التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَسۡـَٔلُواْ عَنۡ أَشۡيَآءَ إِن تُبۡدَ لَكُمۡ تَسُؤۡكُمۡ وَإِن تَسۡـَٔلُواْ عَنۡهَا حِينَ يُنَزَّلُ ٱلۡقُرۡءَانُ تُبۡدَ لَكُمۡ عَفَا ٱللَّهُ عَنۡهَاۗ وَٱللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٞ} (101)

استئناف ابتدائي للنهي عن العودة إلى مسائل سألها بعض المؤمنين رسول الله صلى الله عليه وسلم ليست في شؤون الدين ولكنّها في شؤون ذاتية خاصّة بهم ، فنهوا أن يشغلوا الرسول بمثالها بعد أن قدّم لهم بيان مُهمّة الرسول بقوله تعالى : { ما على الرسول إلاّ البلاغ } [ المائدة : 99 ] الصالح لأن يكون مقدّمة لمضمون هذه الآية ولمضمون الآية السابقة ، وهي قوله : { قل لا يستوي الخبيث والطيّب } [ المائدة : 100 ] فالآيتان كلتاهما مرتبطتان بآية { ما على الرسول إلاّ البلاغ } [ المائدة : 99 ] ، وليست إحدى هاتين الآيتين بمرتبطة بالأخرى .

وقد اختلفت الروايات في بيان نوع هذه الأشياء المسؤول عنها والصحيح من ذلك حديث موسى بن أنس بن مالك عن أبيه في « الصحيحين » قال : سأل الناس رسولَ الله صلى الله عليه وسلم حتى أحْفَوْهُ بالمسألة ، فصعِد المنبر ذات يوم فقال : " لا تسألونني عن شيء إلاّ بيّنت لكم " ، فأنشأ رجل كانَ إذا لاحَى يُدعى لغير أبيه ، فقال : يا رسول الله من أبي قال : أبوك حذافة ( أي فدعاه لأبيه الذي يعرف به ) ، والسائل هو عبد الله بن حُذَافة السَّهمي ، كما ورد في بعض روايات الحديث . وفي رواية لمسلم عن أبي موسى : فقام رجل آخر فقال مَن أبي ، قال : أبوك سالم مولى شيبة . وفي بعض روايات هذا الخبر في غير الصحيح عن أبي هريرة أنّ رجلاً آخر قام فقال : أين أبي . وفي رواية : أين أنا ؟ فقال : في النار .

وفي « صحيح البخاري » عن ابن عبّاس قال : كان قوم ، أي من المنافقين ، يسألون رسول الله استهزاء فيقول الرجل تضلّ ناقته : أين ناقتي ، ويقول الرجل : من أبي ، ويقول المسافر : ماذا ألقى في سفري ، فأنزل الله فيهم هذه الآية : { يا أيّها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تُبْدَ لكم تَسؤُكم } . قال الأيمّة : وقد انفرد به البخاري . ومحمله أنّه رأي من ابن عباس ، وهو لا يناسب افتتاح الآية بخطاب الذين آمنوا اللهمّ إلاّ أن يكون المراد تحذير المؤمنين من نحو تلك المسائل عن غفلة من مقاصد المستهزئين ، كما في قوله : { يأيها الذين آمنوا لا تقولوا راعِنا } [ البقرة : 104 ] ، أو أريد بالذين آمنوا الذين أظهروا الإيمان ، على أنّ لهجة الخطاب في الآية خالية عن الإيماء إلى قصد المستهزئين ، بخلاف قوله : { لا تقولوا راعنا } [ البقرة : 104 ] فقد عقّب بقوله : { وللكافرين عذاب أليم } [ البقرة : 104 ] .

وروى الترمذي والدارقطني عن علي بن أبي طالب لمّا نزلت { ولله على الناس حجّ البيت } [ آل عمران : 97 ] قالوا : يا رسول الله في كلّ عام ، فسكت ، فأعادوا . فقال : لا ، ولو قلت : نعم لوجبتْ ، فأنزل الله { يأيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم } قال : هذا حديث حسن غريب .

