قال مقاتل والكلبي ومجاهد وابن عباس : نزلت في النضر بن الحارث ، فهو الذي قال هذا القول ، وعنى بقوله : وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ . عداسا مولى حويطب بن عبد العزى ، ويسارا غلام عامر بن الحضرمي ، وأبو فكيهة الرومي مولى بني الحضرمي ، وكانوا من أهل الكتاب ، يقرءون التوراة ويحدثون أحاديث منها ، فأسلموا وكان النبي صلى الله عليه وسلم يتعهدهم ويختلف إليهم ، فمن ثم قال النضر ما قال .
بدأت سورة الفرقان بالتوحيد ، وانتقلت إلى الرد على عباد الأوثان ، وذكرت هنا شبهات المشركين وطعنهم في القرآن ، وطعنهم في نبوة النبي محمد صلى الله عليه وسلم ، الذي نزل عليه القرآن .
سورة الفرقان سورة مكية ، نزلت بعد سورة يس ، ونزلت سورة يس بعد سورة الجن ، وكان نزول سورة الجن في رجوع النبي صلى الله عليه وسلم من الطائف ، وكان قد ذهب إليها سنة عشر من بعثته ، فيكون نزول سورة الفرقان في السنة العاشرة من البعثة ، وتكون من السور التي نزلت فيما بين الهجرة إلى الحبشة والإسراء . وهي فترة تميزت بقسوة مشركي مكة وعنفهم ورغبتهم في القضاء على الدعوة بكل سبيل ، ولذلك تبدو سورة الفرقان وكأنها إيناس لرسول الله صلى الله عليه وسلم وتسرية ، وتطمين له وهو يواجه مشركي قريش وعنادهم وتعنتهم معه وجدالهم بالباطل ، ووقوفهم في وجه الهدى وصدهم عنه .
سورة تشد أزر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم
تنوعت جوانب هذه السورة وتعددت ، لكنها في جملتها كانت مؤازرة لرسول الله تبثه الثقة والاطمئنان ، وتفضح شبهات المشركين ، وتنافح عن الدعوة والداعية بالعديد من السبل .
فهي في لمحة منها تصور الإيناس اللطيف الذي يحيط به الله عبده ورسوله ، وكأنما يمسح على آلامه ومتاعبه مسحا رفيقا ، ويفيض عليه بالرعاية واللطف والمودة .
وهي في لمحة تصور المعركة العنيفة مع البشرية الضالة الجاحدة المشاقة لله ورسوله ، وهي تجادل في عنف ، وتتعنت في عناد ، وتجنح عن الهدى الواضح المبين .
إنها البشرية الضالة التي تقول عن هذا القرآن العظيم : { إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ . . . } ( الفرقان : 4 ) .
أو تقول : { أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا } . ( الفرقان : 5 ) .
والتي تقول عن محمد رسول الله : { إِن تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَّسْحُورًا } . ( الفرقان : 8 ) .
أو تقول في استهزاء : { أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا } . ( الفرقان : 41 ) .
وهذا التكذيب كان سمة الناس من عهد نوح إلى عهد محمد ، لقد اعترض القوم على بشرية الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ، واعترضوا على حظه من المال ، فقالوا : { أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا . . . } ( الفرقان : 8 ) .
واعترضوا على طريقة تنزيل القرآن ، فقالوا : { لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً . . . } ( الفرقان : 32 ) .
وذلك فوق التكذيب والاستهزاء ، والافتراء والإيذاء . وعندما يئس النبي من أهل مكة توجه إلى الطائف ، وبها قبائل ثقيف ، وفيها نعمة وغنى وزراعة وأعناب ، حتى كان العرب يعتقدون أن طائفا من الجن نقلها من اليمن السعيد إلى جنوب الحجاز .
