الدر المصون في علم الكتاب المكنون للسمين الحلبي - السمين الحلبي  
{يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَسۡـَٔلُواْ عَنۡ أَشۡيَآءَ إِن تُبۡدَ لَكُمۡ تَسُؤۡكُمۡ وَإِن تَسۡـَٔلُواْ عَنۡهَا حِينَ يُنَزَّلُ ٱلۡقُرۡءَانُ تُبۡدَ لَكُمۡ عَفَا ٱللَّهُ عَنۡهَاۗ وَٱللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٞ} (101)

قوله تعالى : { عَنْ أَشْيَآءَ } : متعلق ب " تَسْألوا " واختلف النحويون في " اشياء " على خمسة مذاهب ، أحدها - وهو رَأْي الخليل وسيبويه والمازني وجمهور البصريين - : أنها اسمُ جمعٍ من لفظ " شيء " فيه مفردةٌ لفظاً جمعٌ معنى ، كطَرْفاء وقَصْباء وأصلُها : شَيْئاء بهمزتين بينهما ألف ووزنها فَعْلاء ك " طَرْفاء " فاستثقلوا اجتماعَ همزتين بينهما ألفٌ ، لا سيما وقد سَبَقها حرفُ علة وهي الياءُ ، وكَثُر دَوْر هذه اللفظةِ في لسانهم فَقَلبوا الكلمةَ بأَنْ قَدَّموا لامَها ، وهي الهمزةُ الأولى على فائها وهي الشين فقالوا أَشْياء فصارَ وزنُها لَفْعاء ، ومُنِعت من الصرف لألف التأنيث الممدودة . ورُجِّح هذا المذهبُ بأنه لم يلزْم منه شيءٌ غيرُ القلب ، والقلبُ في لسانِهم كثيرٌ كالجاه والحادي والقِسِيّ وناءَ وآدُرٌ وآرام وضِئاء في قراءة قنبل وأَيِس . والأصل : وجه وواحد وقُووس ونَأَى وأَدْوُرُ وأَرْآم وضياء ويَئِس . واعترضَ بعضُهم على هذا بأن القلب على خلافِ الأصل ، وأنه لم يَرِدْ إلا ضرورةً أو في قليلٍ من الكلام ، وهذا مردودٌ بما قَدَّمْتُه من الأمثلةِ ، ونحن لا نُنْكِرُ أنَّ القلبَ غير مطَّرد ، وأما الشادٌّ القليل فنحو قولِهم : " رَعَمْلي " في " لَعَمْري " و " شَواعي " في " شوايع " قال :

وكان أَوْلاها كِعابُ مُقامِرٍ *** ضُرِبَتْ على شَزَنٍ فهنَّ شَواعِي

يريد شوائع .

وأمَّا المذاهبُ الآتية فإنه يَرِدُ عليها إشكالاتٌ ، هذا المذهب سالمٌ منها فلذلك اعتبره الجمهورُ دونَ غيره .

المذهب الثاني - وبه قال الفراء - : أن أشياء جمع ل " شيء " والأصل في شيء : شَيِّئ على فَيْعِل ك " لَيِّن " ثم خُفِّف إلى " شيء " ما خففوا لَيّناً وهَيّناً ومَيّتاً إلى لَيْن وهَيْن ومَيْت ، ثم جَمَعَه بعد تخفيفِه ، وأصله أَشْيِئاء بهمزتين بينهما ألف بعد ياءٍ بزنة أَفْعِلاء فاجتمع همزتان : لام الكلمة والتي للتأنيث ، والألف تشبه الهمزة والجمع ثقيل : فَخَفَّفُوا الكلمة بأن قلبوا الهمزة الأولى ياءً لانكسار ما قبلها ، فيجتمع ياءان أولاهما مكسورة ، فحذفوا الياء التي هي عينُ الكلمة تخفيفاً فصارت أَشْياء ، ووزنها الآن بعد الخلاف أَفْلاء ، فمَنْعُ الصرفِ لأجل ألف التأنيث ، وهذه طريقة بعضِهم في تصريف هذا المذهب كمكي بن أبي طالب . وقال بعضهم كأبي البقاء : لَمَّا صارت إلى أَشْيئاء حُذِفت الهمزة الثانية التي هي لام الكلمة لأنَّها بها حَصَلَ الثِّقَلُ ، وفُتِحَتِ الياءُ المسكورةُ لتسلمَ ألف الجمعِ فصار وزنُها : أَفْعاء .

