سورة إبراهيم سورة مكية . موضوعها الأساسي هو موضوع السور المكية الغالب وهو العقيدة في أصولها الكبيرة ، وتشمل : الرسالة ، والتوحيد ، والبعث ، والحساب ، والجزاء .
ولكن السياق في هذه السورة يسلك نهجا خاصا في عرض هذا الموضوع وحقائقه الأصلية . نهجا مفردا يميزها عن غيرها من السور ، يميزها بجوها ، وطريقة أدائها ، والحقائق الكبرى التي تتضمنها ، ولون هذه الحقائق التي قد لا تفترق موضوعيا عن مثيلاتها في السور الأخرى ولكنها تعرض من زاوية خاصة . كما تختلف مساحتها في رقعة السورة وجوها ، فتزيد أطرافا وتنقص أطرافا . فيحسبها القارئ جديدة بما وقع فيها من تجديد ، وذلك من الإعجاز القرآني في طريقة الأداء .
ويبدو أنه كان لأسلوب السورة من اسمها نصيب . . إبراهيم أبو الأنبياء . . المبارك . الشاكر . . . الأواب المنيب . وكل الظلال التي تخلعها هذه الصفات ملحوظة في جو السورة وفي الحقائق التي تبرزها ، وفي طريقة الأداء . وفي التعبير والإيقاع .
ولقد تضمنت السورة عدة حقائق رئيسة في العقيدة ، ولكن حقيقتين كبيرتين تظهران أكبر من غيرهما في سورة إبراهيم :
الحقيقة الأولى : وحدة الرسالة والرسل ووحدة دعوتهم . ووقفتهم أمة واحدة في مواجهة الفرقة المكذبة بدين الله على اختلاف الأمكنة والأزمان .
والحقيقة الثانية : بيان : نعمة الله على البشر وزيادة النعمة بالشكر ومقابلة أكثر الناس لها بالجحود والكفران .
تبدأ السورة ببيان : وظيفة الرسول ، وبيان : هدف القرآن . وهذه الوظيفة هي : هداية الناس ، وإبطال عادات الجاهلية وقيمها . وإرساء معالم التوحيد والعدالة والمساواة . قال تعالى : { كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد } . ( إبراهيم : 1 ) .
وتختم السورة بهذا المعنى وبالحقيقة الكبرى التي تتضمنها الرسالة حقيقة التوحيد في قوله تعالى{ هذا بلاغ للناس ولينذروا به وليعلموا أنما هو إله واحد وليذكر أولوا الألباب } . ( إبراهيم : 52 ) .
وفي أثناء السورة نجد أن موسى قد أرسل بمثل ما أرسل به محمد صلى الله عليه وسلم ولنفس الهدف وهو : إخراج الناس من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان ، قال تعالى : { ولقد أرسلنا موسى بآياتنا أن أخرج قومك من الظلمات إلى النور } . ( إبراهيم : 5 ) .
وتذكر السورة : أن وظيفة الرسل عامة ، هي : بيان الحق وتوضيح طريق الهداية إلى الله ، قال تعالى : { وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم } . ( إبراهيم : 4 ) .
وتبين السورة : أن الرسول صلى الله عليه وسلم بشر يوحى إليه وأن بشريته هي التي تحدد وظيفته ؛ فهو مبلغ ومنذر وناصح ومبين ، ولكنه لا يملك أن يأتي بخارقة أو بمعجزة إلا بإذن الله وحين يشاء هو أو قومه ، ولا يملك الرسول أن يهدي قومه أو يضلهم ، فالهدي والضلال متعلقان بسنة الله التي اقتضتها مشيئة الله المطلقة . ولقد كانت بشرية الرسل هي موضع الاعتراض من جميع الأقوام في جاهليتهم . والسورة هنا تحكي قولهم مجتمعين : { قالوا إن أنتم إلا بشر مثلنا تريدون أن تصدونا عما كان يعبد آباؤنا فأتونا بسلطان مبين } . ( إبراهيم : 10 ) .
{ قالت لهم رسلهم إن نحن إلا بشر مثلكم ولكن الله يمن على من يشاء من عباده وما كان لنا أن نأتيكم بسلطان إلا بإذن الله وعلى الله فليتوكل المؤمنون } . ( إبراهيم : 11 ) .
