تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{وَلَا تَمُدَّنَّ عَيۡنَيۡكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعۡنَا بِهِۦٓ أَزۡوَٰجٗا مِّنۡهُمۡ زَهۡرَةَ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا لِنَفۡتِنَهُمۡ فِيهِۚ وَرِزۡقُ رَبِّكَ خَيۡرٞ وَأَبۡقَىٰ} (131)

128

ولا تمدن عينيك : لا تطيلن النظر ؛ رغبة واستحسانا .

متعنا : جعلناهم يتلذذون بما يدركون به المناظر الحسنة ، ويشمّون من الروائح الطيبة .

أزواجا : أشكالا وأشباها .

زهرة الحياة الدنيا : زينتها وبهجتها .

لنفتنهم : لنبتليهم ونختبرهم .

ورزق ربك : ما ادّخره لك .

131- { ولا تمدّنّ عينيك إلى ما متّعنا به أزواجا منهم زهرة الحياة الدنيا لنفتنهم فيه ورزق ربك خير وأبقى } .

أعطاك الله الرسالة والنبوة ونجاح الدعوة ، وأعطاك في الآخرة الشفاعة ، وقال سبحانه : { ولسوف يعطيك ربّك فترضى } . ( الضحى : 5 ) . وقال عز شأنه : { عسى أن يبعثك ربّك مقاما محمودا } . ( الإسراء : 79 ) . وهو تفسير لقوله تعالى : { لعلّك ترضى } . ( طه : 130 ) .

وهذه الآية تنهي الرسول صلى الله عليه وسلم والمراد : أمّته ، عن النظر إلى ما أعطى الكفار من زهرة الدنيا ومُتعها ؛ نظر إعجاب وإكبار . أمّا النظرة العاجلة غير الممدودة التي تستكشف الطريق ، وتنظر نظرا غير ممدود ولا مستعظم فلا بأس بها .

وقال ابن كثير :

يقول تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : لا تنظر إلى ما في فيه هؤلاء المترفون ، وأشباههم ونظرائهم من النعيم ؛ فإنما هو زهرة زائلة ونعمة حائلة ؛ لنختبرهم بذلك ، وقليل من عبادي الشكور .

وقال مجاهد : { أزواجا منهم } . يعني : الأغنياء فقد آتاك الله خيرا ما آتاهم ، كما قال في الآية الأخرى : { ولقد آتيناك سبعا من المثاني والقرآن العظيم . لا تمدّنّ عينيك إلى ما متّعنا به أزواجا منهم ولا تحزن عليهم واخفض جناحك للمؤمنين } . ( الحجر : 88 ، 87 ) .

وقال في ظلال القرآن :

{ ولا تمدّن عينيك إلى ما متّعنا به أزواجا منهم } . من عرض حياة الدنيا ، من زينة ومتاع ، ومال وأولاد ، وجاه وسلطان .

{ زهرة الحياة الدنيا } . التي تطلعها كما يطلع النبات زهرته لامعة جاذبة ، والزهرة سريعة الذبول ؛ على ما بها من رواء وزواق ، فإنما نمتّعهم بها ابتلاء ؛ { لنفتنهم فيه } . فنكشف عن معادنهم ، بسلوكهم مع هذه النعمة ، وبذلك المتاع ، وهو متاع زائل كالزهرة سرعان ما تذبل .

{ ورزق ربّك خير وأبقى } . وهو رزق للنعمة لا للفتنة ، رزق طيّب خيّرٌ باق ، لا يذبل ولا يخدع ولا يفتن ، وما هي دعوة للزهد في طيبات الحياة ، ولكنها دعوة إلى الاعتزاز بالقيم الأصيلة الباقية ، وبالصلة بالله والرضا به ، فلا تتهاوى النفوس أمام زينة الثراء ، ولا تفقد اعتزازها بالقيم العليا ، وتبقى دائما تحسُّ حرية الاستعلاء على الزخارف الباطلة التي تبهر الأنظار24 .

