تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{تَبَارَكَ ٱلَّذِي نَزَّلَ ٱلۡفُرۡقَانَ عَلَىٰ عَبۡدِهِۦ لِيَكُونَ لِلۡعَٰلَمِينَ نَذِيرًا} (1)

مقدمة السورة:

سبب النزول :

قال مقاتل والكلبي ومجاهد وابن عباس : نزلت في النضر بن الحارث ، فهو الذي قال هذا القول ، وعنى بقوله : وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ . عداسا مولى حويطب بن عبد العزى ، ويسارا غلام عامر بن الحضرمي ، وأبو فكيهة الرومي مولى بني الحضرمي ، وكانوا من أهل الكتاب ، يقرءون التوراة ويحدثون أحاديث منها ، فأسلموا وكان النبي صلى الله عليه وسلم يتعهدهم ويختلف إليهم ، فمن ثم قال النضر ما قال .

تمهيد :

بدأت سورة الفرقان بالتوحيد ، وانتقلت إلى الرد على عباد الأوثان ، وذكرت هنا شبهات المشركين وطعنهم في القرآن ، وطعنهم في نبوة النبي محمد صلى الله عليه وسلم ، الذي نزل عليه القرآن .

أهداف سورة الفرقان :

سورة الفرقان سورة مكية ، نزلت بعد سورة يس ، ونزلت سورة يس بعد سورة الجن ، وكان نزول سورة الجن في رجوع النبي صلى الله عليه وسلم من الطائف ، وكان قد ذهب إليها سنة عشر من بعثته ، فيكون نزول سورة الفرقان في السنة العاشرة من البعثة ، وتكون من السور التي نزلت فيما بين الهجرة إلى الحبشة والإسراء . وهي فترة تميزت بقسوة مشركي مكة وعنفهم ورغبتهم في القضاء على الدعوة بكل سبيل ، ولذلك تبدو سورة الفرقان وكأنها إيناس لرسول الله صلى الله عليه وسلم وتسرية ، وتطمين له وهو يواجه مشركي قريش وعنادهم وتعنتهم معه وجدالهم بالباطل ، ووقوفهم في وجه الهدى وصدهم عنه .

سورة تشد أزر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم

تنوعت جوانب هذه السورة وتعددت ، لكنها في جملتها كانت مؤازرة لرسول الله تبثه الثقة والاطمئنان ، وتفضح شبهات المشركين ، وتنافح عن الدعوة والداعية بالعديد من السبل .

فهي في لمحة منها تصور الإيناس اللطيف الذي يحيط به الله عبده ورسوله ، وكأنما يمسح على آلامه ومتاعبه مسحا رفيقا ، ويفيض عليه بالرعاية واللطف والمودة .

وهي في لمحة تصور المعركة العنيفة مع البشرية الضالة الجاحدة المشاقة لله ورسوله ، وهي تجادل في عنف ، وتتعنت في عناد ، وتجنح عن الهدى الواضح المبين .

إنها البشرية الضالة التي تقول عن هذا القرآن العظيم : { إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ . . . } ( الفرقان : 4 ) .

أو تقول : { أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا } . ( الفرقان : 5 ) .

والتي تقول عن محمد رسول الله : { إِن تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَّسْحُورًا } . ( الفرقان : 8 ) .

أو تقول في استهزاء : { أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا } . ( الفرقان : 41 ) .

وهذا التكذيب كان سمة الناس من عهد نوح إلى عهد محمد ، لقد اعترض القوم على بشرية الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ، واعترضوا على حظه من المال ، فقالوا : { أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا . . . } ( الفرقان : 8 ) .

واعترضوا على طريقة تنزيل القرآن ، فقالوا : { لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً . . . } ( الفرقان : 32 ) .

وذلك فوق التكذيب والاستهزاء ، والافتراء والإيذاء . وعندما يئس النبي من أهل مكة توجه إلى الطائف ، وبها قبائل ثقيف ، وفيها نعمة وغنى وزراعة وأعناب ، حتى كان العرب يعتقدون أن طائفا من الجن نقلها من اليمن السعيد إلى جنوب الحجاز .