المذهب الثالث - وبه قال الأخفش - : انَّ أَشْياء جمعُ " شَيْء " بزنة فَلْس ، أي : ليس مخففاً من شَيِّئ كما يقوله الفراء ، بل جمع شيء وقال " إن فَعْلاً يجمع على أَفْعِلاء فصار أَشِْيئاء بهمزتين بينهما ألف بعد ياء ، ثم عُمِل فيه ما عُمِل في مذهب الفقراء ، والطريقان المذكوران عن مكي وأبي البقاء في تصريف/ هذا المذهب جاريان هنا ، وأكثر المصنفين يذكرون مذهب الفراء عنه وعن الأخفش قال مكي : " وقال الفراء والأخفش والزيادي : أَشْياء وزنها أَفْعِلاء ، وأصلها أَشْيِئاء ، كهيِّن وأَهْوِناء ، لكنه خُفِّف " ثم ذَكر تصريفَ الكملةِ إلى آخر .

وقال ابو البقاء : " وقال الأخفشُ والفراء : أصلُ الكلمةِ شَيِّئ مثل هَيِّن ، ثم خُفِّف بالحذف " ، وذكر التصريف إلى آخره فهؤلاء نقلوا مذهبهما شيئاً واحداً ، والحق ما ذكرته عنهما ، ويدل على ما قلته ما قاله الواحدي فإنه قال : " وذهب الفراء في هذا الحرف مذهب الأخفش " غير أنه خَلَط حين ادَّعى أنها كهيْن ولَيْن حين جمعا على أَهْوناء وأَلْيِناء ، وهَيْن تخفيف " هيِّن " فلذلك جاز جمعُه على أَفْعِلاء ، وشَيء ليس مخففاً من " شَيِّئ " حتى يُجْمع على أَفْعِلاء ، وهذان المذهبان - أعني مذهب الفراء والأخفش - وإن سَلِما من منع الصرف بغيرِ علة فقد رَدَّها الناس ، قال الزجاج : " وهذا القولُ غلطٌ لأنَّ " شَيْئاً " فَعْل ، وفَعْل لا يجمع على أَفْعِلاء ، فأما هَيِّن ولَين فأصلُه : هَيين ولَيين ، فجُمع [ على ] أَفْعِلاء ، كما يُجمع فعيل على أَفعْلاء مثل : نصيب وأَنْصباء " قلت : وهذا غريبٌ جداً ، أعني كونَه جَعَل أنَّ أصلَ هيّن هَيين بزنةَ فَعِيل ، وكذا لَيّن ولَيِين ، ولذلك صرح بتشبيههما بنصيب ، والناس يقولون : إن هَيِّناً أصله هَيْوِن ، كميِت أصلُه مَيْوِت ثم أُعِل الإِعلالَ المعروف ، وأصلُ لَيّن : لَيْيين بياءين ، الأولى ساكنة والثاينة مكسورة ، فأُدْغمت الأولى ، والاشتقاقُ يساعدهم ، فإن الهيِّن من هانَ يهون ، ولأنهم حين جمعوه على أَفْعلاء أظهروا الواوَ فقالوا : أَهْوِناء . وقال الزجاج : " إن المازني ناظر الأخفش في هذه المسألة فقال له : كيف تُصَغَّر اشياء ؟ قال : أقول فيها أُشَيَّاء . فقال المازني : لو كانت أَفْعالاً لرُدَّت في التصغير إلى واحدها وقيل : شُيَئْات مثل شُعَيْعات ، وإجماعُ البصريين أن تصغير أصدقاء إن كان لمؤنث " صُدّيَّقات " ، وإن كان لمذكر : " صُدَيِّقون " فانقطع الأخفش " . قلت : وبَسْطُ هذا أنَّ الجمعَ المكسَّرَ إذا صُغِّر : فإمَّا أن يكون من جموعِ القلة وهي أربعٌ على الصحيح : أَفْعِلة وأَفْعُل وأَفْعال وفِعْلة ، فيُصَغَّرُ على لفظة ، وإن كان من جموع الكثرة فلا يُصغَّر على لفظِه على الصحيح ، وإنْ وَرَدَ منه شيءٌ عُدَّ شاذاً ك " أُصَيْلان " تصغير " أُصْلان " جمع " أَصيل " بل يُرَدُّ إلى واحدِه . فإنْ كان من غير العقلاء صُغِّر وجُمِع بالألفِ والتاءِ فتقول في تصغير حُمُر جمع حمار : " حُمَيْرات " ، وإن كان من العقلاء صُغِّر وجُمع بالواو والنون ، فتقول في تصغير " رجال " : " رُجَيْلون ، وإن كان اسم جمع ك " قوم " و " رهط " اسم جنس ك " قمر " و " شجر " صُغِّر على لفظه كسائر المفردات .

