{ بسم الله الرحمان الرحيم } { الم } فيه مسألتان : المسألة الأولى :
اعلم أن الألفاظ التي يتهجى بها أسماء مسمياتها الحروف المبسوطة ، لأن الضاد مثلا لفظة مفردة دالة بالتواطؤ على معنى مستقل بنفسه من غير دلالة على الزمان المعين لذلك المعنى ، وذلك المعنى هو الحرف الأول من «ضرب » فثبت أنها أسماء ولأنها يتصرف فيها بالأمالة والتفخيم والتعريف والتنكير والجمع والتصغير والوصف والإسناد والإضافة ، فكانت لا محالة أسماء . فإن قيل قد روى أبو عيسى الترمذي عن عبد الله بن مسعود قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «من قرأ حرفا من كتاب الله تعالى فله حسنة ، والحسنة بعشر أمثالها لا أقول ألم حرف ، لكن ألف حرف ، ولام حرف ، وميم حرف » الحديث ، والاستدلال به يناقض ما ذكرتم قلنا : سماه حرفا مجازا لكونه اسما للحرف ، وإطلاق اسم أحد المتلازمين على الآخر مجاز مشهور .
( فروع ) : الأول : أنهم راعوا هذه التسمية لمعان لطيفة ، وهي أن المسميات لما كانت ألفاظا كأساميها وهي حروف مفردة والأسامي ترتقي عدد حروفها إلى الثلاثة اتجه لهم طريق إلى أن يدلوا في الاسم على المسمى ، فجعلوا المسمى صدر كل اسم منها إلا الألف فإنهم استعاروا الهمزة مكان مسماها لأنه لا يكون إلا ساكنا .
( الثاني ) : حكمها ما لم تلها العوامل أن تكون ساكنة الأعجاز كأسماء الأعداد فيقال ألف لام ميم ، كما تقول واحد اثنان ثلاثة فإذا وليتها العوامل أدركها الأعراب كقولك هذه ألف وكتبت ألفا ونظرت إلى ألف ، وهكذا كل اسم عمدت إلى تأدية مسماه فحسب ، لأن جوهر اللفظ موضوع لجوهر المعنى ، وحركات اللفظ دالة على أحوال المعنى ، فإذا أريد إفادة جوهر المعنى وجب إخلاء اللفظ عن الحركات .
( الثالث ) : هذه الأسماء معربة وإنما سكنت سكون سائر الأسماء حيث لا يمسها إعراب لفقد موجبه ، والدليل على أن سكونها وقف لا بناء أنها لو بنيت لحذي بها حذو كيف وأين وهؤلاء ولم يقل صاد قاف نون مجموع فيها بين الساكنين .
المسألة الثانية : للناس في قوله تعالى { الم } وما يجري مجراه من الفواتح قولان : أحدهما : أن هذا علم مستور وسر محجوب استأثر الله تبارك وتعالى به . وقال أبو بكر الصديق رضي الله عنه : لله في كل كتاب سر وسره في القرآن أوائل السور ، وقال علي رضي الله عنه : إن لكل كتاب صفوة وصفوة هذا الكتاب حروف التهجي . وقال بعض العارفين : العلم بمنزلة البحر فأجرى منه واد ثم أجرى من الوادي نهر . ثم أجري من النهر جدول ، ثم أجري من الجدول ساقية ، فلو أجرى إلى الجدول ذلك الوادي لغرقه وأفسده ، ولو سال البحر إلى الوادي لأفسده ، وهو المراد من قوله تعالى { أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها } فبحور العلم عند الله تعالى ، فأعطى الرسل منها أودية ، ثم أعطت الرسل من أوديتهم أنهارا إلى العلماء ، ثم أعطت العلماء إلى العامة جداول صغارا على قدر طاقتهم ، ثم أجرت العامة سواقي إلى أهاليهم بقدر طاقتهم . وعلى هذا ما روي في الخبر «للعلماء سر ، وللخلفاء سر . وللأنبياء سر ، وللملائكة سر ، ولله من بعد ذلك كله سر ، فلو اطلع الجهال على سر العلماء لأبادوهم ، ولو اطلع العلماء على سر الخلفاء لنابذوهم ، ولو اطلع الخلفاء على سر الأنبياء لخالفوهم ، ولو اطلع الأنبياء على سر الملائكة لاتهموهم ، ولو اطلع الملائكة على سر الله تعالى لطاحوا حائرين ، وبادوا بائرين » . والسبب في ذلك أن العقول الضعيفة لا تحتمل الأسرار القوية ، كما لا يحتمل نور الشمس أبصار الخفافيش ، فلما زيدت الأنبياء في عقولهم قدروا على احتمال أسرار النبوة ، ولما زيدت العلماء في عقولهم قدروا على احتمال أسرار ما عجزت العامة عنه ، وكذلك علماء الباطن ، وهم الحكماء زيد في عقولهم فقدروا على احتمال ما عجزت عنه علماء الظاهر . وسئل الشعبي عن هذه الحروف فقال : سر الله فلا تطلبوه ، وروى ابن ظبيان عن ابن عباس قال : عجزت العلماء عن إدراكها ، وقال الحسين بن الفضل : هو من المتشابه .
واعلم أن المتكلمين أنكروا هذا القول هذا القول ، وقالوا لا يجوز أن يرد في كتاب الله تعالى ما لا يكون مفهوما للخلق ، واحتجوا عليه بالآيات والأخبار والمعقول .
أما الآيات فأربعة عشر أحدها : قوله تعالى { أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها } أمرهم بالتدبر في القرآن ، ولو كان غير مفهوم فكيف يأمرهم بالتدبر فيه وثانيها : قوله { أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا } فكيف يأمرهم بالتدبر فيه لمعرفة نفي التناقض والاختلاف مع أنه غير مفهوم للخلق ؟ وثالثها : قوله : { وإنه لتنزيل رب العالمين نزل به الروح الأمين على قلبك لتكون من المنذرين بلسان عربي مبين } فلو لم يكن مفهوما بطل كون الرسول صلى الله عليه وسلم منذرا به ، وأيضا قوله { بلسان عربي مبين } يدل على أنه نازل بلغة العرب ، وإذا كان الأمر كذلك وجب أن يكون مفهوما ورابعها : قوله { لعلمه الذين يستنبطونه منهم } والاستنباط منه لا يمكن إلا مع الإحاطة بمعناه وخامسها : قوله { تبيانا لكل شيء } وقوله { ما فرطنا في الكتاب من شيء } وسادسها : قوله { هدى للناس } ، { هدى للمتقين } وغير المعلوم لا يكون هدى وسابعها : قوله { حكمة بالغة } وقوله { وشفاء لما في الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين } وكل هذه الصفات لا تحصل في غير المعلوم وثامنها : قوله { قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين } وتاسعها : قوله { أو لم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم إن في ذلك لرحمة وذكرى لقوم يؤمنون } وكيف يكون الكتاب كافيا وكيف يكون ذكرى مع أنه غير مفهوم ؟ وعاشرها : قوله تعالى { هذا بلاغ للناس ولينذروا به } فكيف يكون بلاغا ، وكيف يقع الإنذار به مع أنه غير معلوم ؟ وقال في آخر الآية { وليذكر أولوا الألباب } وإنما يكون كذلك لو كان معلوما الحادي عشر : قوله : { قد جاءكم برهان من ربكم وأنزلنا إليكم نورا مبينا } فكيف يكون برهان ونورا مبينا مع أنه غير معلوم ؟ الثاني عشر : قوله { فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى ومن أعرض عن ذكرى فإن له معيشة ضنكا } فكيف يمكن اتباعه والإعراض عنه غير معلوم ؟ الثالث عشر : { إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم } فكيف يكون هاديا مع أنه غير معلوم ؟ الرابع عشر : قوله تعالى { آمن الرسول } إلى قوله { سمعنا وأطعنا } والطاعة لا تمكن إلا بعد الفهم فوجب كون القرآن مفهوما .
وأما الأخبار : فقوله عليه السلام «إني تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا كتاب الله وسنتي » فكيف يمكن التمسك به وهو غير معلوم ؟ وعن علي رضي الله عنه أنه عليه السلام قال : «عليكم بكتاب الله فيه نبأ ما قبلكم وخبر ما بعدكم وحكم ما بينكم ، هو الفصل ليس بالهزل ، من تركه من جبار قصمه الله ، ومن اتبع الهدى في غيره أضله الله ، وهو حبل الله المتين ، والذكر الحكيم والصراط المستقيم ، هو الذي لا تزيغ به الأهواء ، ولا تشبع منه العلماء ، ولا يخلق على كثرة الرد ، ولا تنقضي عجائبه ، من قال به صدق ، ومن حكم به عدل ، ومن خاصم به فلج ، ومن دعا إليه هدي إلى صراط مستقيم » .
أما المعقول فمن وجوه أحدها : أنه لو ورد شيء لا سبيل إلى العلم به لكانت المخاطبة به تجري مجرى مخاطبة العربي باللغة الزنجية ، ولما لم يجز ذاك فكذا هذا وثانيها : أن المقصود من الكلام الإفهام ، فلو لم يكن مفهوما لكانت المخاطبة به عبثا وسفها ، وأنه لا يليق بالحكيم وثالثها : أن التحدي وقع بالقرآن وما لا يكون معلوما لا يجوز وقوع التحدي به ، فهذا مجموع كلام المتكلمين ، واحتج مخالفوهم بالآية ، والخبر ، والمعقول .
