سورة الفرقان مكية وآياتها سبع وسبعون
هذه السورة المكية تبدو كلها وكأنها إيناس لرسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] وتسرية ، وتطمين له وتقوية وهو يواجه مشركي قريش ، وعنادهم له ، وتطاولهم عليه ، وتعنتهم معه ، وجدالهم بالباطل ، ووقوفهم في وجه الهدي وصدهم عنه .
فهي في لمحة منها تصور الإيناس اللطيف الذي يحيط به الله عبده ورسوله ؛ وكأنما يمسح على آلامه ومتاعبه مسحا رفيقا ؛ ويهدهد قلبه ، ويفيض عليه من الثقة والطمأنينة ، وينسم عليه من أنسام الرعاية واللطف والمودة .
وهي في اللمحة الأخرى تصور المعركة العنيفة مع البشرية الضالة الجاحدة المشاقة لله ورسوله ، وهي تجادل في عنف ، وتشرد في جموح ، وتتطاول في قحة ، وتتعنت في عناد ، وتجنح عن الهدى الواضح الناطق المبين .
إنها البشرية التي تقول عن هذا القرآن العظيم : ( إن هذا إلا إفك افتراه وأعانه عليه قوم آخرون ) . . أو تقول : ( أساطير الأولين اكتتبها فهي تملى عليه بكرة وأصيلا )والتي تقول عن محمد رسول الله الكريم : ( إن تتبعون إلا رجلا مسحورا ) . . أو تقول في استهزاء : ( أهذا الذي بعث الله رسولا ? ) . . والتي لا تكتفي بهذا الضلال ، فإذا هي تتطاول في فجور على ربها الكبير : ( وإذا قيل لهم : اسجدوا للرحمن قالوا : وما الرحمن ? أنسجد لما تأمرنا ? وزادهم نفورا ) . أو تتعنت فتقول : لولا أنزل علينا الملائكة أو نرى ربنا ? .
وهي هي من قديم كما يرسمها سياق السورة من عهد نوح إلى موقفها هذا الأخير مع رسولها الأخير . . لقد اعترض القوم على بشرية الرسول [ صلى الله عليه وسلم ] فقالوا : ( ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق ? لولا أنزل إليه ملك فيكون معه نذيرا ! ) .
واعترضوا على حظه من المال ، فقالوا : ( أو يلقى إليه كنز أو تكون له جنة يأكل منها ) .
واعترضوا على طريقة تنزيل القرآن فقالوا : ( لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة ! ) .
وذلك فوق التكذيب والاستهزاء والقحة والافتراء الأثيم .
ووقف الرسول [ صلى الله عليه وسلم ] يواجه هذا كله ، وهو وحيد فريد مجرد من الجاه والمال ، ملتزم حده مع ربه لا يقترح عليه شيئا ، ولا يزيد على أن يتوجه إليه مبتغيا رضاه ، ولا يحفل بشيء سواه : " رب إلا يكن بك علي غضب فلا أبالي . لك العتبى حتى ترضى " . .
فهنا في هذه السورة يؤويه ربه إلى كنفه ، ويمسح على آلامه ومتاعبه ، ويهدهده ويسري عنه ، ويهون عليه مشقة ما يلقى من عنت القوم وسوء أدبهم وتطاولهم عليه ، بأنهم يتطاولون على خالقهم ورازقهم ، وخالق هذا الكون كله ومقدره ومدبره . . فلا عليه أن ينالوه بشيء من ذاك ! ( ويعبدون من دون الله مالا ينفعهم ولا يضرهم وكان الكافر على ربه ظهيرا ) . . ( واتخذوا من دونه آلهة لا يخلقون شيئا وهم يخلقون ، ولا يملكون لأنفسهم ضرا ولا نفعا ولا يملكون موتا ولا حياة ولا نشورا ) . . ( وإذا قيل لهم : اسجدوا للرحمن قالوا : وما الرحمن ? ) . .
