سورة إبراهيم سورة مكية . موضوعها الأساسي هو موضوع السور المكية الغالب وهو العقيدة في أصولها الكبيرة ، وتشمل : الرسالة ، والتوحيد ، والبعث ، والحساب ، والجزاء .
ولكن السياق في هذه السورة يسلك نهجا خاصا في عرض هذا الموضوع وحقائقه الأصلية . نهجا مفردا يميزها عن غيرها من السور ، يميزها بجوها ، وطريقة أدائها ، والحقائق الكبرى التي تتضمنها ، ولون هذه الحقائق التي قد لا تفترق موضوعيا عن مثيلاتها في السور الأخرى ولكنها تعرض من زاوية خاصة . كما تختلف مساحتها في رقعة السورة وجوها ، فتزيد أطرافا وتنقص أطرافا . فيحسبها القارئ جديدة بما وقع فيها من تجديد ، وذلك من الإعجاز القرآني في طريقة الأداء .
ويبدو أنه كان لأسلوب السورة من اسمها نصيب . . إبراهيم أبو الأنبياء . . المبارك . الشاكر . . . الأواب المنيب . وكل الظلال التي تخلعها هذه الصفات ملحوظة في جو السورة وفي الحقائق التي تبرزها ، وفي طريقة الأداء . وفي التعبير والإيقاع .
ولقد تضمنت السورة عدة حقائق رئيسة في العقيدة ، ولكن حقيقتين كبيرتين تظهران أكبر من غيرهما في سورة إبراهيم :
الحقيقة الأولى : وحدة الرسالة والرسل ووحدة دعوتهم . ووقفتهم أمة واحدة في مواجهة الفرقة المكذبة بدين الله على اختلاف الأمكنة والأزمان .
والحقيقة الثانية : بيان : نعمة الله على البشر وزيادة النعمة بالشكر ومقابلة أكثر الناس لها بالجحود والكفران .
تبدأ السورة ببيان : وظيفة الرسول ، وبيان : هدف القرآن . وهذه الوظيفة هي : هداية الناس ، وإبطال عادات الجاهلية وقيمها . وإرساء معالم التوحيد والعدالة والمساواة . قال تعالى : { كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد } . ( إبراهيم : 1 ) .
وتختم السورة بهذا المعنى وبالحقيقة الكبرى التي تتضمنها الرسالة حقيقة التوحيد في قوله تعالى{ هذا بلاغ للناس ولينذروا به وليعلموا أنما هو إله واحد وليذكر أولوا الألباب } . ( إبراهيم : 52 ) .
وفي أثناء السورة نجد أن موسى قد أرسل بمثل ما أرسل به محمد صلى الله عليه وسلم ولنفس الهدف وهو : إخراج الناس من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان ، قال تعالى : { ولقد أرسلنا موسى بآياتنا أن أخرج قومك من الظلمات إلى النور } . ( إبراهيم : 5 ) .
وتذكر السورة : أن وظيفة الرسل عامة ، هي : بيان الحق وتوضيح طريق الهداية إلى الله ، قال تعالى : { وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم } . ( إبراهيم : 4 ) .
وتبين السورة : أن الرسول صلى الله عليه وسلم بشر يوحى إليه وأن بشريته هي التي تحدد وظيفته ؛ فهو مبلغ ومنذر وناصح ومبين ، ولكنه لا يملك أن يأتي بخارقة أو بمعجزة إلا بإذن الله وحين يشاء هو أو قومه ، ولا يملك الرسول أن يهدي قومه أو يضلهم ، فالهدي والضلال متعلقان بسنة الله التي اقتضتها مشيئة الله المطلقة . ولقد كانت بشرية الرسل هي موضع الاعتراض من جميع الأقوام في جاهليتهم . والسورة هنا تحكي قولهم مجتمعين : { قالوا إن أنتم إلا بشر مثلنا تريدون أن تصدونا عما كان يعبد آباؤنا فأتونا بسلطان مبين } . ( إبراهيم : 10 ) .
{ قالت لهم رسلهم إن نحن إلا بشر مثلكم ولكن الله يمن على من يشاء من عباده وما كان لنا أن نأتيكم بسلطان إلا بإذن الله وعلى الله فليتوكل المؤمنون } . ( إبراهيم : 11 ) .