وعندما ذهب إلى الطائف دعا أهلها للإسلام ؛ فردوه أسوأ رد وأغروا به السفهاء والعبيد يرجمونه بالحجارة ، حتى دميت قدماه الشريفتان ، وأغمي على النبي الأمين ، فلما أفاق مد يده لله داعيا متضرعا ، يقول :

( اللهم أشكو إليك ضعف قوتي ، وقلة حيلتي وهواني على الناس ، يا رب العالمين أنت رب المستضعفين وأنت ربي ، إلى من تكلني إلى عدو يتجهمني أو بعيد ملكته أمري ، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات ، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة أن ينزل بي سخطك أو يحل علي غضبك ، إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي ، عافيتك هي أوسع لي ، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم .

وقد نزلت سورة الفرقان في أعقاب رحلة الطائف ، فكانت حنانا ورحمة من الله لنبيه تمسح آلامه ، وتسري عنه ، وتهون عليه مشقة ما يلقى من عنت القوم وسوء أدبهم ، وتطاولهم على الرسول الذي اختارته السماء ليحمل رسالة الله إلى الناس .

وتعزيه عن استهزائهم بتصوير المستوى الهابط الذي يتمرغون فيه : { أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا * أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا } . ( الفرقان : 43 ، 44 ) .

ويتكفل القرآن بالعون والمساعدة في معركة الجدل والمحاجة : { وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا } . ( الفرقان : 33 ) .

ثم تعرض السورة أهوال القيامة ومشاهد المجرمين تهديدا ووعيدا : { وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاء بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنزِيلًا ( 25 ) الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا } . ( الفرقان : 25 ، 26 ) .

وتصف ندم هؤلاء الكفار يوم القيامة فتقول : { وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا * يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا } . ( الفرقان : 27 ، 28 ) .

ثم تقدم السورة مسيرة الأنبياء وجهادهم وبلاءهم تسلية للرسول الأمين ، ثم تحثه على الصبر والمصابرة ، وعلى جهاد الكفار بالحجة والبرهان : { فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُم بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا } . ( الفرقان : 52 ) .

وهكذا تمضي السورة ، في جانب منها إيناس وتسرية وعطف وإيواء من الله لرسوله ، وفي جانب آخر مشاقة وعنت من المشركين لرسول الله ، وتقدم السورة جوانب القدرة الإلهية ، وتصف عجائب صنع الله في مد الظل وتسخير الشمس ، وخلق الليل والنهار ، والظلام والنور ، وإنزال المطر وإنبات النبات ، وخلق الإنسان والكواكب والبروج والأفلاك ، وتتوعد المشركين بالعذاب والعقاب .

فإذا اقتربت السورة من نهايتها وصفت عباد الرحمن بالتواضع وقيام الليل ، والاقتصاد في النفقة ، والاحتراز من الشرك والزنا وقتل النفس ، وتذكر فضل التوبة ومنزلة التائبين عند الله ، وتختم السورة بتصوير هوان البشرية على الله لولا تلك القلوب المؤمنة التي تلتجئ إليه وتدعوه : { قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا } . ( الفرقان : 77 ) .

موضوعات السورة :

رغم أن الخط الأساسي لسورة الفرقان هو العناية بالرسول ومسح آلام الحزن عنه وتثبيت قلبه ، إلا أنه يمكن أن نقسم هذه السورة إلى أربع فقرات أو أربعة موضوعات متمايزة :

الموضوع الأول :

بدأ الموضوع الأول من سورة الفرقان بتسبيح الله وحمده على تنزيل هذا القرآن على عبده ليكون للعالمين نذيرا . وبتوحيد الله المالك لما في السماوات والأرض ، المدبر للكون بحكمة وتقدير ، ونفي الولد والشريك . ثم شرع في ذكر ما أورده الكفار من شبه ، فذكر شبهتهم الأولى وهي قولهم : { إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ . . . } ( الفرقان : 4 ) .