رجَعْنا إلى أشياء فتصيغرُهم لها على لفظِها يَدُلُّ على أنها اسم جمع ، لأن اسم الجمع يُصِغَّر على لفظه نحو : " رُهَيْط " و " قُوَيْم " وليست بجمع تكسر إذ هي من جموعِ الكثرة ولم ترَدَّ إلى واحدها ، وهذا لازمٌ للأخفش لأنه بصري ، والبصري لا بدَّ وأن يفعل ذلك ، وأُصَيْلان عنده شاذ فلا يقاس عليه ، وفي عبارة مكي قال : " وأيضاً فإنه يَلْزمهم أن يصغِّروا أشياء على شُوَيَّات أو على شُيَيْئات وذلك لم يَقُلْه أحد " قلت : قوله " شُوَيَّات " ليس بجيد ، فإنه هذا ليس موضعَ قلبِ الياء واواً/ ، ألا ترى أنك إذا صَغَّرت بيتاً قلت : بُيَيْتاً لا بُوَيْتاً ، إلا أن الكوفيين يُجيزون ذلك فيمكن أن يرى رأيهم وقد ردَّ مكي أيضاً مذهبَ الفراء والأخفش بشيئين ، أحدهما : أنه يلزم منه عدمُ النظير إذ لم يقع أَفْعِلاء جمعاً ل فَيْعِل فيكون هذا نظيرَه ، وهَيّن وأهْوناء شاذٌّ لا يقاس عليه . والثاني : أن حذفَه واعتلالَه مُجْرى على غير قياس ، فهذا القولُ خارجٌ في جمعه اعتلالِه عن القياس والسماع " .

المذهب الرابع - وهو قول الكسائي وأبي خاتم - أنها جمع شيء على أَفْعال ك " بَيْت " و " أبيات " و " ضيف " و " أضياف " واعترض الناس هذا القول بأنه يَلْزَم منه منعُ الصرف بغير علته إذ لو كان على " أَفْعال " لا نصرفَ كأبيات . قال الزجاج : " أجمع البصريون وأكثر الكوفيين على أن قولَ الكسائي خطأ ، وألزموه ألاَّ يَصْرف أنباء وأسماء " قلت : والكسائي قد استشعر بهذا الردِّ فاعتذر عنه ولكن بما لا يُقبل ، قال الكسائي - رحمه الله- : " هي - أي أَشْياء - على وزن أَفْعال ولكنها كَثُرت في الكلام فَأَشْبهت فَعْلاء فلم تُصْرَفْ كما لم يُصْرَفْ حَمْراء " قال : " وجَمَعوها أَشاوَى كما جمعوا عَذْراء وعذارى ، وصَحْراء وصحارى ، وأَشْياوات كما قيل حَمْراوات " ، يعني أنهم عامَلوا " أَشْياء " وإن كانت على أفعال معاملةَ حَمْراء وعَذْراء في جمعي التكسير والتصحيح . إلا أن الفراء والزجاج اعترضا على هذا الاعتذار ، فقال الفراء : " لو كان كما قال لكان أملكَ الوجهين أَنْ تُجْرَى ، لأن الحرف إذا كَثُر في الكلام خَفَّ وجاز أن يُجْرَى كما كَثُرت التسمية ب " يزيد " ، وأَجْروه في النكرة وفيه ياءٌ زائدة تَمْنَعُ من الإِجراء " قلت : يعني بالإِجراء الصرف . وقال الزجاج : " أجمع البصريون وأكثر الكوفيين " وقد تقدم آنفاً . وقال مكي : " وقال الكسائي وأبو عبيد : لم تَنْصَرف - أي أشياء- لأنها أشبهت " حمراء " لأن العرب تقول : أَشْياوات " كما تقول : حَمْراوات ، قال : " ويلزمهما ألاَّ يَصْرِفا في الجمع أسماء وأبناء ، لقول العرب فيهما : أسماوات وأبناوات " قلت : قد تقدم شرح هذا ، ثم إنَّ مكّيّاً بعد أن ذكر عن الكسائي ما قَدَّمْتُه ونقل مذهب الأخفش والفراء قال : " قال أبو حاتم : أَشْياء أَفْعال جمع شيء كأبيات " فهذا يُوهم أن مذهب الكسائي المتقدم غيرُ هذا المذهب ، وليس كذلك بل هو هو قلت : وقد أجاب بعضهم عن الكسائي بأن النحويين قد اعتبروا في بابِ ما لا ينصرف الشبهَ اللفظيَّ دون المعنوي ، يَدُلُّ على ذلك مسألة سراويل في لغةِ مَنْ يمنعُه فإنَّ فيه تأويلين ، أحدهما : أنه مفردٌ أعجمي حُمِل على مُوازِنه في العربية ، أي صيغة مصابيح مثلاً ، ويَدُلُّ له أيضاً أنهم أَجْروا ألفَ الإِلحاق المقصورة مُجرى ألف التأنيث المقصورة ، ولكن مع العلمية ، فاعتبروا مجردَ الصورة ، ولولا خوفُ الإِطالة لذكرت له نظائر كثيرة .

