الكشف والبيان في تفسير القرآن للثعلبي - الثعلبي  
{يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَسۡـَٔلُواْ عَنۡ أَشۡيَآءَ إِن تُبۡدَ لَكُمۡ تَسُؤۡكُمۡ وَإِن تَسۡـَٔلُواْ عَنۡهَا حِينَ يُنَزَّلُ ٱلۡقُرۡءَانُ تُبۡدَ لَكُمۡ عَفَا ٱللَّهُ عَنۡهَاۗ وَٱللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٞ} (101)

{ يأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَآءَ } الآية

اختلفوا في نزولها ، فروى الزهري وقتادة عن أنس وأبو صالح عن أبي هريرة قالا : " سأل الناس رسول اللّه صلى الله عليه وسلم حتى ألحّوا بالمسألة فقام مغضباً خطيباً وقال : سلوني فواللّه لا تسألوني عن شيء في مقامي هذا لآتيته لكم ، فأشفق أصحاب رسول اللّه صلى الله عليه وسلم أن يكون بين يدي أمر قد مضى ، قال أنس : فجعلت لا ألتفت يميناً ولا شمالاً إلاّ وجدت رجلاً لافاً رأسه في ثوبه يبكي ، فقام إليه رجل من قريش من بني تميم يقال له عبد اللّه بن حذافة : وكان يطعن في نسبه ، وكان إذا لاحى يدعى إلى غير أبيه ، فقال : يا نبي اللّه من أبي ؟ قال : أبو حذافة بن قيس " . قال الزهري : فقالت أم عبد اللّه بن حذافة : ما رأيت ولداً بأعق منك قط ، أكنت تأمن أن تكون أمك قد قارفت ما قارف أهل الجاهلية فتفضحها على رؤس الناس . فقال : واللّه لو ألحقني بعبد أسود للحقته . فقام إليه رجل آخر فقال : يا رسول اللّه أين أنا ؟ قال : في النار .

فقام عمر بن الخطاب ( رضي الله عنه ) وقبل رجل رسول اللّه وقال : رضينا باللّه ربّاً وبالإسلام ديناً وبمحمد نبياً وبالقرآن إماماً ، إنا يا رسول اللّه حديثو عهد بالجاهلية والشرك فاعف عنا عفى اللّه عنك ، فسكن غضبه وقال : " أما والذي نفسي بيده لقد صورت لي الجنة والنار أنفاً في عرض هذا الحائط فلم أر كاليوم في الخير والشر " .

وقال ابن عباس : كانوا قوم يسألون رسول اللّه ( عليه السلام ) امتحاناً بأمره ، واستهزاءً به ، فيقول له بعضهم من أبي ؟ ويقول الآخر : أين أنا ؟ ويقول الآخر إذا خلت ناقته : أين ناقتي ؟ فأنزل اللّه تعالى هذه الآية .

وقال علي وأبو أمامة الباهلي : " خطب بنا رسول اللّه صلى الله عليه وسلم وقال : " إن اللّه كتب عليكم الحج " . فقام رجل من بني أسد يقال له عكاشة بن محسن فقال : أفي كل عام يا رسول اللّه ؟ فأعرض عنه حتى عاد مرتين أو ثلاثاً ، فقال ( عليه السلام ) : " ويحك وما يؤمنك أن أقول نعم ، واللّه لو قلت نعم لوجبت ، ولو أوجبت ما استطعتم ، ولو تركتم لكفرتم فاتركوني كما تركتكم ، فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم ، فإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم ، فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه " .

وقال مجاهد : نزلت هذه الآية حين قالوا لرسول اللّه عن البحيرة والسائبة ألا ترى يقول بعد ذلك ما جعل اللّه من بحيرة ولا سائبة الآية { وَإِن تَسْأَلُواْ عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ } تسؤكم لأن القرآن إنما ينزل بإلزام فرض فيشق عليكم أو شيء كان حلالاً لكم { عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ } .