التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز  
{يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَسۡـَٔلُواْ عَنۡ أَشۡيَآءَ إِن تُبۡدَ لَكُمۡ تَسُؤۡكُمۡ وَإِن تَسۡـَٔلُواْ عَنۡهَا حِينَ يُنَزَّلُ ٱلۡقُرۡءَانُ تُبۡدَ لَكُمۡ عَفَا ٱللَّهُ عَنۡهَاۗ وَٱللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٞ} (101)

قوله تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ القُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ ( 101 ) قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِّنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِهَا كَافِرِينَ } أشياء ، أصلها شيئاء على وزن فعلاء . فاستثقلوا اجتماع همزتين بينهما ألف ، فقدموا الهمزة الأولى فقالوا : أشياء بوزن لفعاء . وأشياء لا ينصرف ؛ لأن الألف في آخرها للتأنيث . وهذا قول الخليل وسيبويه . أما قوله : { إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ } فهو جملة مركبة من شرط وجزاء في محل جر صفة لأشياء( {[1086]} ) . روى البخاري عن ابن عباس في سبب نزول هذه الآية قال : كان قوم يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم استهزاء ، فيقول الرجل : من أبي ؟ ويقول الرجل تضل ناقته : أين ناقتي ؟ فأنزل الله فيهم هذه الآية .

وروى الإمام أحمد عن علي قال : لما نزلت هذه { وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ البَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً } قالوا : يا رسول الله أفي كل عام ؟ فسكت . قال : ثم قالوا : أفي كل عام ؟ فقال : " لا ولو قلت نعم لوجبت ولو وجبت لما استطعتم " فأنزل الله { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ }( {[1087]} ) . ذلك نهي للمؤمنين عن السؤال عن الأشياء التي إذا علموا بها ساءتهم . فالأولى الإعراض عنها وتركها . وبذلك لا ينبغي الإكثار من السؤال عن أشياء ومسائل وتكاليف شاقة عليهم إذا علموا الإجابة عنها اغتموا وتضايقوا منها ولم يستطيعوا القيام بها وتنفيذها وذلك مدعاة للعصيان والاستنكاف عما كلفوا به . وفي ذلك أخرج مسلم عن المغيرة بن شعبة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " إن الله حرم عليكم عقوق الأمهات ووأد البنات ومنعاً وهات . وكره لكم ثلاثاً : قيل وقال وكثرة السؤال وإضاعة المال " والمراد بكثرة السؤال : الإكثار من المسائل في قضايا الفقه من غير حاجة ولا داع . بل على سبيل التنطع والتكلف والإغراق في الجدل والكلام . أو الإكثار من السؤال عما لا يعني من أحوال الناس بما يكشف عوراتهم ودخائلهم ، والاطلاع على عيوبهم وأستارهم .

قوله : { وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ القُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ } أي إن تسألوا عن هذه التكاليف الصعبة في زمان الوحي والرسول بين أظهركم – تبين لكم تلك التكاليف الصعبة التي تسوءكم فلا تطيقونها لما فيها من تشديد وتضييق عليكم . وبذلك تعرضون أنفسكم لغضب الله بالتفريط فيها . وفي الحديث " أعظم المسلمين جرماً من سأل عن شيء لم يحرم فحرم من أجل مسألته " أما إذا كانت لهم حاجة إلى الاستفسار فلا حرج فيه . كما لو نزل القرآن بأحكام مجملة فسألوا عن بيانها بينت لهم لحاجتهم إليها .

قوله : { عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ } أي عفا الله عما سلف من مسألتكم فلا تعودوا إلى مثله . والله سبحانه يتجاوز لكم عما يفرط منكم فلا يعاجلكم بعقوبته . وقيل : عفا الله عما لم يذكره في كتابه فاسكتوا أنتم عنه مثلما سكت عنها هو سبحانه . وفي الصحيح " إن الله تعالى فرض فرائض فلا تضيعوها ، وحد حدوداً فلا تعتدوها ، وحرم أشياء فلا تنتهكوها وسكت عن أشياء رحمة بكم غير نسيان فلا تسألوا عنها " .


[1086]:- البيان لابن الأنباري ج1 ص306.
[1087]:- أسباب النزول للنيسابوري ص141 وتفسير ابن كثير ج2 ص105.