ويتضمن السياق كذلك : أن إخراج الناس من الظلمات إلى النور إنما يتم : { بإذن ربهم } .
وكل رسول يبين لقومه ؛ { فيضل الله من يشاء ويهدي من يشاء وهو العزيز الحكيم } . ( إبراهيم : 4 ) .
وبهذا أو ذاك تتحدد حقيقة الرسول ؛ فتتحدد وظيفته في حدود هذه الحقيقة ولا تشتبه حقيقة الرسل البشرية وصفاتهم ، بشيء من حقيقة الذات الإلهية وصفاتها . وكذلك يتجرد توحيد الله بلا ظل من مماثلة أو مشابهة ، كذلك تتضمن السورة تحقق وعد الله للرسل والمؤمنين بهم إيمانا حقا ، ويتحقق ذلك الوعد في الدنيا بالنصر والاستخلاف ، وفي الآخرة بعذاب المكذبين ونعيم المؤمنين .
ويصور السياق هذه الحقيقة الكبيرة في نهاية المعركة بين الرسل مجتمعين وقومهم مجتمعين .
{ وقال الذين كفروا لرسلهم لنخرجنكم من أرضنا أو لتعودن في ملتنا فأوحى إليهم ربهم لنهلكن الظالمين* ولنسكننكم الأرض من بعدهم ذلك لمن خاف مقامي وخاف وعيد* واستفتحوا وخاب كل جبار عنيد } . ( إبراهيم : 13 15 ) .
وحدة الرسالات السماوية في سورة إبراهيم
الظاهرة البارزة في سورة إبراهيم : أنها تتحدث عن الرسل جميعا كأنهم أصحاب فكرة واحدة وهدف واحد ، وكأن جواب قومهم كان جوابا موحدا في جميع العصور والأحوال .
وتعرض السورة هذه الفكرة بطريقة فريدة في الأداء . لقد أبرزها سياق بعض السور الماضية في صورة توحيد الدعوة التي يجيء بها كل رسول ، فيقول كلمته لقومه ويمضي ثم يجيء رسول ورسول . كلهم يقولون الكلمة ذاتها ، ويلقون الرد ذاته ويصيب المكذبين ما يصيبهم في الدنيا ، وينظر بعضهم ويمهل إلى أجل في الأرض أو إلى أجل في يوم الحساب . ولكن السياق هناك كان يعرض كل رسول في مشهد ، كالشريط المتحرك منذ الرسالات الأولى ، وأقرب مثل لهذا النسق : سورة هود ، فأما سورة إبراهيم أبي الأنبياء فتجمع الأنبياء كلهم في صف وتجمع المكذبين كلهم في صف ، وتجري المعركة بينهم في الأرض ، ثم لا تنتهي هنا ، بل تتابع خطواتها كذلك في يوم الحساب .
ونبصر فنشهد أمة الرسل ، وفرقة المكذبين في صعيد واحد على تباعد الزمان والمكان . فالزمان والمكان عرضان زائلان ، أما الحقيقة الكبرى في هذا الكون حقيقة الإيمان والكفر فهي أضخم وأبرز من عرضي الزمان والمكان .
{ ألم يأتكم نبأ الذين من قبلكم قوم نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم لا يعلمهم إلا الله جاءتهم رسلهم بالبينات فردوا أيديهم في أفواههم وقالوا إنا كفرنا بما أرسلتم به وإنا لفي شك مما تدعوننا إليه مريب* قالت رسلهم أفي الله شك فاطر السماوات والأرض يدعوكم ليغفر لكم من ذنوبكم ويؤخركم إلى أجل مسمى قالوا إن أنتم إلا بشر مثلنا تريدون أن تصدونا عما كان يعبد آباؤنا فأتونا بسلطان مبين* قالت لهم رسلهم إن نحن إلا بشر مثلكم ولكن الله يمن على من يشاء من عباده وما كان لنا أن نأتيكم بسلطان إلا بإذن الله وعلى الله فليتوكل المؤمنون } . ( إبراهيم : 9 11 ) .