ورد عليهم بأن ادعاءهم ظلم وزور ، لأنه تحداهم به فلم يمكنهم أن يأتوا بمثله .

ثم ذكر شبهتهم الثانية وهي زعمهم أن القرآن أساطير الأولين اكتتبها ، ورد عليهم بأن الذي أنزله هو خالق الإنسان ، وهو العليم بأسراره وما يناسبه .

ثم ذكر اعتراضهم على بشرية الرسول ، وحاجته للطعام والمشي في الأسواق ، واقتراحهم أن ينزل عليه ملك أو يلقى إليه كنز أو تكون له جنة يأكل منها .

ورد عليهم بأن الله لو شاء لجعل لنبيه في الآخرة جنات وقصورا خيرا مما ذكروه من نعم الدنيا ، وجميع الرسل قبل محمد كانوا يأكلون الطعام ويمشون في الأسواق لأنهم بشر وذلك شأن البشر .

ويستغرق الموضوع الأول من أول السورة إلى الآية 20 منها .

الموضوع الثاني :

بدأ الموضوع الثاني بذكر تطاول المشركين ، وزعمهم أنه كان يجب أن ينزل عليهم ملائكة تؤيد محمدا في دعواه ، أو يروا ربهم .

ثم عاجلهم بمشهد اليوم الذي يرون فيه الملائكة لا تحمل البشرى ، وإنما تحمل الإنذار والوعيد ، { وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا } . ( الفرقان : 26 ) .

ليكون في ذلك تسلية للرسول صلى الله عليه وآله وسلم وهم يهجرون القرآن ، وهو يشكو لربه هذا الهجران .

ثم ذكر اعتراضهم على عدم نزول القرآن جملة واحدة ، ورد عليهم بأنه نزل مفرقا لتثبيت قلب الرسول ، وللإجابة على استفهام المستفهمين ، وتوضيح الحق أمام السائلين .

ثم ذكر أنهم في الآخرة يمشون مقلوبين ، وجوههم إلى تحت ، وأرجلهم إلى فوق ، فيضلون في أخراهم كما ضلوا في دنياهم .

ثم شرع في تأييد ذلك بتصوير عاقبة المكذبين من قبلهم ، من قوم موسى وقوم نوح ، وعاد وثمود ، وأصحاب الرس والقرون الكثيرة بين ذلك ، ويعجب من أمرهم وهم يمرون على قرية لوط المدمرة ولا يعتبرون ؛ فيهون بذلك كله من وقع تطاولهم على الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وقولهم : { أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا } . ( الفرقان : 41 ) .

ثم عقب على هذا الاستهزاء بتحقيرهم ووضعهم في صف الأنعام ، بل دون ذلك : { إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا } . ( الفرقان : 44 ) .

ويستغرق هذا الموضوع الآيات من : 21 : 44 .

الموضوع الثالث :

يبدأ الموضوع الثالث بعرض مظاهر القدرة الإلهية في نظام هذا الكون وإبداع صنعته ودقة ناموسه .

فيعرض مشهد الظل ، ويستطرد إلى تعاقب الليل والنهار ، والرياح المبشرة بالماء المحيي ، وخلقة البشر من الماء ، ومع هذا فهم يعبدون من دون الله ما لا ينفعهم ولا يضرهم ، ويتظاهرون على ربهم وخالقهم ، فينصرون الشيطان على ربهم الذي يريد أن يربيهم ويهديهم ، ويتطاولون في قحة إذا دعوا إلى عبادة الرحمن ، وقد جعل الله الليل والنهار خلفة يخلف أحدهما الآخر ، ويتعاقبان ليرى الإنسان الصباح المشرق والليل المظلم ؛ فيتذكر عظمة الله ويشكره ، ولكنهم لا يتذكرون ولا يشكرون .

