فتح البيان في مقاصد القرآن للقنوجي - صديق حسن خان  
{فَإِنۡ حَآجُّوكَ فَقُلۡ أَسۡلَمۡتُ وَجۡهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ ٱتَّبَعَنِۗ وَقُل لِّلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡأُمِّيِّـۧنَ ءَأَسۡلَمۡتُمۡۚ فَإِنۡ أَسۡلَمُواْ فَقَدِ ٱهۡتَدَواْۖ وَّإِن تَوَلَّوۡاْ فَإِنَّمَا عَلَيۡكَ ٱلۡبَلَٰغُۗ وَٱللَّهُ بَصِيرُۢ بِٱلۡعِبَادِ} (20)

( فإن حاجوك ) يا محمد صلى الله عليه وآله وسلم أي خاصموك وجادلوك ، اليهود والنصارى بالشبه الباطلة والأقوال المحرفة بعد قيام الحجة عليهم في أن الدين عند الله هو الإسلام ( فقل أسلمت وجهي لله ) أي أخلصت ذاتي لله وانقدت له بقلبي ولساني وجميع جوارحي ، وعبر بالوجه عن سائر الذات لكونه أشرف أعضاء الإنسان وأجمعها للحواس ، و قيل الوجه هنا بمعنى القصد ( ومن اتبعن ) عطف على فاعل أسلمت وجاز للفصل ، وقال الزمخشري الواو بمعنى مع .

( وقل للذين أوتوا الكتاب ) يعني اليهود والنصارى ( والأميين ) أي الذين لا كتاب لهم وهم مشركو العرب ، وقال ابن عباس هم الذين لا يكتبون ( أأسلمتم ) استفهام تقريري يتضمن الأمر أي أسلموا ، كذا قال ابن جرير وغيره ، وقال الزجاج أسلمتم تهديد ، والمعنى أنه قد أتاكم من البراهين ما يوجب الإسلام فهل عملتم بموجب ذلك أم لا ، تبكيتا لهم وتصغيرا لشأنهم في قلة الإنصاف وقبول الحق لأن المنصف إذا تجلت له الحجة لم يتوقف في إذعانه للحق{[312]} .

( فإن أسلموا فقد ) دخلت قد على الماضي مبالغة في تحقق وقوع الفعل وكأنه قرب من الوقوع ( اهتدوا ) أي ظفروا بالهداية التي هي الحظ الأكبر وفازوا بخيري الدنيا والآخرة ( وإن تولوا ) أي أعرضوا عن قبول الحجة ولم يعملوا بموجبها ( فإنما عليك البلاغ ) أي إنما عليك أن تبلغهم ما أنزل إليك ولست عليهم بمسيطر فلا تذهب نفسك عليهم حسرات ، والبلاغ مصدر بمعنى التبليغ قيل الآية محكمة والمراد بها تسلية النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وقيل منسوخة بآية السيف ( والله بصير بالعباد ) فيه وعد ووعيد لتضمنه أنه عالم بجميع أحوالهم .


[312]:ذكر ابن كثير: وهذه الآية وأمثالها من أصرح الذلالات على العموم بعثته صلى الله عليه وسلم إلى جميع الخلق.