أنا بهارون ، فرحب بي ودعا لي الخير .
ثم عرج بنا على السماء السادسة ، فاستفتح جبريل . فقيل له : من أنت ؟ قال جبريل . قيل : ومن معك ؟ قال : محمد ، فقيل : وقد بعث إليه ؟ قال : قد بعث إليه ، ففتح لنا ، فإذا أنا بموسى عليه السلام ، فرحب بي ودعا لي الخير .
ثم عرج بنا إلى السماء السابعة ، فاستفتح جبريل . فقيل له : من أنت ؟ قال : جبريل . قيل ومن معك ؟ قال : محمد . فقيل : وقد بعث إليه ؟ قال : قد بعث إليه ، ففتح لنا ، فإذا أنا بإبراهيم عليه السلام ، وإذا هو مستند إلى البيت المعمور ، وإذا هو يدخله كل يوم سبعون ألف ملك ، ثم لا يعودون إليه .
ثم ذهبت إلى سدرة المنتهى : فإذا أوراقها كآذان الفيلة ، وإذا ثمرها كالقلال ، فلما غشيها من أمر الله ما غشيها ، تغيرت فما أحد من خلق الله يستطيع أن يصفها من حسنها ، قال : فأوحى الله إلى ما أوحى ، وقد فرض علي في كل يوم وليلة خمسين صلاة .
فنزلت حتى انتهيت إلى موسى . قال : ما فرض ربك على أمتك ؟ قال : خمسين صلاة في كل يوم وليلة .
قال ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك ، فإن أمتك لا تطيق ذلك ، وإني قد بلوت بني إسرائيل وخبرتهم . قال : فرجعت إلى ربي ، فقلت أي رب خفف عن أمتي ؛ فحط عني خمسا .
فنزلت حتى انتهيت إلى موسى ، فقال : ما فعلت ؟ فقلت : حط عني خمسا : فقال : إن أمتك لا تطيق ذاك ، فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك .
قال : فلم أزل أرجع بين ربي ، وبين موسى ، ويحط عني خمسا خمسا ، حتى قال : يا محمد هي خمس صلوات في كل يوم وليلة بكل صلاة عشر ، فتلك خمسون صلاة ، ومن هم بحسنة فلم يعملها ، كتبت له حسنة . فإن عملها كتبت له عشرا ، ومن هم بسيئة فلم يعملها لم تكتب ، فإن عملها كتبت سيئة واحدة .
فنزلت حتى انتهيت إلى موسى فأخبرته . فقال : ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك ، فإن أمتك لا تطيق ذلك ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لقد رجعت إلى ربي حتى استحيت ) ( رواه مسلم بهذا السياق ){[327]} .
قال البيهقي : وفي هذا السياق : أن المعراج كان ليلة أسرى به عليه الصلاة والسلام من مكة إلى بيت المقدس .
ويقول بن كثير عن ذلك : وهذا الذي قاله هو الحق الذي لا شك فيه ولا مرية .
وقبل أن نبدأ أحاديث أخرى نذكر أنه :
ذهب الجمهور من علماء المحدثين والفقهاء ، والمتكلمين ، إلى أن الإسراء والمعراج :
وقعا في ليلة واحدة في اليقظة ،
بجسد النبي صلى الله عليه وسلم وروحه ،
ولقد توارد على ذلك- كما يقول الإمام ابن حجر- ظواهر الأخبار الصحيحة ولا ينبغي العدول عن ذلك إذ ليس في العقل ما يحيله {[328]} ، حتى يحتاج إلى تأويل .
ولو كان مناما ، أو بالروح فقط لما كذب رسول الله صلى الله عليه وسلم مكذب ، لجواز وقوع مثل ذلك أو أبعد منه لآحاد الناس : إن الناس في الرؤيا يرون أنهم سافروا وأبعدوا ، وجاءوا وعقدوا العقود ورأوا نتائج عقودهم وثمار جهودهم ، فلو كنا بصدد رؤيا لما ارتاب في صدق الصادق الصدوق صلوات الله وسلامه عليه إنسان .
ولما أشفقت السيدة أم هانئ رضي الله عنها على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، لما أخبرها الخبر ، وقال : إنه سيحدث الناس به ، فأرادت منه أن يعدل عن ذلك قائلة : إنهم سيكذبونك ، فلم يستجب صلوات الله وسلامه عله لنصيحتهما ، لأن الحق ينبغي أن يذاع ، وأذاعه صلى الله عليه وسلم بين الناس . وحدث ما حدث مما سنذكر بعضه فيما بعد إنشاء الله .
وفي حديث عند الطبراني البراز ، أنه عليه الصلاة والسلام : مر على قوم يزرعون ويحصدون في يوم ، كما حصدوا عاد كما كان فقال لجبريل عليه السلام : ما هذا ؟
قال : هؤلاء المجاهدون في سبيل الله ، تضاعف لهم الحسنة إلى سبعمائة ضعف ، وما أنفقوا من شيء فهو يخلفه وهو خير الرازقين .
ثم أتى قوما ترضخ رءوسهم بالصخر ، كلما رضخت عادت كما كانت ، ولا يفتر عنهم من ذلك شيء .
قال : هؤلاء الذين تتثاقل رءوسهم عن الصلاة المكتوبة .
ثم أتى على قوم ، على أقبالهم رقاع ، وعلى أدبارهم رقاع .
قال : هؤلاء الذين لا يؤذون زكاة أموالهم ، وما ظلمهم الله ، وما ربك بظلام للعبيد .
ثم أتى على قوم بين أيديهم لحم نضيج في قدر ، ولحم نيىء في قدر خبيث فجعلوا يأكلون من النيىء الخبيث ويدعون النضيج .
قال جبريل : هذا الرجل من أمتك ، تكون عنده امرأة الحلال الطيب فيأتي امرأة خبيثة فيبيت عندها حتى يصبح ، والمرأة تقوم من عند زوجها حلالا طيبا ، فتأتي رجلا خبيثا فتبيت عنده حتى تصبح .
ثم أتى على رجل قد جمع حزمة حطب عظيمة لا يستطيع حملها وهو يزيد عليها .
قال : هذا رجل من أمتك ، تكون عليه أمانات الناس ، لا يقدر على أدائها وهو يريد أن يحمل عليها .
ثم أتى على قوم تقرض ألسنتهم وشفاههم بمقاريض من حديد كلما قرضت عادت كما كانت لا يفتر عنهم من ذلك شيء .
قال : ثم أتى على جحر صغير يخرج منه ثور عظيم ، فجعل الثور يريد أن يرجع من حيث خرج فلا يستطيع .
قال : هذا الرجل يتكلم بالكلمة العظيمة يندم عليها فلا يستطيع أن يردها .
ثم أتى على واد فوجد فيه ريحا طيبة باردة ، وريح مسك وسمع صوتا .
قال : هذا صوت الجنة ، تقول رب آتني بما وعدتني ، فقد كثرت غرفي وإستبرقي وحريري وسندسي ، وعبقريي ، ولؤلئي ، ومرجاني ، وذهبي ، وأكوابي ، وصحافي ، وأباريقي ، ومواكبي ، وعسلي ، ومائي ، ولبني ، وخمري ، فأتني بما وعدتني .
قال : لك كل مسلم ومسلمة ، ومؤمن ومؤمنة ، ومن آمن بي وبرسلي وعمل عملا صالحا ، ولم يشرك بي شيئا ، ولم يتخذ من دوني أندادا ، ومن خشيني فهو آمن ، ومن سألني فقد أعطيته ، ومن أقرضني جازيته ، ومن توكل علي كفيته ، إنني أنا الله لا إله إلا أنا ، لا أخلف الميعاد ، قد أفلح المؤمنون ، وتبارك الله أحسن الخالقين .
ثم أتى على واد فسمع صوتا منكرا ووجد ريحا منتنة .
قال : هذا صوت جهنم ، تقول ربي آتني بما وعدتني فقد كثرة سلاسلي ، وأغلالي ، وسعيري ، وحميمي ، وضريعي ، وغساقي ، وعذابي ، وقد بعد قعري ، واشتد حري ، فأتني بما وعدتني .
قال : لك كل مشرك ومشركة ، وكل جبار لا يؤمن بيوم الحساب .
وفي حديث أبي سعيد : أنه رأى أخونة عليها لحم طيب ليس عليها أحد . وأخرى عليها لحم نتن ، عليها ناس يأكلون .
قال جبريل : هؤلاء الذين يتركون الحلال ويأكلون الحرام .
وفيه : أنه مر بقوم بطونهم أمثال البيوت ، كلما نهض أحدهم خر ، وأن جبريل قال له : هم أكلة الربا .
وأنه مر بقوم مشافرهم كالإبل يلتقمون جمرا فيخرج من أسافلهم ، وأن جبريل قال له أن هؤلاء الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما .
وأنه مر بقوم يقطع من جنوبهم اللحم ، فيطعمون وأنهم الغمازون اللمازون .
وأنه مر بنساء تعلقن بثديهن ، وأنهن الزواني .
وفيه : حتى أتيت بيت المقدس أوثقت دابتي بالحلقة التي كانت الأنبياء تربطها فيها ، فدخلت أنا وجبريل بيت المقدس ، فصلى كل واحد منا ركعتين .
في رواية أنس عن مسلم : ثم دخلت المسجد فصليت فيه ركعتين ، ثم خرجت فجاءني جبريل عليه السلام ، بإناء من خمر وإناء من لبن ، فاخترت اللبن .
فقال جبريل : اخترت الفطرة . أي : اخترت اللبن الذي عليه بنيت الخلقة .
وقال النووي : المراد بالفطرة هنا : الإسلام والاستقامة .
وفي رواية ابن مسعود : ثم خلت المسجد فعرفت النبيين : ما بين قائم ، وراكع وساجد .
ثم أذن مؤذن فأقيمت الصلاة ، فقمنا صفوفا ننتظر من يؤمنا ، فأخذ بيدي جبريل فقدمني فصليت بهم .
وأخرج البخاري من طريق عكرمة عن ابن عباس في قوله تعالى : { وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس } . ( الإسراء : 60 ) ، قال : هي رؤيا عين أريها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ليلة أسري به {[329]} .
وأخرج الطبري الأوسط في الأوسط بسند صحيح عن ابن عباس أنه يقول : ( إن محمدا صلى الله عليه وسلم ، رأى ربه مرتين : مرة ببصره ، ومرة بفؤاده ) .
نظر محمد إلى ربه ، قال عكرمة : فقلت له : نظر محمد إلى ربه ؟
قال : نعم جعل الكلام لموسى ، والخلة لإبراهيم ، والنظر لمحمد صلى الله عليه وسلم .
وأخرجه البيهقي في ( كتاب الرؤيا ) بلفظ :
إن الله اصطفى إبراهيم بالخلة ، واصطفى موسى بالكلام ، واصطفى محمدا بالرؤيا .
أتعجبون أن تكون الخلة لإبراهيم ، والكلام لموسى ، والرؤية لمحمد صلى الله عليه وسلم ؟
وأخرج أحمد بسند صحيح عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( رأيت ربي صلى الله عليه وسلم : ( رأيت ربي عز وجل ) .
وأخرج أحمد والنسائي والبزار والطبراني والبيهقي ، وابن مردويه بسند صحيح من طريق سعيد بن جبير عن بن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
ولما أسرى بي مرت بي رائحة طيبة ، فقلت : ما هذه الرائحة ؟
قالوا : ماشطة بنت فرعون وأولادها ، سقط مشطها منها فقالت : بسم الله .
فأمر ببقرة من نحاس ، فأحميت ، ثم أمر بها لتلقى فيها وأولادها فألقوا واحدا حتى بلغ رضيعا فيهم ، فقال :
قعي يا أمه ولا تقاعسي فإنك على حق .
قال : وتكلم أربعة ، وهم صغار ، هذا ، وشاهد يوسف ، وصاحب جريح وعيسى بن مريم .
وأخرج الترمذي- وحسنه- وابن مردويه . من عبد الرحمان ، عن ابن مسعود قال :
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لقيت إبراهيم ليلة أسري بي ، فقلت : يا محمد أقرأ أمتك مني السلام ، وأخبرهم أن الجنة طيبة التربة ، عذبة الماء ، وأنها قيعان ، وأن غراسها سبحان الله ، والحمد لله ، ولا إله إلا الله ، والله أكبر ، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم .
وأخرج أحمد وأبو داود من طريق عبد الرحمان بن جبير عن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لما عرج بي مررت بقوم لهم أظافر من نحاس يخمشون وجوههم وصدورهم ، فقلت : من هؤلاء يل جبريل ؟ قال : هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس ، ويقعون في أعراضهم .