وروى الطبري قريباً منه عن أبي أمامة وعن ابن عباس . وتأويل هذه الأسانيد أنّ الآية تليتْ عند وقوع هذا السؤال وإنّما كان نزولها قبل حدوثه فظنّها الراوون نزلت حينئذٍ . وتأويل المعنى على هذا أنّ الأمّة تكون في سعة إذا لم يشرع لها حكم ، فيكون الناس في سعة الاجتهاد عند نزول الحادثة بهم بعد الرسول صلى الله عليه وسلم ، فإذا سألوا وأجيبوا من قِبل الرسول صلى الله عليه وسلم تعيّن عليهم العمل بما أجيبوا به . وقد تختلف الأحوال والأعصار فيكونون في حرج إن راموا تغييره ؛ فيكون معنى { إن تبد لكم تسؤكم } على هذا الوجه أنّها تسوء بعضهم أو تسوءهم في بعض الأحوال إذا شقّت عليهم . وروى مجاهد عن ابن عباس : نزلت في قوم سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن البَحيرة والسائبة والوصيلة والحامي . وقال مثله سعيد بن جبير والحسن .

وقوله : { أشياء } تكثير شيء ، والشيء هو الموجود ، فيصدق بالذات وبحال الذات ، وقد سألوا عن أحوال بعض المجهولات أو الضَّوالّ أو عن أحكام بعض الأشياء . و ( أشياء ) كلمة تدلّ على جمع ( شيء ) ، والظاهر أنّه صيغة جمع لأنّ زنة شيء ( فَعْل ) ، و ( فَعْل ) إذا كان معتلّ العين قياس جمعه ( أفعال ) مثل بيت وشيخ . فالجاري على متعارف التصريف أن يكون ( أشياء ) جمعاً وأنّ همزته الأولى همزة مزيدة للجمع . إلاّ أنّ ( أشياء ) ورد في القرآن هنا ممنوعاً من الصرف ، فتردّد أئمّة اللغة في تأويل ذلك ، وأمثل أقوالهم في ذلك قول الكسائي : إنّه لما كثر استعماله في الكلام أشبه ( فعلاء ) ، فمنعوه من الصرف لهذا الشبه ، كما منعواسراويل من الصرف وهو مفرد لأنّه شابه صيغة الجمع مثل مصابيح .

وقال الخليل وسيبويه : ( أشياء ) اسم جمع ( شيء ) وليس جمعاً ، فهو مثل طَرْفاء وحلفاء فأصله شيْئاء ، فالمّدة في آخره مدّة تأنيث ، فلذلك منع من الصرف ، وادّعى أنّهم صيّروه أشياء بقلب مَكَاني . وحقُّه أن يقال : شيْئَاء بوزن ( فعلاء ) فصار بوزن ( لفعاء ) .

وقوله { إن تبد لكم تسؤكم } صفة { أشياء } ، أي إن تُظهرْ لكم وقد أخفيت عنكم يكن في إظهارها ما يسوءكم ، ولمّا كانت الأشياء المسؤول عنها منها ما إذا ظهر ساء من سأل عنه ومنها ما ليس كذلك ، وكانت قبل إظهارها غير متميّزة كان السؤال عن مجموعها معرّضاً للجواب بما بعضه يسوء ، فلمّا كان هذا البعض غير معيّن للسائلين كان سؤالهم عنها سُؤالاً عن ما إذا ظهر يسوءهُم ، فإنّهم سألوا في موطن واحد أسئلة منها : ما سرّهم جوابه ، وهو سؤال عبد الله بن حذافة عن أبيه فأجيب بالذي يصدّق نسبه ، ومنها ما ساءهم جوابه ، وهو سؤال من سأل أين أبي ، أو أين أنا فقيل له : في النار ، فهذا يسوءه لا محالة . فتبيّن بهذا أنّ قوله : { إن تبد لكم تسؤكم } روعي فيه النهي عن المجموع لكراهية بعض ذلك المجموع .

والمقصود من هذا استئناسهم للإعراض عن نحو هذه المسائل ، وإلاّ فإنّ النهي غير مقيّد بحال ما يسوءهم جوابه ، بدليل قوله بعده { عفا الله عنها } . لأنّ العفو لا يكون إلاّ عن ذنب وبذلك تعلم أنّه لا مفهوم للصفة هنا لتعذّر تمييز ما يسوء عمّا لا يسوء .