ويستغرق هذا الموضوع الآيات من 45 : 62 .

الموضوع الرابع :

يصف الموضوع الرابع عباد الرحمن الذين يسجدون له ويعبدونه ، ويسجل مقوماتهم التي استحقوا بها هذه الصفة الرفيعة ، ويفتح باب التوبة على مصراعيه لمن يريد الإقبال على الله ، ويصور جزاء المؤمنين الصابرين على تكاليف الإيمان والعبادة : { أُوْلَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَامًا * خَالِدِينَ فِيهَا حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا } . ( الفرقان : 75 ، 76 ) .

ويستغرق هذا الموضوع الآيات من 63 : 77 حيث تختم السورة ببيان هوان البشرية على الله لولا دعاء المؤمنين ، وعبادة المتقين .

وفي هذا الهوان تهوين لما يلقاه الرسول من عنت المشركين ، فهو يتفق مع ظل السورة وجوها ، ويتفق مع موضوعها وأهدافها .

عظمة الخالق :

بسم الله الرحمن الرحيم

{ تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا ( 1 ) الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا ( 2 ) وَاتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً لَّا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنفُسِهِمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا ( 3 ) } .

المفردات :

تبارك : تكاثرت بركته وعمت الخلائق كلها .

الفرقان : القرآن ، وسمي فرقانا لأنه فرق بين الحق والباطل ، ولأنه نزل مفرقا ، ولم ينزل جملة واحدة ، قال تعالى : وقرآنا فرقناه لتقرأه على الناس على مكث . . . ( الإسراء : 106 ) .

عبده : أي : محمد صلى الله عليه وسلم ، ووصفه بذلك تشريفا له ، بكونه في أقصى مراتب العبودية .

للعالمين : أي : الثقلين من الإنس والجن .

نذيرا : مخوفا لهم من عذاب الله ، إن كفروا به ولم يوحدوه .

التفسير :

1 – { تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا } .

كثرت بركات الله ، وعظمت نعماؤه وأفضاله ، فهو خالق الكون ، وبيده الخلق والأمر وهو على كل شيء قدير ، وقد أنزل الله القرآن على عبده محمد صلى الله عليه وسلم ، ليكون داعية إلى الإيمان ، ونذيرا للبشرية كلها من الكفر والتكذيب .

في أعقاب الآية :

1 . امتن الله على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم بالعبودية الحقة لله ، وهذه أعظم درجة ينالها إنسان وهي أن يكون عبدا حقا لله العلي الكبير ، وقد ورد هذا المعنى في القرآن الكريم ، ففي صدر سورة الإسراء : { سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ } .

وفي صدر سورة الكهف يقول الله تعالى : { الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا } .

2 . عالمية الدعوة : هذه السورة مكية ، والآية الأولى مكية ، وفيها عالمية الرسالة ، فقد أفادت الآية أن الله أنزل القرآن على محمد صلى الله عليه وسلم ، ليبلغه للعالمين .

وفيه رد على المستشرقين ، الذين ادعوا أن الإسلام كان دعوة محلية في مكة ، فلما انتقل إلى المدينة وتكونت الدولة الإسلامية تحول إلى العالمية ، ويمكن الاستدلال بالأحاديث النبوية الصحيحة ، على عالمية الدعوة في مكة ، فقد اشتكى المؤمنون الأولون من شدة ما يلقون من العذاب من أهل مكة ، وقالوا : يا رسول الله ألا تدعو عليهم . فقال صلى الله عليه وسلم : ( والذي نفسي بيده ليتمن الله هذا الأمر ، حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله ، أو الذئب على غنمه ، ولكنكم تستعجلون ) .