ويتضمن السياق كذلك : أن إخراج الناس من الظلمات إلى النور إنما يتم : { بإذن ربهم } .
وكل رسول يبين لقومه ؛ { فيضل الله من يشاء ويهدي من يشاء وهو العزيز الحكيم } . ( إبراهيم : 4 ) .
وبهذا أو ذاك تتحدد حقيقة الرسول ؛ فتتحدد وظيفته في حدود هذه الحقيقة ولا تشتبه حقيقة الرسل البشرية وصفاتهم ، بشيء من حقيقة الذات الإلهية وصفاتها . وكذلك يتجرد توحيد الله بلا ظل من مماثلة أو مشابهة ، كذلك تتضمن السورة تحقق وعد الله للرسل والمؤمنين بهم إيمانا حقا ، ويتحقق ذلك الوعد في الدنيا بالنصر والاستخلاف ، وفي الآخرة بعذاب المكذبين ونعيم المؤمنين .
ويصور السياق هذه الحقيقة الكبيرة في نهاية المعركة بين الرسل مجتمعين وقومهم مجتمعين .
{ وقال الذين كفروا لرسلهم لنخرجنكم من أرضنا أو لتعودن في ملتنا فأوحى إليهم ربهم لنهلكن الظالمين* ولنسكننكم الأرض من بعدهم ذلك لمن خاف مقامي وخاف وعيد* واستفتحوا وخاب كل جبار عنيد } . ( إبراهيم : 13 15 ) .
وحدة الرسالات السماوية في سورة إبراهيم
الظاهرة البارزة في سورة إبراهيم : أنها تتحدث عن الرسل جميعا كأنهم أصحاب فكرة واحدة وهدف واحد ، وكأن جواب قومهم كان جوابا موحدا في جميع العصور والأحوال .
وتعرض السورة هذه الفكرة بطريقة فريدة في الأداء . لقد أبرزها سياق بعض السور الماضية في صورة توحيد الدعوة التي يجيء بها كل رسول ، فيقول كلمته لقومه ويمضي ثم يجيء رسول ورسول . كلهم يقولون الكلمة ذاتها ، ويلقون الرد ذاته ويصيب المكذبين ما يصيبهم في الدنيا ، وينظر بعضهم ويمهل إلى أجل في الأرض أو إلى أجل في يوم الحساب . ولكن السياق هناك كان يعرض كل رسول في مشهد ، كالشريط المتحرك منذ الرسالات الأولى ، وأقرب مثل لهذا النسق : سورة هود ، فأما سورة إبراهيم أبي الأنبياء فتجمع الأنبياء كلهم في صف وتجمع المكذبين كلهم في صف ، وتجري المعركة بينهم في الأرض ، ثم لا تنتهي هنا ، بل تتابع خطواتها كذلك في يوم الحساب .
ونبصر فنشهد أمة الرسل ، وفرقة المكذبين في صعيد واحد على تباعد الزمان والمكان . فالزمان والمكان عرضان زائلان ، أما الحقيقة الكبرى في هذا الكون حقيقة الإيمان والكفر فهي أضخم وأبرز من عرضي الزمان والمكان .
{ ألم يأتكم نبأ الذين من قبلكم قوم نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم لا يعلمهم إلا الله جاءتهم رسلهم بالبينات فردوا أيديهم في أفواههم وقالوا إنا كفرنا بما أرسلتم به وإنا لفي شك مما تدعوننا إليه مريب* قالت رسلهم أفي الله شك فاطر السماوات والأرض يدعوكم ليغفر لكم من ذنوبكم ويؤخركم إلى أجل مسمى قالوا إن أنتم إلا بشر مثلنا تريدون أن تصدونا عما كان يعبد آباؤنا فأتونا بسلطان مبين* قالت لهم رسلهم إن نحن إلا بشر مثلكم ولكن الله يمن على من يشاء من عباده وما كان لنا أن نأتيكم بسلطان إلا بإذن الله وعلى الله فليتوكل المؤمنون } . ( إبراهيم : 9 11 ) .
فهاهنا تتجمع الأجيال من لدن نوح ، وتتجمع الرسل ويتلاشى الزمان والمكان وتبرز الحقيقة الكبرى : حقيقة الرسالة وهي واحدة ، واعتراضات المكذبين ، وهي واحدة ، وحقيقة نصر الله للمؤمنين وهي واحدة ، وحقيقة استخلاف الله للصالحين وهي واحدة ، وحقيقة الخيبة والخذلان للمتجبرين وهي واحدة ، وحقيقة العذاب الذي ينتظرهم هناك وهي واحدة .