ويعزيه عن استهزائهم به بتصوير المستوى الهابط الذي يتمرغون فيه : ( أرأيت من اتخذ إلهه هواه أفأنت تكون عليه وكيلا ? أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون ? إن هم إلا كالأنعام ، بل هم أضل سبيلا ! ) .
ويعده العون والمساعدة في معركة الجدل والمحاجة : ( ولا يأتونك بمثل إلا جئناك بالحق وأحسن تفسيرا ) . . وفي نهاية المعركة كلها يعرض عليه مصارع المكذبين من قبل : قوم موسى ونوح وعاد وثمود وأصحاب الرس وما بين ذلك من قرون .
ويعرض عليه نهايتهم التعيسة في سلسلة من مشاهد القيامة : ( الذين يحشرون على وجوههم إلى جهنم أولئك شر مكانا وأضل سبيلا ) . . ( بل كذبوا بالساعة وأعتدنا لمن كذب بالساعة سعيرا . إذا رأتهم من مكان بعيد سمعوا لها تغيظا وزفيرا . وإذا ألقوا منها مكانا ضيقا مقرنين دعوا هنالك ثبورا . لا تدعوا اليوم ثبورا واحدا ادعوا ثبورا كثيرا ) ( ويوم يعض الظالم على يديه يقول : يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلا . يا ويلتا ! ليتني لم أتخذ فلانا خليلا ) . .
ويسليه بأن مثله مثل الرسل كلهم قبله : ( وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا إنهم ليأكلون الطعام ويمشون في الأسواق ) . . ( وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا من المجرمين . وكفى بربك هاديا ونصيرا ) .
ويكلفه أن يصبر ويصابر ، ويجاهد الكافرين بما معه من قرآن ، واضح الحجة قوي البرهان عميق الأثر في الوجدان : ( فلا تطع الكافرين وجاهدهم به جهادا كبيرا ) . .
ويغريه على مشاق الجهاد بالتوكل على مولاه ( وتوكل علي الحي الذي لا يموت وسبح بحمده ، وكفى به بذنوب عباده خبيرا . .
وهكذا تمضي السورة : في لمحة منها إيناس وتسرية وعطف وإيواء من الله لرسوله . وفي لمحة منها مشاقة وعنت من المشركين لرسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] وتتبير ونكال من الله الكبير المتعال . حتى تقرب من نهايتها ، فإذا ريح رخاء وروح وريحان ، وطمأنينة وسلام . . وإذا صورة ( عباد الرحمن ) . . ( الذين يمشون على الأرض هونا ، وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما . . . )وكأنما تتمخض عنهم معركة الجهادالشاقة مع البشرية الجاحدة الضالة المعاندة المشاقة ؛ وكأنما هم الثمرة الحلوة الجنية الممثلة للخير الكامن في شجرة البشرية ذات الأشواك .
وتختم السورة بتصوير هوآن البشرية على الله ، لولا تلك القلوب المؤمنة التي تلتجىء إليه وتدعوه : ( قل : ما يعبأ بكم ربي لولا دعاؤكم . فقد كذبتم فسوف يكون لزاما ) . .
هذه هي ظلال السورة ؛ وذلك هو محورها الذي تدور عليه ، وموضوعها الذي تعالجه . وهي وحدة متصلة ، يصعب فصل بعضها عن بعض . ولكن يمكن تقسيمها إلى أربعة أشواط في علاج هذا الموضوع .