وأخرج ابن مردويه من طريق قتادة وسليمان التميمي وتمامة ، وعلي بن زيد ، عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( ليلة أسري بي مررت بناس تقرض شفاههم بمقاريض من نار ، كلما قرضت عادت ، فقلت : من هؤلاء يا جبريل ؟ ، قال : هؤلاء خطباء أمتك يقولون ما لا يفعلون ) .
وأخرج ابن ماجة والحكيم الترمذي ( في نوادر الأصول ) وابن أبي حاتم وابن مردويه ، هن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( رأيت ليلة أسري بي مكتوبا على باب الجنة ، الصدقة بعشر أمثالها ، والقرض بثمانية عشر ) .
فقلت لجبريل : ما بال القرض أفضل من الصدقة ؟
قال : لأن السائل يسأل وعنده ، والمستقرض لا يستقرض إلا من حاجة .
وأخرج ابن مردويه عن سمرة بن جندب قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( رأيت ليلة أسري بي رجلا يسبح في نهر ويلقم الحجارة ، فسألت : من هذا ؟ فقيل لي : هذا آكل الربا .
وعن ابن عباس رضي الله عنهما- فيما رواه الإمام أحمد- قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لما كانت ليلة أسري بي ، وأصبحت بمكة ، فظعت أمري ، وعرفت أن الناس مكذبي .
قال : فمر عدو الله أبو جهل المستهزئ : هل كان من شيء ؟
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : نعم .
قال : فلم ير أنه يكذبه ، مخافة أن يجحده الحديث إذا دعا قومه إليه .
قال : أرأيت إن دعوت قومك تحدثهم ما حدثتني ؟
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : نعم .
فانطلق أبو جهل فقال : هيا يا معشر بني لؤي .
قال : فانتفضت إليه المجالس ، وجاءوا حتى جلسوا إليهما .
فقال أبو جهل : حدث قومك بما حدثتني .
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إني أسري بي الليلة .
قالوا : ثم أصبحت بين ظهرانينا ؟
فإذا بالقوم بين واضع يده على رأسه متعجبا للكذب .
قالوا : وهل تستطيع أن تنعت لنا المسجد ؟ - وفي القوم من سافر إلى ذلك البلد ورأى المسجد .
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : فذهبت أنعت ، فما زلت أنعت حتى التبس على بعض النعت ، قال : فجيء بالمسجد وأنا أنظر ، حتى وضع دون دار عقيل ، فنعته وأنا أنظر إليه .
قال : فقال القوم : أما النعت فوالله لقد أصاب .
وعن الحسن : أنه في يوم الحديث عن الإسراء : ارتد كثير ممن كان أسلم ، وذهب الناس إلى أبي بكر فقالوا له : هل لك يل أبا بكر في صاحبك ؟ يزعم أنه قد جاء هذه الليلة بيت المقدس وصلى فيه ورجع إلى مكة .
فقال لهم أبو بكر : إنكم تكذبون عليه ؟
فقالوا : لا ، ها هو ذاك في المسجد يحدث به الناس .
قال أبوا بكر : لئن كان قاله لقد صدق ، فما يعجبكم من ذلك ؟ فوالله إنه يخبرني أن الخبر ليأتيه من السماء إلى الأرض في ساعة من ليل أو نهار فأصدقه ، فهذا أبعد مما تعجبون منه .
ثم أقبل حتى انتهى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا نبي الله ، أحدثت هؤلاء القوم أنك أتيت بيت المقدس هذه الليلة ؟
قال : يا نبي الله فصفه لي ، فإني قد جئته ؟
قال الحسن : فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : فرفع لي حتى نظرت إليه . فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يصف لأبي بكر ويقول أبو بكر : صدقت ، أشهد أنك رسول الله ، وكلما وصف له منه شيئا ، قال صدقت أشهد أنك رسول الله قال : حتى انتهى .
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : وأنت يا أبا بكر : ( الصديق ) .
هذا هو الموجز لما ترويه السنة مؤيدة للقرآن عن هذا النبإ الجليل ، ولقد حاول ابن إسحاق أن يبين الحكمة في هذا الحادث فقدم- حسبما يروي ابن هشام- لحديث الإسراء بكلمة نفيسة يقول فيها :
وكان في مسراه ، وما ذكر منه ، بلاء وتمحيص ، وأمر من أمر الله في قدرته وسلطانه فيه عبرة لأولي الألباب ، وهدى ورحمة وثبات لمن آمن بالله وصدق . وكان من أمر الله على اليقين .
فأسرى به كيف شاء ، وكما شاء ؛ ليريه من آياته الكبرى ، حتى عاين ما عاين من أمره وسلطانه العظيم ، وقدرته التي يصنع بها ما يريد .
يقول الإمام البوصيلي في ( همز يته ) :
فطوى الأرض سائرا والسماوا *** ت العلا فوقها له إسراء
فصف الليلة التي كان للمختا *** ر فيها على البراق استواء
وترقى به إلى قاب قوسين *** وتلك السيادة القعساء
رتب تسقط الأماني حسرى *** دونها ما وراءهن وراء
ثم وافى يحدث شكرا *** إذا أتته من ربه النعماء
وتحدى فارتاب كل مريب *** أو يبقى مع السيول الغثاء
ويقول شوقي في قصيدته التي عارض فيها الإمام البوصيري :
يتساءلون وأنت أطهر هيكل *** بالروح أم بالهيكل الإسراء
بهما سموت مطهرا وكلاهما *** نور وروحانية وبهاء
فضل عليك لذى الجلال ومنة *** والله يفعل ما يرى ويشاء
تغشى العيون من العوالم كلما *** طويت سماء قلدتك سماء
في كل منطقة حواشي نورها *** نون وأنت النقطة الزهراء
أنت الجمال بها وأنت المجتلي *** والكف والمرآة والحسناء
الله هيأ من حظيرة قدسه *** نزلا لذاتك لم يجزه علاء
العرش تحتك سدة وقوائم *** ومناكب الروح الأمين وطاء
و الرسل دون العرش لم يؤذن لهم *** حاشا لغيرك موعد ولقاء
عنى الفلاسفة والمتصوفون الإسلاميون بتلمس حكمة الإسراء ، وكان الصوفية يجدون فيها دليلا عمليا على أهمية العناية بالنفس الإسلامية ، وأن الروح سر من أسرار الله في الإنسان ، إذا تطهرت من سيطرة المادة وزاد تعلقها بالحق والخير ، فإنها تسمو إلى الملأ الأعلى ، بل إن الروح إذا عظمت العناية بها صارت أقصى من الجسد وتلاشت مادية الجسم أمام سمو الروح وانطلاقها .
ويذكرون أن الرياح أن الرياح أجسام لطيفة فقط ، وليست روحية مع أنها تزعزع الأشجار الباسقة وتقتلع الأوتاد العاتية وتفتت الصخور الجاثمة .
والكهرباء- وهي من اللطافة بحيث ترى آثارها ولا ترى آثارها ولا ترى حقيقتها- تحول خواص الأجسام إلى أضدادها وتبعث اليوم في الدنيا حياة جديدة ، فهي تحمل الأثقال وتقلقل الجبال وترسل الصواعق فتنشر الضوء وتؤجج النيران ، وهذا يعطينا دليلا على مدى ما للأجسام اللطيفة من سلطان على المادة .
فالإسراء بالنبي ليلا وصعوده إلى السماوات العلا أثر من آثار تزكية النفس وتطهيرها ، بل إن مروره في السماوات على الملائكة يمكن أن يدل على منازل الأنبياء ، وتكون السماء إشارة إلى كل ما علاك ومنازل الأنبياء في السماوات حسب درجاتهم وجهادهم ، ويكون لرسول الله منزلة أعلى ، تجاوزت في روحانيتها آدم في سمائه الأولى ، ثم تجاوزت يحيى وعيسى في الثانية ، ويوسف في الثالثة ، وإدريس في الرابعة ، وهارون في الخامسة ، وموسى في السادسة ، وإبراهيم في سمائه السابعة .
تجاوز رسول الله صلى الله عليه وسلم كل ذلك وتجاوز الكون كله إلى سدرة المنتهى وإلى شجرة النهاية ، ثم إلى حيث لا يبلغ ملك مقرب ولا نبي مرسل إلى قاب قوسين أو أدنى{[330]} .
إذا كانت التوجيهات السابقة ، إنما كانت لتدلنا على مقام رسول الله ، صلوات الله عليه وسلامه ، فنزداد بذلك تقديرا وحبا وإتباعا ، فإن من هدى الله سبحانه وتعالى وتوجيهاته في نبإ الإسراء والمعراج : هذه الرمزيات الأخلاقية التي تربط ربطا محكما بين الدين والأخلاق .
والواقع أن الأخلاق في جو الإسلام مرتبطة بالدين ارتباطا لا ينفصل ، منه تنبع ، وعلى أساسه تقوم ، وعنه تصدر ؛ لأنها جزء من الدين الإسلامي لا يتجزأ ، مصدرها هو مصدره : إلهي رباني .
وبعض الناس في العصر الحديث يريد أن يجعل للأخلاق مصادر أخرى ، يريد بعضهم أن يجعل أساس الأخلاق الضمير ، بيد أن ذلك خطأ بين ، فالضمير يربي ويكون ، وتربيته وتكوينه هما شكله ، ونزعته واتجاهه ، الذي يتكيف بحسب الثقافة والبيئة والعصر والوسط .
إن الضمير يصنع كما تصنع المزيقات ، وهو إذن مقياس للأخلاق خاطئ .
وبعض الناس يريد أن يرجع بالأخلاق إلى المصلحة العامة ، ولكن المصلحة العامة كلمة غير محددة ، وكل من يتحدث باسم المصلحة العامة إنما يتحدث باسم فكرته هو ، منحرفة كانت هذه الفكرة أو غير منحرفة .
فالمصلحة العامة إذن كأساس للأخلاق إنما هي : أساس غير مضمون .
وبعض الناس يريد أن يرجع بالأخلاق إلى المصلحة الشخصية أو إلى اللذة ، أو إلى المنفعة . وكل هذا وارد الغرب الأوروبي ، أو الغرب الأمريكي عندما انحرف هذا الغرب وألحد .
أما وارد الشرق الإسلامي ، أو بتعبير أدق ، وارد الإسلام الإلهي ، فإن مقياس الأخلاق فيه : إنما هو المبادئ الدينية ، إنما هو آيات القرآن ، وإنما هو الفضائل التي أوحاها الله سبحانه وتعالى ، هذه الفضائل التي حددها القرآن في أسلوب عربي مبين وتحدث عنها نبأ الإسراء والمعراج في صور رمزية دالة هادفة مؤثرة وبينتها السنة النبوية الشريفة ، وركزها القرآن والسنة على أسس من الإيمان قوية ثابتة ، إنها في رحلة الإسراء والمعراج تكون منهج حياة مؤسسة على الإيمان بالله ورسوله{[331]} .
لعله أصبح واضحا أن الإسراء هو الانتقال بالنبي من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى .
وأن المعراج هو العروج به إلى السماوات العلا .
ولعل سائلا يسأل ، هل كان الإسراء بالروح والجسد أم بالروح وحدها ويمكن أن نوضح الجواب بما يأتي :
1- أكثر العلماء أن الإسراء كان بالروح والبدن يقظة لا مناما ولهم على ذلك أدلة :
( أ ) أنه لو كان مناما ما كانت قريش تبادر إلى تكذيبه ، ولما قالت أم هانىء : لا تحدث الناس فيكذبوك ، ولما فضل أبو بكر بالصديق ، وجاء في الحديث عن أبي هريرة أنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لقد رأيتني في الحجر وقريش تسألني عن مسراي ، فسألتني عن أشياء من بيت المقدس لم أثبتها ، ( لم أعرفها حق المعرفة ) . فكربت كربا ما كربت مثله قط . فرفعه الله لي أنظر إليه ، فما سألوني عن شيء إلا أنبأهم به ( الحديث ){[332]} .
( ب ) أن التسبيح والتعجب- في قوله : { سبحان الذي أسرى بعبده }- إنما الأمور العظام ، ولو كان ذلك مناما لم يكن فيه كبير شأن ، ولم يكن مستعظما .
( ج ) أن قوله : بعبده يدل على مجموع الروح والجسد .