المذهب الخامس : أنَّ وزنها أَفْعِلاء ايضاً جمعاً ل " شَيِيْءٌ بزنة ظريف ، وفَعيل يجمع على أَفعلاء ك نَصيب وأنْصِباء ، وصَدِيق وأًصْدقاء ، ثم حُذِفت الهمزة الأولى التي هي لامُ الكلمة ، وفُتحت الياءُ لتسلمَ ألفُ الجمع فصارت أَشْياء ووزنُها بعد الحذف أَفْعاء ، وجعله مكياً في التصريف كتصريف مذهب الأخفش من حيث إنه تُبدل الهمزة ياءً ثم تُحْذف إحدى الياءين . قال : - رحمه الله - : " وحَسَّن الحذفَ في الجمع حَذْفُها في الواحد ، وإنما حُذفت من الواحد تخفيفاً لكثرة الاستعمال إذ " شيء " يقع على كل مسمَّى من عَرَضٍ أو جوهرٍ أو جسمٍ فلم ينصرف همزةِ التأينث في الجمع . قال : " وهذا قولٌ حسنٌ جارٍ في الجمع وتُرِكَ الصرفُ على القياس ، لولا أنَّ التصغير يعترضه كما اعترض الأخفش " قلت : قوله " هذا قول حسن " فيه نظر لكثرة ما يَرِد عليه وهو ظاهر ممَّا تقدم ، ولمَّا ذكر الشيخ هذا المذهب قال في تصريفه : " ثم حذفت الهمزة الأولى/ وفتحت ياء المد لكون ما بعدها ألفاً " قال : " وزنُها في هذا القول ألى أفياء ، وفي القول قبله إلا أَفْلاء " كذا رأيته " أفياء " بالياء ، وهذا غلط فاحش ، ثم إني جَوَّزتُ أن يكون هذا غلطاً عليه من الكاتب ، وإنما كانت أَفْعاء بالعين فصحَّفها الكاتب إلى أَفْياء . وقد ردَّ الناس هذا القول : بأنَّ أصل شيء : شَيِيْء بزنة صديق دعوى من غير دليل ، وبأنه كان ينبغي ألاَّ يُصَغَّر على لفظه ، بل يُرَدُّ إلى مفرده كما تقدم تحريره .

وقد تلخص القول في أشياء : أنها هل هي اسم جمع وأصلها شَيْئاء كطَرْفاء ، ثم قُلِبت لامُها قبل فائِها فصارَ وزنُها لَفْعاء أو جمعٌ صريح ؟ وإذا قيل بأنها جمع صريح فهل أصلها أَفْعِلاء ، ثم تحذف ، فتصير إلى أَفْعاء أو أَفلاء ، أو أنَّ وزنَها أفعال كأبيات .

ولولا خلف الخروج عن المقصود لذكرت المسألة بأطرافِها متسوفاةً ، ولكنَّ في هذا كفايةً لائقةً بهذا الموضوع .

