الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي  
{صٓۚ وَٱلۡقُرۡءَانِ ذِي ٱلذِّكۡرِ} (1)

مقدمة السورة:

وهي مكية في قول الجميع ، وهي ست وثمانون آية . وقيل ثمان وثمانون آية .

قوله تعالى : " ص " قراءة العامة " ص " بجزم الدال على الوقف ؛ لأنه حرف من حروف الهجاء مثل : " الم " و " المر " . وقرأ أبي بن كعب والحسن وابن أبي إسحاق ونصر بن عاصم " صاد " بكسر الدال بغير تنوين . ولقراءته مذهبان : أحدهما أنه من صادى يصادي إذا عارض ، ومنه " فأنت له تصدى " [ عبس : 6 ] أي تعرض . والمصاداة المعارضة ، ومنه الصدى وهو ما يعارض الصوت في الأماكن الخالية . فالمعنى صاد القرآن بعملك ، أي عارضه بعملك وقابله به ، فاعمل بأوامره ، وانته عن نواهيه . النحاس : وهذا المذهب يروى عن الحسن أنه فسر به قراءته رواية صحيحة . وعنه أن المعنى اتله وتعرض لقراءته . والمذهب الآخر أن تكون الدال مكسورة لالتقاء الساكنين . وقرأ عيسى بن عمر " صاد " بفتح الدال مثله : " قاف " و " نون " بفتح آخرها . وله في ذلك ثلاثة مذاهب : أحدهن أن يكون بمعنى أتل . والثاني أن يكون فتح لالتقاء الساكنين واختار الفتح للإتباع ولأنه أخف الحركات . والثالث أن يكون منصوبا على القسم بغير حرف ، كقولك : الله لأفعلن ، وقيل : نصب على الإغراء . وقيل : معناه صاد محمد قلوب الخلق واستمالها حتى آمنوا به . وقرأ ابن أبي إسحاق أيضا " صاد " بكسر الدال والتنوين على أن يكون مخفوضا على حذف حرف القسم ، وهذا بعيد وإن كان سيبويه قد أجاز مثله . ويجوز أن يكون مشبها بما لا يتمكن من الأصوات وغيرها . وقرأ هارون الأعور ومحمد بن السميقع : " صاد " و " قاف " و " نون " بضم آخرهن ؛ لأنه المعروف بالبناء في غالب الحال ، نحو منذ وقط وقبل وبعد . و " ص " إذا جعلته اسما للسورة لم ينصرف ، كما أنك إدا سميت مؤنثا بمذكر لا ينصرف وإن قلت حروفه . وقال ابن عباس وجابر بن عبد الله وقد سئلا عن " ص " فقالا : لا ندري ما هي . وقال عكرمة : سأل نافع بن الأزرق ابن عباس عن " ص " فقال : " ص " كان بحرا بمكة وكان عليه عرش الرحمن إذ لا ليل ولا نهار . وقال سعيد بن جبير : " ص " بحر يحيي الله به الموتى بين النفختين . وقال الضحاك : معناه صدق الله . وعنه أن " ص " قسم أقسم الله به وهو من أسمائه تعالى . وقاله السدي ، وروي عن ابن عباس . وقال محمد بن كعب : هو مفتاح أسماء الله تعالى صمد وصانع المصنوعات وصادق الوعد . وقال قتادة : هو اسم من أسماء الرحمن . وعنه أنه اسم من أسماء القرآن . وقال مجاهد : هو فاتحة السورة . وقيل : هو مما استأثر الله تعالى بعلمه وهو معنى القول الأول . وقد تقدم جميع هذا في " البقرة " {[13307]} .

قوله تعالى : " والقرآن " خفض بواو القسم والواو بدل من الباء ، أقسم بالقرآن تنبيها على جلالة قدره ، فإن فيه بيان كل شيء ، وشفاء لما في الصدور ، ومعجزة للنبي صلى الله عليه وسلم . " ذي الذكر " خفض على النعت وعلامة خفضه الياء ، وهو اسم معتل والأصل فيه ذَوَى على فَعَل . قال ابن عباس ومقاتل : معنى " ذي الذكر " ذي البيان . الضحاك : ذي الشرف أي من آمن به كان شرفا له في الدارين ، كما قال تعالى : " لقد أنزلنا إليكم كتابا فيه ذكركم " [ الأنبياء : 10 ] أي شرفكم . وأيضا القرآن شريف في نفسه لإعجازه واشتماله على ما لا يشتمل عليه غيره . وقيل : " ذي الذكر " أي فيه ذكر ما يحتاج إليه من أمر الدين . وقيل : " ذي الذكر " أي فيه ذكر أسماء الله وتمجيده . وقيل : أي ذي الموعظة والذكر . وجواب القسم محذوف . واختلف فيه على أوجه : فقيل جواب القسم " ص " ؛ لأن معناه حق ، فهي جواب لقوله : " والقرآن " كما تقول : حقا والله ، نزل والله ، وجب والله ، فيكون الوقف من هذا الوجه على قوله : " والقرآن ذي الذكر " حسنا ، وعلى " في عزة وشقاق " تماما . قاله ابن الأنباري . وحكى معناه الثعلبي عن الفراء . وقيل : الجواب " بل الذين كفروا في عزة وشقاق " لأن " بل " نفي لأمر سبق وإثبات لغيره ، قاله القتبي . فكأنه قال : " والقرآن ذي الذكر بل الذين كفروا في عزة وشقاق " عن قبول الحق وعداوة لمحمد صلى الله عليه وسلم . أو " والقرآن ذي الذكر " ما الأمر كما يقولون من أنك ساحر كذاب ؛ لأنهم يعرفونك بالصدق والأمانة بل هم في تكبر عن قبول الحق . وهو كقوله : " ق والقرآن المجيد . بل عجبوا " [ ق : 2 ] . وقيل : الجواب " وكم أهلكنا " [ ق : 36 ] كأنه قال : والقرآن لكم أهلكنا ، فلما تأخرت " كم " حذفت اللام منها ، كقوله تعالى : " والشمس وضحاها " [ الشمس : 1 ] ثم قال : " قد أفلح " [ الشمس : 9 ] أي لقد أفلح . قال المهدوي : وهذا مذهب الفراء . ابن الأنباري : فمن هذا الوجه لا يتم الوقف على قوله : " في عزة وشقاق " . وقال الأخفش : جواب القسم " إن كل إلا كذب الرسل فحق عقاب " ونحوٌ منه قوله تعالى : " تالله إن كنا لفي ضلال مبين " [ الشعراء : 97 ] وقوله : " والسماء والطارق " إلى قوله " إن كل نفس " [ الطارق : 1 - 4 ] . ابن الأنباري : وهذا قبيح ؛ لأن الكلام قد طال فيما بينهما وكثرت الآيات والقصص . وقال الكسائي : جواب القسم قوله : " إن ذلك لحق تخاصم أهل النار " [ ص :64 ] . ابن الأنباري : وهذا أقبح من الأول ؛ لأن الكلام أشد طولا فيما بين القسم وجوابه . وقيل الجواب قوله : " إن هذا لرزقنا ما له من نفاد " [ ص : 54 ] . وقال قتادة : الجواب محذوف تقديره " والقرآن ذي الذكر " لتبعثن ونحوه .


[13307]:راجع ج 1 ص 155 طبعة ثانية أو ثالثة.