النكت و العيون للماوردي - الماوردي  
{الٓمٓ} (1)

مقدمة السورة:

سورة البقرة

مدنية قي قول الجميع ، إلا آية منها وهي قوله تعالى : { واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله } فإنها نزلت يوم النحر في حجة الوداع بمنى .

قوله عز وجل : { الم } اختلف فيه المفسرون على ثمانية أقاويل :

أحدها : أنه اسم من أسماء القرآن كالفرقان والذكر ، وهو قوله قتادة وابن جريج .

والثاني : أنه من أسماء السور ، وهو قول زيد ابن أسلم .

والثالث : أنه اسم الله الأعظم ، وهو قول السدي والشعبي .

والرابع : أنه قسم أقسم الله تعالى به ، وهو من أسمائه ، وبه قال ابن عباس وعكرمة .

والخامس : أنها حروف مقطعة من أسماء وأفعال ، فالألف من أنا ، واللام من الله ، والميم من أعلم ، فكان معنى ذلك : أنا الله أعلم ، وهذا قول ابن مسعود وسعيد بن جبير ، ونحوه عن ابن عباس أيضاً .

والسادس : أنها حروف يشتمل كل حرف منها على معانٍ مختلفة ، فالألف مفتاح اسمه " الله " ، واللام مفتاح اسمه " لطيف " ، والميم مفتاح اسمه مجيد ، والألف آلاء الله ، والميم مجدُه ، والألِفُ سَنَةٌ ، واللامُ ثلاثون سنة ، والميم أربعون سنة ، آجال قد ذكرها الله .

والسابع : أنها حروف من حساب الجمل ، لما جاء في الخبر عن الكلبي ، عن أبي صالح ، عن ابن عباس وجابر بن عبد الله ، قال : مَرَّ أبو ياسر بن أخطب برسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يتلو فاتحة الكتاب وسورة البقرة : { الم . ذلِكَ الكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ } فأتى أخاه حُيَيَّ بْنَ أَخْطبَ في رجال من اليهود إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا : يا محمد ألم تذكر لنا أنك تتلو فيما أنزل اللهُ عليك : { الم . ذلك الكِتَابُ } فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " بلى " ، فقالوا : " أجاءك بها جبريل من عند الله " ؟ قال : " نعم " ، قالوا : " لقد بعث الله قبلك أنبياء ما نعلم أنه بُيِّنَ لنبي منهم مدة ملكه وما أُكل{[22]} أمته غيرك " ، فقال حُيَيُّ بن أخطب وأقبل على من كان معه ، فقال لهم : " الألف واحدة واللام ثلاثون ، والميم أربعون ، فهذه إحدى وسبعون سنة " ، ثم أقبل على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم قال : " يا محمد هل كان مع هذا غيره " ؟ قال : " نعم " ، قال : " ماذا " ؟ قال : " المص " ، قال هذه أثقل وأطول ، الألف واحدة واللام ثلاثون والميم أربعون ، والصاد تسعون ، فهذه إحدى وستون ومائة سنة ، فهل مع هذا يا محمد غيره " ، قال : " نعم " ، قال : " ماذا ؟ " قال : " الر " قال : " هذه أثقل وأطول ، الألف واحد ، واللام ثلاثون ، والراء مائتان ، فهذه إحدى وثلاثون ومائتان سنةٍ ، فهل مع هذا يا محمد غيره ؟ " قال : " نعم " قال : " ماذا " ؟ قال : " المر " ، قال هذه أثقل وأطول ، الألف واحدة ، واللام ثلاثون ، والميم أربعون ، والراء مائتان ، فهذه إحدى وسبعون ومائتا سنة .

ثم قال : " لقد التبس علينا أمرك حتى ما ندري أقليلاً أعطيت أم كثيراً " ، ثم قاموا عنه ، فقال أبو ياسر لأخيه حُيَيَّ بن أخطبَ ولمن معه من الأحبار : " ما يدريكم لعله قد جمع هذا كله لمحمد إحدى وسبعون ، وإحدى وستون ومائة ، وإحدى وثلاثون ومائتان ، وإحدى وسبعون ومائتان ، فذلك سبعمائة سنة وأربع وثلاثون سنة " ، قالوا : " لقد تشابه علينا أمره " . فيزعمون أن هذه الآيات نزلت فيهم : { هُوَ الَّذي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ }{[23]} .

والثامن : أنه حروف هجاء أَعلم الله تعالى بها العَرَب حين تحداهم بالقرآن ، أنه مُؤلَف من حروف كلام ، هي هذه التي منها بناء كلامهم ليكون عجزهم عنه أبلغ في الحجة عليهم ، إذ لم يخرج عن كلامهم .

فأما حروف ( أبجدَ ) فليس بناء كلامهم عليها ، ولا هي أصل ، وقد اختلف أهل العلم فيها على أربعة أقاويل :

أحدها : أنها الأيام الستة ، التي خلق الله تعالى فيها الدنيا ، وهذا قول الضحاك بن مزاحم .

والثاني : أنها أسماء ملوك مَدْيَن ، وهذا قول الشعبي وفي قول بعض شعراء مَدْيَن دليل على ذلك قال شاعرهم :

أَلاَ يَا شُعَيْبٌ قَدْ نَطَقْتَ مَقَالةً *** سَبَبْتَ بِهَا عَمْراً وَحَيَّ بني عَمْرو

مُلُوكُ بني حطّى وَهَوَّزُ مِنْهُمُ *** وَسَعْفَصُ أَصْلٌ لِلْمَكَارِمِ وَالْفَخْرِ

هُمُ صَبَّحُوا أَهْلَ الحِجَازِ بغارَةٍ *** كَمِثْل شُعَاعِ الشَّمْسِ أَوْ مَطْلَعِ الْفَجْرِ

والثالث : ما روى ميمون بن مهران ، عن ابن عباس ، أن لأبي جاد حديثاً عجباً : ( أبى ) آدمُ الطاعة ، و ( جد ) في أكل الشجرة ، وأما ( هوّز ) ، فنزل آدم فهوى من السماء إلى الأرض ، وأما ( حطي ) فحطت خطيئته ، وأما ( كلمن ) فأكل من الشجرة ، ومَنَّ عليه بالتوبة ، وأما ( سعفص ) فعصى آدم ، فأُخرج من النعيم إلى النكد ، وأما ( قرشت ) فأقرّ بالذنب ، وسَلِمَ من العقوبة .

والرابع : أنها حروف من أسماء الله تعالى ، روى ذلك معاوية بن قرة ، عن أبيه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم .


[22]:- الأكل: بالضم الرزق والطعام، ويريد بأكل أمته طول مدتهم.
[23]:- هذا الخبر ورد بكامله في سيرة ابن هشام 1/ 194-195، وإسناده ضعيف (تفسير ابن كثير)