وجملة { وإن تسألوا عنها حين ينزّل القرآن تبْدَ لكم } عطف على جملة { لا تسألوا } ، وهي تفيد إباحة السؤال عنها على الجملة لقوله : { وإن تسألوا } فجعلهم مخيّرين في السؤال عن أمثالها ، وأنّ ترك السؤال هو الأوْلى لهم ، فالانتقال إلى الإذن رخصة وتوسعة ، وجاء ب { إنْ } للدلالة على أنّ الأولى ترك السؤال عنها لأنّ الأصل في ( إنْ ) أن تدلّ على أنّ الشرط نادر الوقوع أو مرغوب عن وقوعه .

وقوله : { حين ينزّل القرآن } ظرف يجوز تعلّقه بفعل الشرط وهو { تسألوا } ، ويجوز تعلّقه بفعل الجواب وهو { تُبدَ لكم } ، وهو أظهر إذ الظاهر أنّ حين نزول القرآن لم يجعل وقتاً لإلقاء الأسئلة بل جعل وقتاً للجواب عن الأسئلة . وتقديمه على عامله للاهتمام ، والمعنى أنّهم لا ينتظرون الجواب عمّا يسألون عنه إلاّ بعد نزول القرآن ، لقوله تعالى : { قل لا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب إلى قوله إن أتّبعُ إلاّ ما يوحى إليّ } [ الأنعام : 50 ] فنبّههم الله بهذا على أنّ النبي يتلقّى الوحي من علاّم الغيوب . فمن سأل عن شيء فلينتظر الجواب بعد نزول القرآن ، ومن سأل عند نزول القرآن حصل جوابه عقِب سؤاله . ووقتُ نزول القرآن يعرفه من يحضر منهم مجلس النبي صلى الله عليه وسلم فإنّ له حالة خاصّة تعتري الرسول صلى الله عليه وسلم يعرفها الناس ، كما ورد في حديث يعلى بن أمية في حكم العمرة . ومما يدلّ لهذا ما وقع في حديث أنس من رواية ابن شهاب في « صحيح مسلم » أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم صلّى لهم صلاة الظهر فلما سلّم قام على المنبر فذكر الساعة وذكر أنّ قبلها أموراً عظاماً ثم قال : مَنْ أحبّ أن يسألني عن شيء فليسألني عنه فوالله لا تسألونني عن شيء إلاّ أخبرتكم به ما دمت في مقامي هذا . ثم قال : " لقد عرضت عليَّ الجنة والنار آنفاً في عُرض هذا الحائط فلم أر كاليوم في الخير والشر " الحديث ، فدلّ ذلك على أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ذلك الحينَ في حال نزول وحي عليه . وقد جاء في رواية موسى بن أنس عن أبيه أنس أنّه أنزل عليه حينئذٍ قوله تعالى : { يأيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء } الآية . فتلك لا محالة ساعة نزول القرآن واتّصال الرسول عليه الصلاة والسلام بعالم الوحي .

وقوله : { عفا الله عنها } يحتمل أنّه تقرير لمضمون قوله : { وإن تسألوا عنها حين ينزّل القرآن تبدَ لكم } ، أي أنّ الله نهاكم عن المسألة وعفا عنكم أن تسألوا حين ينزّل القرآن . وهذا أظهر لعوذ الضمير إلى أقرب مذكور باعتبار تقييده { حين ينزّل القرآن } . ويحتمل أن يكون إخباراً عن عفوه عمّا سلف من إكثار المسائل وإحفاء الرسول صلى الله عليه وسلم فيها لأنّ ذلك لا يناسب ما يجب من توقيره .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَسۡـَٔلُواْ عَنۡ أَشۡيَآءَ إِن تُبۡدَ لَكُمۡ تَسُؤۡكُمۡ وَإِن تَسۡـَٔلُواْ عَنۡهَا حِينَ يُنَزَّلُ ٱلۡقُرۡءَانُ تُبۡدَ لَكُمۡ عَفَا ٱللَّهُ عَنۡهَاۗ وَٱللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٞ} (101)

فيه عشر مسائل :

