في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{لِّلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۗ وَإِن تُبۡدُواْ مَا فِيٓ أَنفُسِكُمۡ أَوۡ تُخۡفُوهُ يُحَاسِبۡكُم بِهِ ٱللَّهُۖ فَيَغۡفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُۗ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٌ} (284)

282

ثم يستمر السياق في توكيد هذه الإشارة ، واستجاشة القلب للخوف من مالك السماوات والأرض وما فيهما ، العليم بمكنونات الضمائر خفيت أم ظهرت ، المجازي عليها ، المتصرف في مصائر العباد بما يشاء من الرحمة والعذاب ، القدير على كل شيء تتعلق به مشيئته بلا تعقيب !

( لله ما في السماوات وما في الأرض . وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله ، فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء ، والله على كل شيء قدير ) .

وهكذا يعقب على التشريع المدني البحت بهذا التوجيه الوجداني البحت ؛ ويربط بين التشريعات للحياة وخالق الحياة ، بذلك الرباط الوثيق ، المؤلف من الخوف والرجاء في مالك الأرض والسماء . فيضيف إلى ضمانات التشريع القانونية ضمانات القلب الوجدانية . . وهي الضمان الوثيق المميز لشرائع الإسلام في قلوب المسلمين في المجتمع المسلم . . وهي والتشريع في الإسلام متكاملان . فالإسلام يصنع القلوب التي يشرع لها ؛ ويصنع المجتمع الذي يقنن له . صنعة إلهية متكاملة متناسقة . تربية وتشريع . وتقوى وسلطان . . ومنهج للإنسان من صنع خالق الإنسان . فأنى تذهب شرائع الأرض ، وقوانين الأرض ، ومناهج الأرض ؟ أنى تذهب نظرة إنسان قاصر ، محدود العمر ، محدود المعرفة ، محدود الرؤية ، يتقلب هواه هنا وهناك ، فلا يستقر على حال ، ولا يكاد يجتمع اثنان منه على رأي ، ولا على رؤية ، ولا على إدراك ؟ وأنى تذهب البشرية شاردة عن ربها . ربها الذي خلق ، والذي يعلم من خلق ، والذي يعلم ما يصلح لخلقه ، في كل حالة وفي كل آن ؟

ألا إنها الشقوة للبشرية في هذا الشرود عن منهج الله وشرعه . الشقوة التي بدأت في الغرب هربا من الكنيسة الطاغية الباغية هناك ؛ ومن إلهها الذي كانت تزعم أنها تنطق باسمه وتحرم على الناس أن يتفكروا وأن يتدبروا ؛ وتفرض عليهم باسمه الإتاوات الباهظة والاستبداد المنفر . . فلما هم الناس أن يتخلصوا من هذا الكابوس ، تخلصوا من الكنيسة وسلطانها . ولكنهم لم يقفوا عند حد الاعتدال ، فتخلصوا كذلك من إله الكنيسة وسلطانه ! ثم تخلصوا من كل دين يقودهم في حياتهم الأرضية بمنهج الله . . وكانت الشقوة وكان البلاء ! !

فأما نحن - نحن الذين نزعم الإسلام - فما بالنا ؟ ما بالنا نشرد عن الله ومنهجه وشريعته وقانونه ؟ ما بالنا وديننا السمح القويم لم يفرض علينا إلا كل ما يرفع عنا الأغلال ، ويحط عنا الأثقال ، ويفيض علينا الرحمة والهدى واليسر والاستقامة على الطريق المؤدي إليه وإلى الرقي والفلاح ؟ !