فهاهنا تتجمع الأجيال من لدن نوح ، وتتجمع الرسل ويتلاشى الزمان والمكان وتبرز الحقيقة الكبرى : حقيقة الرسالة وهي واحدة ، واعتراضات المكذبين ، وهي واحدة ، وحقيقة نصر الله للمؤمنين وهي واحدة ، وحقيقة استخلاف الله للصالحين وهي واحدة ، وحقيقة الخيبة والخذلان للمتجبرين وهي واحدة ، وحقيقة العذاب الذي ينتظرهم هناك وهي واحدة .
ولا تنتهي المعركة بين الكفر والإيمان هنا ، بل يتابع السياق خطواته بها إلى ساحة الآخرة فتبرز معالمها في مشاهد القيامة المتنوعة التي تتضمنها السورة ، وهي تشير إلى أنها معركة واحدة تبدأ في الدنيا وتنتهي في الآخرة ولا انفصال بينهما ، إنما تكمل إحداهما الأخرى .
وتكمل الأمثال التي تبدأ في الدنيا وتنتهي في الآخرة : إبراز معالم المعركة بين الفريقين ، ونتائجها الأخيرة ، مثل : الكلمة الطيبة كالشجرة الطيبة : شجرة النبوة وشجرة الإيمان ، وشجرة التوحيد والخير ، والكلمة الخبيثة كالشجرة الخبيثة : شجرة الباطل والتكذيب والشر والطغيان . . . فالتوحيد وكلمته : شهادة لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله . أصله ثابت موصول بالله وفرعه مرتفع إلى السماء ويؤتى ثماره كل حين ؛ بالصلاة والزكاة وسائر العبادات والأعمال النافعة في الدنيا والآخرة . أما شجرة الكفر فلا أصل لها تعتمد عليه ؛ فهي تمثل الباطل في الدنيا ، والخيبة في الآخرة .
{ ألم تر كيف ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء * تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها ويضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتذكرون* ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة اجتثت من فوق الأرض مالها من قرار* يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ويضل الله الظالمين ويفعل الله ما يشاء } . ( إبراهيم : 24 27 ) .
تنقسم سورة إبراهيم إلى مقطعين متماسكي الحلقات :
المقطع الأول : يتضمن بيان حقيقة الرسل ، ويصور المعركة بين أمة الرسل وفرقة المكذبين في الدنيا والآخرة ، ويعقب عليها بمثل الكلمة الطيبة والكلمة الخبيثة ، وقد تحدثنا عن هذا المقطع .
والمقطع الثاني من سورة إبراهيم : يتحدث عن نعم الله على البشر ، والذين كفروا بهذه النعم وبطروا ، والذين آمنوا بها وشكروا ، ونموذجهم الأول هو إبراهيم ، ويصور مصير الظالمين الكافرين بنعمة الله في سلسلة من أعنف مشاهد القيامة وأجملها ، وأحفلها بالحركة والحياة .
لقد عدد الله نعمه على البشر كافة : مؤمنهم وكافرهم ، صالحهم وطالحهم ، برهم وفاجرهم ، طائعهم وعاصيهم ، وإنها لرحمة من الله وسماحة وفضل ؛ أن يتيح للكافر والفاجر والعاصي نعمه في هذه الأرض كالمؤمن والبار والطائع ؛ لعلهم يشكرون ، ويعرض هذه النعم في أضخم مجالي الكون وأبرزها ، وبضعها داخل إطار من مشاهد الوجود العظيمة : { الله الذي خلق السماوات والأرض وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقا لكم وسخر لكم الفلك لتجري في البحر بأمره وسخر لكم الأنهار* وسخر لكم الشمس والقمر دائبين وسخر لكم الليل والنهار* وآتاكم من كل ما سألتموه وإن تعدوا نعمت الله لا تحصوها إن الإنسان لظلوم كفار } . ( إبراهيم : 32 34 ) .
وفي إرسال الرسل نعمة تعدل تلك أو تربوا عليها : { كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور } . ( إبراهيم : 1 ) .
والنور أجلى نعم الله في الوجود ، والنور هنا هو النور الأكبر ، النور الذي يشرق به كيان الإنسان ، ويشرق به الوجود في قلبه وحسه . . وكذلك كانت وظيفة موسى في قومه ، ووظيفة الرسل كما بينتها السورة .
وفي قول الرسل مجتمعين : { يدعوكم ليغفر لكم من ذنوبكم } . ( إبراهيم : 10 ) .