أما الآية فهو أن المتشابه من القرآن وإنه غير معلوم ، لقوله تعالى { وما يعلم تأويله إلا الله } والوقف ههنا واجب لوجوه . أحدها : أن قوله تعالى { والراسخون في العلم } لو كان معطوفا على قوله { إلا الله } لبقي { يقولون آمنا به } منقطعا عنه وأنه غير جائز لأنه وحده لا يفيد ، لا يقال أنه حال ، لأنا نقول حينئذ يرجع إلى كل ما تقدم ، فيلزم أن يكون الله تعالى قائلا { آمنا به كل من عند ربنا } وهذا كفر .
وثانيها : أن الراسخين في العلم لو كانوا عالمين بتأويله لما كان لتخصيصهم بالإيمان به وجه ، فإنهم لما عرفوه بالدلالة لم يكن الإيمان به إلا كالإيمان بالحكم ، فلا يكون في الإيمان به مزيد مدح . وثالثها : أن تأويلها لو كان مما يجب أن يعلم لما كان طلب ذلك التأويل ذما ، لكن قد جعله الله تعالى ذما حيث قال { فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله } .
وأما الخبر فقد روينا في أول هذه المسألة خبرا يدل على قولنا ، وروي أنه عليه السلام قال «إن من العلم كهيئة المكنون لا يعلمه إلا العلماء بالله ، فإذا نطقوا به أنكره أهل الغرة بالله » ولأن القول بأن هذه الفواتح غير معلومة مروي عن أكابر الصحابة فوجب أن يكون حقا ، لقوله عليه السلام «أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم » .
وأما المعقول فهو أن الأفعال التي كلفنا بها قسمان . منها ما نعرف وجه الحكمة فيها على الجملة بعقولنا : كالصلاة والزكاة والصوم ؛ فإن الصلاة تواضع محض وتضرع للخالق ، والزكاة سعي في دفع حاجة الفقير ، والصوم سعي في كسر الشهوة . ومنها ما لا نعرف وجه الحكمة فيه : كأفعال الحج فإننا لا نعرف بعقولنا وجه الحكمة في رمي الجمرات والسعي بين الصفا والمروة ، والرمل ، والاضطباع ، ثم اتفق المحققون على أنه كما يحسن من الله تعالى أن يأمر عباده بالنوع الأول فكذا يحسن الأمر منه بالنوع الثاني ، لأن الطاعة في النوع الأول لا تدل على كمال الانقياد لاحتمال أن المأمور إنما أتى به لما عرف بعقله من وجه المصلحة فيه ، أما الطاعة في النوع الثاني فإنه يدل على كمال الانقياد ونهاية التسليم ، لأنه لما لم يعرف فيه وجه مصلحة البتة لم يكن إتيانه به إلا لمحض الانقياد والتسليم ، فإذا كان الأمر كذلك في الأفعال فلم لا يجوز أيضا أن يكون الأمر كذلك في الأقوال ؟ وهو أن يأمرنا الله تعالى تارة أن نتكلم بما نقف على معناه ، وتارة بما لا نقف على معناه ، ويكون المقصود من ذلك ظهور الانقياد والتسليم من المأمور للآمر ، بل فيه فائدة أخرى ، وهي أن الإنسان إذا وقف على المعنى وأحاط به سقط وقعه عن القلب ، وإذا لم يقف على المقصود مع قطعه بأن المتكلم بذلك أحكم الحاكمين فإنه يبقى قلبه متلفتا إليه أبدا ، ومتفكرا فيه أبدا . ولباب التكليف إشغال السر بذكر الله تعالى والتفكر في كلامه ، فلا يبعد أن يعلم الله تعالى أن في بقاء العبد ملتفت الذهن مشتغل الخاطر بذلك أبدا مصلحة عظيمة له ، فيتعبده بذلك تحصيلا لهذه المصلحة ، فهذا ملخص كلام الفريقين في هذا الباب .
القول الثاني : قول من زعم أن المراد من هذه الفواتح معلوم ، ثم اختلفوا فيه وذكروا وجوها . الأول : أنها أسماء السور ، وهو قول أكثر المتكلمين واختيار الخليل وسيبويه وقال القفال : وقد سمت العرب بهذه الحروف أشياء ، فسموا بلام والد حارثة بن لام الطائي ، وكقولهم للنحاس : صاد ، وللنقد عين ، وللسحاب غين ، وقالوا : جبل قاف ، وسموا الحوت نونا ، الثاني : أنها أسماء لله تعالى ، روي عن علي عليه السلام أنه كان يقول «يا كهيعص ، يا حام عاسق » . الثالث : أنها أبعاض أسماء الله تعالى ، قال سعيد بن جبير : قوله ( الر ، حم ، ن ) مجموعها هو اسم الرحمان ، ولكنا لا نقدر على كيفية تركيبها في البواقي ، الرابع : أنها أسماء القرآن ، وهو قول الكلبي والسدي وقتادة . الخامس : أن كل واحد منها دال على اسم من أسماء الله تعالى وصفة من صفاته ، قال ابن عباس رضي الله عنهما في ( الم ) : الألف إشارة إلى أنه تعالى أحد ، أول ، آخر ، أزلي ، أبدي ، واللام إشارة إلى أنه لطيف ، والميم إشارة إلى أنه ملك مجيد منان ، وقال في { كهيعص } إنه ثناء من الله تعالى على نفسه ، والكاف يدل على كونه كافيا ، والهاء يدل على كونه هاديا ، والعين يدل على العالم ، والصاد يدل على الصادق وذكر ابن جرير عن ابن عباس أنه حمل الكاف على الكبير والكريم ، والياء على أنه يجير ، والعين على العزيز والعدل . والفرق بين هذين الوجهين أنه في الأول خصص كل واحد من هذه الحروف باسم معين ، وفي الثاني ليس كذلك ، السادس : بعضها يدل على أسماء الذات ، وبعضها على أسماء الصفات . قال ابن عباس في { الم } أنا الله أعلم ، وفي { المص } أنا الله أفصل ، وفي { الر } أنا الله أرى ، وهذا رواية أبي صالح وسعيد بن جبير عنه . السابع : كل واحد منها يدل على صفات الأفعال ، فالألف آلاؤه ، واللام لطفه ، والميم مجده . قاله محمد بن كعب القرظي . وقال الربيع بن أنس : ما منها حرف إلا في ذكر آلائه ونعمائه . الثامن : بعضها يدل على أسماء الله تعالى وبعضها يدل على أسماء غير الله ، فقال الضحاك : الألف من الله ، واللام من جبريل ، والميم من محمد ، أي أنزل الله الكتاب على لسان جبريل إلى محمد صلى الله عليه وسلم ، التاسع : كل واحد من هذه الحروف يدل على فعل من الأفعال ، فالألف معناه ألف الله محمدا فبعثه نبيا ، واللام أي لامه الجاحدون ، والميم أي ميم الكافرون غيظوا وكبتوا بظهور الحق . وقال بعض الصوفية : الألف معناه أنا ، واللام معناه لي ، والميم معناه مني ، العاشر : ما قاله المبرد واختاره جمع عظيم من المحققين -إن الله تعالى إنما ذكرها احتجاجا على الكفار ، وذلك أن الرسول صلى الله عليه وسلم لما تحداهم أن يأتوا بمثل القرآن ، أو بعشر سور ، أو بسورة واحدة فعجزوا عنه أنزلت هذه الحروف تنبيها على أن القرآن ليس إلا من هذه الحروف ، وأنتم قادرون عليها ، وعارفون بقوانين الفصاحة ، فكان يجب أن تأتوا بمثل هذا القرآن ، فلما عجزتم عنه دل ذلك على أنه من عند الله لا من البشر ، الحادي عشر : قال عبد العزيز بن يحيى : إن الله تعالى إنما ذكرها لأن في التقدير كأنه تعالى قال : اسمعوها مقطعة حتى إذا وردت عليكم مؤلفة كنتم قد عرفتموها قبل ذلك ، كما أن الصبيان يتعلمون هذه الحروف أولا مفردة ثم يتعلمون المركبات ، الثاني عشر : قول ابن روق وقطرب : إن الكفار لما قالوا { لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون } وتواصوا بالإعراض عنه أراد الله تعالى لما أحب من صلاحهم ونفعهم أن يورد عليهم ما لا يعرفونه ليكون ذلك سببا لإسكاتهم واستماعهم لما يرد عليهم من القرآن ؛ فأنزل الله تعالى عليهم هذه الحروف فكانوا إذا سمعوها قالوا كالمتعجبين : اسمعوا إلى ما يجيء به محمد عليه السلام ، فإذا أصغوا هجم عليهم القرآن فكان ذلك سببا لاستماعهم وطريقا إلى انتفاعهم ، الثالث عشر : قول أبي العالية إن كل حرف منها في مدة أقوام ، وآجال آخرين ، قال ابن عباس رضي الله عنه : مر أبو ياسر بن أخطب برسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهو يتلو سورة البقرة { الم ذلك الكتاب } ، ثم أتى أخوه حيي بن أخطب وكعب بن الأشرف فسألوه عن الم وقالوا : ننشدك الله الذي لا إله إلا هو أحق أنها أتتك من السماء ؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم : «نعم كذلك نزلت » ، فقال حيي إن كنت صادقا إني لأعلم أجل هذه الأمة من السنين ، ثم قال كيف ندخل في دين رجل دلت هذه الحروف بحساب الجمل على أن منتهي أجل أمته إحدى وسبعون سنة ، فضحك النبي صلى الله عليه وسلم فقال حيي فهل غير هذا ؟ فقال نعم { المص } ، فقال حيي : هذا أكثر من الأول هذا مائة وإحدى وستون سنة ، فهل غير هذا ، قال : نعم { الر } ، فقال حيي : هذا أكثر من الأولى والثانية ، فنحن نشهد إن كنت صادقا ما ملكت أمتك إلا مائتين وإحدى وثلاثين سنة ، فهل غير هذا ؟ فقال : نعم { المر } ، قال حيي : فنحن نشهد أنا من الذين لا يؤمنون ولا ندري بأي أقوالك نأخذ . فقال أبو ياسر : أما أنا فاشهد على أن أنبياءنا قد أخبرونا عن ملك هذه الأمة ولم يبينوا أنها كم تكون ، فإن كان محمد صادقا فيما يقول إني لأراه يستجمع له هذا كله فقام اليهود ، وقالوا اشتبه علينا أمرك كله ، فلا ندري أبالقليل نأخذ أم بالكثير ؟ فذلك قوله تعالى { هو الذي أنزل عليك الكتاب } . الرابع عشر : هذه الحروف تدل على انقطاع كلام واستئناف كلام آخر ، قال أحمد بن يحيى بن ثعلب : إن العرب إذا استأنفت كلاما فمن شأنهم أن يأتوا بشيء غير الكلام الذي يريدون استئنافه ، فيجعلونه تنبيها للمخاطبين على قطع الكلام الأول واستئناف الكلام الجديد . الخامس عشر : روى ابن الجوزي عن ابن عباس أن هذه الحروف ثناء أثنى الله عز وجل به على نفسه . السادس عشر : قال الأخفش : إن الله تعالى أقسم بالحروف المعجمة لشرفها وفضلها ولأنها مباني كتبه المنزلة بالألسنة المختلفة ، ومباني أسماء الله الحسنى وصفاته العليا ، وأصول كلام الأمم ، بها يتعارفون ويذكرون الله ويوحدونه ثم إنه تعالى اقتصر على ذكر البعض وإن كان المراد ، هو الكل ، كما تقول قرأت الحمد ، وتريد السورة بالكلية ، فكأنه تعالى قال : أقسم بهذه الحروف إن هذا الكتاب هو ذلك الكتاب المثبت في اللوح المحفوظ . السابع عشر : أن التكلم بهذه الحروف ، وإن كان معتادا لكل أحد ، إلا أن كونها مسماة بهذه الأسماء لا يعرفه إلا من اشتغل بالتعلم والاستفادة ، فلما أخبر الرسول عليه السلام عنها من غير سبق تعلم واستفادة كان ذلك إخبارا عن الغيب ؛ فلهذا السبب قدم الله تعالى ذكرها ليكون أول ما يسمع من هذه السورة معجزة دالة على صدقه . الثامن عشر : قال أبو بكر التبريزي : إن الله تعالى علم أن طائفة من هذه الأمة تقول بقدم القرآن فذكر هذه الحروف تنبيها على أن كلامه مؤلف من هذه الحروف ، فيجب أن لا يكون قديما . التاسع عشر : قال القاضي الماوردي : المراد من «الم » أنه ألم بكم ذلك الكتاب . أي نزل عليكم ، والإلمام الزيارة ، وإنما قال تعالى ذلك لأن جبريل عليه السلام نزل به نزول الزائر . العشرون : الألف إشارة إلى ما لابد منه من الاستقامة في أول الأمر ، وهو رعاية الشريعة ، قال تعالى { إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا } واللام إشارة إلى الانحناء الحاصل عند المجاهدات ، وهو رعاية الطريقة ، قال الله تعالى { والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا } والميم إشارة إلى أن يصير العبد في مقام المحبة ، كالدائرة التي يكون نهايتها عين بدايتها وبدايتها عين نهايتها ، وذلك إنما يكون بالفناء في الله تعالى بالكلية ، وهو مقام الحقيقة ، قال تعالى { قل الله ثم ذرهم في خوضهم يلعبون } الحادي والعشرون : الألف من أقصى الحلق ، وهو أول مخارج الحروف ، واللام من طرف اللسان ، وهو وسط المخارج ، والميم من الشفة ، وهو آخر المخارج ، فهذه إشارة إلى أنه لابد وأن يكون أول ذكر العبد ووسطه وآخره ليس إلا الله تعالى ، على ما قال { ففروا إلى الله } .
والمختار عند أكثر المحققين من هذه الأقوال أنها أسماء السور ، والدليل عليه أن هذه الألفاظ إما أن لا تكون مفهومة ، أو تكون مفهومة ، والأول باطل ، أما أولا فلأنه لو جاز ذلك لجاز التكلم مع العربي بلغة الزنج ، وأما ثانيا فلأنه تعالى وصف القرآن أجمع بأنه هدى وذلك ينافي كونه غير معلوم . وأما القسم الثاني فنقول : إما أن يكون مراد الله تعالى منها جعلها أسماء الألقاب ، أو أسماء المعاني ، والثاني باطل ؛ لأن هذه الألفاظ غير موضوعة في لغة العرب لهذه المعاني التي ذكرها المفسرون ، فيمتنع حملها عليها ؛ لأن القرآن نزل بلغة العرب ، فلا يجوز حملها على ما لا يكون حاصلا في لغة العرب ؛ ولأن المفسرين ذكروا وجوها مختلفة ، وليست دلالة هذه الألفاظ على بعض ما ذكروه أولى من دلالتها على الباقي فأما أن يعمل على الكل ، وهو معتذر بالإجماع ؛ لأن كل واحد من المفسرين إنما حمل هذه الألفاظ على معنى واحد من هذه المعاني المذكورة ، وليس فيهم من حملها على الكل ، أو لا يحمل على شيء منها ، وهو الباقي ، ولما بطل هذا القسم وجب الحكم بأنها من أسماء الألقاب .
فإن قيل : لم لا يجوز أن يقال : هذه الألفاظ غير معلومة ، قوله «لو جاز ذلك لجاز التكلم مع العربي بلغة الزنج » قلنا : ولم لا يجوز ذلك ؟ وبيانه أن الله تعالى تكلم بالمشكاة وهو بلسان الحبشة ، والسجيل والإستبرق فارسيان ، قوله «وصف القرآن أجمع بأنه هدى وبيان » قلنا : لا نزاع في اشتمال القرآن على المجملات والمتشابهات ، فإذا لم يقدح ذلك في كونه هدى وبيانا فكذا ههنا ، سلمنا أنها مفهومة ، لكن قولك «إنها إما أن تكون من أسماء الألقاب أو من أسماء المعاني » إنما يصح لو ثبت كونها موضوعة لإفادة أمر ما وذلك ممنوع ، ولعل الله تعالى تكلم بها لحكمة أخرى ، مثل ما قال قطرب من أنهم لما تواضعوا في الابتداء على أن لا يلتفتوا إلى القرآن أمر الله تعالى رسوله بأن يتكلم بهذه الأحرف في البداء حتى يتعجبوا عند سماعها فيسكتوا ، فحينئذ يهجم القرآن على أسماعهم ، سلمنا أنها موضوعة لأمر ما ، فلم لا يجوز أن يقال : إنها من أسماء المعاني ؟ قوله «إنها في اللغة غير موضعة لشيء البتة » قلنا لا نزاع في أنها وحدها غير موضوعة لشيء ، ولكن لم لا يجوز أن يقال : إنها مع القرينة المخصوصة تفيد معنى معينا ؟ وبيانه من وجوه : أحدها : أنه عليه السلام كان يتحداهم بالقرآن مرة بعد أخرى فلما ذكر هذه الحروف دلت قرينة الحال على أن مراده تعالى من ذكرها أن يقول لهم : إن هذا القرآن إنما تركب من هذه الحروف التي أنتم قادرون عليها ، فلو كان هذا من فعل البشر لوجب أن تقدروا على الإتيان بمثله ، وثانيها : أن حمل هذه الحروف على حساب الجمل عادة معلومة عند الناس ، وثالثها : أن هذه الحروف لما كانت أصول الكلام كانت شريفة عزيزة ، فالله تعالى أقسم بها كما أقسم بسائر الأشياء ، ورابعها : أن الاكتفاء من الاسم الواحد بحرف واحد من حروفه عادة معلومة عند العرب ، فذكر الله تعالى هذه الحروف تنبيها على أسمائه تعالى .
سلمنا دليلكم لكنه معارض بوجوه : أحدها : أنا وجدنا السور الكثيرة اتفقت في { الم } و { حم } فالاشتباه حاصل فيها ، والمقصود من اسم العلم إزالة الاشتباه .