الأولى : روى البخاري ومسلم وغيرهما واللفظ للبخاري عن أنس قال ، قال رجل : يا نبي الله ، من أبي ؟ قال : [ أبوك فلان ] قال{[6026]} فنزلت " يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم " {[6027]} الآية . وخرج أيضا عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم وفيه : [ فوالله لا تسألوني عن شيء إلا أخبرتكم به ما دمت في مقامي هذا ] فقام إليه رجل فقال : أين مدخلي يا رسول الله ؟ قال : [ النار ] . فقام عبدالله بن حذافة فقال : من أبي يا رسول الله فقال : [ أبوك حذافة ] وذكر الحديث قال ابن عبدالبر : عبدالله بن حذافة أسلم قديما ، وهاجر إلى أرض الحبشة الهجرة الثانية ، وشهد بدرا وكانت فيه دعابة{[6028]} ، وكان رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم أرسله إلى كسرى بكتاب رسول الله صلى الله عليه سلم ، ولما قال من أبي يا رسول الله ، قال : [ أبوك حذافة ] قالت له أمه : ما سمعت بابن أعق منك آمنت أن تكون أمك قارفت ما يقارف نساء الجاهلية فتفضحها على أعين الناس ! فقال : والله لو ألحقني بعبد أسود للحقت به . وروى الترمذي والدارقطني عن علي رضي الله عنه قال : لما نزلت هذه الآية " ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا " {[6029]} [ آل عمران : 97 ] . قالوا : يا رسول الله أفي كل عام ؟ فسكت ، فقالوا : أفي كل عام ؟ قال : [ لا ولو قلت نعم لو جبت ] ، فأنزل الله تعالى : " يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم " إلى آخر الآية . واللفظ للدارقطني سئل البخاري عن هذا الحديث فقال : هو حديث حسن إلا أنه مرسل ، أبو البختري لم يدرك عليا ، واسمه سعيد . وأخرجه الدارقطني أيضا عن أبي عياض عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : [ يا أيها الناس كتب عليكم الحج ] فقام رجل فقال : في كل عام يا رسول{[6030]} الله ؟ فأعرض عنه ، ثم عاد فقال : في كل عام يا رسول الله ؟ فقال : ( ومن القائل ) ؟ قالوا : فلان ؛ قال : [ والذي نفسي بيده لو قلت نعم لوجبت ولو وجبت ما أطقتموها ولو لم تطيقوها لكفرتم ] فأنزل الله تعالى : " يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم " الآية . وقال الحسن البصري في هذه الآية : سألوا النبي صلى الله عليه وسلم عن أمور الجاهلية التي عفا الله عنها ولا وجه للسؤال عما عفا الله عنه . وروى مجاهد عن ابن عباس أنها نزلت في قوم سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن البحيرة والسائبة والوصيلة والحام ، وهو قول سعيد بن جبير ؛ وقال : ألا ترى أن بعده : " ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام " [ المائدة : 103 ] . قلت : وفي الصحيح والمسند كفاية . ويحتمل أن تكون الآية نزلت جوابا للجميع ، فيكون السؤال قريبا بعضه من بعض . والله أعلم .

و " أشياء " وزنه أفعال ؛ ولم يصرف لأنه مشبه بحمراء ، قاله الكسائي وقيل : وزنه أفعلاء ، كقولك : هين وأهوناء ، عن الفراء والأخفش ويصغر فيقال : أشياء ؛ قال المازني : يجب أن يصغر شييات كما يصغر أصدقاء ، في المؤنث صديقات وفي المذكر صديقون .