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{لِّلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۗ وَإِن تُبۡدُواْ مَا فِيٓ أَنفُسِكُمۡ أَوۡ تُخۡفُوهُ يُحَاسِبۡكُم بِهِ ٱللَّهُۖ فَيَغۡفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُۗ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٌ} (284)

ولما أخبر عن سعة علمه دل عليه بسعة ملكه المستلزم لسعة{[13953]} قدرته ليدل{[13954]} ذلك على جميع الكمال لأنه قد ثبت كما قال الأصبهاني{[13955]} إن الصفات التي هي كمالات حقيقة ليست إلا القدرة والعلم المحيط فقال واعداً للمطيع متوعداً للعاصي مصرحاً بأن أفعال العباد وغيرها مخلوق له : - وقال الحرالي : ولما كان أول السورة إظهار كتاب التقدير في الذكر الأول كان ختمها إبداء أثر ذلك الكتاب الأول{[13956]} في الأعمال والجزاء التي هي الغاية في ابتداء أمر التقدير فوقع الختم{[13957]} بأنه سلب الخلق ما{[13958]} في أيديهم مما أبدوه وما أخفوه من أهل السماوات و الأرض ؛ انتهى - فقال{[13959]} : { لله } أي الملك الأعظم . ولما كانت ما ترد لمن{[13960]} يغفل وكان{[13961]} أغلب الموجودات والجمادات{[13962]} عبر بها فقال{[13963]} : { ما في السماوات } أي كله على علوها واتساعها من ملك وغيره { وما في الأرض } مما تنفقونه وغيره من عاقل وغيره ، يأمر فيهما ومنهما{[13964]} بما يشاء وينهى عما يشاء ويعطي من يشاء ويمنع من يشاء ويضاعف{[13965]} لمن{[13966]} يشاء .

ولما كان التقدير : فهو يعلم جميع ما فيهما{[13967]} من{[13968]} كتمانكم وغيره ويتصرف{[13969]} فيه بما يريد ، عطف عليه محذراً من يكتم الشهادة أو {[13970]}يضمر سوءاً{[13971]} غيرها أو{[13972]} يظهره{[13973]} قوله تعالى : { وإن تبدوا } أي تظهروا { ما في أنفسكم } من شهادة أو غيرها { أو تخفوه } مما{[13974]} وطنتموه في النفس وعزمتم عليه وليس هو من الخواطر{[13975]} التي كرهتموها ولم تعزموا{[13976]} عليها . قال الحرالي : من الإخفاء وهو تغييب الشيء وأن لا يجعل عليه علم يهتدي إليه من جهته { يحاسبكم } من المحاسبة مفاعلة من الحساب والحسب{[13977]} ، وهو استيفاء الأعداد فيما للمرء وعليه من الأعمال الظاهرة والباطنة يعني{[13978]} ليجازي بها { به الله } أي بذكره لكم وأنتم تعلمون ما له من صفات الكمال . قال الحرالي : وفي ضمن هذا الخطاب لأولي الفهم إنباء{[13979]} بأن الله سبحانه وتعالى إذا عاجل العبد بالحساب بحكم{[13980]} ما يفهمه ترتيب الحساب على وقوع العمل حيث لم يكن فيحاسبكم مثلاً فقد أعظم اللطف به ، لأن من حوسب بعمله عاجلاً في الدنيا خف{[13981]} جزاؤه عليه حيث يكفر عنه بالشوكة يُشاكها{[13982]} حتى بالقلم يسقط من يد الكاتب ، فيكفر عن المؤمن بكل ما يلحقه في دنياه حتى يموت على طهارة من ذنوبه وفراغ من حسابه{[13983]} كالذي يتعاهد بدنه وثوبه بالتنظيف فلا يتسخ ولا يدرن{[13984]} ولا يزال نظيفاً - انتهى وفيه تصرف .

ولما كان{[13985]} حقيقة المحاسبة ذكر الشيء والجزاء عليه وكان المراد بها هنا العرض{[13986]} وهو الذكر فقط بدلالة التضمن دل عليه بقوله {[13987]}مقدماً الترجئة معادلة لما أفهمه صدر الآية من التخويف{[13988]} : { فيغفر لمن يشاء } أي فلا يجازيه على ذلك كبيرة كان أو لا { ويعذب من يشاء } بتكفير أو جزاء .