ولا تنتهي المعركة بين الكفر والإيمان هنا ، بل يتابع السياق خطواته بها إلى ساحة الآخرة فتبرز معالمها في مشاهد القيامة المتنوعة التي تتضمنها السورة ، وهي تشير إلى أنها معركة واحدة تبدأ في الدنيا وتنتهي في الآخرة ولا انفصال بينهما ، إنما تكمل إحداهما الأخرى .
وتكمل الأمثال التي تبدأ في الدنيا وتنتهي في الآخرة : إبراز معالم المعركة بين الفريقين ، ونتائجها الأخيرة ، مثل : الكلمة الطيبة كالشجرة الطيبة : شجرة النبوة وشجرة الإيمان ، وشجرة التوحيد والخير ، والكلمة الخبيثة كالشجرة الخبيثة : شجرة الباطل والتكذيب والشر والطغيان . . . فالتوحيد وكلمته : شهادة لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله . أصله ثابت موصول بالله وفرعه مرتفع إلى السماء ويؤتى ثماره كل حين ؛ بالصلاة والزكاة وسائر العبادات والأعمال النافعة في الدنيا والآخرة . أما شجرة الكفر فلا أصل لها تعتمد عليه ؛ فهي تمثل الباطل في الدنيا ، والخيبة في الآخرة .
{ ألم تر كيف ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء * تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها ويضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتذكرون* ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة اجتثت من فوق الأرض مالها من قرار* يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ويضل الله الظالمين ويفعل الله ما يشاء } . ( إبراهيم : 24 27 ) .
تنقسم سورة إبراهيم إلى مقطعين متماسكي الحلقات :
المقطع الأول : يتضمن بيان حقيقة الرسل ، ويصور المعركة بين أمة الرسل وفرقة المكذبين في الدنيا والآخرة ، ويعقب عليها بمثل الكلمة الطيبة والكلمة الخبيثة ، وقد تحدثنا عن هذا المقطع .
والمقطع الثاني من سورة إبراهيم : يتحدث عن نعم الله على البشر ، والذين كفروا بهذه النعم وبطروا ، والذين آمنوا بها وشكروا ، ونموذجهم الأول هو إبراهيم ، ويصور مصير الظالمين الكافرين بنعمة الله في سلسلة من أعنف مشاهد القيامة وأجملها ، وأحفلها بالحركة والحياة .
لقد عدد الله نعمه على البشر كافة : مؤمنهم وكافرهم ، صالحهم وطالحهم ، برهم وفاجرهم ، طائعهم وعاصيهم ، وإنها لرحمة من الله وسماحة وفضل ؛ أن يتيح للكافر والفاجر والعاصي نعمه في هذه الأرض كالمؤمن والبار والطائع ؛ لعلهم يشكرون ، ويعرض هذه النعم في أضخم مجالي الكون وأبرزها ، وبضعها داخل إطار من مشاهد الوجود العظيمة : { الله الذي خلق السماوات والأرض وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقا لكم وسخر لكم الفلك لتجري في البحر بأمره وسخر لكم الأنهار* وسخر لكم الشمس والقمر دائبين وسخر لكم الليل والنهار* وآتاكم من كل ما سألتموه وإن تعدوا نعمت الله لا تحصوها إن الإنسان لظلوم كفار } . ( إبراهيم : 32 34 ) .
وفي إرسال الرسل نعمة تعدل تلك أو تربوا عليها : { كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور } . ( إبراهيم : 1 ) .
والنور أجلى نعم الله في الوجود ، والنور هنا هو النور الأكبر ، النور الذي يشرق به كيان الإنسان ، ويشرق به الوجود في قلبه وحسه . . وكذلك كانت وظيفة موسى في قومه ، ووظيفة الرسل كما بينتها السورة .
وفي قول الرسل مجتمعين : { يدعوكم ليغفر لكم من ذنوبكم } . ( إبراهيم : 10 ) .