الثانية : قال ابن عون : سألت نافعا عن قوله تعالى " لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم " فقال : لم تزل المسائل منذ قط تكره . روى مسلم عن المغيرة بن شعبة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : [ إن الله حرم عليكم عقوق الأمهات وواد البنات ومنعا وهات وكره لكم ثلاثا ، قيل وقال ، وكثرة السؤال وإضاعة المال ] . قال كثير{[6031]} من العلماء : المراد بقوله [ وكثرة السؤال ] التكثير من السؤال في المسائل الفقهية تنطعا ، وتكلفا فيما لم ينزل ، والأغلوطات وتشقيق المولدات ، وقد كان السلف يكرهون ذلك ويرونه من التكليف{[6032]} ، ويقولون : إذا نزلت النازلة وفق المسؤول لها . قال مالك : أدركت أهله هذا البلد وما عندهم علم غير الكتاب والسنة ، فإذا نزلت نازلة جمع الأمير لها من حضر من العلماء فما اتفقوا عليه أنفذه ، وأنتم تكثرون المسائل وقد كرهها رسول الله صلى الله عليه وسلم . وقيل : المراد بكثرة المسائل كثرة سؤال الناس الأموال والحوائج إلحاحا واستكثارا ، وقاله أيضا مالك وقيل : المراد بكثرة المسائل السؤال عما لا يعني من أحوال الناس بحيث يؤدي ذلك إلى كشف عوراتهم والاطلاع على مساوئهم . وهذا مثل قوله تعالى : " ولا تجسسوا ولا يغتب بعضكم بعضا{[6033]} " [ الحجرات : 12 ] قال ابن خويز منداد : ولذلك قال بعض{[6034]} أصحابنا متى قدم إليه طعام لم يسأل عنه من أين هذا أو عرض عليه شيء يشتريه لم يسأل من أين هو ؟ وحمل أمور المسلمين على السلامة والصحة .

قلت : والوجه حمل الحديث على عمومه فيتناول جميع تلك الوجوه كلها . والله أعلم{[6035]} .

الثالثة : قال ابن العربي : اعتقد قوم من الغافلين تحريم أسئلة النوازل حتى تقع تعلقا بهذه الآية ، وليس كذلك لأن هذه الآية مصرحة بأن السؤال المنهي عنه إنما كان فيما تقع المساءة في جوابه ولا مساءة في جواب نوازل الوقت فافترقا .

قلت قوله : اعتقد قوم من الغافلين فيه قبح ، وإنما كان الأولى به أن يقول : ذهب قوم إلى تحريم أسئلة النوازل ، لكنه جرى على عادته ، وإنما قلنا كان أولى به ؛ لأنه قد كان قوم من السلف يكرهها . وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يلعن من سأل عما لم يكن ، ذكره الدارمي في مسنده ، وذكر عن الزهري قال : بلغنا أن زيد بن ثابت الأنصاري كان يقول إذا سئل عن الأمر : أكان هذا ؟ فإن قالوا : نعم قد كان حدث فيه بالذي يعلم ، وإن قالوا : لم يكن قال : فذروه حتى يكون . وأسند عن عمار بن ياسر وقد سئل عن مسألة فقال : هل كان هذا بعد ؟ قالوا : لا ، قال : دعونا حتى يكون ، فإذا كان تجشمناها لكم . قال الدارمي : حدثنا عبدالله بن محمد بن أبي شيبة ، قال حدثنا ابن فضيل عن عطاء عن ابن عباس قال : ما رأيت قوما كانوا خيرا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ما سألوه إلا عن ثلاث عشرة مسألة حتى قبض ، كلهن في القرآن ، منهن " يسألونك عن الشهر الحرام{[6036]} " [ البقرة : 217 ] ، " ويسألونك عن المحيض " [ البقرة : 222 ] وشبهه{[6037]} ما كانوا يسألون إلا عما ينفعهم .

الرابعة : قال ابن عبد البر : السؤال اليوم لا يخاف منه أن ينزل تحريم ولا تحليل من أجله ، فمن سأل مستفهما راغبا في العلم ونفي الجهل عن نفسه ، باحثا عن معنى يجب الوقوف في الديانة عليه ، فلا بأس به فشفاء العي{[6038]} السؤال ، ومن سأل متعنتا غير متفقه ولا متعلم فهو الذي لا يحل قليل سؤاله ولا كثيره . قال ابن العربي : الذي ينبغي للعالم أن يشتغل به هو بسط الأدلة ، وإيضاح سبل النظر ، وتحصيل مقدمات الاجتهاد ، وإعداد الآلة المعينة على الاستمداد ، فإذا عرضت نازلة أتيت من بابها ، ونشدت في مظانها ، والله يفتح في صوابها .