ولما أخبر سبحانه وتعالى بهذا أنه مطلق التصرف ختم الكلام دلالة على ذلك بقوله مصرحاً بما لزم تمام{[13989]} علمه من كمال قدرته : { والله } أي{[13990]} الذي لا أمر لأحد معه{[13991]} { على كل شيء قدير * } أي ليس هو{[13992]} كملوك الدنيا يحال بينهم وبين بعض ما يريدون بالشفاعة{[13993]} وغيرها . قال الحرالي : فسلب بهذه الآية القدرة عن جميع الخلق - انتهى . وقد ذهب بعض العلماء إلى أن هذه الآية خاصة بأمر{[13994]} الشهادة ، وقال الأكثرون{[13995]} : هي عامة كما فهمها الصحابة رضوان الله سبحانه وتعالى عليهم في الوسوسة وحديث النفس المعزوم عليه وغيره ثم خففت بما بعدها ، روى مسلم في{[13996]} صحيحه عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال : " لما نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم { لله ما في السماوات{[13997]} } الآية إلى { قدير } اشتد ذلك على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم بركوا{[13998]} على الركب فقالوا : يا{[13999]} رسول الله ! كُلّفنا من الأعمال{[14000]} ما{[14001]} نطيق : الصلاة والصيام والجهاد والصدقة وقد أنزلت عليك{[14002]} هذه الآية ولا نطيقها ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أترون{[14003]} أن تقولوا كما قال أهل الكتابين من قبلكم : { سمعنا وعصينا } [ البقرة : 93 ] ، قولوا : { سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير } قالوا : { سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير{[14004]} } .

فلما اقترأها القوم وذلت بها ألسنتهم أنزل الله في إثرها { آمن الرسول بما أنزل إليه } {[14005]}إلى { المصير } فلما فعلوا ذلك نسخها الله تعالى {[14006]}وأنزل{[14007]} { لا يكلف الله نفساً إلا وسعها } إلى { أو أخطأنا } قال : نعم " قال البغوي : وفي رواية عن ابن عباس رضي الله عنهما : قد فعلت{[14008]} ، واستمر إلى آخر السورة كلما{[14009]} قرؤوا جملة{[14010]} قال : نعم .


