تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{قَدۡ كَانَ لَكُمۡ ءَايَةٞ فِي فِئَتَيۡنِ ٱلۡتَقَتَاۖ فِئَةٞ تُقَٰتِلُ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَأُخۡرَىٰ كَافِرَةٞ يَرَوۡنَهُم مِّثۡلَيۡهِمۡ رَأۡيَ ٱلۡعَيۡنِۚ وَٱللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصۡرِهِۦ مَن يَشَآءُۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَعِبۡرَةٗ لِّأُوْلِي ٱلۡأَبۡصَٰرِ} (13)

{ قد كان لكم آية في فئتين التقتا فئة تقاتل في سبيل الله وأخرى كافرة ترونهم مثلهم رأى العين والله يؤيد بنصره من يشاء إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار }

المفردات :

آية : الآية هنا العبرة والموعظة .

فئة : الفئة الطائفة من الناس .

الأبصار : البصائر والعقول .

التفسير :

13- { قد كان لكم في فئتين التقتا . . . }

أي قل لأولئك اليهود الذين غرتهم أموالهم واعتزوا بأولادهم وأنصارهم لا تغرنكم كثرة العدد ولا المال والولد فليس هذا سبيل النصر والغلب فالحوادث التي تجري في الكون أعظم دليل على تفنيد ما تدعون .

انظروا إلى الفئتين اللتين التقتا يوم بدر فئة قليلة من المؤمنين تقاتل في سبيل الله كتب لها الفوز والغلب على الفئة الكثيرة من المشركين .

و في هذا عبرة أيما عبرة لذوي البصائر السليمة التي استعملت العقول في ما خلقت لأجله من التأمل في الأمور والاستفادة منها .

و وجه العبرة في هذا أن هناك قوة فوق جميع القوى التي تؤيد الفئة القليلة فتغلب الفئة الكثيرة بإذن الله .

{ فئة تقاتل في سبيل الله } أي فئة مؤمنة في أعلى درجات الإيمان تجاهد في سبيل الله لإعلاء كلمة الله وحماية الحق والدفاع عن الدين وأهله .

{ وأخرى كافرة } أي فئة أخرى كافرة ، والمراد بها كفار قريش . وكان المسلمون في بدر ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا معهم فرسان وستة أدرع وثمانية سيوف ، وأكثرهم رجالة . وكان المشركون قريبا من ألف .

{ يرونهم مثليهم } أي يرى المشركون المسلمين مثلي عدد المشركين قريبا من ألفين أو مثلي عدد المسلمين . والمراد من الرؤية الظن والحسبان وقد كثر الله المسلمين في أعين المشركين ليهابوهم فيحترزوا عن قتالهم أو انزل الله الملائكة حتى صار عدد المسلمين كثيرا في نظر المشركين .

رأي العين . أي رؤية ظاهرة لا لبس فيها .

لقد كنت هناك مواقف مختلفة للمعركة فقبل المعركة قلل الله المسلمين في أعين المشركين حتى يجترئوا عليهم كما قلل الله المشركين في أعين المسلمين ويقينهم بالنصر .

قال تعالى : { و إذ يريكموهم إذ التقيتم في أعينكم قليلا ويقللكم في أعينهم ليقضي الله أمرا كان مفعولا وإلى الله ترجع الأمور } ( الأنفال 44 ) .

فلما بدأت المعركة والتحم الجيشان كثر عدد المسلمين في أعين الكفار ليهابوهم وتتزلزل أقدامهم فيفشلوا وينهزموا .

و يحتمل أن المسلمين كثروا أولا في أعين المشركين ليحصل لهم الرعب والخوف والجزع والهلع ثم لما حصل اتصاف والتقى الفريقان قلل الله هؤلاء في أعين هؤلاء ليقدم كل منهما على الآخر ليقضي الله أمرا كان مفعولا .

ومضمون الآيات يرجع الرأي الأول والعبرة أنه كان هناك تقليل للعدد في مواطن وتكثير للعدد في مواطن أخرى من المعركة وان ذلك كان سبيلا من سبل النصر .

{ والله يؤد بنصره من يشاء } والله يقوى بنصره وعونه من يشاء من عباده فالنصر والظفر إنما يحصلان بتأييد الله ونصره لا بكثرة العدد ولا بقوة الشوكة ولا بقوة السلاح وقد تقف بعض العقبات في طريق النصر ولكن العاقبة دائما للمتقين .

{ إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار } إن في التكثير والتقليل وغلبة القليل مع عدم العدة على الكثير الشاكي السلاح { لعبرة } أي لاعتبارا وآية وموعظة { لأولي الأبصار } لذوي العقول والبصائر .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{قَدۡ كَانَ لَكُمۡ ءَايَةٞ فِي فِئَتَيۡنِ ٱلۡتَقَتَاۖ فِئَةٞ تُقَٰتِلُ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَأُخۡرَىٰ كَافِرَةٞ يَرَوۡنَهُم مِّثۡلَيۡهِمۡ رَأۡيَ ٱلۡعَيۡنِۚ وَٱللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصۡرِهِۦ مَن يَشَآءُۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَعِبۡرَةٗ لِّأُوْلِي ٱلۡأَبۡصَٰرِ} (13)

وقوله : ( قد كان لكم آية في فئتين ) أي كان لليهود آية ، يعني دلالة على أن الله سيعز دينه ، وينصر رسوله والمسلمين ، وسوف يعلي كلمة هذا الدين القويم . وهذه الآية ( الدلالة ) ماثلة للعيان تبصرونها في فئتين التقيا للقتال في بدر . إحداهما الفئة المؤمنة بقيادة الرسول صلى الله عليه و سلم . والأخرى فئة المشركين الذين يقاتلون في سبيل الطاغوت بكل صوره وأشكاله ، طاغوت العصبيات الفاسدة بكل صلفها وغرورها وحماقاتها . وطاغوت الطغيان والعدوان على الناس بغير حق إلا الظلم والاستعباد والشهوة في التسلط وترعيب المظلومين والمستضعفين ونشر الذعر والرذيلة في الأرض .

وتكتمل الدلالة على أن الله مع المسلمين وان قراره بالنصر إنما يكون لهؤلاء المؤمنين بقوله : ( يرونهم مثليهم رأى العين ) أي يرى المسلمون المشركين مثيلهم في العدد ، مع أنهم كانوا في الواقع ثلاثة أمثالهم ، فقلل الله المشركين في أعين المسلمين بعد أن أراهم إياهم مثلي عدتهم ؛ لتتقوى أنفسهم وليتجاسروا على قتالهم ، وفي نفس الوقت قلل الله المسلمين في أعين المشركين ، ليتجرأ المشركون على قتالهم فينفذ الله حكمه فيهم- في المشركين- بالقتل والقهر .

والأصل في ذلك أن النصر من عند الله وأنه سينصر الفئة المؤمنة ، لا جرم أنه ناصر عباده المؤمنين المخلصين . هذه حقيقة لا تقبل المراء أو الشك ، حقيقة ينبغي أن تقف عليها البشرية والمسلمون خاصة ، وهي أن النصر من عند الله ، وأن العاقبة في النصر والغلبة إنما هي للمسلمين العاملين ، وذلك بالرغم مما يحيق بالمسلمين من أهوال وشدائد ، وبالرغم من تمالؤ قوى الكفر على الإسلام والمسلمين وإن طال الزمان وتوالت الارزاء والبلايا . وفي تعزيز ذلك يقول الله سبحانه : ( والله يؤيد بنصره من يشاء إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار ) والعبرة الاعتبار وهي الآية التي يعبر بها من منزلة الجهل إلى العلم ، وأصله من العبور وهو النفوذ من أحد الجانبين إلى الآخر ، وأولوا الأبصار هم أصحاب العقول . كما يقال : لفلان بصر بهذا الأمر ، أي علم ومعرفة . وهذا قول الرازي{[411]} .

وبذلك فأصحاب البصائر والأفهام الواهية لا جرم أنهم يهتدون إلى حكمة الله وقدره الجاري بنصر عباده المؤمنين في هذه الحياة الدنيا ، وذلك بين يدي قيام الساعة .

وفي جملة ذلك مما فيه توثيق لحقيقة النصر من عند الله مهما تمالأ الظالمون أو أعدوه من عتاد وعساكر وأساليب وخطط لتدمير الإسلام والمسلمين ؛ يقول المرحوم الأستاذ سيد قطب في ظلال القرآن : إن وعد الله بهزيمة الذين يكفرون ويكذبون وينحرفون عن منهج الله ، قائم في كل لحظة . ووعد الله بنصر الفئة المؤمنة- ولو قل عددها- قائم كذلك في كل لحظة . وتوقف النصر على تأييد الله الذي يعطيه من يشاء حقيقة قائمة لم تنسخ ، وسنة ماضية لم تتوقف . وليس على الفئة المؤمنة إلا أن تطمئن إلى هذه الحقيقة ، وتثق في ذلك الوعد ، وتأخذ للأمر عدته التي في طوقها كاملة ، وتصبر حتى يأذن الله ، ولا تستعجل ولا تقنط إذا طال عليها الأمد المغيب في علم الله ، المدبر بحكمته ، المؤجل لموعده الذي يحقق هذه الحكمة{[412]} .


[411]:- تفسير الرازي جـ 7 ص 208 وتفسير القرطبي جـ 4 ص 24-26 وفي ظلال القرآن جـ 3 ص 150، 151 .
[412]:- في ظلال القرآن جـ 3 ص 151.