الوجيز في تفسير الكتاب العزيز للواحدي - الواحدي [إخفاء]  
{فَإِنۡ حَآجُّوكَ فَقُلۡ أَسۡلَمۡتُ وَجۡهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ ٱتَّبَعَنِۗ وَقُل لِّلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡأُمِّيِّـۧنَ ءَأَسۡلَمۡتُمۡۚ فَإِنۡ أَسۡلَمُواْ فَقَدِ ٱهۡتَدَواْۖ وَّإِن تَوَلَّوۡاْ فَإِنَّمَا عَلَيۡكَ ٱلۡبَلَٰغُۗ وَٱللَّهُ بَصِيرُۢ بِٱلۡعِبَادِ} (20)

{ فإن حاجوك } أي جادلوك { فقل أسلمت وجهي لله } أي أخلصت عملي لله وانقدت له { ومن اتبعني } يعني المهاجرين والأنصار { وقل للذين أوتوا الكتاب والأميين } يعني العرب { أأسلمتم } استفهام معناه الأمر أي أسلموا وقوله { عليك البلاغ } أي التبليغ وليس عليك هداهم { والله بصير بالعباد } أي بمن آمن بك وصدقك ومن كفر بك وكذبك وكان هذا قبل أن أمر بالقتال .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{فَإِنۡ حَآجُّوكَ فَقُلۡ أَسۡلَمۡتُ وَجۡهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ ٱتَّبَعَنِۗ وَقُل لِّلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡأُمِّيِّـۧنَ ءَأَسۡلَمۡتُمۡۚ فَإِنۡ أَسۡلَمُواْ فَقَدِ ٱهۡتَدَواْۖ وَّإِن تَوَلَّوۡاْ فَإِنَّمَا عَلَيۡكَ ٱلۡبَلَٰغُۗ وَٱللَّهُ بَصِيرُۢ بِٱلۡعِبَادِ} (20)

قوله تعالى : " فإن حاجوك فقل أسلمت وجهي لله ومن اتبعن " أي جادلوك بالأقاويل المزورة والمغالطات ، فأسند أمرك إلى ما كلفت من الإيمان والتبليغ وعلى الله نصرك . وقوله " وجهي " بمعنى ذاتي ، ومنه الحديث ( سجد وجهي للذي خلقه وصوره ) . وقيل : الوجه هنا بمعنى القصد ، كما تقول : خرج فلان في وجه كذا . وقد تقدم هذا المعنى في البقرة مستوفى ، والأول أولى . وعبر بالوجه عن سائر الذات ؛ إذ هو أشرف أعضاء الشخص وأجمعها للحواس . وقال :

أسلمت وجهي لمن أسلمت *** له المُزْن تحمل عَذْباً زُلالا

وقد قال حذاق المتكلمين في قوله تعالى : " ويبقى وجه ربك " {[2955]} [ الرحمن : 27 ] : إنها عبارة عن الذات وقيل : العمل الذي يقصد به وجهه . وقوله " ومن اتبعن " " من " في محل رفع عطفا على التاء في قوله " أسلمت " أي ومن اتبعني أسلم أيضا ، وجاز العطف على الضمير المرفوع من غير تأكيد للفصل بينهما . وأثبت نافع وأبو عمرو ويعقوب ياء " اتبعن " على الأصل ، وحذف الآخرون اتباعا للمصحف إذ وقعت فيه بغير ياء . وقال الشاعر :

ليس تُخفى يَسَارَتي قدر يوم *** ولقد تُخف شِيمتي إعساري

قوله تعالى : " وقل للذين أوتوا الكتاب والأميين أأسلمتم فإن أسلموا فقد اهتدوا وإن تولوا فإنما عليك البلاغ والله بصير بالعباد " يعني اليهود والنصارى " والأميين " الذين لا كتاب لهم وهم مشركو العرب . " أأسلمتم " استفهام معناه التقرير وفي ضمنه الأمر ، أي أسلموا ، كذا قال الطبري وغيره . وقال الزجاج : " أأسلمتم " تهديد . وهذا حسن لأن المعنى أأسلمتم أم لا . وجاءت العبارة في قوله " فقد اهتدوا " بالماضي مبالغة في الإخبار بوقوع الهدي لهم وتحصيله . و " البلاغ " مصدر بلغ بتخفيف عين الفعل ، أي إنما عليك أن تبلغ . وقيل : إنه مما نسخ بالجهاد . وقال ابن عطية : وهذا يحتاج إلى معرفة تاريخ نزولها ، وأما على ظاهر نزول هذه الآيات في وفد نجران فإنما المعنى فإنما عليك أن تبلغ ما أنزل إليك بما فيه من قتال وغيره .


