{ وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ ( 11 ) يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُ وَمَا لَا يَنفَعُهُ ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ ( 12 ) يَدْعُو لَمَن ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِن نَّفْعِهِ لَبِئْسَ الْمَوْلَى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ ( 13 ) } .
11 - وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ .
على حرف : على طرف لا ثبات له فيه .
خير : سعة في المال وكثرة في الولد .
فتنة : بلاء ومحنة في نفسه أو أهله أو ماله ، فعله : فتنه يفتنه فتنة : أي : اختبره وعذبه .
انقلب على وجهه : ارتد وكفر ، وهو من الكنايات .
خسر الدنيا والآخرة : ضيعهما ، إذ فاته فيهما ما يسره .
ومن الناس من يعبد الله متشككا متخوفا من الإسلام ، فهو أشبه بالجندي الذي يكون في طرف الجيش ، إذا أصابت الجيش هزيمة كان أول الفارين ، وإذا أحرز الجيش نصرا ، انضم إليه وأكد تمسكه بالاستمرار معه .
فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ .
كان الرجل يقدم المدينة فإن ولدت امرأته غلاما ، وأنتجت خيله ، قال : هذا دين صالح ، وإن لم تلد امرأته ، ولم تنتج خيله قال : هذا دين سوء . وقد أخرجه البخاري في صحيحه ، وورد ذلك في مختصر تفسير ابن كثير .
فهو رجل نفعي كأنما العقيدة عنده سلعة ، تعرض في حساب الربح والخسارة ، فإذا استفاد مغنما من الدنيا ، ثبت على إسلامه ، وإذا امتحنه الله في ماله أو ولده أو نفسه : انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ . أي ارتد عن الدين وعاد إلى الكفر ، وهي كناية تصور هذا الإنسان كالفار من الميدان ، قد ولى وانتكس ، وارتد بوجهه مدبرا وعاد من حيث جاء .
خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ .
فلم يربح غنيمة ولا نصرا ، ولا تفوقا في قتال عدو ، أو جهاد نفس ، بل عاد من حيث أتى ، فدخل في الإيمان قليلا ثم انهزم وارتد ، فخسر موقعه في الدنيا ، وخسر أيضا ثوابه في الآخرة ، لأن الله يعطي الجزاء للمخلصين الصادقين ، وهو فاسد العقيدة ، يتظاهر بالإسلام ، وقلبه غير راسخ في دين الله .
ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ .
قوله تعالى : " ومن الناس من يعبد الله على حرف " " من " في موضع رفع بالابتداء ، والتمام " انقلب على وجهه " على قراءة الجمهور " خسر " . وهذه الآية خبر عن المنافقين . قال ابن عباس : يريد شيبة بن ربيعة كان قد أسلم قبل أن يظهر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلما أوحى إليه ارتد شيبة بن ربيعة . وقال أبو سعيد الخدري : أسلم رجل من اليهود فذهب بصره وماله ، فتشاءم بالإسلام فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال أقلني ! فقال : ( إن الإسلام لا يقال ) فقال : إني لم أصب في ديني هذا خيرا ! ذهب بصري ومالي وولدي ! فقال : ( يا يهودي إن الإسلام يسبك الرجال كما تسبك النار خبث الحديد والفضة والذهب ) ، فأنزل الله تعالى : " ومن الناس من يعبد الله على حرف " . وروى إسرائيل عن أبي حصين عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال : ( " ومن الناس من يعبد الله على حرف " قال : كان الرجل يقدم المدينة ، فإن ولدت امرأته غلاما ونتجت خيله قال : هذا دين صالح ، فإن لم تلد امرأته ولم تنتج خيله ، قال : هذا دين سوء ) . وقال المفسرون : نزلت في أعراب كانوا يقدمون على النبي صلى الله عليه وسلم فيسلمون ، فإن نالوا رخاء أقاموا ، وإن نالتهم شدة ارتدوا . وقيل نزلت في النضر بن الحارث . وقال ابن زيد وغيره : نزلت في المنافقين . ومعنى " على حرف " على شك ، قاله مجاهد وغيره . وحقيقته أنه على ضعف في عبادته ، كضعف القائم على حرف مضطرب فيه . وحرف كل شيء طرفه وشفيره وحده ، ومنه حرف الجبل ، وهو أعلاه المحدد . وقيل : " على حرف " أي على وجه واحد ، وهو أن يعبده على السراء دون الضراء ، ولو عبدوا الله على الشكر في السراء والصبر على الضراء لما عبدوا الله على حرف . وقيل : " على حرف " على شرط ؛ وذلك أن شيبة بن ربيعة قال للنبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يظهر أمره : ادع لي ربك أن يرزقني مالا وإبلا وخيلا وولدا حتى أومن بك وأعدل إلى دينك ، فدعا له فرزقه الله عز وجل ما تمنى ، ثم أراد الله عز وجل فتنته واختباره ، وهو أعلم به فأخذ منه ما كان رزقه بعد أن أسلم فارتد عن الإسلام ، فأنزل الله تبارك وتعالى فيه : " ومن الناس من يعبد الله على حرف " يريد شرط . وقال الحسن : هو المنافق يعبد الله بلسانه دون قلبه . وبالجملة فهذا الذي يعبد الله على حرف ليس داخلا بكليته ، وبين هذا بقوله : " فإن أصابه خير " صحة جسم ورخاء معيشة رضي وأقام على دينه . " وإن أصابته فتنة " أي خلاف ذلك مما يختبر به . " انقلب على وجهه " أي ارتد فرجع إلى وجهه الذي كان عليه من الكفر . " خسر الدنيا والآخرة ذلك هو الخسران المبين " قرأ مجاهد وحميد بن قيس والأعرج والزهري وابن أبي إسحاق - وروي عن يعقوب - " خاسر الدنيا " بألف ، نصبا على الحال ، وعليه فلا يوقف على " وجهه " . وخسرانه الدنيا بأن لاحظ في غنيمة ولا ثناء ، والآخرة بأن لا ثواب له فيها .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.