والدعوة لأجل الغفران نعمة تعدل نعمة النور ، وهي منه قريب : وفي هذا الجو يذكر وعد الله للرسل . { فأوحى إليهم ربهم لنهلكن الظالمين* ولنسكننكم الأرض من بعدهم } . ( إبراهيم : 14 ، 13 ) ، وهي نعمة . ويبرز السياق حقيقة زيادة النعمة بالشكر : { وإذ تأذن ربكم لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد } . ( إبراهيم : 7 ) .
مع بيان : أن الله غني عن الشكر وعن الشاكرين : { إن تكفروا أنتم ومن في الأرض جميعا فإن الله لغني حميد } . ( إبراهيم : 8 ) .
ويقرر السياق : أن الإنسان في عمومه لا يشكر النعمة حق الشكر : { وإن تعدوا نعمت الله لا تحصوها إن الإنسان لظلوم كفار } . ( إبراهيم : 34 ) .
ولكن الذين يتدبرون آيات الله ، وتتفتح لها بصائرهم ؛ يصبرون على البأساء ويشكرون على النعماء .
{ إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور } . ( إبراهيم : 5 ) .
ويتمثل الصبر والشكر في شخص إبراهيم حين يقف خاشعا ويدعو ربه عند البيت الحرام دعاء مخلصا كله حمد وشكر ، وصبر وإيمان :
{ وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا البلد آمنا واجنبني وبني أن نعبد الأصنام* رب إنهن أضللن كثيرا من الناس فمن تبعني فإنه مني ومن عصاني فإنك غفور رحيم* ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم ربنا ليقيموا الصلاة فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون* ربنا إنك تعلم ما نخفي وما نعلن وما يخفى على الله من شيء في الأرض ولا في السماء* الحمد لله الذي وهب لي على الكبر إسماعيل وإسحاق إن ربي لسميع الدعاء* رب اجعلني مقيم الصلاة ومن ذريتي ربنا وتقبل دعاء* ربنا اغفر لي ولوالدي وللمؤمنين يوم يقوم الحساب } . ( إبراهيم : 35 41 ) .
ولأن النعمة والشكر عليها والكفر بها تطبع جو السورة ؛ تجيء التعبيرات والتعليقات فيها متناسقة مع هذا الجو ، في قوله تعالى : { إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور } . ( إبراهيم : 5 ) .
وقوله سبحانه : { اذكروا نعمة الله عليكم } . ( إبراهيم : 6 ) .
وفي رد الأنبياء على اعتراض المكذبين بأنهم بشر ؛ يجيء قوله سبحانه : { ولكن الله يمن على من يشاء من عباده } . ( إبراهيم : 11 ) .
فيبرز منة الله ؛ تنسيقا للرد مع جو السورة كله ، جو النعمة والمنة ، والشكر والكفران ، وهكذا يتساوق التعبير اللفظي مع الفكرة العامة للسورة على طريقة التناسق الفني في القرآن .
{ الر كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد1 الله الذي له ما في السماوات وما في الأرض وويل للكافرين من عذاب شديد2 الذين يستحبون الحياة الدنيا على الآخرة ويصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا أولئك في ضلال بعيد3 } .
الر : هذه وأمثالها من فواتح بعض السور ، قيل : إنها أسماء لها ، وقيل : أسرار محجوبة ، وقيل : إنها رمز للتحدي ، وقيل : إشارة لابتداء كلام وانتهاء كلام ، وقيل : غير ذلك .
الظلمات : الضلالات ؛ فإنها ظلمات معنوية .
إلى النور : إلى الهدى ، فإنه نور معنوي يهدي إلى الحق .
الحميد : أي : المحمود ، والمراد : أنه تعالى مستحق للحمد لذاته وإن لم يحمده الناس .
حروف للتنبيه بمثابة الجرس الذي يقرع ؛ ليتنبه الناس إلى ما يلقى إليهم .
وقيل : هي حروف للتحدي والإعجاز ، وبيان : أن الخلق عاجزون عن الإتيان بمثل القرآن الكريم ، مع أنه مكون من حروف عربية ينطقون بها ، وينظمون منها كلامهم وأحاديثهم ؛ فدل ذلك : على أن القرآن ليس من صنع بشر ، ولكنه تنزيل من حكيم حميد .
{ كتاب أنزلناه إليك } . أي : هذا كتاب أنزلناه إليك يا محمد ، وهو كتاب جليل الشأن عظيم القدر .