( د ) أن ابن عباس قال في قوله : { وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس } ؛ هي رؤيا عين أريها رسول الله صلى لله عليه وسلم ليلة أسري به ويؤيده أن العرب قد تستعمل الرؤيا في المشاهدة الحسي ، ألا ترى إلى قول الراعي يصف صائدا :
وكبر للرؤيا وهش فؤاده *** وبشر قلبنا كان جما بلابله
( ه ) أن الحركة بهذه السرعة ممكنة في نفسها ، فقد جاء في القرآن أن الرياح كانت تسير بسليمان عليه السلام إلى المواضع البعيدة في الأوقات القليلة ، قال تعالى : { غدوها شهر ورواحها شهر } . وجاء فيه أن الذي عنده علم من الكتاب أحضر عرش بلقيس من أقصى الشام في مقدار لمح البصر ، كما قال تعالى : { قال الذي عنده علم من الكتاب أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك } . وإذا جاز هذا لدى طائفة من الناس جاز لدى النبي بالأولى .
ويرى آخرون أن الإسراء كان بالروح فحسب ، ولهم على ذلك حجج :
( أ ) أن معاوية بن أبي سفيان كان إذا سأل عن سري رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( كان رؤيا من الله صادقة ) ، وقد ضعف هذا ؛ بأن معاوية يومئذ كان من المشركين فلا يقبل خبره في مثل هذا ، أو أن هذا رأى لمعاوية لا سند له .
( ب ) أن بعض آل بني بكر قال : كانت عائشة تقول : ما فقدت جسد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولكن أسري بروحه ، ونقدوا هذا ؛ بأن عائشة يومئذ كانت صغيرة ولم تكن زوجا لرسول الله صلى الله عليه وسلم .
( ج ) أن الحسن قال : في قوله : { وما جعلنا الرؤيا . . . } الآية ، أنها رؤيا منام رآها ، والرؤيا تختص بالنوم .
قال أبو جعفر الطبري : الصواب من القول في ذلك عندنا أن يقال : إن الله أسري بعبده محمد صلى الله عليه وسلم من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى كما أخبر الله عباده ، وكما تظاهرت به الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أن حمله على البراق حتى أتاه به وصلى هناك بمن صلى من الأنبياء والرسل فأراه ما أراه من الآيات ولا معنى لقول من قال : أسري بروحه دون جسده ؛ لأن ذلك لو كان كذلك لم يكن في ذلك ما يوجب أن يكون دليلا على نبوته ، ولا حجة على رسالته ، ولا كان الذي أنكروا حقيقة ذلك من أهل الشرك كانوا يدفعون به عن صدقه فيه ؛ إذ لم يكن منكرا عندهم ، ولا عند أحد من ذوي الفطرة الصحيحة من بني آدم أن يرى الرائي منهم في المنام ما على مسيرة سنة ، فكيف ما هو مسيرة شهر أو أقل- وبعد فإن الله إنما أخبر في كتابه : أنه أسري بعبده ولم يخبرنا بأنه أسري بروح عبده ، وليس جائزا لأحد أن يتعدى ما قال الله إلى غيره- إلى أن الأدلة الواضحة والأخبار المتابعة عن رسول الله صلى اله عليه وسلم أن الله أسري به على دابة يقال لها : البراق ، ولو كان الإسراء بروحه لم تكن الروح محمولة على البراق ، إذ كانت الدواب لا تحمل إلا الأجساد . 1ه .
أن الذي عليه المعول عند جمهرة المسلمين أنه أسري به عليه السلام يقظة لا مناما من مكة إلى بيت المقدس راكبا البراق ، فلما انتهى إلى باب المسجد ربط الدابة عند الباب ودخله يصلي في قبلته تحية المسجد ركعتين وعرج به إلى السماء وعاد منها ثم ركب البراق وعاد إلى مكة قبل الفجر .
10- إننا لنقف قليلا عند هذين الحادثين الجليلين ؛ لنستخلص منهما أمورا هي غاية في العظة والاعتبار :
1- أن هاتين الرحلتين : الرحلة الأرضية ( الإسراء ) والرحلة السماوية ( المعراج ) حدثتا في ليلة واحدة قبل الهجرة بسنة ؛ ليمحص الله المؤمنين ويبين منهم صادق الإيمان ومن في قلبه مرض ؛ فيكون الأول خليقا بصحبة رسوله الأعظم إلى دار الهجرة والانضواء تحت لوائه ، وجديرا بما يحتمله من أعباء عظام وتكاليف شاقة من حروب دينية ، وقيام بدعوة عظيمة تستتبع همة قعساء وإنشاء دولة تبتلع المعمور في ذلك الحين شرقا وغربا .
2- أن الله أطلع رسوله على ما في هذا الكون أرضية وسماوية من العظمة والجلال ؛ ليكون ذلك درسا عمليا ؛ لتعليم رسوله بالمشاهدة والنظر ، فإن التعليم بالمشاهدة أجدى أنواع التعليم ، فهو وإن لم يذهب إلى مدرسة أو يجلس إلى معلم أو يسبح في أرجاء المعمورة أو يصعد بالآيات العلمية إلى السماء ؛ فقد كفل له ربه ذلك بما أراه من آياته الكبرى وما أطلعه من مشاهدة تلك العوالم التي لا تصل أذهاننا إلى إدراك كنهها إلا بضرب من التخيل والتوهم ، فأنّى لنا أن نصل إلى ذلك وقد حبس عنا الكثير من العلم ولم نؤت إلا قليله { وما أوتيتم من العلم إلا قليلا } .
3- أن ما يجد كل يوم من ضروب المخترعات والتوصل بها إلى طي المسافات بوسائل الطائرات والنفاثات والأقمار الصناعية ، جعلنا نعتقد أن ما جاء في وصف هاتين الرحلتين- من الأمور الميسورة التي ليست بالعزيزة الحصول أو الأمور المستحيلة .
4- أن روحانية الأنبياء تتغلب على كثافة أجسامهم ، فما يخيل إلينا من العوائق العملية من صعوبة الوصول إلى الملإ الأعلى ؛ لتخلخل الهواء واستحالة الوصول إلى الطبقات العليا من السماء ، فهو إنما يكون بالنظر إلى الأجرام والأجسام المشاهدة في عالم الحس ، وأن لروحانية الأنبياء والملائكة أحكاما لم يصل العقل البشري إلى تحديدها وإبداء الرأي فيها وإنها لفوق مستوى إدراكه ، فأجدر بنا ألا نطيل البحث فيها ولا التعمق في استقصاء آثارها .
5- أن ما جاء في الحديث من أن الرسول صلى الله عليه وسلم صلى إماما بالأنبياء في عالم السماوات ؛ ليرشد أن محمدا صلى الله عليه وسلم جاء بشريعة ختمت الشرائع السابقة كلها ، وأتمتها ومن أوتوها ألقوا الزعامة إليه وصاروا مؤتمين به .
6- أن في هذا مغزى جديرا بطويل التأمل والتفكر وهو أن جميع الأنبياء كانوا في وفاق ووئام في الملكوت الأعلى- بالقرب من ربهم الذي أرسلهم- أفلا يجدر بمتّبعيهم أن يقتفوا سنة رسلهم وأن يجعلوا أمرهم بينهم سلما لا حربا ، وأن يجعلوا الشريعة الأخيرة والقانون الذي جاءت به هو الشريعة التي يقضى بها بين الناس كما هو متبع في القوانين الوضعية ، فإن الذي يجب العمل به هو القانون الأخير منها .
تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :
سورة الإسراء، سورة بني إسرائيل، مكية كلها إلا هذه الآيات، فإنهن مدنيات، وهي قوله تعالى: {وقل رب أدخلني مدخل صدق...} [آية:80] الآية. وقوله تعالى: {إن الذين أوتوا العلم من قبله...} إلى قوله: {...خشوعا} [آية:107-109]. وقوله تعالى: {إن ربك أحاط بالناس...} [آية:60] الآية. وقوله تعالى: {وإن كادوا ليفتنونك...} [آية:73] الآية. وقوله تعالى: {ولولا أن ثبتناك...} [آية:75،74] الآيتين. وقوله تعالى: {وإن كادوا ليستفزونك من الأرض...} [آية:76].
تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :
النكت و العيون للماوردي 450 هـ :
مكية في قول الحسن، وعكرمة، وعطاء، وجابر. وقال ابن عباس وقتادة: إلا ثماني آيات من قوله تعالى:"وإن كادوا ليفتنونك" إلى قوله: "سلطانا نصيرا".
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية 542 هـ :
هذه السورة مكية إلا ثلاث آيات: قوله عز وجل:"وإن كادوا ليفتنونك"، وقوله: "وإن كادوا ليستفزونك"، نزلت حين جاء رسولَ الله صلى الله عليه وسلم وفدُ ثقيف، وحين قالت اليهود: ليست هذه بأرض الأنبياء، وقوله عز وجل: "وقل رب أدخلني مدخل صدق"، وقوله عز وجل:"إن ربك أحاط بالناس "وقال مقاتل: وقوله عز وجل:"إن الذين أوتوا العلم من قبله". قال ابن مسعود في بني إسرائيل والكهف: "إنهن من العِتاق الأُوَل، وهن في تِلاَدِي"، يريد أنهن من قديم كسبه.
تفسير القرآن العظيم لابن كثير 774 هـ :
عن أبي لبابة، سمعت عائشة تقول: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم حتى نقول: ما يريد أن يفطر، ويفطر حتى نقول: ما يريد أن يصوم، وكان يقرأ كل ليلة "بني إسرائيل"، و "الزمر".
السراج المنير في تفسير القرآن الكريم للشربيني 977 هـ :
في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :
هذه السورة -سورة الإسراء- مكية، وهي تبدأ بتسبيح الله وتنتهي بحمده؛ وتضم موضوعات شتى معظمها عن العقيدة؛ وبعضها عن قواعد السلوك الفردي والجماعي وآدابه القائمة على العقيدة؛ إلى شيء من القصص عن بني إسرائيل يتعلق بالمسجد الأقصى الذي كان إليه الإسراء. وطرف من قصة آدم وإبليس وتكريم الله للإنسان.
ولكن العنصر البارز في كيان السورة ومحور موضوعاتها الأصيل هو شخص الرسول [صلى الله عليه وسلم] وموقف القوم منه في مكة. وهو القرآن الذي جاء به، وطبيعة هذا القرآن، وما يهدي إليه، واستقبال القوم له. واستطرادا بهذه المناسبة إلى طبيعة الرسالة والرسل، وإلى امتياز الرسالة المحمدية بطابع غير طابع الخوارق الحسية وما يتبعها من هلاك المكذبين بها. وإلى تقرير التبعة الفردية في الهدى والضلال الاعتقادي، والتبعة الجماعية في السلوك العملي في محيط المجتمع.. كل ذلك بعد أن يعذر الله -سبحانه- إلى الناس، فيرسل إليهم الرسل بالتبشير والتحذير والبيان والتفصيل) وكل شيء فصلناه تفصيلا).
ويتكرر في سياق السورة تنزيه الله وتسبيحه وحمده وشكر آلائه. ففي مطلعها: (سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى...) وفي أمر بني إسرائيل بتوحيد الله يذكرهم بأنهم من ذرية المؤمنين مع نوح) إنه كان عبدا شكورا).. وعند ذكر دعاوي المشركين عن الآلهة يعقب بقوله:) سبحانه وتعالى عما يقولون علوا كبيرا، تسبح له السماوات السبع والأرض ومن فيهن، وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم).. وفي حكاية قول بعض أهل الكتاب حين يتلى عليهم القرآن:) ويقولون: سبحان ربنا إن كان وعد ربنا لمفعولا).. وتختم السورة بالآية) وقل الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا، ولم يكن له شريك في الملك، ولم يكن له ولي من الذل، وكبره تكبيرا).
في تلك الموضوعات المنوعة حول ذلك المحور الواحد الذي بينا، يمضي سياق السورة في أشواط متتابعة.
يبدأ الشوط الأول بالإشارة إلى الإسراء: (سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله) مع الكشف عن حكمة الإسراء) لنريه من آياتنا).. وبمناسبة المسجد الأقصى يذكر كتاب موسى وما قضى فيه لبني إسرائيل، من نكبة وهلاك وتشريد مرتين، بسبب طغيانهم وإفسادهم مع إنذارهم بثالثة ورابعة) وإن عدتم عدنا).. ثم يقرر أن الكتاب الأخير -القرآن- يهدي للتي هي أقوم، بينما الإنسان عجول مندفع لا يملك زمام انفعالاته. ويقرر قاعدة التبعة الفردية في الهدى والضلال، وقاعدة التبعة الجماعية في التصرفات والسلوك.