وخلاصة هذا : التنفير من الانهماك في التمتّع بزهرة الدنيا لسوء عاقبتها .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{وَلَا تَمُدَّنَّ عَيۡنَيۡكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعۡنَا بِهِۦٓ أَزۡوَٰجٗا مِّنۡهُمۡ زَهۡرَةَ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا لِنَفۡتِنَهُمۡ فِيهِۚ وَرِزۡقُ رَبِّكَ خَيۡرٞ وَأَبۡقَىٰ} (131)

{[50248]}ولما كانت النفس ميالة إلى الدنايا ، مرهونة بالحاضر من فاني العطايا ، وكان تخليها عن ذلك هو الموصل إلى حريتها المؤذن بعلو همتها ، قال {[50249]}مؤكداً إيذاناً بصعوبة ذلك{[50250]} : { ولا تمدن } مؤكداً له{[50251]} بالنون الثقيلة { عينيك } أي لا تطوّل نظرهما بعد النظرة الأولى المعفو عنها قاصداً{[50252]} النظر للاستحسان { إلى ما متعنا به } {[50253]}بما لنا من العظمة التي لا ينقصها{[50254]} تعظم أعدائنا{[50255]} به في هذه الحياة الفانية { أزواجاً } أي أصنافاً متشاكلين{[50256]} { منهم } أي من الكفرة { زهرة } أي تمتيع { الحياة الدنيا } لا ينتفعون به في الآخرة لعدم صرفهم{[50257]} له في أوامر الله ، فهو مصدر من المعنى مثل جلست قعوداً ، ثم علل تمتيعهم بقوله تعالى : { لنفتنهم فيه } أي لنفعل بهم فعل المختبر ، فيكون سبب عذابهم في الدنيا بالعيش الضنك لما مضى{[50258]} ، وفي الآخرة بالعذاب الأليم ، فصورته تغر{[50259]} من لم يتأمل{[50260]} معناها حق التأمل ، فما أنت فيه خير مما هم فيه { ورزق ربك } الذي عود به أولياءه - وهو {[50261]}في دار السفر{[50262]}- الكفاف الطيب المقرون بالتوفيق { خير } من زهرتهم ، لأنه يكفي ولا يطغي وزادك ما يدني إلى جنابه فيعلي { وأبقى* } فإنه وفقك لصرفه في الطاعة فكتب لك من أجره ما توفاه يوم الحاجة {[50263]}على وجه لا يمكن أحداً من الخلق حصره ، وتكون الدنيا كلها{[50264]} فضلاً عما في أيديهم أقل من قطرة{[50265]} بالنسبة إلى بحره{[50266]} ، وإضافة رزقه دون رزقهم إليه سبحانه - وإن كان الكل منه - للتشريف ، {[50267]}وفي التعبير{[50268]} بالرب إيذان{[50269]} بالحل ، وفيه{[50270]} إشارة إلى ظهوره عليهم وحياته بعدهم كما هو الشأن في الصالحين والطالحين .


[50248]:زيد ما بين الحاجزين من ظ ومد.
[50249]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[50250]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[50251]:زيد ما بين الحاجزين من ظ ومد.
[50252]:من ظ ومد وفي الأصل: هذا.
[50253]:العبارة من هنا إلى "أعدائنا به" ساقطة من ظ.
[50254]:من مد وفي الأصل: تنقصها.
[50255]:من مد، وفي الأصل: اعدا.
[50256]:سقط من ظ
[50257]:من ظ ومد وفي الأصل: مصرفهم.
[50258]:من ظ ومد وفي الأصل: خير.
[50259]:في الأصل بياض ملأناه من ظ ومد.
[50260]:من ظ ومد، وفي الأصل: لم يتألم.
[50261]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[50262]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[50263]:العبارة من هنا إلى "بحره" ساقطة من ظ.
[50264]:في الأصل بياض ملأناه من مد.
[50265]:زيد من مد.
[50266]:في مد: بحر
[50267]:العبارة من هنا إلى "بالحل" ساقطة من ظ.
[50268]:من مد وفي الأصل: التقيد.
[50269]:من مد وفي الأصل: الايقان.
[50270]:بين سطري ظ: الكلام السابق.