غرائب القرآن ورغائب الفرقان للحسن بن محمد النيسابوري - النيسابوري- الحسن بن محمد  
{وَمَا جَعَلۡنَآ أَصۡحَٰبَ ٱلنَّارِ إِلَّا مَلَـٰٓئِكَةٗۖ وَمَا جَعَلۡنَا عِدَّتَهُمۡ إِلَّا فِتۡنَةٗ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ لِيَسۡتَيۡقِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ وَيَزۡدَادَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِيمَٰنٗا وَلَا يَرۡتَابَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡمُؤۡمِنُونَ وَلِيَقُولَ ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٞ وَٱلۡكَٰفِرُونَ مَاذَآ أَرَادَ ٱللَّهُ بِهَٰذَا مَثَلٗاۚ كَذَٰلِكَ يُضِلُّ ٱللَّهُ مَن يَشَآءُ وَيَهۡدِي مَن يَشَآءُۚ وَمَا يَعۡلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَۚ وَمَا هِيَ إِلَّا ذِكۡرَىٰ لِلۡبَشَرِ} (31)

1

{ وما جعلنا أصحاب النار إلا ملائكة } أي وما جعلناهم رجالاً من جنسكم يطاقون ويرحمون فإن الجنسية مظنة الرأفة ولذلك جعل النبي صلى الله عليه وسلم من جنس الأمة ليكون بهم رءوفا رحيماً . ولا استبعاد في كون الملائكة في النار غير معذبين بناء على القول بالفاعل المختار ، ولعلهم غلبت عليهم النارية فصارت لهم طبعاً كالحيوانات المائية . وقوله { وما جعلنا عدتهم إلا فتنة } الآية . هو على مذهب أهل السنة ظاهر ، وأما على أصول المعتزلة فقال الجبائي : المراد بالفتنة تشديد التعبد ، استدلوا به على كمال قدرة الله تعالى وقال الكعبي : هي الامتحان فيؤمن المؤمن بالمتشابه ويفوض حكمة التخصيص بهذا العدد إلى الخالق ، والكافر يعترض عليه . وقال : بعضهم : أراد ما وقعوا فيه من الكفر بسبب إنكارهم والتقدير إلا فتنة على الذين كفروا ، وحاصله يرجع إلى ترك الألطاف . وأجيب عن هذه التأويلات بأن تنزيل المتشابهات لا بد أن يكون له أثر في تقوية داعية الكفر وإلا كان إنزالها كلا إنزال . ومع هذا الترجيح لا يحصل الإيمان البتة وهو المعنى بالإضلال .

واعلم أن في الآية دلالة على أنه سبحانه جعل افتتان الكافر بعدد الزبانية سبباً لأمور أربعة : أولها { ليستيقن } ثانيها { ويزداد } ثالثها { ولا يرتاب } رابعها { وليقول } وفيه إشكال . قال جار الله : ما جعل افتتانهم بالعدد سبباً ولكنه وضع { فتنة } موضع { تسعة عشر } تعبيراً عن المؤثر باللفظ الدال على الأثر تنبيهاً على أن هذا الأثر من لوازم ذلك المأثر . وقال آخرون : تقديره وما جعلنا عدتهم إلا فتنة للكافرين وإلا ليستيقن كما يقال : فعلت كذا لتعظيمك ولتحقير عدوك . قالوا : والعاطف يذكر في هذا الموضع تارة ويحذف أخرى . وأما سبب استيقان أهل الكتاب فهو أنهم قرؤوا هذا العدد في كتابهم ولكنهم ما كانوا واثقين لتطرق التحريف إلى كتابهم . فلما سمعوا ذلك في القرآن تيقنوا بصحة نبوة محمد صلى الله عليه وسلم لأنه أخبرهم بما في كتابهم من غير سابقة دراسة وتعلم . ولأنه أخبر كفار قريش بهذا الأمر الغريب من غير مبالاة باستهزائهم وتكذيبهم فعرفوا أنه من قبيل الوحي وإلا لم يجترئ على التكلم به خوفاً من السخرية . وأما زيادة إيمان المؤمنين فحمل على آثاره ولوازمه ونتائجه . وأما نفي الارتياب عن أهل الكتاب والمؤمنين بعد إثبات الاستيقان وزيادة الإيمان لهم فمن باب التوكيد كأنه قيل : حصل لهم يقين جازم بحيث لا يحصل بعده شك وريب . فإن الذي حصل له اليقين قد يغفل عن مقدمة من مقدمات الدليل فيعود له الشك . وفيه أيضاً تعريض بحال من عداهم كأنه قيل : وليخالف حالهم حال المرتابين من أهل الزيغ ولكفران ، وأما الذين في قلوبهم مرض فهم أهل النفاق الذين أحدثوا بعد ذلك لأن السورة مكية ولم يكن بمكة نفاق وإنما حدث بالمدينة ، ففي الآية إخبار بالغيب وقد وقع مطابقاً فكان معجزاً . واللامات في الأمور الأربعة للغاية عند الأشاعرة ، والمعتزلة يسمونها لام العاقبة وقد مر في مواضع . وقوله { ماذا أراد الله بهذا مثلاً } إلى قوله { من يشاء } قد مر في " البقرة " . وجعل مثل هذا العدد مثلاً لغرابته حيث لم يقل عشرين وسواه والمعنى أي شيء أراد الله بهذا العدد العجيب مع أنهم منكرون له من أصله . والكاف في { كذلك } منصوب المحل أي مثل ذلك المذكور من الإضلال والهدى يضل ويهدي . قوله { وما يعلم جنود ربك } إشارة إلى أن ما عليه عدد الخزنة لا يعلم حكمته ولا حكمة ما عليه كل جند من العدد إلى حين الأبد إلا الله سبحانه كما يقوله أهل الحق وقد مر . وقيل : إن القوم قد استقلوا ذلك العدد فقال تعالى في جوابهم : هبوا أن هؤلاء تسعة عشر إلا أن لكل واحد من الأعوان والجنود ما لا يحصيهم إلا الله { وما يعلم جنود ربك } لفرط كثرتها { إلا هو } فلا يعسر عليه تتميم الخزنة عشرين وأزيد ولكن له في هذا العدد حكمة اختص هو بمعرفتها . قوله { وما هي إلا ذكرى } متصل بوصف سقر . وقوله { وما جعلنا أصحاب النار } إلى هاهنا اعتراض أي وما سقر وصفتها إلا موعظة للناس . ويحتمل أن يعود الضمير إلى هذه الآيات المشتملة على هذه المتشابهات وهي ذكرى لجميع العالمين وإن لم ينتفع بها إلا أهل الإيمان .

/خ56