وفي صحيح البخاري : أن هرقل ملك الروم سأل أبا سفيان عن النبي صلى الله عليه وسلم ، فسأله عن نسبه ، وعن أتباعه ، وعن حروبه . فقال أبو سفيان : هو فينا ذو نسب ، وأكثر أتباعه من الضعفاء ، والحرب بيننا وبينه سجال ينال منا وننال منه ، فقال هرقل لأبي سفيان : إن الرسل تبعث في أنساب قومها ، وأتباع الرسل هم الضعفاء والفقراء ، والإيمان يتعرض للابتلاء حتى يكتمل نوره ، وإذا كان ما تقول حقا فسيملك محمد موضع قدمي هاتين ، ولو كنت أصل إليه لغسلت عن قدميه .

وفي طريق الهجرة من مكة إلى المدينة ، تقدم فارس مقدام خلف النبي صلى الله عليه وسلم يريد القبض عليه ، أو قتله ، ليحصل على مكافأة أهل مكة ، لكن عناية الله وحفظه لنبيه ، حفظا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( يا سراقة ، أسلم ولك سوار كسرى ) . ثم أسلم سراقة فيما بعد ولبس خف كسرى ، وتاج كسرى ، وسراويل كسرى ، فلما رآه عمر قال له : أقبل ، فأقبل ، ثم قال له : أدبر ، فأدبر ، ثم قال عمر : رب يوم يا سراقة بن مالك ابن جشعم ، يكون هذا فخرا لك ولأبنائك من بعدك ، ثم خلعها عمر عن سراقة ووضعها في بيت مال المسلمين .

( ج ) رسالة الرسول صلى الله عليه وسلم للتبشير بالجنة للطائعين ، والإنذار بالنار للعاصين ، ولكنه اقتصر هنا على الإنذار ، في مواجهة الكافرين المعاندين .

بينما قال تعالى : في سورة الأحزاب : { يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُّنِيرًا } . ( الأحزاب : 45 ، 46 ) .

وقال سبحانه : { وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ } . ( الأنبياء : 107 ) .

 
التفسير الوسيط للقرآن الكريم لسيد طنطاوي - سيد طنطاوي [إخفاء]  
{تَبَارَكَ ٱلَّذِي نَزَّلَ ٱلۡفُرۡقَانَ عَلَىٰ عَبۡدِهِۦ لِيَكُونَ لِلۡعَٰلَمِينَ نَذِيرًا} (1)

مقدمة السورة:

بسم الله الرحمن الرحيم

مقدمة وتمهيد

1- سورة الفرقان من السور المكية ، وعدد آياتها سبع وسبعون آية ، وكان نزولها بعد سورة " يس " . أما ترتيبها في المصحف فهي السورة الخامسة والعشرون .

ومن المفسرين الذين لم يذكروا خلافا في كونها مكية ، الإمام ابن كثير والإمام الرازي .

وقال القرطبي : هي مكية كلها في قول الجمهور . وقال ابن عباس وقتادة : إلا ثلاث آيات منها نزلت بالمدينة ، وهي : [ والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ] إلى قوله –تعالى- : [ وكان الله غفورا رحيما ] .

2- وقد افتتحت هذه السورة الكريمة بالثناء على الله –تعالى- الذي نزل الفرقان على عبده محمد صلى الله عليه وسلم والذي له ملك السموات والأرض . . . والذي خلق كل شيء فقدره تقديرا .

قال –تعالى- : [ تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا . الذي له ملك السموات والأرض . ولم يتخذ ولدا . ولم يكن له شريك في الملك . وخلق كل شيء فقدره تقديرا ] .

3- ثم انتقلت السورة بعد ذلك إلى حكاية بعض أقوال المشركين الذين أثاروا الشبهات حول الرسول صلى الله عليه وسلم وحول دعوته ، وردت عليهم بما يمحق باطلهم ، وقارنت بين مصيرهم السيئ ، وبين ما أعده الله –تعالى- للمؤمنين من جنات .

قال –تعالى- : [ وقالوا مال هذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق لولا أنزل إليه ملك فيكون معه نذيرا* أو يلقي إليه كنز أو تكون له جنة يأكل منها ، وقال الظالمون إن تتبعون إلا رجلا مسحورا ] .