فإن قيل : يشكل هذا بجماعة كثيرين يسمون بمحمد ؛ فإن الاشتراك فيه لا ينافي العلمية . قلنا : قولنا { الم } لا يفيد معنى البتة ، فلو جعلناه علما لم يكن فيه فائدة سوى التعيين وإزالة الاشتباه فإذا لم يحصل هذا الغرض امتنع جعله علما ، بخلاف التسمية بمحمد ، فإن في التسمية به مقاصد أخرى سوى التعيين ، وهو التبرك به لكونه اسما للرسول ، ولكونه دالا على صفة من صفات الشرف ، فجاز أن يقصد التسمية به لغرض آخر من هذه الأغراض سوى التعيين ، بخلاف قولنا { الم } فإنه لا فائدة فيه سوى التعيين ، فإذا لم يفد هذه الفائدة كانت التسمية به عبثا محضا . وثانيها : لو كانت هذه الألفاظ أسماء للسور لوجب أن يعلم ذلك بالتواتر ؛ لأن هذه الأسماء ليست على قوانين أسماء العرب ، والأمور العجيبة تتوفر الدواعي على نقلها لاسيما فيما لا يتعلق بإخفائه رغبة أو رهبة ، ولو توفرت الدواعي على نقلها لصار ذلك معلوما بالتواتر وارتفع الخلاف فيه ، فلما لم يكن الأمر كذلك علمنا أنها ليست من أسماء السور ، وثالثها : أن القرآن نزل بلسان العرب ، وهم ما تجاوزوا ما سموا به مجموع اسمين نحو معد يكرب وبعلبك ، ولم يسم أحد منهم بمجموع ثلاثة أسماء وأربعة وخمسة ، فالقول بأنها أسماء السور خروج عن لغة العرب ، وأنه غير جائز ، ورابعها : أنها لو كانت أسماء هذه السور لوجب اشتهار هذه السور بها لا بسائر الأسماء ، لكنها إنما اشتهرت بسائر الأسماء ، كقولهم سورة البقرة وسورة آل عمران ، وخامسها : هذه الألفاظ داخلة في السورة وجزء منها ، وجزء الشيء مقدم على الشيء بالرتبة ، واسم الشيء متأخر عن الشيء بالرتبة ، فلو جعلناها اسما للسورة لزم التقدم والتأخر معا ، وهو محال ، فإن قيل : مجموع قولنا «صاد » اسم للحرف الأول منه ، فإذا جاز أن يكون المركب اسما لبعض مفرداته فلم لا يجوز أن تكون بعض مفردات ذلك المركب اسما لذلك المركب ؟ قلنا : الفرق ظاهر ؛ لأن المركب يتأخر عن المفرد ، والاسم يتأخر عن المسمى ، فلو جعلنا المركب اسما للمفرد لم يلزم إلا تأخر ذلك المركب عن ذلك المفرد من وجهين ، وذلك غير مستحيل ، أما لو جعلنا المفرد اسما للمركب لزم من حيث أنه مفرد كونه متقدما ومن حيث أنه اسم كونه متأخرا ، وذلك محال ، وسادسها : لو كان كذلك لوجب أن لا تخلو سورة من سور القرآن من اسم على هذا الوجه ، ومعلوم أنه غير حاصل .
الجواب «قوله المشكاة والسجيل ليستا من لغة العرب » قلنا : عنه جوابان : أحدهما : أن كل ذلك عربي ، لكنه موافق لسائر اللغات ، وقد يتفق مثل ذلك في اللغتين : الثاني : أن المسمى بهذه الأسماء لم يوجد أولا في بلاد العرب ، فلما عرفوه عرفوا منها أسماءها ، فتكلموا بتلك الأسماء ، فصارت تلك الألفاظ عربية أيضا .
قوله «وجد أن المجمل في كتاب الله لا يقدح في كونه بيانا » قلنا : كل مجمل وجد في كتاب الله تعالى قد وجد في العقل ، أو في الكتاب ، أو في السنة بيانه ، وحينئذ يخرج عن كونه غير مفيد ، إنما البيان فيما لا يمكن معرفة مراد الله منه .
وقوله «لم لا يجوز أن يكون المقصود من ذكر هذه الألفاظ إسكاتهم عن الشغب ؟ » قلنا : لو جاز ذكر هذه الألفاظ لهذا الغرض فليجز ذكر سائر الهذيانات لمثل هذا الغرض ، وهو بالإجماع باطل .
وأما سائر الوجوه التي ذكروها فقد بينا أن قولنا «الم » غير موضوع في لغة العرب لإفادة تلك المعاني ، فلا يجوز استعمالها فيه ، لأن القرآن إنما نزل بلغة العرب ، ولأنها متعارضة ، فليس حمل اللفظ على بعضها أولى من البعض ؛ ولأنا لو فتحنا هذا الباب لانفتحت أبواب تأويلات الباطنية وسائر الهذيانات ، وذلك مما لا سبيل إليه .
أما الجواب عن المعارضة الأولى : فهو أن لا يبعد أن يكون في تسمية السور الكثيرة باسم واحد -ثم يميز كل واحد منها عن الآخر بعلامة أخرى- حكمة خفية .
وعن الثاني : أن تسمية السورة بلفظة معينة ليست من الأمور العظام ، فجاز أن لا يبلغ في الشهرة إلى حد التواتر .
وعن الثالث : أن التسمية بثلاثة أسماء خروج عن كلام العرب إذا جعلت اسما واحدا على طريقة «حضرموت » فأما غير مركبة بل صورة نثر أسماء الأعداد فذاك جائز ؛ فإن سيبويه نص على جواز التسمية بالجملة ، والبيت من الشعر ، والتسمية بطائفة من أسماء حروف المعجم .
وعن الرابع : أنه لا يبعد أن يصير اللقب أكثر شهرة من الاسم الأصلي فكذا ههنا . وعن الخامس : أن الاسم لفظ دال على أمر مستقل بنفسه من غير دلالة على زمانه المعين ، ولفظ الاسم كذلك ، فيكون الاسم اسما لنفسه ، فإذا جاز ذلك فلم لا يجوز أن يكون جزء الشيء اسما له .
وعن السادس : أن وضع الاسم إنما يكون بحسب الحكمة ، ولا يبعد أن تقتضي الحكمة وضع الاسم لبعض السور دون البعض . على أن القول الحق : أنه تعالى يفعل ما يشاء ، فهذا منتهي الكلام في نصرة هذه الطريقة .
واعلم أن بعد هذا المذهب الذي نصرناه بالأقوال التي حكيناها قول قطرب : من أن المشركين قال بعضهم لبعض : «لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه » فكان إذا تكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم في أول هذه السورة بهذه الألفاظ ما فهموا منها شيئا ، والإنسان حريص على ما منع . فكانوا يصغون إلى القرآن ويتفكرون ويتدبرون في مقاطعه ومطالعه ؛ رجاء أنه ربما جاء كلام يفسر ذلك المبهم ، ويوضح ذلك المشكل . فصار ذلك وسيلة إلى أن يصيروا مستمعين للقرآن ومتدبرين في مطالعه ومقاطعه . والذي يؤكد هذا المذهب أمران : أحدهما : أن هذه الحروف ما جاءت إلا في أوائل السور ، وذلك يوهم أن الغرض ما ذكرنا . والثاني : أن العلماء قالوا : إن الحكمة في إنزال المتشابهات هي أن المعلل لما علم اشتمال القرآن على المتشابهات فإنه يتأمل القرآن ويجتهد في التفكر فيه على رجاء أنه ربما وجد شيئا يقوي قوله وينصر مذهبه ، فيصير ذلك سببا لوقوفه على المحكمات المخلصة له عن الضلالات ، فإذا جاز إنزال المتشابهات التي توهم الضلالات لمثل هذا الغرض فلأن يجوز إنزال هذه الحروف التي لا توهم شيئا من الخطأ والضلال لمثل هذا الغرض كان أولى . أقصى ما في الباب أن يقال : لو جاز ذلك فليجز أن يتكلم بالزنجية مع العربي ، وأن يتكلم بالهذيان لهذا الغرض ، وأيضا فهذا يقدح في كون القرآن هدى وبيانا ، لكنا نقول : لم لا يجوز أن يقال : إن الله تعالى إذا تكلم بالزنجية مع العربي -وكان ذلك متضمنا لمثل هذه المصلحة- فإن ذلك يكون جائزا ؟ وتحقيقه أن الكلام فعل من الأفعال ، والداعي إليه قد يكون هو الإفادة ، وقد يكون غيرها ، قوله «أنه يكون هذيانا » قلنا : إن عنيت بالهذيان الفعل الخالي عن المصلحة بالكلية فليس الأمر كذلك ، وإن عنيت به الألفاظ الخالية عن الإفادة فلم قلت أن ذلك يقدح في الحكمة إذا كان فيها وجوه أخر من المصلحة سوى هذا الوجه ؟ وأما وصف القرآن بكونه هدى وبيانا فذلك لا ينافي ما قلناه ؛ لأنه إذا كان الغرض ما ذكرناه كان استماعها من أعظم وجوه البيان والهدى والله أعلم .
فروع على القول بأنها أسماء السور : الأول : هذه الأسماء على ضربين : أحدهما : يتأتى فيه الإعراب ، وهو إما أن يكون اسما مفردا «كصاد ، وقاف ، ونون » أو أسماء عدة مجموعها على زنة مفرد كحم ، وطس ويس ؛ فإنها موازنة لقابيل وهابيل ، وأما طسم فهو وإن كان مركبا من ثلاثة أسماء فهو كدر أبجرد ، وهو من باب ما لا ينصرف ، لاجتماع سببين فيها وهما العلمية والتأنيث . والثاني : ما لا يتأتى فيه الإعراب ، نحو كهيعص ، والمر ، إذا عرفت هذا فنقول : أما المفردة ففيها قراءتان : إحداهما : قراءة من قرأ صاد وقاف ونون بالفتح ، وهذه الحركة يحتمل أن تكون هي النصب بفعل مضمر نحو : أذكر ، وإنما لم يصحبه التنوين لامتناع الصرف كما تقدم بيانه وأجاز سيبويه مثله في حم وطس ويس لو قرئ به ، وحكى السيرافي أن بعضهم قرأ «يس » بفتح النون ؛ وأن يكون الفتح جرا ، وذلك بأن يقدرها مجرورة بإضمار الباء القسمية ، فقد جاء عنهم : «الله لأفعلن » غير أنها فتحت في موضع الجر لكونها غير مصروفة ، ويتأكد هذا بما روينا عن بعضهم «أن الله تعالى أقسم بهذه الحروف » ، وثانيتهما : قراءة بعضهم صاد بالكسر . وسببه التحريك لالتقاء الساكنين . أما القسم الثاني -وهو ما لا يتأتى الإعراب فيه- فهو يجب أن يكون محكيا ، ومعناه أن يجاء بالقول بعد نقله على استبقاء صورته الأولى كقولك : «دعني من تمرتان » .