والدعوة لأجل الغفران نعمة تعدل نعمة النور ، وهي منه قريب : وفي هذا الجو يذكر وعد الله للرسل . { فأوحى إليهم ربهم لنهلكن الظالمين* ولنسكننكم الأرض من بعدهم } . ( إبراهيم : 14 ، 13 ) ، وهي نعمة . ويبرز السياق حقيقة زيادة النعمة بالشكر : { وإذ تأذن ربكم لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد } . ( إبراهيم : 7 ) .
مع بيان : أن الله غني عن الشكر وعن الشاكرين : { إن تكفروا أنتم ومن في الأرض جميعا فإن الله لغني حميد } . ( إبراهيم : 8 ) .
ويقرر السياق : أن الإنسان في عمومه لا يشكر النعمة حق الشكر : { وإن تعدوا نعمت الله لا تحصوها إن الإنسان لظلوم كفار } . ( إبراهيم : 34 ) .
ولكن الذين يتدبرون آيات الله ، وتتفتح لها بصائرهم ؛ يصبرون على البأساء ويشكرون على النعماء .
{ إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور } . ( إبراهيم : 5 ) .
ويتمثل الصبر والشكر في شخص إبراهيم حين يقف خاشعا ويدعو ربه عند البيت الحرام دعاء مخلصا كله حمد وشكر ، وصبر وإيمان :
{ وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا البلد آمنا واجنبني وبني أن نعبد الأصنام* رب إنهن أضللن كثيرا من الناس فمن تبعني فإنه مني ومن عصاني فإنك غفور رحيم* ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم ربنا ليقيموا الصلاة فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون* ربنا إنك تعلم ما نخفي وما نعلن وما يخفى على الله من شيء في الأرض ولا في السماء* الحمد لله الذي وهب لي على الكبر إسماعيل وإسحاق إن ربي لسميع الدعاء* رب اجعلني مقيم الصلاة ومن ذريتي ربنا وتقبل دعاء* ربنا اغفر لي ولوالدي وللمؤمنين يوم يقوم الحساب } . ( إبراهيم : 35 41 ) .
ولأن النعمة والشكر عليها والكفر بها تطبع جو السورة ؛ تجيء التعبيرات والتعليقات فيها متناسقة مع هذا الجو ، في قوله تعالى : { إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور } . ( إبراهيم : 5 ) .
وقوله سبحانه : { اذكروا نعمة الله عليكم } . ( إبراهيم : 6 ) .
وفي رد الأنبياء على اعتراض المكذبين بأنهم بشر ؛ يجيء قوله سبحانه : { ولكن الله يمن على من يشاء من عباده } . ( إبراهيم : 11 ) .
فيبرز منة الله ؛ تنسيقا للرد مع جو السورة كله ، جو النعمة والمنة ، والشكر والكفران ، وهكذا يتساوق التعبير اللفظي مع الفكرة العامة للسورة على طريقة التناسق الفني في القرآن .
{ الر كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد1 الله الذي له ما في السماوات وما في الأرض وويل للكافرين من عذاب شديد2 الذين يستحبون الحياة الدنيا على الآخرة ويصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا أولئك في ضلال بعيد3 } .
الر : هذه وأمثالها من فواتح بعض السور ، قيل : إنها أسماء لها ، وقيل : أسرار محجوبة ، وقيل : إنها رمز للتحدي ، وقيل : إشارة لابتداء كلام وانتهاء كلام ، وقيل : غير ذلك .
الظلمات : الضلالات ؛ فإنها ظلمات معنوية .
إلى النور : إلى الهدى ، فإنه نور معنوي يهدي إلى الحق .
الحميد : أي : المحمود ، والمراد : أنه تعالى مستحق للحمد لذاته وإن لم يحمده الناس .
حروف للتنبيه بمثابة الجرس الذي يقرع ؛ ليتنبه الناس إلى ما يلقى إليهم .
وقيل : هي حروف للتحدي والإعجاز ، وبيان : أن الخلق عاجزون عن الإتيان بمثل القرآن الكريم ، مع أنه مكون من حروف عربية ينطقون بها ، وينظمون منها كلامهم وأحاديثهم ؛ فدل ذلك : على أن القرآن ليس من صنع بشر ، ولكنه تنزيل من حكيم حميد .