[13953]:من م وظ ومد ، وفي الأصل: بسعة.
[13954]:في الأصل: أيد، والتصحيح من م وظ ومد.
[13955]:في م: الأصفهاني.
[13956]:زيد ما بين الحاجزين من م ومد وظ.
[13957]:زيد ما بين الحاجزين من م ومد وظ.
[13958]:في مد: الحكم.
[13959]:من م وظ ومد ، وفي الأصل: قال.
[13960]:من م وظ ومد ، وفي الأصل: يعقل وكانت.
[13961]:من م وظ ومد ، وفي الأصل: يعقل وكانت.
[13962]:زيد من من ومد وظ.
[13963]:مناسبة هذه الآية لما قبلها ظاهرة لأنه لما ذكر أن من كتم الشهادة فإن قلبه آثم ذكر ما انطوى عليه الضمير فكتمه أو أبداه فإن الله يحاسبه به، فقيه وعيد وتهديد لمن كتم الشهادة، ولما علق الإثم بالقلب ذكر هنا الأنفس فقال "وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه" وناسب ذكر هذه الآية خاتمة لهذه السورة لأنه تعالى ضمنها أكثر علم الأصول والفروع من دلائل التوحيد والنبوة والصلاة والزكاة والقصاص والصوم . . . . . فناسب تكليفه إيانا بهذه الشرائع أن يدكر أنه تعالى مالك لما في السماوات و ما في الأرض فهو يلزم من شاء من مملوكاته بما شاء ـ البحر المحيط 2/359.
[13964]:زيد في ظ: ما شاء.
[13965]:من م وظ ، وفي مد: يصف، وفي الأصل: يصيب.
[13966]:من م وظ ومد ، وفي الأصل: من.
[13967]:من م وظ ومد ، وفي الأصل: فيها.
[13968]:ليس في ظ.
[13969]:في ظ: ينصرف.
[13970]:من م وظ ومد ، وفي الأصل: يصير سوا.
[13971]:من م وظ ومد ، وفي الأصل: يصير سوا.
[13972]:في م: و.
[13973]:من م وظ ومد ، وفي الأصل: يظهرها، وفي ظ: يظهر. قال الأندلسي: والمعنى أن الحالتين من الإخفاء والإبداء بالنسبة إليه تعالى سواء.
[13974]:من م وظ ومد ، وفي الأصل: بما.
[13975]:في الأصل: الحق أطواء، والتصحيح من م وظ ومد.
[13976]:في م: لم يعزموا.
[13977]:ليس في ظ.
[13978]:ليس في م.
[13979]:في م ومد: إيماء، وفي ظ: إيمان.
[13980]:من م وظ ومد ، وفي الأصل: يحكم.
[13981]:من م وظ ومد ، وفي الأصل: حتى.
[13982]:في الأصل: لمشاكها، والتصحيح من م ومد وظ.
[13983]:ما بين الحاجزين زيد من م وظ ومد.
[13984]:من م وظ ومد ، وفي الأصل: لا يرون ـ كذا.
[13985]:في م وظ ومد: كانت.
[13986]:في م: للعرض.
[13987]:ليست في ظ.
[13988]:ليست في ظ.
[13989]:ليس في م.
[13990]:ليس في مد.
[13991]:العبارة من "أي" إلى هنا ليست في ظ.
[13992]:زيد من م ومد وظ.
[13993]:في م وظ ومد: بالشفاعات.
[13994]:في الأصل: بأمن، والتصحيح من م ومد وظ.
[13995]:زيد في الأصل "و" ولم تكن الزيادة في م ومد وظ فحذفناها.
[13996]:زيد في ظ: أول.
[13997]:زيد من م "وما في الأرض".
[13998]:في الأصل: نزلوا، والتصحيح من م وظ ومد.
[13999]:في م وظ ومد: أي.
[14000]:من م وظ ومد ، وفي الأصل: العمل.
[14001]:زيد في الأصل ومد: لا، ولم تكن الزيادة في م وظ فحذفناها.
[14002]:زيد من م وظ.
[14003]:في م وظ: تريدون.
[14004]:العبارة المحجوزة زيدت من مد وظ، وزيد في م "المصير" فقط.
[14005]:زيد في مد: من، وفي م: من ربه.
[14006]:في ظ ومد: فأنزل.
[14007]:في ظ ومد: فأنزل.
[14008]:زيد ما بين الحاجزين من م ومد وظ.
[14009]:في الأصل: كلها، والتصحيح من م ومد وظ.
[14010]:في مد: إجمله.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{لِّلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۗ وَإِن تُبۡدُواْ مَا فِيٓ أَنفُسِكُمۡ أَوۡ تُخۡفُوهُ يُحَاسِبۡكُم بِهِ ٱللَّهُۖ فَيَغۡفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُۗ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٌ} (284)

قوله تعالى : ( لله ما في السماوات وما في الأرض وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوها يحاسبكم به الله فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء والله على كل شيء قدير ) ( لله ) في محل رفع خبر مقدم . ( ما ) اسم موصول في محل رفع مبتدأ . والواو بعدها للعطف . والية بمثابة إعلان حاسم ومجلجل على أن كل ما في الوجود مملوك لله سبحانه ، فإنه جل جلاله الواحد المتفرّد الأحد الذي ليس له ولي من الذل ولا يشاركه في الخلق أحد . ذلك هو الله الذي بيده ملكوت كل شيء .