الثاني : أن الله تعالى أورد في هذه الفواتح نصف أسامي حروف المعجم : أربعة عشر سواء ، وهي : الألف ، واللام ، والميم ، والصاد ، والراء ، والكاف ، والهاء ، والياء ، والعين ، والطاء ، والسين ، والحاء ، والقاف ، والنون في تسع وعشرين سورة .
الثالث : هذه الفواتح جاءت مختلفة الأعداد ، فوردت «ص ق ن » على حرف ، و «طه وطس ويس وحم » على حرفين ، و«ألم والر وطسم » على ثلاثة أحرف ، و«المص والمر » على أربعة أحرف ، و «كهعيص وحم عسق » على خمسة أحرف ، والسبب فيه أن أبنية كلماتهم على حرف وحرفين إلى خمسة أحرف فقط فكذا ههنا .
الرابع : هل لهذه الفواتح محل من الإعراب أم لا ؟ فنقول : إن جعلناها أسماء للسور فنعم ، ثم يحتمل الأوجه الثلاثة ، أما الرفع فعلى الابتداء ، وأما النصب والجر فلما مر من صحة القسم بها ، ومن لم يجعلها أسماء للسور لم يتصور أن يكون لها محل على قوله ، كما لا محل للجمل المبتدأة وللمفردات المعدودة .
سورة البقرة مدنية وآياتها ست وثمانون ومائتان
هذه السورة من أوائل ما نزل من السور بعد الهجرة . وهي أطول سور القرآن على الإطلاق . والمرجح أن آياتها لم تنزل متوالية كلها حتى اكتملت قبل نزول آيات من سور أخرى ؛ فمراجعة أسباب نزول بعض آياتها وبعض الآيات من السور المدنية الأخرى - وإن تكن هذه الأسباب ليست قطعية الثبوت - تفيد أن السور المدنية الطوال لم تنزل آياتها كلها متوالية ؛ إنما كان يحدث أن تنزل آيات من سورة لاحقة قبل استكمال سورة سابقة نزلت مقدماتها ؛ وأن المعول عليه في ترتيب السور من حيث النزول هو سبق نزول أوائلها - لا جميعها - وفي هذه السورة آيات في أواخر ما نزل من القرآن كأيات الربا ، في حين أن الراجح أن مقدماتها كانت من أول ما نزل من القرآن في المدينة .
فأما تجميع آيات كل سورة في السورة ، وترتيت هذه الآيات ، فهو توقيفي موحى به . . روى الترمذي - بإسناده - عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال : قلت لعثمان بن عفان : ما حملكم أن عمدتم إلى الأنفال وهي من المثاني وإلى براءة وهي من المئين ، وقرنتم بينهما ولم تكتبوا سطر : بسم الله الرحمن الرحيم ، ووضعتموها في السبع الطوال ؟ وما حملكم على ذلك ؟ فقال عثمان : كان رسول الله [ ص ] كان مما يأتي عليه الزمان وهو ينزل عليه السور ذوات العدد ؛ فكان إذا نزل عليه الشيء دعا بعض من كان يكتب ، فيقول : " ضعوا هذه الآية في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا " . وكانت الأنفال من أول ما نزل بالمدينة ، وكانت براءة من آخر ما نزل من القرآن ؛ وكانت قصتها شبيهة بقصتها ، وخشيت أنها منها ؛ وقبض رسول الله [ ص ] ولم يبين لنا أنها منها . فمن أجل ذلك قرنت بينهما ، ولم أكتب بينهما سطر : بسم الله الرحمن الرحيم ، ووضعتها في السبع الطوال .
فهذه الرواية تبين أن ترتيب الآيات في كل سورة كان بتوقيف من رسول الله [ ص ] وقد روى الشيخان عن ابن عباس رضي الله عنهما قال كان النبي [ ص ] أجود الناس بالخير وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل . وكان جبريل عليه السلام يلقاه كل ليلة في رمضان حتى ينسلخ يعرض عليه النبي [ ص ] القرآن ، وفي رواية فيدارسه القرآن ، فإذا لقيه جبريل عليه السلام كان أجود بالخير من الريح المرسلة . ومن الثابت أن رسول الله [ ص ] وقد قرأ القرآن كله على جبريل - عليه السلام - كما أن جبريل قد قرأه عليه . . ومعنى هذا أنهما قرآه مرتبة آياته في سوره .
ومن ثم يلحظ من يعيش في ظلال القرآن أن لكل سورة من سوره شخصية مميزة ! شخصية لها روح يعيش معها القلب كما لو كان يعيش مع روح حي مميز الملامح والسمات والأنفاس ! ولها موضوع رئيسي أو عدة موضوعات رئيسية مشدودة إلى محور خاص . ولها جو خاص يظلل موضوعاتها كلها ؛ ويجعل سياقها يتناول هذه الموضوعات من جوانب معينة ، تحقق التناسق بينها وفق هذا الجو . ولها إيقاع موسيقي خاص - إذا تغير في ثنايا السياق فإنما يتغير لمناسبة موضوعية خاصة . . وهذا طابع عام في سور القرآن جميعا . ولا يشذ عن هذه القاعدة طوال السور كهذه السورة .
هذه السورة تضم عدة موضوعات . ولكن المحور الذي يجمعها كلها محور واحد مزدوج يترابط الخطان الرئيسيان فيه ترابطا شديدا . . فهي من ناحية تدور حول موقف بني إسرائيل من الدعوة الإسلامية في المدينة ، واستقبالهم لها ، ومواجهتهم لرسولها [ ص ] وللجماعة المسلمة الناشئة على أساسها . . . وسائر ما يتعلق بهذا الموقف بما فيه تلك العلاقة القوية بين اليهود والمنافقين من جهة ، وبين اليهود والمشركين من جهة أخرى . . وهي من الناحية الأخرى تدور حول موقف الجماعة المسلمة في أول نشأتها ؛ وإعدادها لحمل أمانة الدعوة والخلافة في الأرض ، بعد أن تعلن السورة نكول بني إسرائيل عن حملها ، ونقضهم لعهد الله بخصوصها ، وتجريدهم من شرف الانتساب الحقيقي لإبراهيم - عليه السلام - صاحب الحنيفية الأولى ، وتبصير الجماعة المسلمة وتحذيرها من العثرات التي سببت تجريد بني إسرائيل من هذا الشرف العظيم . . وكل موضوعات السورة تدور حول هذا المحور المزدوج بخطيه الرئيسيين ، كما سيجيء في استعراضها التفصيلي .
ولكي يتضح مدى الارتباط بين محور السورة وموضوعاتها من جهة ، وبين خط سير الدعوة أول العهد بالمدينة ، وحياة الجماعة المسلمة وملابساتها من الجهة الأخرى . . يحسن أن نلقي ضوءا على مجمل هذه الملابسات التي نزلت آيات السورة لمواجهتها ابتداء . مع التنبيه الدائم إلى أن هذه الملابسات في عمومها هي الملابسات التي ظلت الدعوة الإسلامية وأصحابها يواجهونها - مع اختلاف يسير - على مر العصور وكر الدهور ؛ من أعدائها وأوليائها على السواء . مما يجعل هذه التوجيهات القرآنية هي دستور هذه الدعوة الخالد ؛ ويبث في هذه النصوص حياة تتجدد لمواجهة كل عصر وكل طور ؛ ويرفعها معالم للطريق أمام الأمة المسلمة تهتدي بها في طريقها الطويل الشاق ، بين العداوات المتعددة المظاهر المتوحدة الطبيعة . . وهذا هو الإعجاز يتبدى جانب من جوانبه في هذه السمة الثابتة المميزة في كل نص قرآني .
لقد تمت هجرة الرسول [ ص ] إلى المدينة بعد تمهيد ثابت وإعداد محكم . تمت تحت تأثير ظروف حتمت هذه الهجرة ؛ وجعلتها إجراء ضروريا لسير هذه الدعوة في الخط المرسوم الذي قدره الله لها بتدبيره . . كان موقف قريش العنيد من الدعوة في مكة - وبخاصة بعد وفاة خديجة - رضي الله عنها - وموت أبي طالب كافل النبي وحاميه . . كان هذا الموقف قد انتهى إلى تجميد الدعوة تقريبا في مكة وما حولها . ومع استمرار دخول أفراد في الإسلام على الرغم من جميع الاضطهادات والتدبيرات فإن الدعوة كانت تعتبر قد تجمدت فعلا في مكة وما حولها ، بموقف قريش منها ، وتحالفهم على حربها بشتى الوسائل ، مما جعل بقية العرب تقف موقف التحرز والانتظار ، في ارتقاب نتيجة المعركة بين الرسول وعشيرته الأقربين ، وعلى رأسهم أبو لهب وعمرو بن هشام وأبو سفيان بن حرب وغيرهم ممن يمتون بصلة القرابة القوية لصاحب الدعوة . وما كان هناك ما يشجع العرب في بيئة قبلية لعلاقات القرابة عندها وزن كبير ، على الدخول في عقيدة رجل تقف منه عشيرته هذا الموقف . وبخاصة أن عشيرته هذه هي التي تقوم بسدانة الكعبة ، وهي التي تمثل الناحية الدينية في الجزيرة !
ومن ثم كان بحث الرسول [ ص ] عن قاعدة أخرى غير مكة ، قاعدة تحمي هذه العقيدة وتكفل لها الحرية ، ويتاح لها فيها أن تخلص من هذا التجميد الذي انتهت إليه في مكة . حيث تظفر بحرية الدعوة وبحماية المعتنقين لها من الاضطهاد والفتنة . . وهذا في تقديري كان هو السبب الأول والأهم للهجرة .