{ كتاب أنزلناه إليك } . أي : هذا كتاب أنزلناه إليك يا محمد ، وهو كتاب جليل الشأن عظيم القدر .
{ لتخرج الناس من الظلمات إلى النور } .
لكي تخرج الناس من ظلمات الكفر والضلالة ، إلى نور الإيمان والعلم والحياة الرشيدة ؛ لما اشتمل عليه القرآن ، من المنهج السديد الذي تسعد به البشرية ؛ كلما سلكته ، وتشقى ؛ كلما ابتعدت عنه .
{ بإذن ربهم } . أي : بتوفيقه ومشيئته وإرادته وأمره .
{ إلى صراط العزيز الحميد } . أي : إلى الصراط المستقيم ، وهو الطريق الذي ارتضاه الله لخلقه وشرعه لهم ، وهو العزيز الذي لا يغالب ، المحمود في جميع أفعاله وأقواله وأمره ونهيه ، وفي معنى هذه الآية قوله تعالى : { هو الذي ينزل على عبده آيات بينات ليخرجكم من الظلمات إلى النور } . ( الحديد : 9 ) .
أخرج ابن مردويه عن ابن عباس وابن الزبير أنها نزلت بمكة والظاهر أنهما أرادا أنها كلها كذلك وهو الذي عليه الجمهور وأخرج النحاس في ناسخه عن الحبر أنها مكية إلا آيتين منها فإنهما نزلتا بالمدينة وهما ( ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفرا ) الآيتين نزلتا في قتلى بدر من المشركين وأخرج نحوه أبو الشيخ عن قتادة وقال الإمام : إذا لم يكن في السورة ما يتصل بالأحكام فنزولها بمكة والمدينة سواء إذ لا يختلف الغرض فيه إلا أن يكون فيها ناسخ أو منسوخ فتظهر فائدته يعني أنه لا يختلف الحال وتظهر ثمرته إلا بما ذكر فان لم يكن ذلك فليس فيه إلا ضبط زمان النزول وكفى به فائدة هل في هذه السورة منسوخ أو لا قولان والجمهور على الثاني وعن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم أن فيها آية منسوخة وهي قوله تعالى : ( وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها إن الإنسان لظلوم كفار ) فانه قد نسخت باعتبار الآخر بقوله تعالى في سورة النحل : ( وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها إن الله لغفور رحيم ) وفيه نظر وهي إحدى وخمسون آية في البصري وقيل : خمسون فيه واثنان وخمسون في الكوفي وأربع في المدني وخمس في الشامي وارتباطها بالسورة التي قبلها واضح جدا لأنه قد ذكر في تلك السورة من مدح الكتاب وبيان أنه مغن عما اقترحوه ما ذكر وافتتحت هذه بوصف الكتاب والإيماء إلى أنه مغن عن ذلك أيضا وإذا أريد ( بمن عنده علم الكتاب ) الله تعالى ناسب مطلع هذه ختام تلك أشد مناسبة وأيضا قد ذكر في تلك انزل القرآن حكما عربيا ولم يصرح فيها بحكمة ذلك وصرح بها هنا وأيضا تضمنت تلك الأخبار من قبله تعالى بأنه ما كان لرسول أن يأتي بآية إلا بإذن الله تعالى وتضمنت هذه الأخبار به من جهة الرسل عليهم السلام وأنهم قالوا : ما كان لنا أن نأتي بسلطان إلا بإذن الله وأيضا ذكر هناك أمره عليه الصلاة والسلام بأن ( عليه توكلت ) وحكى هنا عن إخوانه المرسلين عليهم السلام توكلهم عليه سبحانه وأمرهم بالتوكل عليه جل شأنه واشتملت تلك على تمثيل للحق والباطل واشتملت هذه على ذلك أيضا بناء على بعض ما ستسمعه إن شاء الله تعالى في قوله سبحانه : ( مثلا كلمة طيبة ) إلى آخره وأيضا ذكر في الأولى من رفع السماء ومد الأرض وتسخير الشمس والقمر إلى غير ذلك ما ذكر وذكر هنا نحو ذلك إلا أنه سبحانه اعتبر ما ذكر أولا آيات وما ذكر ثانيا نعما وصرح في كل بأشياء لم يصرح بها في الآخر وأيضا قد ذكر هناك مكر الكفرة وذكر هنا أيضا وذكر من وصفه ما لم يذكر هناك وأيضا قال الجلال السيوطي : إنه ذكر في