وعندما ذهب إلى الطائف دعا أهلها للإسلام ؛ فردوه أسوأ رد وأغروا به السفهاء والعبيد يرجمونه بالحجارة ، حتى دميت قدماه الشريفتان ، وأغمي على النبي الأمين ، فلما أفاق مد يده لله داعيا متضرعا ، يقول :
( اللهم أشكو إليك ضعف قوتي ، وقلة حيلتي وهواني على الناس ، يا رب العالمين أنت رب المستضعفين وأنت ربي ، إلى من تكلني إلى عدو يتجهمني أو بعيد ملكته أمري ، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات ، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة أن ينزل بي سخطك أو يحل علي غضبك ، إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي ، عافيتك هي أوسع لي ، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم .
وقد نزلت سورة الفرقان في أعقاب رحلة الطائف ، فكانت حنانا ورحمة من الله لنبيه تمسح آلامه ، وتسري عنه ، وتهون عليه مشقة ما يلقى من عنت القوم وسوء أدبهم ، وتطاولهم على الرسول الذي اختارته السماء ليحمل رسالة الله إلى الناس .
وتعزيه عن استهزائهم بتصوير المستوى الهابط الذي يتمرغون فيه : { أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا * أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا } . ( الفرقان : 43 ، 44 ) .
ويتكفل القرآن بالعون والمساعدة في معركة الجدل والمحاجة : { وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا } . ( الفرقان : 33 ) .
ثم تعرض السورة أهوال القيامة ومشاهد المجرمين تهديدا ووعيدا : { وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاء بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنزِيلًا ( 25 ) الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا } . ( الفرقان : 25 ، 26 ) .
وتصف ندم هؤلاء الكفار يوم القيامة فتقول : { وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا * يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا } . ( الفرقان : 27 ، 28 ) .
ثم تقدم السورة مسيرة الأنبياء وجهادهم وبلاءهم تسلية للرسول الأمين ، ثم تحثه على الصبر والمصابرة ، وعلى جهاد الكفار بالحجة والبرهان : { فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُم بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا } . ( الفرقان : 52 ) .
وهكذا تمضي السورة ، في جانب منها إيناس وتسرية وعطف وإيواء من الله لرسوله ، وفي جانب آخر مشاقة وعنت من المشركين لرسول الله ، وتقدم السورة جوانب القدرة الإلهية ، وتصف عجائب صنع الله في مد الظل وتسخير الشمس ، وخلق الليل والنهار ، والظلام والنور ، وإنزال المطر وإنبات النبات ، وخلق الإنسان والكواكب والبروج والأفلاك ، وتتوعد المشركين بالعذاب والعقاب .
فإذا اقتربت السورة من نهايتها وصفت عباد الرحمن بالتواضع وقيام الليل ، والاقتصاد في النفقة ، والاحتراز من الشرك والزنا وقتل النفس ، وتذكر فضل التوبة ومنزلة التائبين عند الله ، وتختم السورة بتصوير هوان البشرية على الله لولا تلك القلوب المؤمنة التي تلتجئ إليه وتدعوه : { قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا } . ( الفرقان : 77 ) .
رغم أن الخط الأساسي لسورة الفرقان هو العناية بالرسول ومسح آلام الحزن عنه وتثبيت قلبه ، إلا أنه يمكن أن نقسم هذه السورة إلى أربع فقرات أو أربعة موضوعات متمايزة :
بدأ الموضوع الأول من سورة الفرقان بتسبيح الله وحمده على تنزيل هذا القرآن على عبده ليكون للعالمين نذيرا . وبتوحيد الله المالك لما في السماوات والأرض ، المدبر للكون بحكمة وتقدير ، ونفي الولد والشريك . ثم شرع في ذكر ما أورده الكفار من شبه ، فذكر شبهتهم الأولى وهي قولهم : { إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ . . . } ( الفرقان : 4 ) .
ورد عليهم بأن ادعاءهم ظلم وزور ، لأنه تحداهم به فلم يمكنهم أن يأتوا بمثله .