ولقد سبق الاتجاه إلى يثرب ، لتكون قاعدة للدعوة الجديدة ، عدة اتجاهات . . سبقها الاتجاه إلى الحبشة ، حيث هاجر إليها كثير من المؤمنين الأوائل . والقول بأنهم هاجروا إليها لمجرد النجاة بأنفسهم لا يستند إلى قرائن قوية . فلو كان الأمر كذلك لهاجر إذن أقل الناس جاها وقوة ومنعة من المسلمين . غير أن الأمر كان على الضد من هذا ، فالموالي المستضعفون الذين كان ينصب عليهم معظم الاضطهاد والتعذيب والفتنة لم يهاجروا . إنما هاجر رجال ذوو عصبيات ، لهم من عصبيتهم - في بيئة قبلية - ما يعصمهم من الأذى ، ويحميهم من الفتنة ؛ وكان عدد القرشيين يؤلف غالبية المهاجرين ، منهم جعفر بن أبي طالب - وأبوه وفتيان بني هاشم معه هم الذين كانوا يحمون النبي [ ص ] ومنهم الزبير بن العوام ، وعبد الرحمن ابن عوف ، وأبو سلمة المخزومي ، وعثمان بن عفان الأموي . . . . وغيرهم . وهاجرت نساء كذلك من أشرف بيوتات مكة ما كان الأذى لينالهن أبدا . . وربما كان وراء هذه الهجرة أسباب أخرى كإثارة هزة في أوساط البيوت الكبيرة في قريش ؛ وأبناؤها الكرام المكرمون يهاجرون بعقيدتهم ، فرارا من الجاهلية ، تاركين وراءهم كل وشائج القربى ، في بيئة قبلية تهزها هذه الهجرة على هذا النحو هزا عنيفا ؛ وبخاصة حين يكون من بين المهاجرين مثل أم حبيبة ، بنت أبي سفيان ، زعيم الجاهلية ، وأكبر المتصدين لحرب العقيدة الجديدة وصاحبها . . ولكن مثل هذه الأسباب لا ينفي احتمال أن تكون الهجرة إلى الحبشة أحد الاتجاهات المتكررة في البحث عن قاعدة حرة ، أو آمنة على الأقل للدعوة الجديدة . وبخاصة حين نضيف إلى هذا الاستنتاج ما ورد عن إسلام نجاشي الحبشة . ذلك الإسلام الذي لم يمنعه من إشهاره نهائيا إلا ثورة البطارقة عليه ، كما ورد في روايات صحيحة .
كذلك يبدو اتجاه الرسول [ ص ] إلى الطائف محاولة أخرى لإيجاد قاعدة حرة أو آمنة على الأقل للدعوة . . وهي محاولة لم تكلل بالنجاح لأن كبراء ثقيف استقبلوا رسول الله [ ص ] أسوأ استقبال ، وسلطوا عليه سفهاءهم وصبيانهم يرجمونه بالحجارة ، حتى أدموا قدميه الشريفتين ، ولم يتركوه حتى آوى إلى حائط [ أي حديقة ] لعتبة وشيبة إبني ربيعة . . وهناك انطلق لسانه بذلك الدعاء الخالص العميق : " اللهم أشكو إليك ضعف قوتي ، وقلة حيلتي ، وهواني على الناس . يا أرحم الراحمين أنت رب المستضعفين وأنت ربي . إلى من تكلني ؟ إلى عدو ملكته أمري ! أم بعيد يتجهمني ؟ إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي . ولكن عافيتك أوسع لي . أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت به الظلمات ، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة ، أن تنزل بي غضبك ، أو تحل علي سخطك . لك العتبى حتى ترضى ، ولا حول ولا قوة إلا بك " .
بعد ذلك فتح الله على الرسول [ ص ] وعلى الدعوة من حيث لا يحتسب ، فكانت بيعة العقبة الأولى ، ثم بيعة العقبة الثانية . وهما ذواتا صلة قوية بالموضوع الذي نعالجه في مقدمة هذه السورة ، وبالملابسات التي وجدت حول الدعوة في المدينة .
وقصة ذلك في اختصار : أن النبي [ ص ] التقى قبل الهجرة إلى يثرب بسنتين بجماعة من الخزرج في موسم الحج ، حيث كان يعرض نفسه ودعوته على الوافدين للحج ؛ ويطلب حاميا يحميه حتى يبلغ دعوة ربه . وكان سكان يثرب من العرب - الأوس والخزرج - يسمعون من اليهود المقيمين معهم ، أن هنالك نبيا قد أطل زمانه ؛ وكانت يهود تستفتح به على العرب ، أي تطلب أن يفتح لهم على يديه ، وأن يكون معهم على كل من عداهم . فلما سمع وفد الخزرج دعوة النبي [ ص ] قال بعضهم لبعض : تعلمن والله إنه للنبي الذي توعدكم به يهود ، فلا تسبقنكم إليه . . وأجابوه لما دعاهم . وقالوا له : إننا قد تركنا قومنا ولا قوم بينهم من العداوة والشر ما بينهم . فعسى الله أن يجمعهم بك . . ولما عادوا إلى قومهم ، وعرضوا الأمر عليهم ، ارتاحوا له ، ووافقوا عليه .
فلما كان العام التالي وافى الموسم جماعة من الأوس والخزرج ، فالتقوا بالنبي [ ص ] وبايعوه على الإسلام . وقد أرسل معهم من يعلمهم أمر دينهم .
وفي الموسم التالي وفد عليه جماعة كبيرة من الأوس والخزرج كذلك ، فطلبوا أن يبايعوه ، وتمت البيعة بحضور العباس عم النبي [ ص ] على أن يمنعوه مما يمنعون منه أنفسهم وأموالهم . وتسمى هذه البيعة الثانية بيعة العقبة الكبرى . . ومما وردت به الروايات في هذه البيعة ما قاله محمد بن كعب القرظي : قال عبد الله بن رواحة - رضي الله عنه - لرسول الله [ ص ] يعني ليلة العقبة : اشترط لربك ولنفسك ما شئت . فقال : " اشترط لربي أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا ؛ واشترط لنفسي أن تمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم وأموالكم " . قال : فما لنا إذا فعلنا ذلك ؟ قال : " الجنة " . قالوا : ربح البيع ولا نقيل ولا نستقبل !
وهكذا أخذوا الأمر بقوة . . ومن ثم فشا الإسلام في المدينة ، حتى لم يبق فيها بيت لم يدخله الإسلام . وأخذ المسلمون في مكة يهاجرون إلى المدينة تباعا ، تاركين وراءهم كل شيء ، ناجين بعقيدتهم وحدها ، حيث لقوا من إخوانهم الذين تبوأوا الدار والإيمان من قبلهم ، من الإيثار والإخاء ما لم تعرف له الإنسانية نظيرا قط . ثم هاجر رسول الله [ ص ] وصاحبه الصديق . هاجر إلى القاعدة الحرة القوية الآمنة التي بحث عنها من قبل طويلا . . وقامت الدولة الإسلامية في هذه القاعدة منذ اليوم الأول لهجرة الرسول [ ص ] .
من أولئك السابقين من المهاجرين والأنصار تكونت طبقة ممتازة من المسلمين نوه القرآن بها في مواضع كثيرة . وهنا نجد السورة تفتتح بتقرير مقومات الإيمان ، وهي تمثل صفة المؤمنين الصادقين إطلاقا . ولكنها أولا تصف ذلك الفريق من المسلمين الذي كان قائما بالمدينة حينذاك : ( الم ذلك الكتاب لا ريب فيه ، هدى للمتقين ، الذين يؤمنون بالغيب ، ويقيمون الصلاة ، ومما رزقناهم ينفقون . والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك ، وبالآخرة هم يوقنون . أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون . . )
ثم نجد بعدها مباشرة في السياق وصفا للكفار ؛ وهو يمثل مقومات الكفر على الإطلاق . ولكنه أولا وصف مباشر للكفار الذين كانت الدعوة تواجههم حينذاك ، سواء في مكة أو فيما حول المدينة ذاتها من طوائف الكفار : ( إن الذين كفروا سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون . ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم ، وعلى أبصارهم غشاوة ، ولهم عذاب عظيم ) . .
كذلك كانت هناك طائفة المنافقين . ووجود هذه الطائفة نشأ مباشرة من الأوضاع التي أنشأتها الهجرة النبوية إلى المدينة في ظروفها التي تمت فيها ، والتي أشرنا إليها من قبل ؛ ولم يكن لها وجود بمكة . فالإسلام في مكة لم تكن له دولة ولم تكن له قوة ، بل لم تكن له عصبة يخشاها أهل مكة فينافقونها . على الضد من ذلك كان الإسلام مضطهدا ، وكانت الدعوة مطاردة ، وكان الذين يغامرون بالانضمام إلى الصف الإسلامي هم المخلصون في عقيدتهم ، الذين يؤثرونها على كل شيء ويحتملون في سبيلها كل شيء . فأما في يثرب التي أصبحت منذ اليوم تعرف باسم المدينة - أي مدينة الرسول - فقد أصبح الإسلام قوة يحسب حسابها كل أحد ؛ ويضطر لمصانعتها كثيرا أو قليلا - وبخاصة بعد غزوة بدر وانتصار المسلمين فيها انتصارا عظيما - وفي مقدمة من كان مضطرا لمصانعتها نفر من الكبراء ، دخل أهلهم وشيعتهم في الإسلام وأصبحوا هم ولا بد لهم لكي يحتفظوا بمقامهم الموروث بينهم وبمصالحهم كذلك أن يتظاهروا باعتناق الدين الذي اعتنقه أهلهم وأشياعهم . ومن هؤلاء عبد الله بن أبي بن سلول الذي كان قومه ينظمون له الخرز ليتوجوه ملكا عليهم قبيل مقدم الإسلام على المدينة . .