الخامسة : قوله تعالى : " وإن تسألوا عنها حين ينزل القرآن تبد لكم " فيه غموض ، وذلك أن في أول الآية النهي عن السؤال ثم قال : " وإن تسألوا عنها حين ينزل القرآن تبد لكم " فأباحه لهم ، فقيل : المعنى وإن تسألوا عن غيرها فيما مست الحاجة إليه ، فحذف المضاف ، ولا يصح حمله على غير الحذف . قال الجرجاني : الكناية في " عنها " ترجع إلى أشياء أخر ، كقوله تعالى : " ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين " [ المؤمنون : 12 ] يعني آدم ، ثم قال : " ثم جعلناه نطفة{[6039]} " [ المؤمنون : 13 ] أي ابن آدم ؛ لأن آدم لم يجعل نطفة في قرار مكين ، لكن لما ذكر الإنسان وهو آدم دل على إنسان مثله ، وعرف ذلك بقرينة الحال ، فالمعنى وإن تسألوا عن أشياء حين ينزل القرآن من تحليل أو تحريم أو حكم ، أو مست حاجتكم إلى التفسير ، فإذا سألتم فحينئذ تبد لكم ، فقد أباح هذا النوع من السؤال : ومثاله أنه بين عدة المطلقة والمتوفى عنها زوجها والحامل ، ولم يجز ذكر عدة التي ليست بذات قرء ولا حامل ، فسألوا عنها فنزل " واللائى يئسن من المحيض{[6040]} " [ الطلاق : 4 ] . فالنهي إذا في شيء لم يكن بهم حاجة إلى السؤال فيه ، فأما ما مست الحاجة إليه فلا .

السادسة : قوله تعالى : " عفا الله عنها والله غفور حليم " أي عن المسألة التي سلفت منهم . وقيل : عن الأشياء التي سألوا عنها من أمور الجاهلية وما جرى مجراها . وقيل : العفو بمعنى الترك ، أي تركها ولم يعرف بها في حلال ولا حرام فهو معفو عنها فلا تبحثوا عنه ، فلعله إن ظهر لكم حكمه من ساءكم . وكان عبيد بن عمير يقول : إن الله أحل وحرم ، فما أحل فاستحلوه ، وما حرم فاجتنبوه ، وترك بين ذلك أشياء لم يحلها ولم يحرمها ، فذلك عفو من الله ، ثم يتلو هذه الآية . وخرج الدارقطني عن أبي ثعلبة الخشني قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : [ إن الله تعالى فرض فرائض فلا تضيعوها وحرم حرمات فلا تنتهكوها وحدد حدودا فلا تعتدوها وسكت عن أشياء من غير نسيان فلا تبحثوا عنها ] والكلام على هذا التقدير فيه تقديم وتأخير ؛ أي لا تسألوا عن أشياء عفا الله عنها إن تبد لكم تسؤكم ، أي أمسك عن ذكرها فلم يوجب فيها حكما . وقيل : ليس فيه تقديم ولا تأخير ، بل المعنى قد عفا الله عن مسألتكم التي سلفت وإن كرهها النبي صلى الله عليه وسلم ، فلا تعودوا لأمثالها . فقوله : " عنها " أي عن المسألة ، أو عن السؤالات كما ذكرناه .


[6026]:من ج و ب و هـ و ع.
[6027]:من ب و ج و هـ و ع.
[6028]:الدعابة: المزاح.
[6029]:راجع ج 4 ص 137.
[6030]:بحذف همزة الاستفهام في هذه الرواية كما في الدارقطني .
[6031]:في ك: جماعة.
[6032]:أي لا يجب إلا ببيان، قال ابن العربي قوله تعالى: {وإن تسألوا عنها حين ينزل القرآن تبد لكم} يشهد لكونها من باب التكليف الذي لا يبينه إلا نزول القرآن، وجعل نزول القرآن سببا لوجوب الجواب.
[6033]:راجع ج 16 ص 330.
[6034]:من ع.
[6035]:وجد في ي سند عن الشيخة شهدة بنت أبي نصر الدينوري لحادثة تركناه لوروده في ج 10 ص 5.
[6036]:راجع ج 3 ص 40 و ص 80.
[6037]:من ك.
[6038]:العي: الجهل.
[6039]:راجع ج 12 ص 108.
[6040]:راجع ج 18 ص 162.