ثم ذكر شبهتهم الثانية وهي زعمهم أن القرآن أساطير الأولين اكتتبها ، ورد عليهم بأن الذي أنزله هو خالق الإنسان ، وهو العليم بأسراره وما يناسبه .
ثم ذكر اعتراضهم على بشرية الرسول ، وحاجته للطعام والمشي في الأسواق ، واقتراحهم أن ينزل عليه ملك أو يلقى إليه كنز أو تكون له جنة يأكل منها .
ورد عليهم بأن الله لو شاء لجعل لنبيه في الآخرة جنات وقصورا خيرا مما ذكروه من نعم الدنيا ، وجميع الرسل قبل محمد كانوا يأكلون الطعام ويمشون في الأسواق لأنهم بشر وذلك شأن البشر .
ويستغرق الموضوع الأول من أول السورة إلى الآية 20 منها .
بدأ الموضوع الثاني بذكر تطاول المشركين ، وزعمهم أنه كان يجب أن ينزل عليهم ملائكة تؤيد محمدا في دعواه ، أو يروا ربهم .
ثم عاجلهم بمشهد اليوم الذي يرون فيه الملائكة لا تحمل البشرى ، وإنما تحمل الإنذار والوعيد ، { وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا } . ( الفرقان : 26 ) .
ليكون في ذلك تسلية للرسول صلى الله عليه وآله وسلم وهم يهجرون القرآن ، وهو يشكو لربه هذا الهجران .
ثم ذكر اعتراضهم على عدم نزول القرآن جملة واحدة ، ورد عليهم بأنه نزل مفرقا لتثبيت قلب الرسول ، وللإجابة على استفهام المستفهمين ، وتوضيح الحق أمام السائلين .
ثم ذكر أنهم في الآخرة يمشون مقلوبين ، وجوههم إلى تحت ، وأرجلهم إلى فوق ، فيضلون في أخراهم كما ضلوا في دنياهم .
ثم شرع في تأييد ذلك بتصوير عاقبة المكذبين من قبلهم ، من قوم موسى وقوم نوح ، وعاد وثمود ، وأصحاب الرس والقرون الكثيرة بين ذلك ، ويعجب من أمرهم وهم يمرون على قرية لوط المدمرة ولا يعتبرون ؛ فيهون بذلك كله من وقع تطاولهم على الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وقولهم : { أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا } . ( الفرقان : 41 ) .
ثم عقب على هذا الاستهزاء بتحقيرهم ووضعهم في صف الأنعام ، بل دون ذلك : { إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا } . ( الفرقان : 44 ) .
ويستغرق هذا الموضوع الآيات من : 21 : 44 .
يبدأ الموضوع الثالث بعرض مظاهر القدرة الإلهية في نظام هذا الكون وإبداع صنعته ودقة ناموسه .
فيعرض مشهد الظل ، ويستطرد إلى تعاقب الليل والنهار ، والرياح المبشرة بالماء المحيي ، وخلقة البشر من الماء ، ومع هذا فهم يعبدون من دون الله ما لا ينفعهم ولا يضرهم ، ويتظاهرون على ربهم وخالقهم ، فينصرون الشيطان على ربهم الذي يريد أن يربيهم ويهديهم ، ويتطاولون في قحة إذا دعوا إلى عبادة الرحمن ، وقد جعل الله الليل والنهار خلفة يخلف أحدهما الآخر ، ويتعاقبان ليرى الإنسان الصباح المشرق والليل المظلم ؛ فيتذكر عظمة الله ويشكره ، ولكنهم لا يتذكرون ولا يشكرون .
ويستغرق هذا الموضوع الآيات من 45 : 62 .
يصف الموضوع الرابع عباد الرحمن الذين يسجدون له ويعبدونه ، ويسجل مقوماتهم التي استحقوا بها هذه الصفة الرفيعة ، ويفتح باب التوبة على مصراعيه لمن يريد الإقبال على الله ، ويصور جزاء المؤمنين الصابرين على تكاليف الإيمان والعبادة : { أُوْلَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَامًا * خَالِدِينَ فِيهَا حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا } . ( الفرقان : 75 ، 76 ) .