[2955]:- راجع جـ17 ص 165.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{فَإِنۡ حَآجُّوكَ فَقُلۡ أَسۡلَمۡتُ وَجۡهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ ٱتَّبَعَنِۗ وَقُل لِّلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡأُمِّيِّـۧنَ ءَأَسۡلَمۡتُمۡۚ فَإِنۡ أَسۡلَمُواْ فَقَدِ ٱهۡتَدَواْۖ وَّإِن تَوَلَّوۡاْ فَإِنَّمَا عَلَيۡكَ ٱلۡبَلَٰغُۗ وَٱللَّهُ بَصِيرُۢ بِٱلۡعِبَادِ} (20)

قوله تعالى : ( فإن حاجوك فقل أسلمت وجهي لله ومن اتبعن وقل للذين أوتوا الكتاب والأميين أأسلمتم فإن أسلموا فقد اهتدوا وإن تولوا فإنما عليك البلاغ والله بصير بالعباد ) .

كان النبي صلى الله عليه و سلم قد أظهر لأهل الكتاب الحجة الثابتة على صدق نبوته ، وكان قد أظهر لهم من المعجزات والبينات والدلائل ما يكشف على التمام أنه رسول أمين .

لكنهم مع ذلك كله قد جحدوا وتمردوا وأبوا إلا اللجوج في الضلال والغي ؛ لذلك يأمر الله نبيه الكريم صلى الله عليه و سلم بالقول لهم ( فإن حاجوك فقل أسلمت وجهي لله ومن اتبعن ) أي إن خاصموك بعد ذلك أو جادلوك بالأقاويل الفاسدة والافتراءات القائمة على التضليل والتحريض فقل لهم : إنني منقاد لله وحده ، منقاد له بكياني كله . وعبر بالوجه في الآية ع بقية الجوارح وأعضاء البدن ؛ لشرف الوجه وتميزه على الجسد كله بتمام الشكل والصورة وانسجام الأعضاء والمركبات التي يتألف منها الوجه ، ما بين عين تبصر ، ولسان نطاق ذاكر ، وقسمات ترسم على الوجه علائم الهشاشة المريحة .

على أن المسلم إنما يسلم لله بكيانه كله . وفي طليعة ذلك كله عناصر أساسية كبرى في كينونة الإنسان وفي شخصيته المتكاملة الملتئمة ، وأهمها الذهن والقلب والضمير والمشاعر : لا جرم أن ذلك كله مستسلم لله ومنقاد لأوامره وشرائعه دون إبطاء أو انثناء .

ويأتي الرسول صلى الله عليه و سلم في مقدمة المؤمنين من حيث الاستسلام لله كليا . والنبي عليه السلام هو إمام المسلمين الأول في هذه الدنيا ويوم تقوم الساعة ، لا جرم أنه إمامهم وقائدهم إلى طاعة الله والخضوع لمنهج القويم ، بل إنه قائدهم إلى الخير والسعادة والنجاة في الدارين .

ثم يأمر الله نبيه صلى الله عليه و سلم بالقول للكافرين – جميعا وهم أكل الكتاب والمشركون الأميون العرب- : ( أأسلمتم ) وهو استفهام معناه التقرير وفي ضمنه الأمر . أي هل أفردتم التوحيد وأخلصتم العبادة لله رب العالمين دون غيره من الشركاء والأنداد التي تشركونها معه في عبادتكم إياهم . . . ( فإن أسلموا ) ، أي انقادوا لإفراد الوحدانية لله وإخلاص العبادة له والألوهية ( فقد اهتدوا ) أي أصابوا الحق وسلكوا محجة الرشد والسداد ، لكنهم إن تولوا عن محجة الإسلام وطريق الله القويم ( فإنما عليك البلاغ والله بصير بالعباد ) أي ليس عليك إلا إبلاغ الرسالة لهم . وهذه رسالة الإسلام إلى الناس . رسالة الحق واليقين وإخلاص العبادة والتوحيد لرب العالمين . وفي ذلك ما يسرّي عن الرسول صلى الله عليه و سلم بما يكفكف عنه الشعور بالأسى أو الحزن لكفرانهم وإدبارهم ، فإنما هو مبلغ أمين قد أوفى بما اضطلع به من حمل لأمانة التبليغ تمام الوفاء وكفى .

قوله : ( والله بصير بالعباد ) وهذا وعد ووعيد . وعد من الله لعباده المؤمنين المخلصين الذين أخلصوا دينهم وعبادتهم وطاعتهم لله دون سواه . والذين صبروا على الحق خلال طريقهم الطويل الشاق وخلال جهادهم المرير للظالمين من وثنيين وصليبيين وملحدين وصهيونيين واستعماريين وغيرهم من أولي الملل الضالة الكفارة . لا جرم أن الله منجي عباده الأبرار الصابرين ومهلك الضالين المضلين الذين أبوا غير طريق الشيطان فاتخذوه سبيلا . أولئك ما كان لهم إلا الخسران في هذه الدنيا حيث اللعائن من الله تحيق بهم طيلة الزمان لتحل بديارهم على الدوام قوارع العذاب الدنيوي المهين كالعاهات والمآسي النفسية والاجتماعية والبدنية .

وذلك كله بين يدي الساعة والتلاقي الكوني المحتوم حيث الهوان المريح ، والإبلاس المزلزل المطبق !