4- وبعد أن يصور القرآن حسراتهم يوم الحشر ، وعجزهم عن التناصر ، يعود فيحكي جانبا من تطاولهم وعنادهم ، ويرد عليهم بما يكبتهم ، وبما يزيد المؤمنين ثباتا على ثباتهم .

قال –تعالى- : [ وقال الذين لا يرجون لقاءنا ، لولا أنزل علينا الملائكة أو نرى ربنا ، لقد استكبروا في أنفسهم وعتوا عتوا كبيرا* يوم يرون الملائكة لا بشرى يومئذ للمجرمين ويقولون حجرا محجورا* وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا* أصحاب الجنة يومئذ خير مستقرا وأحسن مقبلا ] .

5- ثم تحكي السورة جانبا من قصص بعض الأنبياء مع أقوامهم . فيقول : [ ولقد آتينا موسى الكتاب وجعلنا معه أخاه هارون وزيرا* فقلنا اذهبا إلى القوم الذين كذبوا بآياتنا للظالمين عذابا أليما . . ] .

6- ثم تعود السورة مرة أخرى إلى الحديث عن تطاول هؤلاء الجاحدين على رسولهم صلى الله عليه وسلم وتعقب على ذلك بتسليته صلى الله عليه وسلم عما أصابه منهم فتقول : [ وإذا رأوك إن يتخذونك إلا هزوا . أهذا الذي بعث الله رسولا* إن كاد ليضلنا عن آلهتنا لولا أن صيرنا عليها ، وسوف يعلمون حين يرون العذاب من أضل سبيلا* أرأيت من اتخذ إلهه هواه أفأنت تكون عليه وكيلا* أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون ؟ إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلا ] .

7- ثم تنتقل السورة الكريمة بعد ذلك إلى الحديث عن مظاهر قدرة الله –تعالى- فتسوق لنا مظاهر قدرته في مد الظل ، وفي تعاقب الليل والنهار ، وفي الرياح التي يرسلها –سبحانه- لتكون بشارة لنزول المطر ، وفي وجود برزخ بين البحرين ، وفي خلق البشر من الماء . . . ثم يعقب على ذلك بالتعجب من حال الكافرين ، الذين يعبدون من دونه –سبحانه- مالا ينفعهم ولا يضرهم . .

قال –تعالى- : [ ألم تر إلى ربك كيف مدّ الظل ولو شاء لجعله ساكنا ، ثم جعلنا الشمس عليه دليلا* ثم قبضناه إلينا قبضا يسيرا* وهو الذي جعل لكم الليل لباسا والنوم سباتا وجعل النهار نشورا ] .

8- ثم تسوق السورة في أواخرها صورة مشرقة لعباد الرحمن ، الذين من صفاتهم التواضع ، والعفو عن الجاهل . وكثرة العبادة لله –تعالى- والتضرع إليه بأن يصرف عنهم عذاب جهنم ، وسلوكهم المسلك الوسط في إنفاقهم ، وإخلاصهم الطاعة لله –تعالى- وحده . واجتنابهم للرذائل التي نهى الله –عز وجل- عنها .

قال –تعالى- : [ وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا ، وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما* والذين يبيتون لربهم سجدا وقياما* والذين يقولون ربنا اصرف عنا عذاب جهنم إن عذابها كان غراما* إنها ساءت مستقرا ومقاما ] .

9- ومن هذا العرض المختصر لأبرز القضايا التي اهتمت بالحديث عنها السورة الكريمة ، نرى ما يأتي .

( أ‌ ) أن السورة الكريمة قد ساقت ألوانا من الأدلة على قدرة الله –تعالى- وعلى وجوب إخلاص العبادة له ، وعلى الثناء عليه –سبحانه- بما هو أهله .