ويستغرق هذا الموضوع الآيات من 63 : 77 حيث تختم السورة ببيان هوان البشرية على الله لولا دعاء المؤمنين ، وعبادة المتقين .
وفي هذا الهوان تهوين لما يلقاه الرسول من عنت المشركين ، فهو يتفق مع ظل السورة وجوها ، ويتفق مع موضوعها وأهدافها .
{ تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا ( 1 ) الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا ( 2 ) وَاتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً لَّا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنفُسِهِمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا ( 3 ) } .
تبارك : تكاثرت بركته وعمت الخلائق كلها .
الفرقان : القرآن ، وسمي فرقانا لأنه فرق بين الحق والباطل ، ولأنه نزل مفرقا ، ولم ينزل جملة واحدة ، قال تعالى : وقرآنا فرقناه لتقرأه على الناس على مكث . . . ( الإسراء : 106 ) .
عبده : أي : محمد صلى الله عليه وسلم ، ووصفه بذلك تشريفا له ، بكونه في أقصى مراتب العبودية .
للعالمين : أي : الثقلين من الإنس والجن .
نذيرا : مخوفا لهم من عذاب الله ، إن كفروا به ولم يوحدوه .
1 – { تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا } .
كثرت بركات الله ، وعظمت نعماؤه وأفضاله ، فهو خالق الكون ، وبيده الخلق والأمر وهو على كل شيء قدير ، وقد أنزل الله القرآن على عبده محمد صلى الله عليه وسلم ، ليكون داعية إلى الإيمان ، ونذيرا للبشرية كلها من الكفر والتكذيب .
1 . امتن الله على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم بالعبودية الحقة لله ، وهذه أعظم درجة ينالها إنسان وهي أن يكون عبدا حقا لله العلي الكبير ، وقد ورد هذا المعنى في القرآن الكريم ، ففي صدر سورة الإسراء : { سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ } .
وفي صدر سورة الكهف يقول الله تعالى : { الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا } .
2 . عالمية الدعوة : هذه السورة مكية ، والآية الأولى مكية ، وفيها عالمية الرسالة ، فقد أفادت الآية أن الله أنزل القرآن على محمد صلى الله عليه وسلم ، ليبلغه للعالمين .
وفيه رد على المستشرقين ، الذين ادعوا أن الإسلام كان دعوة محلية في مكة ، فلما انتقل إلى المدينة وتكونت الدولة الإسلامية تحول إلى العالمية ، ويمكن الاستدلال بالأحاديث النبوية الصحيحة ، على عالمية الدعوة في مكة ، فقد اشتكى المؤمنون الأولون من شدة ما يلقون من العذاب من أهل مكة ، وقالوا : يا رسول الله ألا تدعو عليهم . فقال صلى الله عليه وسلم : ( والذي نفسي بيده ليتمن الله هذا الأمر ، حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله ، أو الذئب على غنمه ، ولكنكم تستعجلون ) .
وفي صحيح البخاري : أن هرقل ملك الروم سأل أبا سفيان عن النبي صلى الله عليه وسلم ، فسأله عن نسبه ، وعن أتباعه ، وعن حروبه . فقال أبو سفيان : هو فينا ذو نسب ، وأكثر أتباعه من الضعفاء ، والحرب بيننا وبينه سجال ينال منا وننال منه ، فقال هرقل لأبي سفيان : إن الرسل تبعث في أنساب قومها ، وأتباع الرسل هم الضعفاء والفقراء ، والإيمان يتعرض للابتلاء حتى يكتمل نوره ، وإذا كان ما تقول حقا فسيملك محمد موضع قدمي هاتين ، ولو كنت أصل إليه لغسلت عن قدميه .