{ لتخرج الناس من الظلمات إلى النور } .
لكي تخرج الناس من ظلمات الكفر والضلالة ، إلى نور الإيمان والعلم والحياة الرشيدة ؛ لما اشتمل عليه القرآن ، من المنهج السديد الذي تسعد به البشرية ؛ كلما سلكته ، وتشقى ؛ كلما ابتعدت عنه .
{ بإذن ربهم } . أي : بتوفيقه ومشيئته وإرادته وأمره .
{ إلى صراط العزيز الحميد } . أي : إلى الصراط المستقيم ، وهو الطريق الذي ارتضاه الله لخلقه وشرعه لهم ، وهو العزيز الذي لا يغالب ، المحمود في جميع أفعاله وأقواله وأمره ونهيه ، وفي معنى هذه الآية قوله تعالى : { هو الذي ينزل على عبده آيات بينات ليخرجكم من الظلمات إلى النور } . ( الحديد : 9 ) .
الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله ومن والاه . وبعد : فهذا تفسير وسيط لسورة إبراهيم –عليه السلام- ، توخيت فيه أن يكون تفسيرا تحليليا ، خاليا من الآراء السقيمة ، والأقوال الضعيفة . والله أسأل أن يجعله خالصا لوجهه ، نافعا لعباده .
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم
تعريف بسورة إبراهيم –عليه السلام-
1- سورة إبراهيم –عليه السلام- هي السورة الرابعة عشرة في ترتيب المصحف ، أما ترتيبها في النزول ، فقد كان بعد سورة نوح –عليه السلام- .
وقد ذكر السيوطي قبلها سبعين سورة من السور المكية( {[1]} ) .
2- وعدد آياتها اثنتان وخمسون آية في المصحف الكوفي ، وإحدى وخمسون في البصري ، وأربع وخمسون في المدني ، وخمس وخمسون في الشامي .
3- وسميت بهذا الاسم ، لاشتمالها على الدعوات الطيبات التي تضرع بها إبراهيم –عليه السلام- إلى ربه ، ولا يعرف لها اسم آخر سوى هذا الاسم .
4- وجمهور العلماء على أنها مكية ، وليس فيها آية أو آيات غير مكية .
وقال الآلوسي : " أخرج ابن مردويه عن ابن عباس وابن الزبير أنها نزلت بمكة . والظاهر أنهما أرادا أنها كلها كذلك ، وهو الذي عليه الجمهور .
وأخرج النحاس في ناسخه عن الحبر أنها مكية إلا آيتين فإنهما نزلتا بالمدينة وهما قوله –تعالى- : [ ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفرا وأحلوا قومهم دار البوار* جهنم يصلونها وبئس القرار ] فإنهما نزلتا في قتلى بدر من المشركين . . ( {[2]} ) .
وسنرى عند تفسيرنا لهاتين الآيتين ، أنه لم يقم دليل يعتمد عليه على أنهما مدنيتان . وأن السورة كلها مكية كما قال جمهور العلماء .
5- هذا ، وبمطالعتنا لهذه السورة الكريمة بتدبر وتأمل نراها في مطلعها تحدثنا عن وظيفة القرآن الكريم ، وعن جانب من مظاهر قدرة الله –تعالى- ، وعن سوء عاقبة الكافرين ، وعن الحكمة في إرسال كل رسول بلسان قومه قال –تعالى- : [ الر . كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد* الله الذي لهما في السموات وما في الأرض وويل للكافرين من عذاب شديد ] . .
[ وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم ، فيضل الله من يشاء ، ويهدي من يشاء وهو العزيز الحكيم ] .
ثم نراها بعد ذلك تحدثنا عن طرف من رسالة موسى –عليه السلام- مع قومه ، وعن أخبار بعض الأنبياء مع أقوامهم ، وعن نماذج من المحاورات التي دارت بين الرسل وبين من أرسلوا إليهم .
قال –تعالى- : [ ولقد أرسلنا موسى بآياتنا أن أخرج قومك من الظلمات إلى النور وذكرهم بأيام الله ، إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور . . ] .
