لطائف الإشارات للقشيري - القشيري [إخفاء]  
{صِرَٰطَ ٱلَّذِينَ أَنۡعَمۡتَ عَلَيۡهِمۡ غَيۡرِ ٱلۡمَغۡضُوبِ عَلَيۡهِمۡ وَلَا ٱلضَّآلِّينَ} (7)

يعني طريق من أنعمتَ عليهم بالهداية إلى الصراط المستقيم ، وهم الأولياء والأصفياء . ويقال طريق من ( أفنيتهم ) عنهم ، وأقمتهم بك لك ، حتى لم يقفوا في الطريق ، ولم تصدهم عنك خفايا المكر . ويقال صراط من أنعمت عليهم بالقيام بحقوقك دون التعريج على استجلاب حظوظهم .

ويقال صراط من ( طهرتهم ) عن آثارهم حتى وصلوا إليك بك .

ويقال صراط من أنعمت عليهم حتى تحرروا من مكائد الشيطان ، ومغاليط النفوس ومخاييل الظنون ، وحسبانات الوصول قبل خمود آثار البشر ( ية ) .

ويقال صراط من أنعمت عليهم بالنظر والاستعانة بك ، والتبري من الحول والقوة ، وشهود ما سبق لهم من السعادة في سابق الاختيار ، والعلم بتوحيدك فيما تُمضيه من المَسَار والمضار .

ويقال صراط الذين أنعمت عليهم بحفظ الأدب في أوقات الخدمة ، واستشعار نعت الهيبة .

ويقال صراط الذين أنعمت عليهم بأن حفظت عليهم آداب الشريعة وأحكامها عند غلبات ( بواده ) الحقائق حتى لم يخرجوا عن حد العلم ، ولم يُخِلُّوا بشيء من أحكام الشريعة . ويقال صراط الذين أنعمت عليهم حتى لم تطفئ شموسُ معارفهم أنوارَ ورعهم ولم يُضيِّعُوا شيئاً من أحكام الشرع .

ويقال صراط الذين أنعمتَ عليهم بالعبودية عند ظهور سلطان الحقيقة .

قوله جل ذكره : { غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ } .

المغضوب عليهم الذين صدمتهم هواجم الخذلان ، وأدركتهم مصائب الحرمان ، وركبتهم سطوة الرد ، وغلبتهم بَوَاده الصد والطرد .

ويقال هم الذين لحقهم ذل الهوان ، وأصابهم سوء الخسران ، فشغلوا في الحال باجتلاب الحظوظ - وهو في التحقيق ( شقاء ) ؛ إذ يحسبون أنهم على شيء ، وللحق في شقائهم سر .

ويقال هم الذين أنِسُوا بنفحات التقريب زماناً ثم أظهر الحق سبحانه في بابهم شانا ؛ بُدِّلوا بالوصول بعاداً ، وطمعوا في القرب فلم يجدوا مراداً ، أولئك الذين ضلّ سعيُهم ، وخاب ظنهم .

ويقال غير المغضوب عليهم بنسيان التوفيق ، والتعامي عن رؤية التأييد . ولا الضالين عن شهود سابق الاختيار ، وجريان التصاريف والأقدار .

ويقال غير المغضوب عليهم بتضييعهم آداب الخدمة ، وتقصيرهم في أداء شروط الطاعة .

ويقال غير المغضوب عليهم هم الذين تقطعوا في مفاوز الغيبة ، وتفرّقت بهم الهموم في أودية وجوه الحسبان .

ختام السورة:

فصل : ويقول العبد عند قراءة هذه السورة آمين ، والتأمين سُنَّة ، ومعناه يا رب افعل واستجب ، وكأنه يستدعي بهذه القالة التوفيق للأعمال ، والتحقيق للآمال ، وتحط رِجْلُه بساحات الافتقار ، ويناجي حضرة الكرم بلسان الابتهال ، ويتوسل ( بتبريه ) عن الحول والطاقة والمُنَّة والاستطاعة إلى حضرة الجود . وإن أقوى وسيلة للفقير تعلقه بدوام الاستعانة لتحققه بصدق الاستغاثة .

 
صفوة البيان لحسين مخلوف - حسنين مخلوف [إخفاء]  
{صِرَٰطَ ٱلَّذِينَ أَنۡعَمۡتَ عَلَيۡهِمۡ غَيۡرِ ٱلۡمَغۡضُوبِ عَلَيۡهِمۡ وَلَا ٱلضَّآلِّينَ} (7)

{ صِرَاطَ الذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِم } أي بطاعتك من ملائكتك وأنبيائك والصديقين والشهداء والصالحين ، وإليه الإشارة بقوله تعالى : { فَاُولَئِكَ مَعَ الذِينَ أَنعَمَ الله عَليهم من النبيِّينَ والصِّدِّيقينَ والشُهَدَاءِ والصَالِحِين }{[6]}

{ غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيهِم } روي مرفوعا تفسير " المغضوب عليهم " باليهود ، و " الضالين " بالنصارى ، قال تعالى في اليهود { قُل هَل أُنَبِّئُكُم بِشَرٍّ من ذَلِكَ مَثُوبَةً عندَ الله مَن لَعَنَهُ اللهُ وَغَضِبَ عَلَيهِ وَجَعَلَ منهم القِرَدَةَ والخَنَازِير وعَبَد الطَّاغُوتَ أولَئِكَ شَرٌّ مَكَاناً وَاَضَلُّ عن سَواء السبِيل }{[7]} وقال تعالى في النصارى { يأهلَ الكتابِ لاَ تَغلُوا فِي دِينكم غير الحقِ ولا تتبِعُوا أهواء قوم قد ضَلُّوا من قبلُ وأَضلُّوا كثيراً وضلُّوا عن سواء السبيل }{[8]} واليهود قد عرفوا الحق وانحرفوا عنه ، فغضب الله عليهم . والنصارى جهلوه وعموا عنه ، فضلوا وأضلوا . وفي حكم اليهود والنصارى من هم على شاكلتهم من أهل النحل الأخرى من غير المسلمين .

والغضب : صفة أثبتها الله تعالى لنفسه على الوجه اللائق بحلال ذاته ، ونؤمن بها ، ونفوض إليه تعالى علم حقيقتها بالنسبة إليه ، مع تنزيهه عن مشابهة الحوادث . وأثرها الانتقام والعذاب .

والضلال : العدول عن الطريق السوي ، والذهاب عن سنن القصد ، وطريق الحق ، ومنه : ضل اللبن في الماء إذا غاب .


[6]:آية 69 النساء
[7]:آية 60 المائدة
[8]:آية 77 المائدة