وفي طريق الهجرة من مكة إلى المدينة ، تقدم فارس مقدام خلف النبي صلى الله عليه وسلم يريد القبض عليه ، أو قتله ، ليحصل على مكافأة أهل مكة ، لكن عناية الله وحفظه لنبيه ، حفظا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( يا سراقة ، أسلم ولك سوار كسرى ) . ثم أسلم سراقة فيما بعد ولبس خف كسرى ، وتاج كسرى ، وسراويل كسرى ، فلما رآه عمر قال له : أقبل ، فأقبل ، ثم قال له : أدبر ، فأدبر ، ثم قال عمر : رب يوم يا سراقة بن مالك ابن جشعم ، يكون هذا فخرا لك ولأبنائك من بعدك ، ثم خلعها عمر عن سراقة ووضعها في بيت مال المسلمين .
( ج ) رسالة الرسول صلى الله عليه وسلم للتبشير بالجنة للطائعين ، والإنذار بالنار للعاصين ، ولكنه اقتصر هنا على الإنذار ، في مواجهة الكافرين المعاندين .
بينما قال تعالى : في سورة الأحزاب : { يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُّنِيرًا } . ( الأحزاب : 45 ، 46 ) .
وقال سبحانه : { وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ } . ( الأنبياء : 107 ) .
{ تبارك } : أي تكاثرت بركته وعمت الخلائق كلها .
{ الذي نزل الفرقان } : أي الله الذي نزل القرآن فارقاً بين الحق والباطل .
{ على عبده } : أي محمد صلى الله عليه وسلم .
{ ليكون للعالمين نذيرا } : أي ليكون محمد صلى الله عليه وسلم نذيراً للعالمين من الإنس والجن أي مخوفاً لهم من عقاب الله وعذابه إن كفروا به ولم يعبدوه ويوحدوه .
يثني الرب تبارك وتعالى على نفسه بأنه عَظُم خيره وعمت بركته المخلوقات كلها الذي نزل الفرقان الكتاب العظيم الذي فرق به بين الحق والباطل والتوحيد والشرك والعدل والظلم أنزله على عبده ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم ليكون للعالمين الإنس والجن نذيراً ينذرهم عواقب الكفر والشرك والظلم والشر والفساد وهي عقاب الله وعذابه في الدنيا والآخرة .
- مظاهر ربوبية الله تعالى الموجبة لألوهيته وهو إفاضة الخير على الخلق والملك والقدرة والعلم والحكمة .
1- سورة الفرقان من السور المكية ، وعدد آياتها سبع وسبعون آية ، وكان نزولها بعد سورة " يس " . أما ترتيبها في المصحف فهي السورة الخامسة والعشرون .
ومن المفسرين الذين لم يذكروا خلافا في كونها مكية ، الإمام ابن كثير والإمام الرازي .
وقال القرطبي : هي مكية كلها في قول الجمهور . وقال ابن عباس وقتادة : إلا ثلاث آيات منها نزلت بالمدينة ، وهي : [ والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ] إلى قوله –تعالى- : [ وكان الله غفورا رحيما ] .
2- وقد افتتحت هذه السورة الكريمة بالثناء على الله –تعالى- الذي نزل الفرقان على عبده محمد صلى الله عليه وسلم والذي له ملك السموات والأرض . . . والذي خلق كل شيء فقدره تقديرا .
قال –تعالى- : [ تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا . الذي له ملك السموات والأرض . ولم يتخذ ولدا . ولم يكن له شريك في الملك . وخلق كل شيء فقدره تقديرا ] .
3- ثم انتقلت السورة بعد ذلك إلى حكاية بعض أقوال المشركين الذين أثاروا الشبهات حول الرسول صلى الله عليه وسلم وحول دعوته ، وردت عليهم بما يمحق باطلهم ، وقارنت بين مصيرهم السيئ ، وبين ما أعده الله –تعالى- للمؤمنين من جنات .
قال –تعالى- : [ وقالوا مال هذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق لولا أنزل إليه ملك فيكون معه نذيرا* أو يلقي إليه كنز أو تكون له جنة يأكل منها ، وقال الظالمون إن تتبعون إلا رجلا مسحورا ] .