ويبدأ الشوط الثاني بقاعدة التوحيد، ليقيم عليها البناء الاجتماعي كله وآداب العمل والسلوك فيه، ويشدها إلى هذا المحور الذي لا يقوم بناء الحياة إلا مستندا إليه.
ويتحدث في الشوط الثالث عن أوهام الوثنية الجاهلية حول نسبة البنات والشركاء إلى الله، وعن البعث واستبعادهم لوقوعه، وعن استقبالهم للقرآن وتقولاتهم على الرسول صلى الله عليه وسلم ويأمر المؤمنين أن يقولوا قولا آخر، ويتكلموا بالتي هي أحسن.
وفي الشوط الرابع يبين لماذا لم يرسل الله محمدا [صلى الله عليه وسلم] بالخوارق فقد كذب بها الأولون، فحق عليهم الهلاك اتباعا لسنة الله؛ كما يتناول موقف المشركين من إنذارهم لله في رؤيا الرسول [صلى الله عليه وسلم] وتكذيبهم وطغيانهم. ويجيء في هذا السياق طرف من قصة إبليس، وإعلانه أنه سيكون حربا على ذرية آدم. يجيء هذا الطرف من القصة كأنه كشف لعوامل الضلال الذي يبدو من المشركين. ويعقب عليه بتخويف البشر من عذاب الله، وتذكيرهم بنعمة الله عليهم في تكريم الإنسان، وما ينتظر الطائعين والعصاة يوم ندعو كل أناس بإمامهم: فمن أوتي كتابه بيمينه فأولئك يقرؤون كتابهم ولا يظلمون فتيلا. ومن كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلا.
ويستعرض الشوط الأخير كيد المشركين للرسول [صلى الله عليه وسلم] ومحاولة فتنته عن بعض ما أنزل إليه ومحاولة إخراجه من مكة. ولو أخرجوه قسرا -ولم يخرج هو مهاجرا بأمر الله- لحل بهم الهلاك الذي حل بالقرى من قبلهم حين أخرجت رسلها أو قتلتهم. ويأمر الرسول [صلى الله عليه وسلم] أن يمضي في طريقه يقرأ قرآنه ويصلي صلاته، ويدعو الله أن يحسن مدخله ومخرجه ويعلن مجيء الحق وزهوق الباطل، ويعقب بأن هذا القرآن الذي أرادوا فتنته عن بعضه فيه شفاء وهدى للمؤمنين، بينما الإنسان قليل العلم) وما أوتيتم من العلم إلا قليلا).
ويستمر في الحديث عن القرآن وإعجازه. بينما هم يطلبون خوارق مادية، ويطلبون نزول الملائكة، ويقترحون أن يكون للرسول بيت من زخرف أو جنة من نخيل وعنب، يفجر الأنهار خلالها تفجيرا! أو أن يفجر لهم من الأرض ينبوعا. أو أن يرقى هو في السماء ثم يأتيهم بكتاب مادي معه يقرأونه... إلى آخر هذه المقترحات التي يمليها العنت والمكابرة، لا طلب الهدى والاقتناع. ويرد على هذا كله بأنه خارج عن وظيفة الرسول وطبيعة الرسالة، ويكل الأمر إلى الله. ويتهكم على أولئك الذين يقترحون هذه الاقتراحات كلها بأنهم لو كانوا يملكون خزائن رحمة الله -على سعتها وعدم نفادها- لأمسكوها خوفا من الإنفاق! وقد كان حسبهم أن يستشعروا أن الكون وما فيه يسبح لله، وأن الآيات الخارقة قد جاء بها موسى من قبل فلم تؤد إلى إيمان المتعنتين الذين استفزوه من الأرض، فأخذهم الله بالعذاب والنكال.
وتنتهي السورة بالحديث عن القرآن والحق الأصيل فيه. القرآن الذي نزل مفرقا ليقرأه الرسول على القوم زمنا طويلا بمناسباته ومقتضياته، وليتأثروا به ويستجيبوا له استجابة حية واقعية عملية. والذي يتلقاه الذين أوتوا العلم من قبله بالخشوع والتأثر إلى حد البكاء والسجود. ويختم السورة بحمد الله الذي لم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك ولم يكن له ولي من الذل. كما بدأها بتسبيحه وتنزيهه.
التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :
سميت في كثير من المصاحف سورة الإسراء... إذ قد ذكر في أولها الإسراء بالنبي صلى الله عليه وسلم واختصت بذكره.
وتسمى في عهد الصحابة سورة بني إسرائيل. ففي جامع الترمذي في أبواب الدعاء عن عائشة رضي الله عنها قالت كان النبي صلى الله عليه وسلم لا ينام حتى يقرأ الزمر وبني إسرائيل.
وفي صحيح البخاري عن عبد الله بن مسعود أنه قال في بني إسرائيل والكهف ومريم: إنهن من العتاق الأول وهن من تلادي. وبذلك ترجم لها البخاري في كتاب التفسير، والترمذي في أبواب التفسير. ووجه ذلك أنها ذكر فيها من أحوال بني إسرائيل ما لم يذكر في غيرها. وهو استيلاء قوم أولى بأس الآشوريين عليهم ثم استيلاء قوم آخرين وهم الروم عليهم.
وتسمى أيضا سورة {سبحان}، لأنها افتتحت بهذه الكلمة. قال في بصائر ذوي التمييز.
وهي مكية عند الجمهور. قيل: إلا آتين منها، وهما {وإن كادوا ليفتنونك إلى قوله قليلا}. وقيل: إلا أربعا، هاتين الآيتين، وقوله {وإذ قلنا لك إن ربك أحاط بالناس}، وقوله {وقل رب أدخلني مدخل صدق} الآية. وقيل: إلا خمسا، هاته الأربع، وقوله {إن الذين أوتوا العلم من قبله} إلى آخر السورة. وقيل: إلا خمس آيات غير ما تقدم، وهي المبتدأة بقوله {ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق} الآية، وقوله {ولا تقربوا الزنى} الآية، وقوله {أولئك الذين يدعون} الآية، وقوله {أقم الصلاة} الآية، وقوله {وآت ذا القربى حقه} الآية. وقيل إلا ثمانيا من قوله {وإن كادوا ليفتنونك} إلى قوله {سلطانا نصيرا}.
وأحسب أن منشأ هاته الأقوال أن ظاهر الأحكام التي اشتملت عليها تلك الأقوال يقتضي أن تلك الآي لا تناسب حالة المسلمين فيما قبل الهجرة فغلبت على ظن أصحاب تلك الأقوال مدنية. وسيأتي بيان أن ذلك غير متجه عند التعرض لتفسيرها.
ويظهر أنها نزلت في زمن فيه جماعة المسلمين بمكة، وأخذ التشريع المتعلق بمعاملات جماعتهم يتطرق إلى نفوسهم، فقد ذكرت فيها أحكام متتالية لم تذكر أمثال عددها في سورة مكية غيرها عدا سورة الأنعام، وذلك من قوله {وقضي ربك ألا تعبدوا إلا إياه} إلى قوله {كل ذلك كان سيئة عند ربك مكروها}.
وقد اختلف في وقت الإسراء. والأصح أنه كان قبل الهجرة بنحو سنة وخمسة أشهر، فإذا كانت قد نزلت عقب وقوع الإسراء بالنبي صلى الله عليه وسلم تكون قد نزلت في حدود سنة اثنتي عشرة بعد البعثة، وهي سنة اثنتين قبل الهجرة في منتصف السنة.
وليس افتتاحها بذكر الإسراء مقتضيا أنها نزلت عقب وقوع الإسراء. بل يجوز أنها نزلت بعد الإسراء بمدة.
وذكر فيها الإسراء إلى المسجد الأقصى تنويها بالمسجد الأقصى وتذكيرا بحرمته...
العماد الذي أقيمت عليه أغراض هذه السورة إثبات نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وإثبات أن القرآن وحي من الله.
ورد مطاعن المشركين فيه وفي من جاء به، وأنهم لم يفقهوه فلذلك أعرضوا عنه.
وإبطال إحالتهم أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم أسري به إلى المسجد الأقصى. فافتتحت بمعجزة الإسراء توطئة للتنظير بين شريعة الإسلام وشريعة موسى عليه السلام على عادة القرآن في ذكر المثل والنظائر الدينية، ورمزا إلهيا إلى أن الله أعطى محمدا صلى الله عليه وسلم من الفضائل أفضل مما أعطى من قبله.
وأنه أكمل له الفضائل فلم يفته منها فائت، فمن أجل ذلك أحله بالمكان المقدس الذي تداولته الرسل من قبل، فلم يستأثرهم بالحلول بذلك المكان هو مهبط الشريعة الموسوية، ورمز أطوار تأريخ بني إسرائيل وأسلافهم، والذي هو نظير المسجد الحرام في أن أصل تأسيسه في عهد إبراهيم كما سننبه عليه عند تفسير قوله تعالى {إلى المسجد الأقصى}، فأحل الله به محمدا عليه الصلاة والسلام بعد أن هجر وخرب إيماء إلى أن أمته تجدد مجده.
وأن الله مكنه من حرمي النبوة والشريعة، فالمسجد الأقصى لم يكن معمورا حين نزول هذه السورة وإنما عمرت كنائس حوله، وأن بني إسرائيل لم يحفظوا حرمة المسجد الأقصى، فكان إفسادهم سببا في تسلط أعدائهم عليهم وخراب المسجد الأقصى. وفي ذلك رمز إلى أن إعادة المسجد الأقصى ستكون على يد أمة هذا الرسول الذي أنكروا رسالته.
ثم إثبات دلائل تفرد الله بالإلهية، والاستدلال بآية الليل والنهار وما فيهما من المنن على إثبات الوحدانية.
والتذكير بالنعم التي سخرها الله للناس، وما فيها من الدلائل على تفرده بتدبير الخلق، وما تقتضيه من شكر المنعم وترك شكر غيره، وتنزيهه عن اتخاذ بنات له.
وإظهار فضائل من شريعة الإسلام وحكمته، وما علمه الله المسلمين من آداب المعاملة نحو ربهم سبحانه، ومعاملة بعضهم مع بعض، والحكمة في سيرتهم وأقوالهم، ومراقبة الله في ظاهرهم وباطنهم...
والحث على إقامة الصلوات في أوقاتها.
والتحذير من نزغ الشيطان وعداوته لآدم وذريته، وقصة إبايته من السجود.
وذكر ما عرض للأمم من أسباب الاستئصال والهلاك.
وتهديد المشركين بأن الله يوشك أن ينصر الإسلام على باطلهم.
وما لقي النبي صلى الله عليه وسلم من أذى المشركين واستعانتهم باليهود. واقتراحهم الآيات، وتحميقهم في جهلهم بآية القرآن وأنه الحق.
وتخلل ذلك من المستطردات والنذر والعظات ما فيه شفاء ورحمة، ومن الأمثال ما هو علم وحكمة.
التفسير الحديث لدروزة 1404 هـ :
وفصولها مترابطة، وآياتها متوازنة ومتساوقة، مما يمكن أن يلهم أن فصولها نزلت متلاحقة إلى أن تمت... وقد روي أن الآيات [26 و32 و 33 و 57 و 73 80] مدنيات، وليست الروايات وثيقة السند من جهة، وسياقُ الآيات ومضامينها وتوازنها وانسجامها مع ما سبقها ولحق بها يسوغ الشك في الرواية، ويرجّح مكية الآيات...
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل - لجنة تأليف بإشراف الشيرازي 2009 هـ :
... وبالإمكان فرز المحاور المهمّة الآتية التي يدور حولها مضمون السورة:
أوّلاً: الإِشارة إلى أدلة النّبوة الخاتمة وبراهينها، وفي مقدمتها معجزة القرآن وقضية المعراج.
ثانياً: ثمّة بحوث في السورة ترتبط بقضية المعاد وما يرتبط به من حديث عن صحيفة الأعمال، وقضية الثواب والعقاب المترتب على نتيجة الجزاء.
ثالثاً: تتحدَّث السورة في بدايتها ونهايتها عن قسم من تاريخ بني إِسرائيل المليء بالأحداث.
رابعاً: تتعرض السورة إلى حرية الاختيار لدى الإِنسان، وأنَّ الإِنسان غير مجبر في أعماله، وبالتالي فإِنّ على الإِنسان أن يتحمل مسؤولية تلك الحرية من خلال تحمله لمسؤولية أعماله، سواء كانت حسنة أم سيئة.