الأولى قوله تعالى : ( ولقد استهزىء برسل من قبلك فأمليت للذين كفروا ثم أخذتهم ) وذلك مجمل في أربعة مواضع الرسل والمستهزئين وصفة الاستهزاء والأخذ وقد فصلت الأربعة في قوله سبحانه : ( ألم يأتهم نبأ الذين من قبلهم قوم نوح ) الآيات وقد اشتركت السورتان مما عدا افتتاح كل منهما بالمتشابه بأن كلا قد افتتح بالألف واختتم بالباء وجمعا أيضا في آخر ما ختما به وبقى مناسبات بينهما غير ما ذكرنا لو ذكرناها لطال الكلام والله تعالى أعلم بما في كتابه الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ
{ بِسْمِ اللَّهِ الرحمن الرحيم ألر } مر الكلام فيما يتعلق به { كتاب } جوز فيه أن يكون خبراً لألر على تقدير كونه مبتدأ أو لمبتدأ مضمر على تقدير كونه خبراً لمبتدأ محذوف أو مفعولاً لفعل محذوف أو مسروداً على نمط التعديد ، وجوز أن يكون خبراً ثانياً للمبتدأ الذي أخبر عنه بالر وأن يكون مبتدأ وسوغ به كونه موصوفاً في التقدير أي كتاب عظيم ، وقوله تعالى : { أنزلناه إِلَيْكَ } إما في موضع الصفة أو الخبر وهو مع مبتدآته قيل في موضع التفسير ، وفي إسناد الإنزال إلى ضمي العظمة ومخاطبته عليه الصلاة والسلام مع إسناد الإخراج إليه صلى الله عليه وسلم في قوله سبحانه : { لِتُخْرِجَ الناس مِنَ الظلمات إِلَى النور } ما لا يخفى من التفخيم والتعظيم ، واللام متعلقة { *بأنزلناه } ، والمراد من الناس جميعهم أي أنزلناه إليك لتخرجهم كافة بما في تضاعيفه من البينات الواضحة المفصحة عن كونه من عند الله تعالى الكاشفة عن العقائد الحقة من عقائد الكفر والضلال وعبادة الله عز وجل من الآلهة المختلفة كالملاكئة وخواص البشر والكواكب والأصنام التي كلها ظلمات محضة وجهالات صرفة إلى الحق المؤسس على التوحيد الذي هو نور بحت وقرىء { لّيُخْرِجَ } بالياء التحتانية في { يَخْرُجُ } ورفع { الناس } به { بِإِذْنِ رَبّهِمْ } أي بتيسيره وتوفيقه تعالى وهو مستعار من الاذن الذي يوجب تسهيل الحجاب لمن يقصد الورود ، ويجوز أن يكون مجازاً مرسلاً بعلاقة اللزوم ، وقال محيى السنة : إذنه تعالى أمره ، وقيل : علمه وقيل : إرادته جل شأنه وهي ما قيل متقاربة ، ومنع الإمام أن يراد بذلك الأمر أو العلم وعلله بما لا يخلو عن نظر . وفي الكلام على ما ذكر أولاً ثلاث استعارات . إحداها ما سمعت في الاذن والأخريان في { الظلمات } و { النور } وقد أشير إلى المراد منهما ، وجوز العلامة الطيبي أن تكون كلها استعارة مركبة تمثيلية بتصوير الهدى بالنور والضلال بالظلمة والمكلف المنغمس في ظلمة الكفر بحيث لا يتسهل له الخروج إلى نور الايمان إلا بتفضل الله تعالى بإرسال رسول بكتاب يسهل عليه ذلك كمن وقع في تيه مظلم ليس منه خلاص فبعث ملك توقيعاً لبعض خواصه في استخلاصه وضمن تسهيل ذلك على نفسه ثم استعمل هنا ما كان مستعملاً هناك فقيل : توقيعاً لبعض خواصه في استخلاصه وضمن تسهيل ذلك على نفسه ثم استعمل هنا ما كان مستعملاً هناك فقيل : { كِتَابٌ أنزلناه } إلى آخره ، وكان الظاهر بإذننا إلا أنه وضع ذلك الظاهر موضع الضمير ، وقيل : { رَّبُّهُمْ } للإشعار بالتربية واللطف والفضل وبأن الهداية لطف محض ، وفيه أن الكتاب والرسول والدعوة لا تجدي دون إذن الله تعالى كما قال سبحانه :