4- وبعد أن يصور القرآن حسراتهم يوم الحشر ، وعجزهم عن التناصر ، يعود فيحكي جانبا من تطاولهم وعنادهم ، ويرد عليهم بما يكبتهم ، وبما يزيد المؤمنين ثباتا على ثباتهم .
قال –تعالى- : [ وقال الذين لا يرجون لقاءنا ، لولا أنزل علينا الملائكة أو نرى ربنا ، لقد استكبروا في أنفسهم وعتوا عتوا كبيرا* يوم يرون الملائكة لا بشرى يومئذ للمجرمين ويقولون حجرا محجورا* وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا* أصحاب الجنة يومئذ خير مستقرا وأحسن مقبلا ] .
5- ثم تحكي السورة جانبا من قصص بعض الأنبياء مع أقوامهم . فيقول : [ ولقد آتينا موسى الكتاب وجعلنا معه أخاه هارون وزيرا* فقلنا اذهبا إلى القوم الذين كذبوا بآياتنا للظالمين عذابا أليما . . ] .
6- ثم تعود السورة مرة أخرى إلى الحديث عن تطاول هؤلاء الجاحدين على رسولهم صلى الله عليه وسلم وتعقب على ذلك بتسليته صلى الله عليه وسلم عما أصابه منهم فتقول : [ وإذا رأوك إن يتخذونك إلا هزوا . أهذا الذي بعث الله رسولا* إن كاد ليضلنا عن آلهتنا لولا أن صيرنا عليها ، وسوف يعلمون حين يرون العذاب من أضل سبيلا* أرأيت من اتخذ إلهه هواه أفأنت تكون عليه وكيلا* أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون ؟ إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلا ] .
7- ثم تنتقل السورة الكريمة بعد ذلك إلى الحديث عن مظاهر قدرة الله –تعالى- فتسوق لنا مظاهر قدرته في مد الظل ، وفي تعاقب الليل والنهار ، وفي الرياح التي يرسلها –سبحانه- لتكون بشارة لنزول المطر ، وفي وجود برزخ بين البحرين ، وفي خلق البشر من الماء . . . ثم يعقب على ذلك بالتعجب من حال الكافرين ، الذين يعبدون من دونه –سبحانه- مالا ينفعهم ولا يضرهم . .
قال –تعالى- : [ ألم تر إلى ربك كيف مدّ الظل ولو شاء لجعله ساكنا ، ثم جعلنا الشمس عليه دليلا* ثم قبضناه إلينا قبضا يسيرا* وهو الذي جعل لكم الليل لباسا والنوم سباتا وجعل النهار نشورا ] .
8- ثم تسوق السورة في أواخرها صورة مشرقة لعباد الرحمن ، الذين من صفاتهم التواضع ، والعفو عن الجاهل . وكثرة العبادة لله –تعالى- والتضرع إليه بأن يصرف عنهم عذاب جهنم ، وسلوكهم المسلك الوسط في إنفاقهم ، وإخلاصهم الطاعة لله –تعالى- وحده . واجتنابهم للرذائل التي نهى الله –عز وجل- عنها .
قال –تعالى- : [ وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا ، وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما* والذين يبيتون لربهم سجدا وقياما* والذين يقولون ربنا اصرف عنا عذاب جهنم إن عذابها كان غراما* إنها ساءت مستقرا ومقاما ] .
9- ومن هذا العرض المختصر لأبرز القضايا التي اهتمت بالحديث عنها السورة الكريمة ، نرى ما يأتي .
( أ ) أن السورة الكريمة قد ساقت ألوانا من الأدلة على قدرة الله –تعالى- وعلى وجوب إخلاص العبادة له ، وعلى الثناء عليه –سبحانه- بما هو أهله .