خامساً: تبحث السورة قضية الحساب والكتاب في هذه الدنيا، لكي يعي الإِنسان قضية الحساب والكتاب على أعماله وأقواله في اليوم الآخر.
سادساً: تشير إلى الحقوق في المستويات المختلفة، خصوصاً فيما يتعلق بحقوق الأقرباء، وبالأخص منهم الأم والأب!
سابعاً: تتعرض السورة إلى حرمة «الإِسراف»، و«التبذير»، و«البخل»، و«قتل الأبناء»، و«الزنا»، و«أكل مال اليتيم»، و«البخس في المكيال»، و«التكبُّر»، و«إِراقة الدماء».
ثامناً: في السورة بحوث حول التوحيد ومعرفة اللّه تعالى.
تاسعاً: تواجه السورة مواقف العناد المكابرة إزاء الحق، وأنّ الذنوب تتحوَّل إلى حُجُب تمنع الإِنسان من رؤية الحق.
عاشراً: تركز السورة على أفضلية الإِنسان على سائر الموجودات.
أحد عشر: تؤكّد السورة على تأثير القرآن الكريم في معالجة الأشكال المختلفة من الأمراض الأخلاقية والاجتماعية.
ثاني عشر: تبحث السّورة في المعجزة القرآنية، وعدم تمكن الخصوم وعجزهم عن مواجهة هذه المعجزة.
ثالث عشر: تحذّر السورة المؤمنين مِن وساوس الشيطان وإِغواءاته، وتنبههم إلى المسالك التي ينفذ من خلالها إلى شخصية المؤمن.
رابع عشر: تتعرض السورة إلى مجموعة مختلفة من القضايا والمفاهيم والتعاليم الأخلاقية.
خامس عشر: أخيراً تتعرض السورة إلى مقاطع من قصص الأنبياء (عليهم السلام) ليتسنى للإِنسان استكناه الدروس والعبر من هذه القصص.
في كل الأحوال تعكس سورة الإِسراء في مضمونها ومحتواها العقائدي والأخلاقي والاجتماعي، لوحة متكاملة ومتناسقة لسمو وتكامل البشر في المجالات المختلفة...
تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :
{الذي أسرى بعبده} يعني: النبي صلى الله عليه وسلم،
{ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى}، يعني: بيت المقدس، قبل الهجرة بسنة...
{الذي باركنا حوله}، يعني: بالبركة الماء، والشجر، والخير،
{لنريه من ءاياتنا}، فكان مما رأى من الآيات: البُراق، والرجال، والملائكة، وصلى بالنبيين تلك.
جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :
يعني تعالى ذكره بقوله تعالى:"سُبْحانَ الّذِي أسْرَى بعَبْدِه لَيْلاً" تنزيها للذي أسرى بعبده وتبرئة له مما يقول فيه المشركون من أنّ له من خلقه شريكا، وأن له صاحبة وولدا، وعلوّا له وتعظيما عما أضافوه إليه، ونسبوه من جهالاتهم وخطأ أقوالهم...
وللعرب في التسبيح أماكن تستعمله فيها. فمنها الصلاة، كان كثير من أهل التأويل يتأوّلون قول الله: "فَلَوْلا أنّهُ كانَ مِنَ المُسَبّحِينَ": فلولا أنه كان من المصلين. ومنها الاستثناء، كان بعضهم يتأول قول الله تعالى: "ألَمْ أقُلْ لَكُمْ لَوْلا تُسَبّحُونَ": لولا تستثنون... ومنها النور، وكان بعضهم يتأوّل في الخبر الذي رُوي عن النبيّ صلى الله عليه وسلم: «لَوْلا ذلكَ لأحْرَقَتْ سُبُحاتُ وَجْهِهِ ما أدْرَكَتْ مِنْ شَيْء» أنه عنى بقوله: سبحات وجهه: نور وجهه...
والإسراء والسّرى: سير الليل. فمن قال: أَسْرى، قال: يُسري إسراء ومن قال: سرى، قال: يَسري سُرَىً...
ويعني بقوله: "لَيْلاً": من الليل. وكذلك كان حُذيفة بن اليمان يقرأها...
وأما قوله: "مِنَ المَسْجِدِ الحَرَامِ "فإنه اختُلف فيه وفي معناه؛ فقال بعضهم: يعني من الحرم، وقال: الحرم كله مسجد. وقد بيّنا ذلك في غير موضع من كتابنا هذا. وقال: وقد ذُكر لنا أن النبيّ صلى الله عليه وسلم كان ليلة أُسري به إلى المسجد الأقصى كان نائما في بيت أمّ هانىء ابنة أبي طالب...
وقال آخرون: بل أُسرى به من المسجد، وفيه كان حين أسرى به...
وأولى الأقوال في ذلك بالصواب، أن يقال: إن الله عزّ وجلّ أخبر أنه أسرى بعبده من المسجد الحرام، والمسجد الحرام هو الذي يتعارفه الناس بينهم إذا ذكروه. وقوله: "إلى المَسْجِدِ الأقْصَى" يعني: مسجد بيت المقدس، وقيل له: الأقصى، لأنه أبعد المساجد التي تزار، ويُبتَغى في زيارته الفضل بعد المسجد الحرام. فتأويل الكلام: تنزيها لله، وتبرئة له مما نحله المشركون من الإشراك والأنداد والصاحبة، وما يجلّ عنه جلّ جلاله، الذي سار بعبده ليلاً من بيته الحرام إلى بيته الأقصى.
ثم اختلف أهل العلم في صفة إسراء الله تبارك وتعالى بنبيه صلى الله عليه وسلم من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى؛
فقال بعضهم: أسرى الله بجسده، فسار به ليلاً على البُراق من بيته الحرام إلى بيته الأقصى حتى أتاه، فأراه ما شاء أن يريه من عجائب أمره وعبره وعظيم سُلطانه، فجمعت له به الأنبياء، فصلى بهم هُنالك، وعَرج به إلى السماء حتى صعد به فوق السموات السبع، وأوحى إليه هنالك ما شاء أن يوحي ثم رجع إلى المسجد الحرام من ليلته، فصلى به صلاة الصبح....
وقال آخرون: بل أسري بروحه، ولم يسر بجسده... والصواب من القول في ذلك عندنا أن يقال: إن الله أسرى بعبده محمد صلى الله عليه وسلم من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، كما أخبر الله عباده، وكما تظاهرت به الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أن الله حمله على البراق حين أتاه به، وصلى هنالك بمن صلى من الأنبياء والرسل، فأراه ما أراه من الآيات، ولا معنى لقول من قال: أسرى بروحه دون جسده، لأن ذلك لو كان كذلك لم يكن في ذلك ما يوجب أن يكون ذلك دليلاً على نبوّته، ولا حجة له على رسالته، ولا كان الذين أنكروا حقيقة ذلك من أهل الشرك، وكانوا يدفعون به عن صدقه فيه، إذ لم يكن منكرا عندهم، ولا عند أحد من ذوي الفطرة الصحيحة من بني آدم أن يرى الرائي منهم في المنام ما على مسيرة سنة، فكيف ما هو على مسيرة شهر أو أقلّ؟ وبعد، فإن الله إنما أخبر في كتابه أنه أسرى بعبده، ولم يخبرنا أنه أسرى بروح عبده، وليس جائزا لأحد أن يتعدّى ما قال الله إلى غيره. فإن ظنّ ظانّ أن ذلك جائز، إذ كانت العرب تفعل ذلك في كلامها... فإن العرب تفعل ذلك فيما كان مفهوما مراد المتكلم منهم به من الكلام. فأما فيما لا دلالة عليه إلا بظهوره، ولا يوصل إلى معرفة مراد المتكلّم إلا ببيانه، فإنها لا تحذف ذلك ولا دلالة تدلّ على أن مراد الله من قوله: أسْرَى بِعَبْدِهِ أسرى بروح عبده، بل الأدلة الواضحة، والأخبار المتتابعة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الله أسرى به على دابة يُقال لها البراق ولو كان الإسراء بروحه لم تكن الروح محمولة على البراق، إذ كانت الدوابّ لا تحمل إلا الأجسام. إلا أن يقول قائل: إن معنى قولنا: أسرى بروحه: رأى في المنام أنه أسرى بجسده على البراق، فيكذب حينئذٍ بمعنى الأخبار التي رُويت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أن جبرئيل حمله على البراق، لأن ذلك إذا كان مناما على قول قائل هذا القول، ولم تكن الروح عنده مما تركب الدوابّ، ولم يحمل على البراق جسم النبيّ صلى الله عليه وسلم، لم يكن النبيّ صلى الله عليه وسلم على قوله حُمل على البراق لا جسمه، ولا شيء منه، وصار الأمر عنده كبعض أحلام النائمين، وذلك دفع لظاهر التنزيل، وما تتابعت به الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجاءت به الآثار عن الأئمة من الصحابة والتابعين.
وقوله: "الّذِي باركْنا حَوْلَهُ" يقول تعالى ذكره: الذي جعلنا حوله البركة لسكانه في معايشهم وأقواتهم وحروثهم وغروسهم.
وقوله: "لِنُرِيَهُ مِنْ آياتِنا" يقول تعالى ذكره: كي نري عبدنا محمدا من آياتنا، يقول: من عبرنا وأدلتنا وحججنا، وذلك هو ما قد ذكرت في الأخبار التي رويتها آنفا، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أريه في طريقه إلى بيت المقدس، وبعد مصيره إليه من عجائب العبر والمواعظ...
وقوله: "إنّهُ هُوَ السّمِيعُ البَصِيرُ" يقول تعالى ذكره: إن الذي أسرى بعبده هو "السميع" لما يقول هؤلاء المشركون من أهل مكة في مسرى محمد صلى الله عليه وسلم من مكة إلى بيت المقدس، ولغير ذلك من قولهم وقول غيرهم، "البصير" بما يعملون من الأعمال، لا يخفى عليه شيء من ذلك، ولا يعزب عنه علم شيء منه، بل هو محيط بجميعه علما، ومحصيه عددا، وهو لهم بالمرصاد، ليجزي جميعهم بما هم أهله.
تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :
{سبحان الذي أسرى بعبده ليلا} سبحان كلمة إجلال الله عن الأكفاء وتنزيهه عن الشركاء وتبرئته عما قالت المعطلة فيه، وظنت الملاحدة به من الولد والحاجات والآفات وجميع معاني الخلق...
ومعنى قوله: {سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى} هو، والله أعلم، كأنه ذكر أن من قدر على أن يسري بعبده ليلا مسيرة شهر يقدر على إحياء الموتى بعد الموت، ويملك حفظ رسوله والنصر له وإظهار آيات نبوته ورسالته وقطع حيل المكذبين له والمخالفين...
{الذي باركنا حوله} قيل: سماه مباركا لكثرة أنزاله وخيراته وسعته. وقيل: سماه مباركا لأنه مكان الأنبياء ومقامهم، فبورك فيه ببركتهم ويمنهم، والله أعلم...
{لنريه من آياتنا} أي لنريه من آياتنا الحسية بعد ما أريناه الآيات العقلية؛ لأن الآيات الحسية أكبر في قطع الشبهة ورفع الوساوس من العقلية، إذ لا يشك أحد في ما كان سبيل معرفته الحس والعيان، وقد تعترض الشبه والوساوس في العقليات لأنه لا يشك أحد في نفسه أنه هو، فأحب عز وجل أن يري رسوله آيات حسية تضطر المتعنتين إلى قبولها والإيمان والإقرار له أنه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لما يعلمون أن ما كان يخبرهم من أخبار حين قال: إنه رأى عير فلان وأمورا يعلمون أنه لا يقول إلا عن مشاهدة وعيان،...
{إنه هو السميع البصير} أي من قدر على ما ذكر لا يحتمل أن يخفى عليه شيء من قول أو عمل. ثم روي من الأخبار، وأنه عرج إلى السماء حتى رأى إخوانه الأنبياء الماضين قبله وما ذكر فيها. فنحن نقول ما قال الصديق، رضوان الله تعالى عليه، إن كان قال ذلك فأنا أشهد على ذلك، وإلا نقول على مقدار ما في الآية: إنه أسري به إلى البيت المقدس المسجد الأقصى، ولا نزيد عليه، لأنه من أخبار الآحاد فلا تسع الشهادة له...
التبيان في تفسير القرآن للطوسي 460 هـ :
فكان ذلك معجزة له باهرة، ودلالة واضحة لولا العناد، وكان نفس الإسراء حجة له صلى الله عليه وسلم لا أنه يحتاج إلى دلالة كغيره، ولذلك قال تعالى "لنريه من آياتنا "فكان الإسراء من جملة الآيات التي تأكد بها يقينه وازدادت به بصيرته، لأنه كان قد علم نبوته بما تقدم له من الآيات، فكان هذا على وجه التأكيد لذلك.