نرى ذلك في مثل قوله –تعالى- : [ تبارك الذي نزل الفرقان على عبده . . . ] [ تبارك الذي جعل في السماء بروجا . . . ] [ تبارك الذي إن شاء جعل لك خيرا من ذلك جنات تجري من تحتها الأنهار . . . ] . وفي مثل قوله –تعالى- : [ وهو الذي مرج البحرين هذا عذاب فرات ، وهذا ملح أجاج ، وجعل بينهما برزخا وحجرا محجورا* وهو الذي خلق من الماء بشرا فجعله نسبا وصهرا وكان ربك قديرا* ويعبدون من دون الله مالا ينفعهم ولا يضرهم ، وكان الكافر على ربه ظهيرا ] .

( ب‌ ) أن السورة الكريمة زاخرة بالآيات التي تدخل الأنس والتسرية والتسلية والتثبيت على قلب النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن اتهمه المشركون بما هو برئ منه ، وسخروا منه ومن دعوته ، ووصفوا القرآن بأنه أساطير الأولين ، واستنكروا أن يكون النبي من البشر .

نرى هذه التهم الباطلة فيما حكاه الله عنهم في قوله –تعالى- : [ وقال الذين كفروا إن هذا إلا إفك افتراه وأعانه عليه قوم آخرون ، فقد جاءوا ظلما وزورا* وقالوا أساطير الأولين اكتتبها فهي تملي عليه بكرة وأصيلا ] . [ وقالوا مال هذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق لولا أنزل إليه ملك فيكون معه نذيرا ] . [ وإذا قيل لهم اسجدوا للرحمن قالوا وما الرحمن أنسجد لما تأمرنا وزادهم نفورا ] .

وترى التسلية والتسرية والتثبيت في قوله –تعالى- : [ انظر كيف ضربوا لك الأمثال فضلوا فلا يستطيعون سبيلا* تبارك الذي إن شاء جعل لك خيرا من ذلك جنات تجري من تحتها الأنهار ويجعل لك قصورا ] .

[ وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا أنهم ليأكلون الطعام ويمشون في الأسواق وجعلنا بعضهم لبعض فتنة ، أتصبرون ، وكان ربك بصيرا ] .

[ وقال الذين كفروا لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة ، كذلك لنثبت به فؤادك ورتلناه ترتيلا* ولا يأتونك بمثل إلا جئناك بالحق وأحسن تفسيرا ] .

وهكذا نرى السورة الكريمة زاخرة بالحديث عن الشبهات التي أثارها المشركون حول النبي صلى الله عليه وسلم ودعوته ، وزاخرة –أيضا- بالرد عليها ردا يبطلها . ويزهقها . ويسلي النبي صلى الله عليه وسلم عما أصابه منهم ، ويزيد المؤمنين إيمانا على إيمانهم .

( ج ) أن السورة الكريمة مشتملة على آيات كثيرة ، تبين ما سيكون عليه المشركون يوم القيامة من هم وغم وكرب وحسرة وندامة وسوء مصير ، كما تبين ما أعده الله –تعالى- لعباده المؤمنين من عاقبة حسنة ، ومن جنات تجري من تحتها الأنهار .

فبالنسبة لسوء عاقبة المشركين نرى قوله –تعالى- : [ بل كذبوا بالساعة وأعتدنا لمن كذب بالساعة سعيرا* إذا رأتهم من مكان بعيد سمعوا لها تغيظا وزفيرا* وإذا ألقوا منها مكانا ضيقا مقرنين دعوا هنا لك ثبورا* لا تدعوا اليوم ثبورا واحدا وادعوا ثبورا كثيرا ] .

ونرى قوله –تعالى- : [ ويوم بعض الظالم على يديه يقول يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلا* يا ويلتا ليتني لم أتخذ فلانا خليلا* لقد أضلني عن الذكر بعد إذ جاءني ، وكان الشيطان للإنسان خذولا ] .

وبالنسبة للمؤمنين نرى قوله –تعالى- : [ قل أذلك خير أم جنة الخلد التي وعد المتقون كانت لهم جزاء ومصيرا* لهم فيها ما يشاءون خالدين كان على ربك وعدا مسئولا ] .