وسنجد في أول السورة وصفا مطولا لهؤلاء المنافقين ، ندرك من بعض فقراته أن المعني بهم في الغالب هم أولئك الكبراء الذين أرغموا على التظاهر بالإسلام ، ولم ينسوا بعد ترفعهم على جماهير الناس ، وتسمية هذه الجماهير بالسفهاء على طريقة العلية المتكبرين ! : ( ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين . يخادعون الله والذين آمنوا ، وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون . في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا ؛ ولهم عذاب أليم بما كانوا يكذبون . وإذا قيل لهم : لا تفسدوا في الأرض قالوا : إنما نحن مصلحون . ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون . وإذا قيل لهم : آمنوا كما آمن الناس قالوا : أنؤمن كما آمن السفهاء ؟ ألا إنهم هم السفهاء ولكن لا يعلمون . وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا : آمنا ، وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا : إنا معكم إنما نحن مستهزؤون . الله يستهزئ بهم ويمدهم في طغيانهم يعمهون . أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى فما ربحت تجارتهم ، وما كانوا مهتدين . مثلهم كمثل الذي استوقد نارا فلما أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم ، وتركهم في ظلمات لا يبصرون . صم بكم عمي فهم لا يرجعون . أو كصيب من السماء فيه ظلمات ورعد وبرق ، يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق حذر الموت ، والله محيط بالكافرين . يكاد البرق يخطف أبصارهم كلما أضاء لهم مشوا فيه ، وإذا أظلم عليهم قاموا ، ولو شاء الله لذهب بسمعهم وأبصارهم ، إن الله على كل شيء قدير . . )
وفي ثنايا هذه الحملة على المنافقين - الذين في قلوبهم مرض - نجد إشارة إلى( شياطينهم ) . والظاهر من سياق السورة ومن سياق الأحداث في السيرة أنها تعني اليهود ، الذين تضمنت السورة حملات شديدة عليهم فيما بعد . أما قصتهم مع الدعوة فنلخصها في هذه السطور القليلة :
لقد كان اليهود هم أول من اصطدم بالدعوة في المدينة ؛ وكان لهذا الاصطدام أسبابه الكثيرة . . كان لليهود في يثرب مركز ممتاز بسبب أنهم أهل كتاب بين الأميين من العرب - الأوس والخزرج - ومع أن مشركي العرب لم يظهروا ميلا لاعتناق ديانة أهل الكتاب هؤلاء ، إلا أنهم كانوا يعدونهم أعلم منهم وأحكم بسبب ما لديهم من كتاب . ثم كان هنالك ظرف موات لليهود فيما بين الأوس والخزرج من فرقة وخصام - وهي البيئة التي يجد اليهود دائما لهم فيها عملا ! - فلما أن جاء الإسلام سلبهم هذه المزايا جميعا . . فلقد جاء بكتاب مصدق لما بين يديه من الكتاب ومهيمن عليه . ثم إنه أزال الفرقة التي كانوا ينفذون من خلالها للدس والكيد وجر المغانم ، ووحد الصف الإسلامي الذي ضم الأوس والخزرج ، وقد أصبحوا منذ اليوم يعرفون بالأنصار ، إلى المهاجرين ، وألف منهم جميعا ذلك المجتمع المسلم المتضام المتراص الذي لم تعهد له البشرية من قبل ولا من بعد نظيرا على الإطلاق .
ولقد كان اليهود يزعمون أنهم شعب الله المختار ، وأن فيهم الرسالة والكتاب . فكانوا يتطلعون أن يكون الرسول الأخير فيهم كما توقعوا دائما . فلما أن جاء من العرب ظلوا يتوقعون أن يعتبرهم خارج نطاق دعوته ، وأن يقصر الدعوة على الأميين من العرب ! فلما وجدوه يدعوهم - أول من يدعو - إلى كتاب الله ، بحكم أنهم أعرف به من المشركين ، وأجدر بالاستجابة له من المشركين . . أخذتهم العزة بالإثم ، وعدوا توجيه الدعوة إليهم إهانة واستطالة !
ثم إنهم حسدوا النبي [ ص ] حسدا شديدا . حسدوه مرتين : مرة لأن الله اختاره وأنزل عليه الكتاب - وهم لم يكونوا يشكون في صحته - وحسدوه لما لقيه من نجاح سريع شامل في محيط المدينة .
على أنه كان هناك سبب آخر لحنقهم ولموقفهم من الإسلام موقف العداء والهجوم منذ الأيام الأولى : ذلك هو شعورهم بالخطر من عزلهم عن المجتمع المدني الذي كانوا يزاولون فيه القيادة العقلية والتجارة الرابحة والربا المضعف ! هذا أو يستجيبوا للدعوة الجديدة . ويذوبوا في المجتمع الإسلامي . وهما أمران - في تقديرهم - أحلاهما مر !
لهذا كله وقف اليهود من الدعوة الإسلامية هذا الموقف الذي تصفه سورة البقرة ، [ وسور غيرها كثيرة ] في تفصيل دقيق ، نقتطف هنا بعض الآيات التي تشير إليه . . جاء في مقدمة الحديث عن بني إسرائيل هذ النداء العلوي لهم : ( يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم وإياي فارهبون . وآمنوا بما أنزلت مصدقا لما معكم . ولا تكونوا أول كافر به ، ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا ، وإياي فاتقون . ولا تلبسوا الحق بالباطل وتكتموا الحق وأنتم تعلمون . وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واركعوا مع الراكعين . أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم ؟ وأنتم تتلون الكتاب ؟ أفلا تعقلون ؟ ) . . وبعد تذكيرهم طويلا بمواقفهم مع نبيهم موسى - عليه السلام - وجحودهم لنعم الله عليهم ، وفسوقهم عن كتابهم وشريعتهم . . ونكثهم لعهد الله معهم . . جاء في سياق الخطاب لتحذير المسلمين منهم : ( أفتطمعون أن يؤمنوا لكم وقد كان فريق منهم يسمعون كلام الله ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه وهم يعلمون ؟ وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا : آمنا ، وإذا خلا بعضهم إلى بعض قالوا : أتحدثونهم بما فتح الله عليكم ليحاجوكم به عند ربكم ؟ أفلا تعقلون ؟ ) . . ( وقالوا : لن تمسنا النار إلا أياما معدودة . قل : أتخذتم عند الله عهدا فلن يخلف الله عهده ؟ أم تقولون على الله ما لا تعلمون ؟ ) . . ( ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به ، فلعنة الله على الكافرين ) . . . ( وإذا قيل لهم : آمنوا بما أنزل الله . قالوا : نؤمن بما أنزل علينا ، ويكفرون بما وراءه وهو الحق مصدقا لما معهم ) . . . ( ولما جاءهم رسول من عند الله مصدق لما معهم نبذ فريق من الذين أوتوا الكتاب كتاب الله وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون ) . . . ( ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين أن ينزل عليكم من خير من ربكم ) . . . ( ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا حسدا من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق ) . . . ( وقالوا : لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى . تلك أمانيهم ) . . . ( ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم ) . . . الخ الخ .
وكانت معجزة القرآن الخالدة أن صفتهم التي دمغهم بها هي الصفة الملازمة لهم في كل أجيالهم من قبل الإسلام ومن بعده إلى يومنا هذا . مما جعل القرآن يخاطبهم - في عهد النبي [ ص ] كما لو كانوا هم أنفسهم الذين كانوا على عهد موسى - عليه السلام - وعلى عهود خلفائه من أنبيائهم باعتبارهم جبلة واحدة . سماتهم هي هي ، ودورهم هو هو ، وموقفهم من الحق والخلق موقفهم على مدار الزمان ! ومن ثم يكثر الالتفات في السياق من خطاب قوم موسى ، إلى خطاب اليهود في المدينة ، إلى خطاب أجيال بين هذين الجيلين . ومن ثم تبقى كلمات القرآن حية كأنما تواجه موقف الأمة المسلمة اليوم وموقف اليهود منها . وتتحدث عن استقبال يهود لهذه العقيدة ولهذه الدعوة اليوم وغدا كما استقبلتها بالأمس تماما ! وكأن هذه الكلمات الخالدة هي التنبيه الحاضر والتحذير الدائم للأمة المسلمة ، تجاه أعدائها الذين واجهوا أسلافها بما يواجهونها اليوم به من دس وكيد ، وحرب منوعة المظاهر ، متحدة الحقيقة !
وهذه السورة التي تضمنت هذا الوصف ، وهذا التنبيه ، وهذا التحذير ، تضمنت كذلك بناء الجماعة المسلمة وإعدادها لحمل أمانة العقيدة في الأرض بعد نكول بني إسرائيل عن حملها قديما ، ووقوفهم في وجهها هذه الوقفة أخيرا . .
تبدأ السورة - كما أسلفنا - بوصف تلك الطوائف التي كانت تواجه الدعوة أول العهد بالهجرة - بما في ذلك تلك الإشارة إلى الشياطين اليهود الذين يرد ذكرهم فيما بعد مطولا - وتلك الطوائف هي التي تواجه هذه الدعوة على مدار التاريخ بعد ذلك . ثم تمضي السورة على محورها بخطيه الأساسيين إلى نهايتها . في وحدة ملحوظة ، تمثل الشخصية الخاصة للسورة ، مع تعدد الموضوعات التي تتناولها وتنوعها .