وقوله : ( وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوها يحاسبكم به الله فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء ) هذه الآية موضع تفصيل مختلف لدى المفسرين والعلماء ، لكننا نستخلص من ذلك كله قولين يمكن التعويل عليهما في إدراك المقصود من الآية :

القول الأول : وهو أن هذه الآية منسوخة . فقد ذهب فريق من العلماء إلى أنه لدى نزول هذه الآية فزعت الصحابة واشتد الأمر عليهم وخافوا من محاسبة الله لهم على ما تكنه قلوبهم وما يخفونه في أنفسهم فأتوا رسول الله ( ص ) ، ثم جثوا عل الركب وقالوا : يا رسول الله كلفنا من الأعمال ما نطيق ، الصلاة والصيام والجهاد والصدقة ، وقد أنزلت عليك هذه الآية ولا نطيقها . فقال لهم الرسول ( ص ) : " أتريدون ان تقولوا كما قال أهل الكتابين من قبلكم : سمعنا وعصينا ؟ بل قولوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير . فلما دفعوا ذلك نسخ الله هذه الآية بقوله تعال : ( لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ) وخلاصة هذا القول أن الأمر قد اشتد عل الصحابة وغشيهم خوف شديد لد نزول قوله تعالى : ( وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله ) فمحاسبتهم عل ما يظهرونه من أعمال قد عرفوه ، لكن الذي شق عليهم كثيرا أن يحاسبوا عما يخفونه في أنفسهم من أفكار ووسوسات وهواجس مجردة عن التنفيذ والممارسة . فنسخ الله الآية بقوله : ( لا يكلف الله نفسها إلا وسعها ) {[375]} وقد ثبت بما رواه الجماعة في كتبهم الستة عن أبي هريرة أن رسول الله ( ص ) قال : " إن الله تجاوز لي عن أمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تكلم أو تعمل " .

القول الثاني : وهو لكثير من العلماء وفيهم ابن عباس إذ قالوا : إن هذه الآية محكمة غير منسوخة . والمعن : إن الله سبحانه وتعالى إذا جمع الخلائق يوم القيامة يقول لهم : أني إخبركم بما أخفيتم في أنفسكم مما لم يطلع عليه ملائكتي ، فأما المؤمنون فإنه يخبرهم ثم يغفر لهم ما حدثوا به أنفسهم وهو معنى قوله : ( يحاسبكم به الله ) فالمراد بالمحاسبة الإخبار . وأما أهل الشك والنفاق ، فإنه يخبرهم بما أخفوه في أنفسهم من السوء والشك والتكذيب . وعلى هذا فإنه لا يلزم من المحاسبة المعاقبة . فإن الله قد يحاسب فيغفر ولا يعاقب وربما حاسب وعاقب . وقد سأل رجل عبد الله بن عمر عن النجوى . فقال ابن عمر : سمعت رسول الله ( ص ) يقول : " يدنو المؤمن من ربه عز وجل حتى يضع عليه كنفه{[376]} فيقرره بذنوبه فيقول له : هل تعرف كذا ، فيقول : رب أعرف مرتين ، حتى إذا بلغ به ما شاء الله أن يبلغ قال : فإني قد سترتها عليك في الدنيا وإني أغفرها لكم اليوم " .

وجاء في الخبر " إن الله تعالى يقول يوم القيامة : هذا يوم تُبلى فيه السرائر ، وتخرج الضمائر ، وإن كتابي لم يكتبوه إلا ما ظهر من أعمالكم ، وأنا المطلع على ما لم يطلعوا عليه ولم يخبروه ولا كتبوه ، فأنا أخبركم بذلك وأحاسبكم عليه فأغفر لمن أشاء وأعذب من أشاء " ذلك ما نستخلصه في تأويل هذه الآية مع تخريجنا للقول الثاني من أن الآية محكمة لم ينسخها شيء لما بينا من دليل والله تعالى أعلم{[377]} .

والله جل وعلا يغفر إن شاء ويعذب إن شاء وهو سبحانه يقضي بالحق ولا معقب لقضائه ، وذلك بما له من مطلق الإرادة وبالغها ، ومن تمام الهيمنة وكاملها وهو سبحانه كما قال عن نفسه في آخر الآية في أجمل وصف وأكمله : ( والله عل كل شيء قدير ) .


[375]:- أسباب النزول للنيسابوري ص 60.
[376]:- الكنف، بفتحتين بمعن الجانب وجمعه أكناف، أنظر المصباح المنير جـ 1 ص 204.
[377]:- تفسير ابن كثير جـ 1 ص 339 وتفسير الطبري جـ 3 ص 99.