وكان ذلك في يقظته دون منامه، والذي يشهد به القرآن الإسراء من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، والباقي يعلم بالخبر.
"الذي باركنا حوله" يعني بالثمار ومجاري الأنهار، وقيل "باركنا" حوله بمن جعلنا حوله من الانبياء والصالحين، ولذلك جعله مقدسا. "لنريه من آياتنا" من العجائب التي فيها اعتبار. وروي أنه كان رأى الأنبياء حتى وصفهم واحدا واحدا.
لطائف الإشارات للقشيري 465 هـ :
افتتح السورةَ بِذِكْرِ الثناء على نَفْسه فقال: {سُبْحَانَ الَّذِي} [الإسراء:1]: الحقُّ سبَّحَ نَفْسَه بعزيزِ خطابِه، وأخبر عن استحقاقه لجلال قَدْرِه، وعن توحُّده بعلوِّ نُعُوتِه. ولمَّا أراد أَنْ يَعْرفَ العبِادُ [لعله سقط هنا الاسم الموصول "ما"] خَصَّ به رسولَه -صلى الله عليه وسلم- ليلةَ المعراجِ من عُلوٍّ ما رقَّاه إليه، وعِظَمِ ما لَقَّاه به أَزالَ الأعُجوبةَ بقوله: {أَسْرَى}، ونفى عن نبيِّه خَطَرَ الإعجاب بقوله: {بِعَبْدِهِ}؛ لأَنَّ مَنْ عَرَفَ ألوهيته، واستحقاقَه لكمالِ العِزِّ فلا يُتَعَجَّبُ منه أن يفعل ما يفعل، ومَنْ عرف عبوديةَ نَفْسِه، وأَنَّه لا يَمْلِكُ شيئاً من أمره فلا يُعْجَبُ بحاله. فالآية أوضحت شيئين اثنين: نَفي التعجَّبِ من إظهارِ فِعْلِ اللَّهِ عزَّ وجل، ونفي الإعجاب في وصف رسول الله عليه السلام...
ويقال أخبر عن موسى عليه السلام -حين أكرمه بإسماعه كلامه من غير واسطة- فقال: {وَلَمَّا جَآءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا} [الأعراف:143]، وأخبر عن نبينا صلى الله عليه وسلم بأنه {أَسْرَى بِعَبْدِهِ} وليس مَنْ جاءَ بنفْسِه كمنْ أَسْرَى به ربُّه، فهذا مُحتَمَلٌ وهذا محمول... هذا مُرِيدٌ وهذا مُرَادٌ. ويقال جعل المعراجَ بالليل عند غَفْلَةِ الرُّقَبَاءِ وغَيْبَةِ الأجانب، ومن غير ميعاد، ومن غير تقديم أُهْبَةٍ واستعداد، كما قيل: ويقال جعل المعراجَ بالليل ليُظْهرَ تصديقَ مَنْ صَدَّقَ، وتكذيبَ مَنْ تعجَّب وكَذّبَ أو أنكر وجحد. ويقال لما كان تعبُّدهُ صلى الله عليه وسلم وتهجُّدُه بالليل جَعَلَ الحقُّ سبحانه المعراجَ بالليلِ...
{لِنُرِيَهُ مِنْ ءَايَآتِنَا}:... ويقال من الآيات التي أراها له تلك الليلة أنه ليس كمثله -سبحانه- شيءٌ في جلالهِ وجماله، وعِزِّه وكبريائه، ومجده وسنائه. ثم أراه من آياته تلك الليلة ما عَرَفَ به صلوات الله عليه -أنه ليس أحدٌ من الخلائق مثْلَه في نبوته ورسالته وعلوِّ حالته وجلال رتبته...
الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :
{سُبْحَانَ} علم للتسبيح... دل على التنزيه البليغ من جميع القبائح التي يضيفها إليه أعداء الله...
فإن قلت: الإسراء لا يكون إلا بالليل، فما معنى ذكر الليل؟ قلت: أراد بقوله {لَيْلاً} بلفظ التنكير: تقليل مدّة الإسراء، وأنه أسرى به في بعض الليل من مكة إلى الشأم مسيرة أربعين ليلة، وذلك أنّ التنكير فيه قد دلّ على معنى البعضية. ويشهد لذلك قراءة عبد الله وحذيفة: «من الليل»، أي بعض الليل، كقوله {وَمِنَ الليل فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً} [الإسراء: 79] يعني الأمر بالقيام في بعض الليل. واختلف في المكان الذي أسرى منه فقيل: هو المسجد الحرام بعينه، وهو الظاهر... والمسجد الأقصى: بيت المقدس، لأنه لم يكن حينئذ وراءه مسجد. {بَارَكْنَا حَوْلَهُ} يريد بركات الدين والدنيا، لأنه متعبد الأنبياء من وقت موسى ومهبط الوحي، وهو محفوف بالأنهار الجارية والأشجار المثمرة...
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية 542 هـ :
لفظ الآية يقتضي أن الله عز وجل أسرى بعبده، وهو محمد عليه السلام... ووقع الإسراء في جميع مصنفات الحديث، وروي عن الصحابة في كل أقطار الإسلام فهو من المتواتر بهذا الوجه، وذكر النقاش عمن رواه عشرين صحابياً، فروى جمهور الصحابة وتلقى جل العلماء منهم أن الإسراء كان بشخصه صلى الله عليه وسلم، وأنه ركب البراق من مكة ووصل إلى بيت المقدس وصلى فيه... وقالت عائشة ومعاوية إنما أسري بنفس رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يفارق شخصه مضجعه وأنها كانت رؤيا رأى فيها الحقائق من ربه عز وجل، وجوزه الحسن وابن إسحاق، والحديث... مطول في البخاري ومسلم وغيرهما، فلذلك اختصرنا نصه في هذا الباب، وركوب البراق على قول هؤلاء يكون من جملة ما رأى في النوم، قال ابن المسيب وأبو سلمة بن عبد الرحمن في كتاب الطبري: البراق هو دابة إبراهيم الذي كان يزور عليه البيت الحرام.
يريد أن يجيء من يومه ويرجع وذلك من مسكنه بالشام، والصحيح ما ذهب إليه الجمهور، ولو كانت منامة ما أمكن قريشاً التشنيع ولا فضل أبو بكر بالتصديق، ولا قالت له أم هاني: لا تحدث الناس بهذا فيكذبوك إلى غير هذا من الدلائل، واحتج لقول عائشة بقوله تعالى: {وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس} [الإسراء: 60]، ويحتمل القول الآخر لأنه يقال لرؤية العين رؤيا، واحتج أيضاً بأن في بعض الأحاديث: فاستيقظت وأنا في المسجد الحرام وهذا محتمل أن يريد من الإسراء إلى نوم، واعترض قول عائشة بأنها كانت صغيرة لم تشاهد ولا حدثت عن النبي عليه السلام، وأما معاوية فكان كافراً في ذلك الوقت غير مشاهد للحال صغيراً، ولم يحدث عن النبي صلى الله عليه وسلم...
أحكام القرآن لابن العربي 543 هـ :
{أَسْرَى بِعَبْدِهِ}: قَالَ عُلَمَاؤُنَا: لَوْ كَانَ لِلنَّبِيِّ اسْمٌ أَشْرَفَ مِنْهُ لَسَمَّاهُ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ الْعَلِيَّةِ بِهِ وَقَالَ الْأُسْتَاذُ جَمَالُ الْإِسْلَامِ أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ الْكَرِيمِ بْنُ هَوَازِنَ: لَمَّا رَفَعَهُ إلَى حَضْرَتِهِ السَّنِيَّةِ، وَأَرْقَاهُ فَوْقَ الْكَوَاكِبِ الْعُلْوِيَّةِ، أَلْزَمهُ اسْمَ الْعُبُودِيَّةِ لَهُ، تَوَاضُعًا لِلْإِلَهِيَّةِ.
لباب التأويل في معاني التنزيل للخازن 741 هـ :
... وفائدة ذكر المسجد الأقصى فقط أنه صلى الله عليه وسلم لو أخبر بصعوده إلى السماء أولاً لاشتد إنكارهم لذلك فلما أخبر أنه أسرى به إلى بيت المقدس، وبان لهم صدقه فيما أخبر به من العلامات التي فيه وصدقوه عليها أخبر بعد ذلك بعروجه إلى السماء، فجعل الإسراء إلى المسجد الأقصى كالتوطئة لمعراجه إلى السماء كانت ليلة الإسراء قبل الهجرة بسنة يقال كانت في رجب ويقال في رمضان
الجواهر الحسان في تفسير القرآن للثعالبي 875 هـ :
وكان الإسراء فيما قال مقاتِلٌ وقتادةُ: قبل الهجرة بعامٍ، وقيل: بعام ونصفٍ، والمتحقِّق أن ذلك كان بَعْدَ شَقِّ الصحيفة، وقبل بيعة العقبة.
في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :
وقصة الإسراء -ومعها قصة المعراج- إذ كانتا في ليلة واحدة -الإسراء من المسجد الحرام في مكة إلى المسجد الأقصى في بيت المقدس. والمعراج من بيت المقدس إلى السماوات العلى وسدرة المنتهى، وذلك العالم الغيبي المجهول لنا.. هذه القصة جاءت فيها روايات شتى؛ وثار حولها جدل كثير. ولا يزال إلى اليوم يثور...
والراجح من مجموع الروايات أن رسول الله [صلى الله عليه وسلم] ترك فراشه في بيت أم هانى ء إلى المسجد فلما كان في الحجر عند البيت بين النائم واليقظان أسري به وعرج. ثم عاد إلى فراشه قبل أن يبرد.
على أننا لا نرى محلا لذلك الجدل الطويل الذي ثار قديما والذي يثور حديثا حول طبيعة هذه الواقعة المؤكدة في حياة الرسول [صلى الله عليه وسلم] والمسافة بين الإسراء والمعراج بالروح أو بالجسم، وبين أن تكون رؤيا في المنام أو رؤية في اليقظة.. المسافة بين هذه الحالات كلها ليست بعيدة؛ ولا تغير من طبيعة هذه الواقعة شيئا وكونها كشفا وتجلية للرسول [صلى الله عليه وسلم] عن أمكنة بعيدة وعوالم بعيدة في لحظة خاطفة قصيرة.. والذين يدركون شيئا من طبيعة القدرة الإلهية ومن طبيعة النبوة لا يستغربون في الواقعية شيئا. فأمام القدرة الإلهية تتساوى جميع الأعمال التي تبدو في نظر الإنسان وبالقياس إلى قدرته وإلى تصوره متفاوتة السهولة والصعوبة، حسب ما اعتاده وما رآه. والمعتاد المرئي في عالم البشر ليس هو الحكم في تقدير الأمور بالقياس إلى قدرة الله. أما طبيعة النبوة فهي اتصال بالملأ الأعلى- على غير قياس أو عادة لبقية البشر -وهذه التجلية لمكان بعيد، أو عالم بعيد؛ والوصول إليه بوسيلة معلومة أو مجهولة ليست أغرب من الاتصال بالملأ الأعلى والتلقي عنه. وقد صدق أبو بكر- رضي الله عنه -وهو يرد المسألة المستغربة المستهولة عند القوم إلى بساطتها وطبيعتها فيقول: إني لأصدقه بأبعد من ذلك. أصدقه بخير السماء!
ومما يلاحظ- بمناسبة هذه الواقعة وتبين صدقها للقوم بالدليل المادي الذي طلبوه يومئذ في قصة العير وصفتها أن الرسول [صلى الله عليه وسلم] لم يسمع لتخوف أم هانى ء -رضي الله عنها- من تكذيب القوم له بسبب غرابة الواقعة. فإن ثقة الرسول بالحق الذي جاء به، والحق الذي وقع له جعلته يصارح القوم بما رأى كائنا ما كان رأيهم فيه. وقد ارتد بعضهم فعلا، واتخذها بعضهم مادة للسخرية والتشكيك. ولكن هذا كله لم يكن ليقعد الرسول [صلى الله عليه وسلم] عن الجهر بالحق الذي آمن به.. وفي هذا مثل لأصحاب الدعوة أن يجهروا بالحق لا يخشون وقعه في نفوس الناس، ولا يتملقون به القوم، ولا يتحسسون مواضع الرضى والاستحسان، إذا تعارضت مع كلمة الحق تقال.