فبعد استعراض النماذج الثلاثة الأولى : المتقين . والكافرين . والمنافقين . وبعد الإشارة الضمنية لليهود الشياطين . . نجد دعوة للناس جميعا إلى عبادة الله والإيمان بالكتاب المنزل على عبده . وتحدي المرتابين فيه أن يأتوا بسورة من مثله . وتهديد الكافرين بالنار وتبشير المؤمنين بالجنة . . ثم نجد التعجيب من أمر الذين يكفرون بالله : ( كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم ، ثم يميتكم ثم يحييكم ، ثم إليه ترجعون ! هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا ، ثم استوى إلى السماء فسواهن سبع سماوات ، وهو بكل شيء عليم ) . .
وعند هذا المقطع الذي يشير إلى خلق ما في الأرض جميعا للناس تجيء قصة استخلاف آدم في الأرض : ( وإذ قال ربك للملائكة : إني جاعل في الأرض خليفة ) . . وتمضي القصة تصف المعركة الخالدة بين آدم والشيطان حتى تنتهي بعهد الاستخلاف - وهو عهد الإيمان - : ( قلنا : اهبطوا منها جميعا فإما يأتينكم مني هدى ، فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون . والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ) . .
بعد هذا يبدأ السياق جولة واسعة طويلة مع بني إسرائيل - أشرنا إلى فقرات منها فيما سبق - تتخللها دعوتهم للدخول في دين الله وما أنزله الله مصدقا لما معهم مع تذكيرهم بعثراتهم وخطاياهم والتوائهم وتلبيسهم منذ أيام موسى - عليه السلام - وتستغرق هذه الجولة كل هذا الجزء الأول من السورة .
ومن خلال هذه الجولة ترتسم صورة واضحة لاستقبال بني إسرائيل للإسلام ورسوله وكتابه . . لقد كانوا أول كافر به . وكانوا يلبسون الحق بالباطل . وكانوا يأمرون الناس بالبر - وهو الإيمان - وينسون أنفسهم . وكانوا يسمعون كلام الله ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه . وكانوا يخادعون الذين آمنوا باظهار الإيمان وإذا خلا بعضهم إلى بعض حذر بعضهم بعضا من إطلاع المسلمين على ما يعلمونه من أمر النبي وصحة رسالته ! وكانوا يريدونإن يردوا المسلمين كفارا . وكانوا يدعون من أجل هذا أن المهتدين هم اليهود وحدهم - كما كان النصارى يدعون هذا أيضا - وكانوا يعلنون عداءهم لجبريل - عليه السلام - بما أنه هو الذي حمل الوحي إلى محمد دونهم ! وكانوا يكرهون كل خير للمسلمين ويتربصون بهم السوء . وكانوا ينتهزون كل فرصة للتشكيك في صحة الأوامر النبوية ومجيئها من عند الله تعالى - كما فعلوا عند تحويل القبلة - وكانوا مصدر إيحاء وتوجيه للمنافقين . كما كانوا مصدر تشجيع للمشركين .
ومن ثم تتضمن السورة حملة قوية على أفاعيلهم هذه ؛ وتذكرهم بمواقفهم المماثلة من نبيهم موسى - عليه السلام - ومن شرائعهم وأنبيائهم على مدار أجيالهم . وتخاطبهم في هذا كأنهم جيل واحد متصل ، وجبلة واحدة لا تتغير ولا تتبدل .
وتنتهي هذه الحملة بتيئيس المسلمين من الطمع في إيمانهم لهم ، وهم على هذه الجبلة الملتوية القصد ، المؤوفة الطبع . كما تنتهي بفصل الخطاب في دعواهم أنهم وحدهم المهتدون ، بما أنهم ورثة إبراهيم . وتبين أن ورثة إبراهيم الحقيقيين هم الذين يمضون على سنته ، ويتقيدون بعهده مع ربه ؛ وأن وراثة إبراهيم قد انتهت إذن إلى محمد [ ص ] والمؤمنين به ، بعد ما انحرف اليهود وبدلوا ونكلوا عن حمل أمانة العقيدة ، والخلافة في الأرض بمنهج الله ؛ ونهض بهذا الأمر محمد والذين معه . وأن هذا كان استجابة لدعوة إبراهيم وإسماعيل - عليهما السلام - وهما يرفعان القواعد من البيت : ( ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك ، وأرنا مناسكنا ، وتب علينا ، إنك أنت التواب الرحيم . ربنا وابعث فيهم رسولا منهم يتلو عليهم آياتك ، ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم ، إنك أنت العزيز الحكيم ) .
وعند هذا الحد يبدأ سياق السورة يتجه إلى النبي [ ص ] وإلى الجماعة المسلمة من حوله ؛ حيث يأخذ في وضع الأسس التي تقوم عليها حياة هذا الجماعة المستخلفة على دعوة الله في الأرض ، وفي تمييز هذه الجماعة بطابع خاص ، وبمنهج في التصور وفي الحياة خاص .
ويبدأ في هذا بتعيين القبلة التي تتجه إليها هذه الجماعة . وهي البيت المحرم الذي عهد الله لإبراهيم وإسماعيل أن يقيماه ويطهراه ليعبد فيه الله وحده ، هذه القبلة التي كان النبي [ ص ] يرغب ولا يصرح في الاتجاه إليها : ( قد نرى تقلب وجهك في السماء ، فلنولينك قبلة ترضاها فول وجهك شطر المسجد الحرام ، وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره ) . .
ثم تمضي السورة في بيان المنهج الرباني لهذه الجماعة المسلمة . منهج التصور والعبادة ، ومنهج السلوك والمعاملة ، تبين لها أن الذين يقتلون في سبيل الله ليسوا أمواتا بل أحياء . وأن الإصابة بالخوف والجوع ونقص الأموال والأنفس والثمرات ليس شرا يراد بها ، إنما هو ابتلاء ، ينال الصابرون عليه صلوات الله ورحمته وهداه . وأن الشيطان يعد الناس الفقر ويأمرهم بالفحشاء والله يعدهم مغفرة منه وفضلا . وأن الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور ، والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات . . وتبين لهم بعض الحلال والحرام في المطاعم والمشارب . وتبين لهم حقيقة البر لا مظاهره وأشكاله . وتبين لهم أحكام القصاص في القتلى . وأحكام الوصية . وأحكام الصوم . وأحكام الجهاد . وأحكام الحج . وأحكام الزواج والطلاق مع التوسع في دستور الأسرة بصفة خاصة . وأحكام الصدقة وأحكام الربا . وأحكام الدين والتجارة . . .
وفي مناسبات معينة يرجع السياق إلى الحديث عن بني إسرائيل من بعد موسى . وعن حلقات من قصةإبراهيم . ولكن جسم السورة - بعد الجزء الأول منها - ينصرف إلى بناء الجماعة المسلمة ، وإعدادها لحمل أمانة العقيدة ، والخلافة في الأرض بمنهج الله وشريعته . وتمييزها بتصورها الخاص للوجود ، وارتباطها بربها الذي اختارها لحمل هذه الأمانة الكبرى .
وفي النهاية نرى ختام السورة ينعطف على افتتاحها ، فيبين طبيعة التصور الإيماني ، وإيمان الأمة المسلمة بالأنبياء كلهم ، وبالكتب كلها وبالغيب وما وراءه ، مع السمع والطاعة : ( آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون ، كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله ، لا نفرق بين أحد من رسله ، وقالوا : سمعنا وأطعنا ، غفرانك ربنا وإليك المصير . لا يكلف الله نفسا إلا وسعها ، لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ، ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ، ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا ، ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به ، واعف عنا واغفر لنا ، وارحمنا ، أنت مولانا ، فانصرنا على القوم الكافرين . . )
ومن ثم يتناسق البدء والختام ، وتتجمع موضوعات السورة بين صفتين من صفات المؤمنين وخصائص الإيمان .
تبدأ السورة بهذه الأحرف الثلاثة المقطعة : " ألف . لام . ميم " . يليها الحديث عن كتاب الله : ( ذلك الكتاب لا ريب فيه ، هدى للمتقين ) . .
ومثل هذه الأحرف يجيء في مقدمة بعض السور القرآنية . وقد وردت في تفسيرها وجوه كثيرة . نختار منها وجها . إنها إشارة للتنبيه إلى أن هذا الكتاب مؤلف من جنس هذه الأحرف ، وهي في متناول المخاطبين به من العرب . ولكنه - مع هذا - هو ذلك الكتاب المعجز ، الذي لا يملكون أن يصوغوا من تلك الحروف مثله . الكتاب الذي يتحداهم مرة ومرة ومرة أن يأتوا بمثله أو بعشر سور مثله ، أو بسورة من مثله فلا يملكون لهذا التحدي جوابا !
والشأن في هذا الإعجاز هو الشأن في خلق الله جميعا . وهو مثل صنع الله في كل شيء وصنع الناس . . أن هذه التربة الأرضية مؤلفة من ذرات معلومة الصفات . فإذا أخذ الناس هذه الذرات فقصارى ما يصوغونه منها لبنة أو آجرة ، أو آنية أو أسطوانة ، أو هيكل أو جهاز . كائنا في دقته ما يكون . . ولكن الله المبدع يجعل من تلك الذرات حياة . حياة نابضة خافقة . تنطوي على ذلك السر الإلهي المعجز . . سر الحياة . . ذلك السر الذي لا يستطيعه بشر ، ولا يعرف سره بشر . . وهكذا القرآن . . حروف وكلمات يصوغ منها البشر كلاما وأوزانا ، ويجعل منها الله قرآنا وفرقانا ، والفرق بين صنع البشر وصنع الله من هذه الحروف والكلمات ، هو الفرق ما بين الجسد الخامد والروح النابض . . هو الفرق ما بين صورة الحياة وحقيقة الحياة !