نرى ذلك في مثل قوله –تعالى- : [ تبارك الذي نزل الفرقان على عبده . . . ] [ تبارك الذي جعل في السماء بروجا . . . ] [ تبارك الذي إن شاء جعل لك خيرا من ذلك جنات تجري من تحتها الأنهار . . . ] . وفي مثل قوله –تعالى- : [ وهو الذي مرج البحرين هذا عذاب فرات ، وهذا ملح أجاج ، وجعل بينهما برزخا وحجرا محجورا* وهو الذي خلق من الماء بشرا فجعله نسبا وصهرا وكان ربك قديرا* ويعبدون من دون الله مالا ينفعهم ولا يضرهم ، وكان الكافر على ربه ظهيرا ] .
( ب ) أن السورة الكريمة زاخرة بالآيات التي تدخل الأنس والتسرية والتسلية والتثبيت على قلب النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن اتهمه المشركون بما هو برئ منه ، وسخروا منه ومن دعوته ، ووصفوا القرآن بأنه أساطير الأولين ، واستنكروا أن يكون النبي من البشر .
نرى هذه التهم الباطلة فيما حكاه الله عنهم في قوله –تعالى- : [ وقال الذين كفروا إن هذا إلا إفك افتراه وأعانه عليه قوم آخرون ، فقد جاءوا ظلما وزورا* وقالوا أساطير الأولين اكتتبها فهي تملي عليه بكرة وأصيلا ] . [ وقالوا مال هذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق لولا أنزل إليه ملك فيكون معه نذيرا ] . [ وإذا قيل لهم اسجدوا للرحمن قالوا وما الرحمن أنسجد لما تأمرنا وزادهم نفورا ] .
وترى التسلية والتسرية والتثبيت في قوله –تعالى- : [ انظر كيف ضربوا لك الأمثال فضلوا فلا يستطيعون سبيلا* تبارك الذي إن شاء جعل لك خيرا من ذلك جنات تجري من تحتها الأنهار ويجعل لك قصورا ] .
[ وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا أنهم ليأكلون الطعام ويمشون في الأسواق وجعلنا بعضهم لبعض فتنة ، أتصبرون ، وكان ربك بصيرا ] .
[ وقال الذين كفروا لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة ، كذلك لنثبت به فؤادك ورتلناه ترتيلا* ولا يأتونك بمثل إلا جئناك بالحق وأحسن تفسيرا ] .
وهكذا نرى السورة الكريمة زاخرة بالحديث عن الشبهات التي أثارها المشركون حول النبي صلى الله عليه وسلم ودعوته ، وزاخرة –أيضا- بالرد عليها ردا يبطلها . ويزهقها . ويسلي النبي صلى الله عليه وسلم عما أصابه منهم ، ويزيد المؤمنين إيمانا على إيمانهم .
( ج ) أن السورة الكريمة مشتملة على آيات كثيرة ، تبين ما سيكون عليه المشركون يوم القيامة من هم وغم وكرب وحسرة وندامة وسوء مصير ، كما تبين ما أعده الله –تعالى- لعباده المؤمنين من عاقبة حسنة ، ومن جنات تجري من تحتها الأنهار .
فبالنسبة لسوء عاقبة المشركين نرى قوله –تعالى- : [ بل كذبوا بالساعة وأعتدنا لمن كذب بالساعة سعيرا* إذا رأتهم من مكان بعيد سمعوا لها تغيظا وزفيرا* وإذا ألقوا منها مكانا ضيقا مقرنين دعوا هنا لك ثبورا* لا تدعوا اليوم ثبورا واحدا وادعوا ثبورا كثيرا ] .
ونرى قوله –تعالى- : [ ويوم بعض الظالم على يديه يقول يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلا* يا ويلتا ليتني لم أتخذ فلانا خليلا* لقد أضلني عن الذكر بعد إذ جاءني ، وكان الشيطان للإنسان خذولا ] .