ثم تضرب السورة الكريمة بعد ذلك مثلا لأعمال الكافرين ، وتصور أحوالهم عندما يخرجون من قبورهم يوم القيامة ، وتحكي ما يقوله الشيطان لهم في ذلك اليوم . . فتقول :
[ مثل الذين كفروا بربهم أعمالهم كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف لا يقدرون مما كسبوا على شيء ذلك هو الضلال البعيد ] . .
[ وبرزوا لله جميعا فقال الضعفاء للذين استكبروا إنا كنا لكم تبعا ] . .
[ وقال الشيطان لما قضي الأمر إن الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم ] .
ثم تسوق السورة مثلا آخر لكلمتي الإيمان والكفر فتقول : [ ألم تر كيف ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء ] . .
ثم يحكي ألوانا متعددة من الأدلة على وحدانية الله –تعالى- وعلمه وقدرته ونعمه على عباده فتقول : [ الله الذي خلق السموات والأرض وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقا لكم ، وسخر لكم الفلك لتجري في البحر بأمره ، وسخر لكم الأنهار . . . ] .
ثم تسوق بعد ذلك تلك الدعوات الصالحات الجامعات لأنواع الخير ، التي تضرع بها إبراهيم إلى ربه فتقول :
[ وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا البلد آمنا واجنبني وبني أن نعبد الأصنام . . . ] .
[ رب اجعلني مقيم الصلاة ومن ذريتي ربنا وتقبل دعاء* ربنا اغفر لي ولوالدي وللمؤمنين يوم يقوم الحساب ] .
ثم يختم –سبحانه- هذه السورة الكريمة بآيات فيها ما فيها من أنواع العذاب الذي أعده للظالمين ، وفيها ما فيها من ألوان التحذير من السير في طريق الكافرين والجاحدين فيقول :
[ ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون ، إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار . مهطعين مقنعي رءوسهم لا يرتد إليهم طرفهم وأفئدتهم هواء . . . ] .
[ هذا بلاغ للناس ولينذروا به وليعلموا أنما هو إله واحد ، وليذكر أولوا الألباب ] .
6- ومن هذا العرض الإجمالي للسورة الكريمة ، نراها اهتمت بأمور من أبرزها ما يلي :
( أ ) تذكير الناس بنعم خالقهم عليهم ، وتحريضهم على شكر هذه النعم وتحذيرهم من جحودها وكفرها . .
ومن الآيات التي وردت في هذه السورة في هذا المعنى قوله –تعالى- : [ وإذ تأذن ربكم لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد ] .
وقوله –تعالى- : [ وآتاكم من كل ما سألتموه وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها ، إن الإنسان لظلوم كفار ] .
( ب ) تسلية الرسول صلى الله عليه وسلم عما لقيه من مشركي قريش ، تارة عن طريق ما لقيه الأنبياء السابقون من أقوامهم ، وتارة عن طريق بيان أن العاقبة للمتقين .
ومن الآيات التي وردت في هذا المعنى قوله –تعالى- : [ ألم يأتكم نبأ الذين من قبلكم قوم نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم لا يعلمهم إلا الله ، جاءتهم رسلهم بالبينات ، فردوا أيديهم في أفواههم وقالوا إنا كفرنا بما أرسلتم به وإنا لفي شك مما تدعوننا إليه مريب . . . ] .
وقوله –تعالى- : [ وقال الذين كفروا لرسلهم لنخرجنكم من أرضنا أو لتعودن في ملتنا ، فأوحى إليهم ربهم لنهلكن الظالمين . ولنسكننكم الأرض من بعدهم . . . ] .
( ج ) اشتمال السورة الكريمة على أساليب متعددة للترغيب في الإيمان ، وللتحذير من الكفر ، تارة عن طريق ضرب الأمثال ، وتارة عن طريق بيان حسن عاقبة المؤمنين ، وسوء عاقبة المكذبين ، وتارة عن طريق حكاية ما يقوله الشيطان لأتباعه يوم القيامة ، وما يقوله الضعفاء للذين استكبروا وما يقوله الظالمون يوم يرون العذاب . .
ومن الآيات التي وردت في هذا المعنى قوله –تعالى- : [ ألم تر كيف ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة ، أصلها ثابت وفرعها في السماء . تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها ، ويضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتذكرون ] .
وقوله –تعالى- : [ فلا تحسبن الله مخلف وعده رسله إن الله عزيز ذو انتقام ] .