كذلك يلاحظ أن الرسول [صلى الله عليه وسلم] لم يتخذ من الواقعة معجزة لتصديق رسالته، مع إلحاح القوم في طلب الخوارق -وقد قامت البينة عندهم على صدق الإسراء على الأقل- ذلك أن هذه الدعوة لا تعتمد على الخوارق، إنما تعتمد على طبيعة الدعوة ومنهاجها المستمد من الفطرة القويمة، المتفقة مع المدارك بعد تصحيحها وتقويمها. فلم يكن جهر الرسول [صلى الله عليه وسلم] بالواقعة ناشئا عن اعتماده عليها في شيء من رسالته. إنما كان جهرا بالحقيقة المستيقنة له لمجرد أنها حقيقة:
والآن نأخذ في الدرس الأول على وجه التفصيل: (سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله، لنريه من آياتنا إنه هو السميع البصير)..
تبدأ السورة بتسبيح الله، أليق حركة نفسية تتسق مع جو الإسراء اللطيف، وأليق صلة بين العبد والرب في ذلك الأفق الوضيء.
وتذكر صفة العبودية: (أسرى بعبده) لتقريرها وتوكيدها في مقام الإسراء والعروج إلى الدرجات التي لم يبلغها بشر؛ وذلك كي لا تنسى هذه الصفة، ولا يلتبس مقام العبودية، بمقام الألوهية، كما التبسا في العقائد المسيحية بعد عيسى عليه السلام، بسبب ما لابس مولده ووفاته، وبسبب الآيات التي أعطيت له، فاتخذها بعضهم سببا للخلط بين مقام العبودية ومقام الألوهية.. وبذلك تبقى للعقيدة الإسلامية بساطتها ونصاعتها وتنزيهها للذات الإلهية عن كل شبهة من شرك أو مشابهة، من قريب أو من بعيد.
والإسراء من السرى: السير ليلا. فكلم (أسرى) تحمل معها زمانها. ولا تحتاج إلى ذكره. ولكن السياق ينص على الليل (سبحان الذي أسرى بعبده ليلا) للتظليل والتصوير -على طريقة القرآن الكريم- فيلقي ظل الليل الساكن، ويخيم جوه الساجي على النفس، وهي تتملى حركة الإسراء اللطيفة وتتابعها.
والرحلة من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى رحلة مختارة من اللطيف الخبير، تربط بين عقائد التوحيد الكبرى من لدن إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام، إلى محمد خاتم النبيين صلى الله عليه وسلم وتربط بين الأماكن المقدسة لديانات التوحيد جميعا. وكأنما أريد بهذه الرحلة العجيبة إعلان وراثة الرسول الأخير لمقدسات الرسل قبله، واشتمال رسالته على هذه المقدسات، وارتباط رسالته بها جميعا. فهي رحلة ترمز إلى أبعد من حدود الزمان والمكان؛ وتشمل آمادا وآفاقا أوسع من الزمان والمكان؛ وتتضمن معاني أكبر من المعاني القريبة التي تتكشف عنها للنظرة الأولى.
ووصف المسجد الأقصى بأنه (الذي باركنا حوله) وصف يرسم البركة حافة بالمسجد، فائضة عليه. وهو ظل لم يكن ليلقيه تعبير مباشر مثل: باركناه. أو باركنا فيه. وذلك من دقائق التعبير القرآني العجيب.
والإسراء آية صاحبتها آيات: (لنريه من آياتنا) والنقلة العجيبة بين المسجد الحرام والمسجد الأقصى في البرهة الوجيزة التي لم يبرد فيها فراش الرسول [صلى الله عليه وسلم] أيا كانت صورتها وكيفيتها.. آية من آيات الله، تفتح القلب على آفاق عجيبة في هذا الوجود؛ وتكشف عن الطاقات المخبوءة في كيان هذا المخلوق البشري، والاستعدادات اللدنية التي يتهيأ بها لاستقبال فيض القدرة في أشخاص المختارين من هذا الجنس، الذي كرمه الله وفضله على كثير من خلقه، وأودع فيه هذه الأسرار اللطيفة.. (إنه هو السميع البصير).. يسمع ويرى كل ما لطف ودق، وخفي على الأسماع والأبصار من اللطائف والأسرار.
والسياق يتنقل في آية الافتتاح من صيغة التسبيح لله: سبحان الذي أسرى بعبده ليلا إلى صيغة التقرير من الله: (لنريه من آياتنا) إلى صيغة الوصف لله: (إنه هو السميع البصير) وفقا لدقائق الدلالات التعبيرية بميزان دقيق حساس. فالتسبيح يرتفع موجها إلى ذات الله سبحانه. وتقرير القصد من الإسراء يجيء منه تعالى نصا. والوصف بالسمع والبصر يجيء في صورة الخبر الثابت لذاته الإلهية. وتجتمع هذه الصيغ المختلفة في الآية الواحدة لتؤدي دلالاتها بدقة كاملة.
التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :
الافتتاح بكلمة التسبيح من دون سبق كلام مُتضمّنٍ ما يَجب تنزيه الله عنه يؤذن بأن خبراً عجيباً يستقبله السامعون دالاً على عظيم القدرة من المتكلم ورفيع منزلة المتحدث عنه.
فإن جملة التسبيح في الكلام الذي لم يقع فيه ما يوهم تشبيهاً أو تنقيصاً لا يليقان بجلال الله تعالى مثل {سبحان ربك رب العزة عما يصفون} [الصافّات: 180] يتعين أن تكون مستعملة في أكثر من التنزيه، وذلك هو التعجيب من الخبر المتحدث به كقوله {قلتم ما يكون لنا أن نتكلم بهذا سبحانك هذا بهتان عظيم} [النور: 16]...
ولما كان هذا الكلام من جانب الله تعالى والتسبيح صادراً منه كان المعنى تعجيب السامعين، لأن التعجب مستحيلة حقيقته على الله لا لأن ذلك لا يلتفت إليه في محامل الكلام البليغ لإمكان الرجوع إلى التمثيل، مثل مجيء الرجاء في كلامه تعالى نحو {لعلكم تفلحون} [البقرة: 189]، بل لأنه لا يستقيم تعجب المتكلم من فعل نفسه، فيكون معنى التعجيب فيه من قبيل قولهم أتعجب من قول فلان كيْت وكيْت.
ووجه هذا الاستعمال أن الأصل أن يكون التسبيح عند ظهور ما يدل على إبطال ما لا يليق بالله تعالى. ولما كان ظهور ما يدل على عظيم القدرة مزيلاً للشك في قدرة الله وللإشراك به كان من شأنه أن يُنطق المتأمل بتسبيح الله تعالى، أي تنزيهه عن العجز.
وأصل صيغ التسبيح هو كلمة {سبحان الله} التي نُحت منها السبحلة. ووقع التصرف في صيغها بالإضمار نحو سبحانَك وسبحانه، وبالموصول نحو {سبحان الذي خلق الأزواج كلها} [يس: 36] ومنه هذه الآية.
والتعبير عن الذات العلية بطريق الموصول دون الاسم العلم للتنبيه على ما تفيده صلة الموصول من الإيماء إلى وجه هذا التعجيب والتنويه وسببه، وهو ذلك الحادث العظيم والعناية الكبرى. ويفيد أن حديث الإسراء أمر فَشا بين القوم، فقد آمن به المسلمون وأكبَره المشركون.
وفي ذلك إدماج لرفعة قدر محمد وإثباتُ أنه رسول من الله، وأنه أوتي من دلائل صدق دعوته ما لا قِبل لهم بإنكاره، فقد كان إسراءه إطلاعاً له على غائب من الأرض، وهو أفضل مكان بعد المسجد الحرام.
و {أسرى} لغة في سَرَى، بمعنى سار في الليل، فالهمزة هنا ليست للتعدية لأن التعدية حاصلة بالباء، بل أسرى فعل مفتح بالهمزة مرادف سَرى، وهو مثل أبان المرادف بَان، ومثل أنهج الثوبُ بمعنى نَهَجَ أي بلِيَ، ف {أسرى بعبده} بمنزلة {ذهب الله بنورهم} [البقرة: 17].
وللمبرد والسهيلي نكتة في التفرقة بين التعدية بالهمزة والتعدية بالباء بأن الثانية أبلغ لأنها في أصل الوضع تقتضي مشاركة الفاعل المفعولَ في الفعل، فأصل (ذهب به) أنه استصحبه، كما قال تعالى: {وسار بأهله} [القصص: 29]. وقالت العرب: أشبعهم شتماً، ورَاحوا بالإبل. وفي هذا لطيفة تناسب المقام هنا إذ قال {أسرى بعبده} دون سرى بعبْدَه، وهي التلويح إلى أن الله تعالى كان مع رسوله في إسرائه بعنايتهِ وتوفيقه، كما قال تعالى {فإنك بأعيننا} [الطور: 48]، وقال: إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا [التوبة: 40].
فالمعنى: الذي جعل عبده مُسرياً، أي سارياً، وهو كقوله تعالى: {فأسر بأهلك بقطع من الليل} [هود: 81].
وإذ قد كان السُرى خاصاً بسير الليل كان قوله: {ليلاً} إشارة إلى أن السير به إلى المسجد الأقصى كان في جُزء ليلة، وإلا لم يَكن ذكره إلا تأكيداً، على أن الإفادة كما يقولون خير من الإعادة.
وفي ذلك إيماء إلى أنه أسراء خارق للعادة لقطع المسافة التي بين مبدأ السير ونهايته في بعض ليلة، وأيضاً ليتوسل بذكر الليل إلى تنكيره المفيد للتعظيم.
فتنكير {ليلاً} للتعظيم، بقرينة الاعتناء بذكره مع علمه من فعل {أسرى}، وبقرينة عدم تعريفه، أي هو ليل عظيم باعتبار جعله زمناً لذلك السرى العظيم، فقام التنكير هنا مقام ما يدل على التعظيم. ألا ترى كيف احْتيج إلى الدلالة على التعظيم بصيغة خاصة في قوله تعالى: {إنا أنزلناه في ليلة القدر وما أدراك ما ليلة القدر} [القدر: 1 2] إذ وقعت ليلة القدر غير منكرة.
و (عَبْد) المضاف إلى ضمير الجلالة هنا هو محمد كما هو مصطلح القرآن، فإنه لم يقع فيه لفظ العبد مضافاً إلى ضمير الغيبة الراجع إلى الله تعالى إلا مراداً به النبي؛ ولأن خبر الإسراء به إلى بيت المقدس قد شاع بين المسلمين وشاع إنكاره بين المشركين، فصار المراد {بعبده} معلوماً.
والإضافة إضافة تشريف لا إضافة تعريف لأن وصف العبودية لله متحقق لسائر المخلوقات فلا تفيد إضافته تعريفاً.
والمسجد الحرام هو الكعبة والفِناء المحيط بالكعبة بمكة المتخذ للعبادة المتعلقة بالكعبة من طواف بها واعتكاف عندها وصلاة.
وأصل المسجد: أنه اسم مكان السجود. وأصل الحرام: الأمر الممنوع، لأنه مشتق من الحَرْم بفتح فسكون وهو المنع، وهو يرادف الحرم. فوصف الشيء بالحرام يكون بمعنى أنه ممنوع استعماله استعمالاً يناسبه، نحو {حرمت عليكم الميتة} [المائدة: 3] أي أكل الميتة...
ويكون بمعنى الممنوع من أن يعمل فيه عمل ما. ويبين بذكر المتعلق الذي يتعلق به. وقد لا يذكر متعلّقة إذا دل عليه العرف، ومنه قولهم: {الشهر الحرام} [البقرة: 194] أي الحرام فيه القتال في عرفهم. وقد يحذف المتعلق لقصد التكثير، فهو من الحذف للتعميم فيَرجع إلى العموم العرفي، ففي نحو {البيت الحرام} [المائدة: 2] يراد الممنوع من عُدوان المعتدين، وغزوِ الملوك والفاتحين، وعملِ الظلم والسوءِ فيه.
والحرام: فَعال بمعنى مفعول، كقولهم: امرأة حَصان، أي ممنوعة بعفافها عن الناس.
فالمسجد الحرام هو المكان المعد للسجود، أي للصلاة، وهو الكعبة والفناء المجعول حرماً لها. وهو يختلف سعة وضيقاً باختلاف العصور من كثرة الناس فيه للطواف والاعتكاف والصلاة.