وبالنسبة للمؤمنين نرى قوله –تعالى- : [ قل أذلك خير أم جنة الخلد التي وعد المتقون كانت لهم جزاء ومصيرا* لهم فيها ما يشاءون خالدين كان على ربك وعدا مسئولا ] .
ونرى قوله –سبحانه- : [ وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً ] . إلى قوله –تعالى- : [ خالدين فيها حسنت مستقرا ومقاما ] .
وهكذا نرى السورة تسوق آيات كثيرة في المقارنة بين مصير الكافرين ومصير المؤمنين . . وليهلك من هلك عن بينة ويحيا من حي عن بينة . . .
هذه بعض الموضوعات التي اهتمت السورة الكريمة بتفصيل الحديث عنها ، وهناك موضوعات أخرى سنتحدث عنها –بإذن الله- عند تفسيرنا لآياتها .
وصلى الله على سيدنا محمد ، وعلى آله وأصحابه وأتباعه إلى يوم الدين .
افتتحت السورة الكريمة بالثناء على الله - تعالى - ثناء يليق بجلاله وكماله .
ولفظ " تبارك " فعل ماض لا يتصرف . أى : لم يجىء منه مضارع ولا أمر ولا اسم فاعل : وهو مأخوذ من البركة بمعنى الكثرة من كل خير . وأصلها النماء والزيادة . أى : كثرة خيره وإحسانه ، وتزايدت بركاته .
أو مأخوذ من البَرْكَة بمعنى الثبوت . يقال : برك البعير ، إذا أناخ فى موضعه فلزمه وثبت فيه . وكل شىء ثبت ودام فقد برك . أى : ثبت ودام خيره على خلقه .
والفرقان : القرآن . وسمى بذلك لأنه يفرق بين الحق والباطل .
ونذيرا : من الإنذار ، وهو الإعلام المقترن بتهديد وتخويف .
أى : جل شأن الله - تعالى - وتكاثرت ودامت خيراته وبركاته ، لأنه - سبحانه - هو الذى نزل القرآن الكريم على عبده محمد صلى الله عليه وسلم ليكون " للعالمين " أى : للإنس وللجن " نذيرا " أى : منذرا إياهم بسوء المصير إن هم استمروا على كفرهم وشركهم .
وفى التعبير بقوله - تعالى - { تَبَارَكَ } إشعار بكثرة ما يفيضه - سبحانه - من خيرات وبركات على عباده ، وأن هذا العطاء ثابت مستقر ، وذلك يستلزم عظمته وتقدسه عن كل ما لا يليق بجلاله - عز وجل - .
ولم يذكر - سبحانه - لفظ الجلالة ، واكتفى بالاسم الموصول الذى نزل الفرقان ، لإبراز صلته - سبحانه - وإظهارها فى هذا المقام ، الذى هو مقام إثبات صدق رسالته التى أوحاها إلى نبيه صلى الله عليه وسلم .
وعبر - سبحانه - ب { نَزَّلَ } بالتضعيف ، لنزول القرآن الكريم مفرقا فى أوقات متعددة ، لتثبيت فؤاد النبى صلى الله عليه وسلم .
ووصف الله - تعالى - رسوله صلى الله عليه وسلم بالعبودية ، وأضافها لذاته ، للتشريف والتكريم والتعظيم . وأن هذه العبودية لله - تعالى - هى ما يتطلع إليه البشر .
واختير الإنذار على التبشير . لأن المقام يقتضى ذلك ، إذ أن المشركين قد لجوا فى طغيانهم وتمادوا فى كفرهم وضلالهم ، فكان من المناسب تخويفهم من سوء عاقبة ما هم عليه من عناد .
وهذه الآية الكريمة تدل على عموم رسالته صلى الله عليه وسلم للناس جميعا . حيث قال - سبحانه - : { لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً } أى : لعالم الإنس وعالم الجن ، وشيه بها قوله - تعالى - : { وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ } وقوله - سبحانه - : { قُلْ ياأيها الناس إِنِّي رَسُولُ الله إِلَيْكُمْ جَمِيعاً . . }