وقوله –تعالى- : [ وأنذر الناس يوم يأتيهم العذاب فيقول الذين ظلموا ربنا أخرنا إلى أجل قريب نجب دعوتك ونتبع الرسل . . . ] .
هذه بعض الموضوعات التي اهتمت السورة بإبرازها وبتركيز الحديث عنها ، وهناك موضوعات أخرى عنيت السورة بتفصيل الحديث عنها ، ويراها المتدبر لآياتها . .
سورة إبراهيم - عليه السلام - من السور القرآنية التى افتتحت بحرف من الحروف المقطعة وهو قوله - تعالى - : { الار } .
وقد سبق أن ذكرنا آراء العلماء فى هذه الحروف عند تفسيرنا لسور : آل عمران ، والأعراف ، ويونس ، وهود ، ويوسف ، والرعد .
وقلنا ما خلاصته : لعل أقرب الأقوال إلى الصواب ، أن هذه الحروف المقطعة ، قد وردت فى افتتاح بعض سور القرآن ، على سبيل الإِيقاظ والتنبيه للذين تحداهم القرآن .
فكأن الله - تعالى - يقول لأولئك المعاندين والمعارضين فى أن القرآن من عند الله . هاكم القرآن ترونه مؤلفا من كلام هو من جنس ما تؤلفون منه كلامكم ، ومنظوما من حروف هى من جنس الحروف الهجائية التى تنظمون منها حروفكم ، فإن كنتم فى شك من كونه منزلا من عند الله فهاتوا مثله ، وادعوا من شئتم من الخلق لكى يعاونكم فى ذلك ، فإن لم تستطيعوا فهاتوا عشر سور من مثله ، فإن عجزتم فهاتوا سورة واحدة من مثله .
قال - تعالى - : { وَإِن كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا على عَبْدِنَا فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وادعوا شُهَدَاءَكُم مِّن دُونِ الله إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ } وقوله { كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ الناس مِنَ الظلمات إِلَى النور بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إلى صِرَاطِ العزيز الحميد } تنويه بشأن القرآن الكريم ، وبيان للغرض السامى الذى أنزله الله - تعالى - من أجله .
والظلمات : جمع ظلمة ، والمراد بها : الكفر والضلال ، والمراد بالنور : الإِيمان والهداية .
والباء فى { بِإِذْنِ رَبِّهِمْ } للسببية ، والجار والمجرور متعلق بقوله { لِتُخْرِجَ } .
والصراط : الجادة والطريق ، من سرط الشئ إذا ابتلعه ، وسمى الطريق بذلك ، لأنه يبتلع المارين فيه ، وأبدلت سينه صادا على لغة قريش .
والمعنى : هذا كتاب جليل الشأن ، عظيم القدر ، أنزلناه إليك يا محمد ، لكى تخرج الناس من ظلمات الكفر والجهالة والضلال ، إلى نور الإِيمان والعلم والهداية وهذا الإِخراج إنما هو بإذن ربهم ومشيئته وإرادته وأمره .
وقوله { إلى صِرَاطِ العزيز الحميد } بدل من قوله { إِلَى النور } .
أى لتخرج الناس من ظلمات الكفر والضلال إلى طريق الله { العزيز } أى : الذى يَغلب ولا يُغلب { الحميد } أى : المحمود بكل لسان .
وأسند - سبحانه - الإِخراج إلى النبى صلى الله عليه وسلم باعتباره المبلغ لهذا الكتاب المشتمل على الهداية التى تنقل الناس من الكفر إلى الإِيمان ، ومن الجهالة إلى الهداية وشبه الكفر بالظلمات - كما يقول الإِمام الرازى - ، لأنه ما يتحير الرجل فيه عن طريق الهداية ، وشبه الإِيمان بالنور ، لأنه ناية ما ينجلى به طريق هدايته " .
وفى جمع " الظلمات " وإفراد " النور " إشارة إلى أن للكفر طرقا كثيرة ، وأما الإِيمان فطريق واحد .
وقوله - سبحانه - : { بِإِذْنِ رَبِّهِمْ } احتراس لبيان أن نقل الناس من حال إلى حال إنما هو بإرادة الله - تعالى - ومشيئته ، وأن الرسول ما هو إلا مبلغ فقط ، أما الهداية فمن الله وحده .