ونرى قوله –سبحانه- : [ وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً ] . إلى قوله –تعالى- : [ خالدين فيها حسنت مستقرا ومقاما ] .

وهكذا نرى السورة تسوق آيات كثيرة في المقارنة بين مصير الكافرين ومصير المؤمنين . . وليهلك من هلك عن بينة ويحيا من حي عن بينة . . .

هذه بعض الموضوعات التي اهتمت السورة الكريمة بتفصيل الحديث عنها ، وهناك موضوعات أخرى سنتحدث عنها –بإذن الله- عند تفسيرنا لآياتها .

وصلى الله على سيدنا محمد ، وعلى آله وأصحابه وأتباعه إلى يوم الدين .

القاهرة – مدينة نصر

21 من شهر ربيع الآخر 1405ه

13 من يناير 1985م .

المؤلف

د . محمد سيد طنطاوي

افتتحت السورة الكريمة بالثناء على الله - تعالى - ثناء يليق بجلاله وكماله .

ولفظ " تبارك " فعل ماض لا يتصرف . أى : لم يجىء منه مضارع ولا أمر ولا اسم فاعل : وهو مأخوذ من البركة بمعنى الكثرة من كل خير . وأصلها النماء والزيادة . أى : كثرة خيره وإحسانه ، وتزايدت بركاته .

أو مأخوذ من البَرْكَة بمعنى الثبوت . يقال : برك البعير ، إذا أناخ فى موضعه فلزمه وثبت فيه . وكل شىء ثبت ودام فقد برك . أى : ثبت ودام خيره على خلقه .

والفرقان : القرآن . وسمى بذلك لأنه يفرق بين الحق والباطل .

ونذيرا : من الإنذار ، وهو الإعلام المقترن بتهديد وتخويف .

أى : جل شأن الله - تعالى - وتكاثرت ودامت خيراته وبركاته ، لأنه - سبحانه - هو الذى نزل القرآن الكريم على عبده محمد صلى الله عليه وسلم ليكون " للعالمين " أى : للإنس وللجن " نذيرا " أى : منذرا إياهم بسوء المصير إن هم استمروا على كفرهم وشركهم .

وفى التعبير بقوله - تعالى - { تَبَارَكَ } إشعار بكثرة ما يفيضه - سبحانه - من خيرات وبركات على عباده ، وأن هذا العطاء ثابت مستقر ، وذلك يستلزم عظمته وتقدسه عن كل ما لا يليق بجلاله - عز وجل - .

ولم يذكر - سبحانه - لفظ الجلالة ، واكتفى بالاسم الموصول الذى نزل الفرقان ، لإبراز صلته - سبحانه - وإظهارها فى هذا المقام ، الذى هو مقام إثبات صدق رسالته التى أوحاها إلى نبيه صلى الله عليه وسلم .

وعبر - سبحانه - ب { نَزَّلَ } بالتضعيف ، لنزول القرآن الكريم مفرقا فى أوقات متعددة ، لتثبيت فؤاد النبى صلى الله عليه وسلم .

ووصف الله - تعالى - رسوله صلى الله عليه وسلم بالعبودية ، وأضافها لذاته ، للتشريف والتكريم والتعظيم . وأن هذه العبودية لله - تعالى - هى ما يتطلع إليه البشر .

واختير الإنذار على التبشير . لأن المقام يقتضى ذلك ، إذ أن المشركين قد لجوا فى طغيانهم وتمادوا فى كفرهم وضلالهم ، فكان من المناسب تخويفهم من سوء عاقبة ما هم عليه من عناد .

وهذه الآية الكريمة تدل على عموم رسالته صلى الله عليه وسلم للناس جميعا . حيث قال - سبحانه - : { لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً } أى : لعالم الإنس وعالم الجن ، وشيه بها قوله - تعالى - : { وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ } وقوله - سبحانه - : { قُلْ ياأيها الناس إِنِّي رَسُولُ الله إِلَيْكُمْ جَمِيعاً . . }