اللباب في علوم الكتاب لابن عادل - ابن عادل  
{وَفِيٓ أَنفُسِكُمۡۚ أَفَلَا تُبۡصِرُونَ} (21)

قوله تعالى : { وَفِي الأرض آيَاتٌ لِّلْمُوقِنِينَ } إذا ساروا فيها من الجبال والبحار والثمار وأنواع النبات تدلهم على أن الحَشْرَ كائن كقوله تعالى : { وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الأرض خَاشِعَةً } [ فصلت : 39 ] ، ويحتمل أن يكون المعنى : وَفِي الأَرْضِ آيَاتٌ تَدُلُّ على مُدَبِّرٍ قادرٍ قاهرٍ يجب أن يُعْبَدَ ويُحْذَرَ{[52772]} .

فإن قيل : كيف خصص الآيات بالمُوقنينَ ، ولم يُخَصِّصْ في قوله : { وَآيَةٌ لَّهُمُ الأرض الميتة أَحْيَيْنَاهَا } [ يس : 33 ] ؟

فالجواب : أن القَسَمَ إنما يكون مع المعَانِدِ في البرهان ، فهو لا ينتفع بالآيات وإنما ينتفع بها المُوقِنُونَ فلذلك أقسم ههنا فقال : { فَوَرَبِّ السماء والأرض إِنَّهُ لَحَقٌّ } وفي سورة يس لم يؤكد ذلك بالقسم الدال على المعاند . أو يقال : أطلقت هناك باعتبار حصولها وخصصت هنا باعتبار المنفعة بها . وجمعت «الآيات » هنا ، لأن المُوقن يتنبه لأمور كثيرة ، وكذلك قوله : وَفِي أَنْفُسِكُمْ آيات دالة على ذلك إذ كانت نطفةً ثم علقةً ، ثم مضغةً ، ثم عظاماً ، إلى أن ينفخ فيها الرُّوح{[52773]} .

وقال عطاء عن ابن عباس - ( رَضِيَ{[52774]} اللَّهُ عَنْهُمْ - ) : يريد اختلاف الأَلْسنة والصور والألوان والطبائع .

وقال ابن الزُّبَيْر : يريد سبيل البول والغائط يَأكُلُ ويَشْرَبُ من مَدْخَلٍ واحد ويَخْرج من سِبِيلَيْنِ .

وقوله : «أفلا تبصرون » قال مقاتل : أفلا تبصرون كيف خلقكم فتعرفوا قدرته على البعث{[52775]} ؟

قوله : «وفي أنفسكم » نَسَقٌ على ( مَا ){[52776]} «في الأرض » فهو خبر عن «آيات » أيضاً ، والتقدير : وفي الأرض وفي أنفسكم آيات .

وقال أبو البقاء : وَمَنْ رَفَعَ بالظرف جعل ضمير «الآيات » في الظرف{[52777]} . يعني من يرفع الفاعل{[52778]} بالظرف مطلقاً أي وإن لم يعتمد{[52779]} يرفع بهذا الجار فاعلاً هو ضمير «آيات » .

وجوز بعضُهم أن يتعلق ب «يُبْصِرُونَ » . وهو فاسدٌ{[52780]} ؛ لأن الاستفهام{[52781]} والفاء يمنعان جَوَازَهُ .

وقرأ قتادة : «آية » بالإفراد{[52782]} ، وقوله : «فِي أنْفُسِكُمْ » يُحْتَمَلُ أن يكون المراد فِيكُمْ ، يقال : الحجارة في نفسها صُلْبَة ، ولا يراد بها النفس التي هي مَنْبعُ الحياة والحِسّ والحَرَكَات . ويحتمل أن يكون المراد وفي نفوسكم التي بها حياتكم آيات وقوله : «أَفَلاَ تُبْصِرُونَ » بالاستفهام إشارة إلى ظهورها{[52783]} .


[52772]:وانظر: الرازي السابق والبغوي 6/244 والقرطبي 17/38 و39.
[52773]:بالمعنى من الرازي 28/207 و208.
[52774]:زيادة من أ.
[52775]:وانظر: والبغوي والقرطبي السابقين.
[52776]:زيادة من أ تحريفيّة.
[52777]:التبيان 1180.
[52778]:يقصد آيات من قوله: "وفي الأرض آيات".
[52779]:أي على نفي واستفهام.
[52780]:عبر عنه أبو البقاء بالضعف.
[52781]:فلا يعمل ما بعد الاستفهام فيما قبله فهو حرف له الصدر.
[52782]:ذكرها صاحب البحر 8/136. وهي شاذة.
[52783]:قاله الرازي في تفسيره 28/208.