قوله تعالى : { إِن تُبْدَ } شرط ، وجوابه " تَسُؤكم " ، وهذه الجملة الشرطية في محل جر صفة ل " أشياء " ، وكذا الشرطية المعطوفة ايضاً . وقرأ ابن عباس : " إن تَبءدُ لكم تَسُؤْكم " ببناء الفعلين للفاعل مع كون حرف المضارعة تاءً مثناة من فوق ، والفاعل ضمير " أشياء " . وقرأ الشعبي - فيما نقله عنه أبو محمد ابن عطية : { إنْ يَبْدُ } بفتح الياء مت تحت وضم الدال ، " يَسُؤْكم " بفتح الياء من تحت ، والفاعل ضمير عائد على ما يليق تقديره بالمعنى ، أي : إن يَبْدُ لكم سؤالكم أو سؤلكم يسؤكم ، ولا جائز أن تعود على " أشياء " لأنه جارٍ مجرى المؤنث المجازي ، ومتى أسند فعلٌ إلى ضمير مؤنث مطلقاً وَجَبَ لَحاقُ العلامة على الصحيح ، ولا يُلتفت لضرورة الشعر ، ونقل غيره من الشعبي أنه قرأ : { يُبْدَ لكم يَسُؤْكم } بالياء من تحت فيهما إلا أنه ضمَّ الياء الأولى وفتح الثانية ، والمعنى إنْ يُبْدَ - أي يظْهَر - السؤال عنها يَسُؤكم ذلك السؤالُ أي جوابه ، أو هو ، لأنه سببٌ في لك والمُبْدِية هو اللَّهُ تعالى . والضميرُ في " عنها " يحتمل أن يعودَ على نوعِ الأشياءِ المَنْهِيَّ عنها لا عليها أنفسِها ، قاله ابن عطية ، ونقله الواحدي عن صاحبِ " النظم " ونظَّره بقوله تعالى : { وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ مِن سُلاَلَةٍ مِّن طِينٍ } [ المؤمنون : 12 ] يعني آدم ، " ثم جَعَلْناه " قال " يعني ابن آدم " فعاد الضميرُ على ما دل عليه الأول ، ويحتمل أن يعود عليها أنفسها ، قال الزمخشري بمعناه .

قوله : { حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ } في هذا الظرف احتمالان ، احدهما : - وهو الذي يَظْهَرُ ، ولم يَقُل الزمخشري - غيرَه- : أنه منصوبٌ ب " تسألوا " ، قال الزمخشري : " وإنْ تَسْألوا عنها : عن هذه التكاليفِ الصعبةِ ، حين يُنَزَّلُ القرآن : في زمانِ الوَحْي ، وهو ما دام الرسولُ بين أَظْهُرِكم يُوحى إليه تَبْدُ لكم تلك التكاليفُ التي تَسُؤكم وتُؤْمروا بتحمُّلها . فَتُعَرِّضوا أنفسَكم لغضبِ اللَّهِ لتفريطِكم فيها " ومن هنا قلت لك : إنَّ الضمير في " عنها " عائدٌ على الأشياءِ الأوَلِ لا على نوعِها . والثاني : أنَّ الظرفَ منصوبٌ ب " تُبْدَ لكم " أي : تَظْهَرْ لكم لتك الأشياءُ حين نزولِ القرآن . قال بعضهم : " في الكلام تقديمُ وتأخيرٌ ، لأنَّ التقديرَ : عن أشياْاء إنْ تُسْأَلوا عنها تُبْدَ لكم حين نزولِ القرآن ، وإن تُبْدَ لكم تَسُؤْكم " ولا شك أن المعنى على هذا الترتيب ، إلا أنه لا يُقال في ذلك تقديمُ وتأخيرٌ ، فإنَّ الواو لا تقتضي ترتيباً فلا فرقَ ، ولكن إنما قُدِّم هذا أولاً على قوله : { وَإِن تَسْأَلُواْ } لفائدةٍ وهي الزجرُ عن السؤالِ فإنه قدَّم لهم أنّ سؤالهم عن أشياءَ متى ظهرت أساءَتْهم قبل أن يُخْبرَهم بأنهم إنْ سألوا عنها بَدَتْ لهم لينزجروا ، وهو معنىً لائقٌ .

قوله : { عَفَا اللَّهُ عَنْهَا } فيه وجهان ، أحدُهما : أنه في محلِّ جر لأنه صفةٌ أخرى ل " أشياء " والضميرُ على هذا في " عنها " يعود على " أشياء " ولا حاجةَ إلى ادِّعاء التقديمِ والتأخير في هذا كما قال بعضهم ، قال : " تقديرُه : لا تَسْأَلوا عن اشياءَ عفا الله عنها إنْ تُبْدَ لكم إلى آخر الآية/ ، لأنَّ كلاً من الجملتين الشرطيتين وهذه الجملة صفةٌ ل " أشياء " فمن أين أنَّ هذه الجملة مستحقةٌ للتقديم على ما قبلَها ؟ وكأنَّ هذا القائل إنَّما قَدَّرها متقدمةً ليتضحَ أنها صفةٌ لا مستأنفةٌ . والثاني : أنها لا محل لها لاسئنافِها ، والضميرُ في " عنها " على هذا يعودُ على المسألةِ المدلولِ عليها ب " لا تَسْألوا " ويجوزُ أَنْ تعودَ على " أشياء " وإنْ كان في الوجه الأولِ يتعيَّن هذا لضرورة الربطِ بين الصفةِ والموصوفِ .