{ إِنَّكَ لاَ تَهْدِى مَنْ أَحْبَبْتَ ولكن الله يَهْدِى مَن يَشَاء } [ القصص : 56 ] اه ، وما ذكره من الاستعارة التمثيلية مع بلاغته وحسنه لا يخلو عن بعد ، وكأنه للأنباء عن كون التيسير والتوفيق منوطين بالإقبال إلى الحق كما يفصح عنه قوله تعالى : { وَيَهْدِى إِلَيْهِ مِنَ * أَنَابَ } [ الرعد : 27 ] استعير لذلك الاذن الذي هو ما علمت ، وأضيف إلى ضمير الناس اسم الرب المفصح عن التربية التي هي عبارة عن تبليغ الشيء إلى كماله المتوجه إليه ، وشمول الاذن بذلك المعنى للكل واضح وعليه يدور كون الإنزال لإخراجهم جميعاً ، وعدم تحقق الاذن بالفعل في بعضهم لعدم تحقق شرطه المستند إلى سوء اختيارهم ورداءة استعدادهم غير مخل بذلك ، ومن هنا فساد قول القطبرسي : إن اللام لام الغرض لا لام العاقبة والإلزام أن يكون جميع الناس مؤمنين والواقع بخلافه ، وذكر الإمام أن المعتزلة استدلوا بهذه الآية على أن أفعال الله تعالى تعلل برعاية المصالح ، ثم ساق دليل أصحابه على امتناع ذلك وذكر أنه إذا ثبت الامتناع يلزم تأويل كل ما أشعر بخلافه وتأويله بحمل اللام على لام العاقبة ونحوها ، ونقل عن ابن القيم . وغيره القول بالتعليل وأنه مذهب السلف وأن في الكتاب والنسة ما يزيد على عشرة آلاف موضع ظاهرة في ذلك وتأويل الجميع خروج عن الإنصاف ، وليس الدليل على امتناع ذلك من المتانة على وجه يضطر معه إلى التويل ، وللشيخ إبراهيم الكوراني في بعض رسائله كلام نفيس في هذا الغرض سالم فيما أرى عن العلة إن أردته فارجع إليه ، والباء متعلقة بتخرج على ما هو الظاهر ، وجوز أن يكون متعلقاً بمضمر وقع حالاً من مفعوله أي ملتبسين بإذن ربهم ، ومنهم من جوز كونه حالاً من فاعله أي ملتبساً بإذن ربهم . وتعقب بأنه يأباه إضافة الرب إليهم لا إليه صلى الله عليه وسلم . ورود بما رد فتأمل . واستدل بالآية القائلون بأن معرفة الله تعالى لا تحصل إلا من طريق التعليم من الرسول صلى الله عليه وسلم حيث ذكر فيها أنه عليه الصلاة والسلام هو الذي يخرج الناس من ظلمات الضلال إلى نور الهدى . وأجيب بأن الرسول عليه الصلاة والسلام كالمنبه وأما المعرفة فإنما تحصل من الدليل ، واستدل بها أيضاً كل من المعتزلة وأهل السنة على مذهبه في أفعال العباد وتفضيل ذلك في تفسير الإمام .
{ إلى صِرَاطِ العزيز الحميد } الجار والمجرور بدل من الجار والمجرور فيما تقدم أعني قوله تعالى : { إِلَى النور } وقال غير واحد : إن { صراط } بدل من { النور } وأعيد عامله وكرر لفظاً ليدل على البدلية كما في قوله تعالى : { لِلَّذِينَ استضعفوا لِمَنْ ءامَنَ مِنْهُمْ } [ الأعراف : 75 ] ولا يضر الفصل بين البدل والمبدل منه بما قبله لأنه غير أجنبي إذ هو من معمولات العامل في المبدل منه على كل حال .
