اللباب في علوم الكتاب لابن عادل - ابن عادل  
{سَلَٰمٌ هِيَ حَتَّىٰ مَطۡلَعِ ٱلۡفَجۡرِ} (5)

قوله : { سَلاَمٌ هِيَ } فيه وجهان :

أحدهما : أن «هِيَ » ضمير الملائكة ، و«سلامٌ » بمعنى التسليم ، أي : الملائكة ذات التَّسليم على المؤمنين من مغيب الشمس حتى مطلع الفجر ، وقيل : الملائكة يسلم بعضهم على بعض فيها .

الثاني : أنها ضمير ليلة القدر ، و«سلامٌ » بمعنى سلامة ، أي : ليلة القدر ذات سلامة من كلّ شيء مخوف .

قال الضحاكُ : لا يقدر الله - تعالى - في تلك الليلة إلا السلامة{[60587]} .

وقيل : هي ذات سلامة من أن يؤثر فيها شيطان في مؤمن ومؤمنة ، قاله مجاهد{[60588]} .

وعلى التقديرين : يجوز أن يرتفع «سلامٌ » على أنه خبر مقدم ، و«هِيَ » مبتدأ مؤخر ، وهذا هو المشهور ، ويجوز أن يرتفع بالابتداء ، و«هي » فاعلة عند الأخفش ؛ لأنه لا يشترط الاعتماد على الوصف .

وقد تقدم أن بعضهم يجعل الكلام تاماً على قوله : «بِإذْنِ ربِّهِمْ » ، وتعلق «كُلِّ أمْرٍ » بما بعده ، وتقدم تأويله .

وقال أبو الفضل : «وقيل : معناه هي سلام من كل أمرٍ أو امرئٍ ؛ أي سالمة ، أو مسلمة منه ، ولا يجوز أن يكون » سلامٌ «بهذه اللفظة الظَّاهرة التي هي المصدر عاملاً فيما قبله ، لامتناع تقدم معمول المصدر على المصدر ، كما أن الصفة كذلك لا يجوز تقديمها على الموصول » انتهى .

[ وقد تقدم أن معنى ذلك عند هذا القائل أن يتعلق بمحذوف مدلول عليه ب «سلام » فهو تفسير معنى لا تفسير إعراب ]{[60589]} .

وما يروى عن ابن عبَّاس - رضي الله عنهما - أن الكلام تمَّ عند قوله تعالى : «سلامٌ » ويبتدئ ب «هِيَ » على أنها خبر مبتدأ ، والإشارة بذلك إلى أنها ليلة السابع والعشرين ، لأن لفظه : هي سابعة وعشرون ، من كلم هذه السورة ، فلا ينبغي أن يعتقد صحته ؛ لأنه إلغاز وتغيير لنظم أفصح الكلام .

[ قوله : { حتى مَطْلَعِ الفجر } متعلق ب «تنزل » أو ب «سلام » ، وفيه إشكال للفصل بين المصدر والمعمول للمبتدأ ، إلا أن يتوسع في الجار ] .

وقرأ الكسائي وابن محيصن : «مطلِع » بكسر اللام ، والباقون{[60590]} : بالفتح ، والفتح هو القياس ، والكسر سماع ، وله أخوات تحفظ فيها الكسر مما ضم مضارعه ، أو فتح ، نحو : المَشْرِق ، والمَغْرِب ، والمنْسِك ، والمسْكِن ، والمحْشِر ، والمسْقِط .

قال القرطبي{[60591]} : «حكي في ذلك كله الفتح والكسر » .

وهل هما مصدران أو المفتوح مصدر ، والمكسور مكان ؟ خلاف ، وعلى كل تقدير ، فالقياس في الفعل مطلقاً مما ضمت عين مضارعه أو فتحت فتح العين ، وإنما يقع الفرق في المكسور العين الصحيح ، نحو : «يضرب » .

/خ5

ختام السورة:

وروى الثعلبي عن أبيّ - رضي الله عنه - قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «مَنْ قَرَأَ سُورة القَدرِ ، كانَ كَمنْ صَامَ رَمَضَانَ ، وأحْيَا لَيْلَةَ القَدرِ »{[1]} .


[1]:في النسختين تقدم. وندم تصحيح من الرازي. وانظر تصحيح ذلك وغيره في تفسير الإمام 28/117.
[60587]:ذكره القرطبي في "تفسيره" (20/91).
[60588]:ينظر المصدر السابق.
[60589]:سقط من: ب.
[60590]:ينظر: السبعة 693، والحجة 6/427، وإعراب القراءات (2/510)، وحجة القراءات 768,
[60591]:الجامع لأحكام القرآن 20/91.