وقد بنى قريش في زمن الجاهلية بيوتهم حول المسجد الحرام. وجعل قُصي بقربه دارَ الندوة لقريش وكانوا يجلسون فيها حول الكعبة، فانحصر لما أحاطت به بيوت عشائر قريش. وكانت كل عشيرة تتخذ بيوتها متجاورة. ومجموع البيوت يسمى شِعباً بكسر الشين. وكانت كل عشيرة تسلك إلى المسجد الحرام من منفذ دُورها، ولم يكن للمسجد الحرام جدار يُحفظ به. وكانت المسالك التي بين دُور العشائر تسمى أبواباً لأنها يسلك منها إلى المسجد الحرام، مثل باب بني شيبة، وباب بني هاشم، وباب بني مخزوم وهو باب الصفا، وباب بني سهم، وباب بني تيم. وربما عُرِف بعض الأبواب بجهة تقرب منه مثل بَاب الصفا ويسمى باب بني مخزوم. وباب الحزورة سمي بمكان كانت به سوق لأهل مكة تسمى الحَزْورة. ولا أدري هل كانت أبواباً تغلق أم كانت منافذ في الفضاء فإن الباب يطلق على ما بين حاجزين.
وأول من جعل للمسجد الحرام جداراً يُحفظ به هو عمر بن الخطاب رضي الله عنه سنة سبعَ عشرة من الهجرة.
ولُقب بالمسجد لأن إبراهيم عليه الصلاة والسلام جعله لإقامة الصلاة في الكعبة كما حكى الله عنه {ربنا ليقيموا الصلاة} [إبراهيم: 37]. ولما انقرضت الحنيفية وترك أهل الجاهلية الصلاة تناسوا وصفهُ بالمسجد الحرام فصاروا يقولون: البيت الحرام. وأما قول عمر: إني نذرت في الجاهلية أن أعتكف ليلة في المسجد الحرام، فإنه عبر عنه باسمه في الإسلام.
فغلبَ عليه هذا التعريف التوصيفي فصار له علماً بالغلبة في اصطلاح القرآن. ولا أعرف أنه كان يعرف في الجاهلية بهذا الاسم، ولا على مسجد بيت المقدس في عصر تحريمه عند بَني إسرائيل. وقد تقدم وجه ذلك عند قوله تعالى: {فول وجهك شطر المسجد الحرام} في [البقرة: 144]، وعند قوله تعالى: {أن صدوكم عن المسجد الحرام} في أول العقود [المائدة: 2].
وعلميته بمجموع الوصف والموصوف وكلاهما معَرّف باللام. فالجزء الأول مثل النجم والجزء الثاني مثل الصعِق، فحصل التعريف بمجموعهما، ولم يعد النحاةُ هذا النوع في أقسام العلم بالغلبة. ولعلهم اعتبروه راجعاً إلى المعرف باللام. ولا بد من عده لأن علميته صارت بالأمرين.
والمسجد الأقصى هو المسجد المعروف ببيتِ المقدِس الكائن بإيلياء، وهو المسجد الذي بناه سليمان عليه الصلاة والسلام.
والأقصى، أي الأبعد. والمراد بعده عن مكة، بقرينة جعله نهاية الإسراء من المسجد الحرام، وهو وصف كاشف اقتضاه هنا زيادة التنبيه على معجزة هذا الإسراء وكونه خارقاً للعادة لكونه قطْعَ مسافة طويلة في بعض ليلة.
وبهذا الوصف الوارد له في القرآن صار مجموع الوصف والموصوف علماً بالغلبة على مسجد بيت المقدس كما كان المسجد الحرام علماً بالغلبة على مسجد مكة. وأحسب أن هذا العلم له من مبتكرات القرآن فلم يكن العرب يصفونه بهذا الوصف ولكنهم لما سمعوا هذه الآية فهموا المراد منه أنه مسجد إيلياء. ولم يكن مسجد لدين إلهي غيرهما يومئذٍ.
وفي هذا الوصف بصيغة التفضيل باعتبار أصل وضعها معجزةٌ خفية من معجزات القرآن إيماء إلى أنه سيكون بين المسجدين مسجد عظيم هو مسجد طيبة الذي هو قَصِيٌ عن المسجد الحرام، فيكون مسجد بيت المقدس أقصى منه حينئذٍ.
فتكون الآية مشيرة إلى جميع المساجد الثلاثة المفضلة في الإسلام على جميع المساجد الإسلامية، والتي بينها قول النبي:"لا تُشدّ الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: مسجد الحرام، ومسجد الأقصى، ومسجدي".
وفائدة ذكر مبدأ الإسراء ونهايته بقوله: {من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصا} أمران:
أحدهما: التنصيص على قطع المسافة العظمية في جزء ليلة، لأن كلا من الظرف وهو {ليلاً} ومن المجرورين {من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصا} قد تعلق بفعل {أسرى}، فهو تعلق يقتضي المقارنة، ليعلم أنه من قبيل المعجزات.
وثانيهما: الإيماء إلى أن الله تعالى يجعل هذا الإسراء رمزاً إلى أن الإسلام جمع ما جاءت به شرائع التوحيد والحنيفية من عهد إبراهيم عليه الصلاة والسلام الصادر من المسجد الحرام إلى ما تفرع عنه من الشرائع التي كان مقرها بيت المقدس ثم إلى خاتمتها التي ظهرت من مكة أيضاً؛ فقد صدرت الحنيفية من المسجد الحرام وتفرعت في المسجد الأقصى. ثم عادت إلى المسجد الحرام كما عاد الإسراء إلى مكة لأن كل سُرى يعقبه تأويب. وبذلك حصل رد العجز على الصدر.
ومن هنا يظهر مناسبة نزول التشريع الاجماعي في هذه السورة في الآيات المفتتحة بقوله تعالى: {وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه}، ففيها: {ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق}، {ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن}، {وأوفوا الكيل إذا كلتم وزنوا بالقسطاس المستقيم} [الإسراء: 23 35] إيماء إلى أن هذا الدين سيكون ديناً يحكم في الناس وتنفذ أحكامه.
والمسجد الأقصى هو ثاني مسجد بناه إبراهيم عليه السلام كما ورد ذلك عن النبي. ففي « الصحيحين» عن أبي ذر قال: قلتُ يا رسول الله أي مسجد وُضع في الأرض أولُ؟ قال المسجدُ الحرام. قلت: ثم أي؟ قال: المسجد الأقصى. قلت كمْ بينهما؟ قال أربعون سنة».
فهذا الخبر قد بين أن المسجد الأقصى من بناء إبراهيم لأنه حُدد بمدة هي من مدة حياة إبراهيم عليه السلام. وقد قُرن ذكره بذكر المسجد الحرام.
وهذا مما أهملَ أهل الكتاب ذكره.
وهو مما خَصّ الله نبيئه بمعرفته...
فتسمية ذلك المكان بالمسجد الأقصى في القرآن تسمية قرآنية اعتبر فيها ما كان عليه من قبل لأن، حكم المسجدية لا ينقطع عن أرض المسجد. فالتسمية باعتبار ما كان، وهي إشارة خفية إلى أنه سيكون مسجداً بأكمل حقيقة المساجد.
واستقبله المسلمون في الصلاة من وقت وجوبها المقارن ليلة الإسراء إلى ما بعد الهجرة بستة عشر شهراً. ثم نسخ استقباله وصارت الكعبة هي القبلة الإسلامية...
وقوله {الذي باركنا حوله} صفة للمسجد الأقصى. وجيء في الصفة بالموصولية لقصد تشهير الموصوف بمضمون الصلة حتى كأن الموصوف مشتهر بالصلة عند السامعين. والمقصود إفادة أنه مبارك حوله.
وصيغة المفاعلة هنا للمبالغة في تكثير الفعل، مثل عافاك الله.
والبركة: نماء الخير والفضل في الدنيا والآخرة بوفرة الثواب للمصلين فيه وبإجابة دعاء الداعين فيه. وقد تقدم ذكر البركة عند قوله تعالى: {مباركاً وهدى للعالمين} في [آل عمران: 96].
وقد وصف المسجد الحرام بمثل هذا في قوله تعالى: {إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركاً وهدىً للعالمين} [آل عمران: 96].
ووجه الاقتصار على وصف المسجد الأقصى في هذه الآية بذكر هذا التبريك أن شهرة المسجد الحرام بالبركة وبكونه مقام إبراهيم معلومة للعرب؛ وأما المسجد الأقصى فقد تناسى الناس ذلك كله، فالعرب لا علم لهم به والنصارى عفوا أثره من كراهيتهم لليهود، واليهود قد ابتعدوا عنه وأيسوا من عوده إليهم، فاحتيج إلى الإعلام ببركته.
و حولَ يدل على مكان قريب من مكان اسم ما أضيف (حولَ) إليه.
وكونُ البركة حولَه كنايةٌ عن حصول البركة فيه بالأوْلى، لأنها إذا حصلت حوله فقد تجاوزت ما فيه؛ ففيه لطيفة التلازم، ولطيفة فحوَى الخطاب، ولطيفة المبالغة بالتكثير...
وأسباب بركة المسجد الأقصى كثيرة كما أشارت إليه كلمة {حوله}. منها أن واضعه إبراهيم عليه السلام، ومنها ما لحقه من البركة بمن صلى به من الأنبياء من داوود وسليمان ومن بعدهما من أنبياء بني إسرائيل، ثم بحلول الرسول عيسى عليه السلام وإعلانه الدعوة إلى الله فيه وفيما حوله، ومنها بركة من دُفن حوله من الأنبياء، فقد ثبت أن قبري داوود وسليمان حول المسجد الأقصى. وأعظم تلك البركات حلول النبي صلى الله عليه وسلم فيه ذلك الحلول الخارق للعادة، وصلاته فيه بالأنبياء كلهم.
وقوله: {لنريه من آياتنا} تعليل الإسراء بإرادة إراءة الآيات الربانية، تعليلٌ ببعض الحِكَم التي لأجلها منح الله نبيئه منحة الإسراء، فإن للإسراء حِكماً جمة تتضح من حديث الإسراء المروي في « الصحيح». وأهمها وأجمعها إراءته من آيات الله تعالى ودلائل قدرته ورحمته، أي لنريه من الآيات فيخبرهم بما سألوه عن وصف المسجد الأقصى.
ولام التعليل لا تفيد حصر الغرض من متعلقها في مدخولها.
وإنما اقتُصر في التعليل على إراءة الآيات لأن تلك العلة أعلق بتكريم المُسرَى به والعناية بشأنه، لأن إراءة الآيات تزيد يقين الرائي بوجودها الحاصل من قبل الرؤية. قال تعالى: {وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض وليكون من الموقنين} [الأنعام: 75].
فإن فطرة الله جعلت إدراك المحسوسات أثبت من إدراك المدلولات البرهانية. قال تعالى: {وإذ قال إبراهيم رب أرني كيف تحيي الموتى قال أو لم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي} [البقرة: 260]، ولذلك لم يقل الله بعد هذا التعليل أو لم يطمئن قلبك، لأن اطمئنان القلب مُتَّسِعُ المدى لا حد له فقد أنطق الله إبراهيم عن حكمة نبوءة، وقد بادر محمداً بإراءة الآيات قبل أن يسأله إياها توفيراً في الفضل...
واعلم أن تقوية يقين الأنبياء من الحكم الإلهية لأنهم بمقدار قوة اليقين يزيدون ارتقاء على درجة مستوى البشر والتحاقاً بعلوم عالم الحقائق ومساواة في هذا المضمار لمراتب الملائكة.
وفي تغيير الأسلوب من الغيبة التي في اسم الموصول وضميريه إلى التكلم في قوله: باركنا... ولنُريه من آياتنا سلوكٌ لطريقة الالتفات المتبعة كثيراً في كلام البلغاء. وقد مضى الكلام على ذلك في قوله تعالى: {إياك نعبد} في [الفاتحة: 5].
منها: أنه لما استُحضرت الذات العلية بجملة التسبيح وجملة الموصولية صار مقام الغيبة مقام مشاهدة فناسب أن يغير الإضمار إلى ضمائر المشاهدة وهو مقام التكلم.
ومنها: الإيماء إلى أن النبي عليه الصلاة والسلام عند حلوله بالمسجد الأقصى قد انتقل من مقام الاستدلال على عالم الغيب إلى مقام مصيره في عالم المشاهدة.
ومنها: التوطئة والتمهيد إلى محمل معاد الضمير في قوله: {إنه هو السميع البصير}، فيتبادر عود ذلك الضمير إلى غير من عاد إليه ضمير {نريه} لأن الشأن تناسق الضمائر، ولأن العود إلى الالتفات بالقرب ليس من الأحسن.