واستشكل هذا مع الاستعارة السابقة بأن التعقيب بالبدل لا يتقاعد عن التعقيب بالبيان في مثل قوله تعالى : { حتى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الخيط الابيض مِنَ الخيط الاسود مِنَ الفجر } [ البقرة : 187 ] وأجيب بأن الصراط استعارة أخرى للهدى جعل نوراً أولاً لظهوره في نفسه واستضاءة الضلال في مهواة الهوى به ، ثم جعل ثانياً جادة مسلوكة مأمونة لا كبنيات الطرق دلالة على تمام الإرشاد .
وفي الإرشاد أن إخلال البيان والبدل بالاستعارة إنما هو في الحقيقة لا في المجاز وهو ظاهر ، وجوز أن يكون الجار والمجرور متعلقاً بمحذوف على أنه جواب سائل يسأل إلى أي نور ؟ فقيل : { إلى صراط } إلى آخره ، وإضافة الصراط إليه تعالى لأنه مقصده أو المبين له ، وتخصيص الوصفين الجليلين بالذكر للترغيب في سلوكه إذ في ذلك إشارة إلى أنه يعز سالكه ويحمد سابله ، وقال أبو حيان : النكتة في ذلك أنه لما ذكر قبل إنزاله تعالى لهذا الكتاب وإخراج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم ناسب ذكر هاتين الصفتين صفة العزة المتضمنة للقدرة والغلبة لإنزاله مثل هذا الكتاب المعجز الذي لا يقدر عليه سواه ، وصفة الحمد لإنعامه بأعظم النعم لإخراج الناس من الظلمات إلى النور ، ووجه التقديم والتأخير على هذا ظاهر .
وقال الإمام : إنما قدم ذكر { العزيز } على ذكر { الحميد } لأن الصحيح أن أول العلم بالله تعالى العلم بكونه تعالى قادراً ثم بعد ذلك العلم بكونه عالماً ثم بعد ذلك العلم بكونه غنياً عن الحاجات ، والعزيز هو القادر والحميد هو العالم الغني فلما كان العلم بكونه تعالى قادراً متقدماً على العلم بكونه عالماً بالكل غنياً عنه لا جرم قدم ذكر العزيز على ذكر الحميد اه ولم نر تفسير { الحميد } بما ذكر لغيره ، وفي المواقف وشرح أسماء الله تعالى الحسنى لحجة الإسلام الغزالي وغيرهما أن { الحميد } هو المحمود المثنى عليه وهو سبحانه محمود بحمده لنفسه أزلاً وبحمد عباده له تعالى أبداً ، وبين هذا وما ذكره الإمام بعد بعيد ، وأما ما ذكره في { العزيز } فهو قول لبعضهم ؛ وقيل : هو الذي لا مثل له .
وربما يقال على هذا : إن التقديم للاعتناء بالصفات السلبية كما يؤذن به قولهم : التخلية أولى من التحلية وكذا قوله تعالى : { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْء وَهُوَ السميع البصير } [ الشورى : 11 ] ولعل كلامه قدس سره بعد لا يخلو عن نظر .
( ومن باب الإشارة ) : في الآيات : { الر كِتَابٌ أنزلناه إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ الناس مِنَ الظلمات إِلَى النور } فيه احتمالات عندهم فقيل : من ظلمات الكثرة إلى نور الوحدة أو من ظلمات صفات النشأة إلى نور الفطرة ، أو من ظلمات حجب الأفعال والصفات إلى نور الذات ، وهو المراد بقولهم : النور البحت الخالص من شوب المادة والمدة . وقال جعفر : من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان ، ومن ظلمات البدعة إلى نور السنة ، ومن ظلمات النفوس إلى نور القلوب ، وقال أبو بكر بن طاهر : من ظلمات الظن إلى نور الحقيقة وقيل غير ذلك { بِإِذْنِ رَبّهِمْ } بتيسيره بهبة الاستعداد وتهيئة أسباب الخروج إلى الفعل { إلى صِرَاطِ العزيز } الذي يقهر الظلمة بالنور
{ الحميد } [ إبراهيم : 1 ] بكمال ذاته أو بما يهب لعباده المستعدين من الفضائل والعلوم أو من الوجود الباقي أو نحو ذلك