يبدأ الشوط الأول منها بتسبيح الله وحمده على تنزيل هذا القرآن على عبده ليكون للعالمين نذيرا . وبتوحيد الله المالك لما في السماوات والأرض ، المدبر للكون بحكمة وتقدير ، ونفي الولد والشريك . ثم يذكر اتخاذ المشركين مع ذلك آلهة من دونه لا يخلقون شيئا وهم يخلقون . . كل أولئك قبل أن يحكي مقولاتهم المؤذية عن الرسول [ صلى الله عليه وسلم ] من تكذيبه فيما جاءهم به ، وادعائهم أنه إفك افتراه ، وأنه أساطير الأولين اكتتبها . وقبل أن يحكي اعتراضاتهم على بشرية الرسول وحاجته للطعام والمشي في الأسواق ، واقتراحاتهم أن ينزل عليه ملك أو يلقى إليه كنز ، أو تكون له جنة يأكل منها . وقحتهم في وصفه [ صلى الله عليه وسلم ] بأنه رجل مسحور . . وكأنما يسبق بمقولاتهم الجاحده لربهم كي يهون على نفس الرسول [ صلى الله عليه وسلم ] مقولاتهم عنه وعن رسالته . . ومن ثم يعلن ضلالهم وتكذيبهم بالساعة ، ويتوعدهم بما أعده الله لهم من سعير ، يلقون فيها مكانا ضيقا مقرنين . ويعرض في الصفحة المقابلة صورة المؤمنين في الجنة . ( لهم فيها ما يشاءون خالدين ) . . ويستمر في عرض مشهدهم يوم الحشر ، ومواجهتهم بما كانوا يعبدون من دون الله ، وتكذيب هؤلاء لهم فيما كانوا يدعون على الله من شرك . . وينتهي هذا الشوط بتسلية الرسول [ صلى الله عليه وسلم ] بأن الرسل جميعا كانوا بشرا مثله ، يأكلون الطعام ويمشون في الأسواق .
ويبدأ الشوط الثاني بتطاول المكذبين بلقاء الله على الله ، وقولهم : ( لولا أنزل علينا الملائكة أو نرى ربنا ) . ويعاجلهم بمشهد اليوم الذي يرون فيه الملائكة . . ( وكان يوما على الكافرين عسيرا ) . . ( ويوم يعض الظالم على يديه يقول : يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلا ) . . ليكون في ذلك تأسية للرسول [ صلى الله عليه وسلم ] وهم يهجرون القرآن ، وهو يشكو لربه هذا الهجران . وهم يعترضون على طريقة تنزيله ويقولون ( لو لا نزل عليه القرآن جملة واحدة ) . ويعقب على هذا الاعتراض بمشهدهم يوم القيامة يحشرون على وجوههم ، وهم المكذبون بيوم القيامة ، وبتصوير عاقبة المكذبين قبلهم من قوم موسى وقوم نوح ، وعاد وثمود وأصحاب الرس والقرون الكثيرة بين ذلك ، ويعجب من أمرهم وهم يمرون على قرية لوط المدمرة ولا يعتبرون . فيهون بذلك كله من وقع تطاولهم على الرسول [ صلى الله عليه وسلم ] وقولهم : ( أهذا الذي بعث الله رسولا ? )ثم يعقب على هذا الاستهزاء بتحقيرهم ووضعهم في صف الأنعام بل دون ذلك : ( إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلا ) .
والشوط الثالث جولة في مشاهد الكون تبدأ بمشهد الظل ، وتستطرد إلى تعاقب الليل والنهار ، والرياح المبشرة بالماء المحيي ، وخلقة البشر من الماء . ومع هذا فهم يعبدون من دون الله ما لاينفعهم ولا يضرهم ، ويتظاهرون على ربهم وخالقهم ، ويتطاولون في قحة إذا دعوا إلى عبادة الله الحق . . ( وإذا قيل لهم : اسجدوا للرحمن قالوا : وما الرحمن ? ) . . وهو الذي( جعل في السماء بروجا وجعل فيها سراجا وقمرامنيرا . وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورا ) . . ولكنهم هم لا يتذكرون ولا يشكرون . .
ثم يجيء الشوط الأخير يصور ( عباد الرحمن )الذين يسجدون له ويعبدونه ، ويسجل مقوماتهم التي استحقوا بها هذه الصفة الرفيعة . ويفتح باب التوبة لمن يرغب في أن يسلك طريقة عباد الرحمن . ويصور جزاءهم على صبرهم على تكاليف الإيمان والعبادة : ( أولئك يجزون الغرفة بما صبروا ويلقون فيها تحية وسلاما ) .
وتختم السورة بتقرير هوان البشرية على الله لولا هذه القلوب الطائعة المستجيبة العارفة بالله في هذا القطيع الشارد الضال من المكذبين والجاحدين . .
وفي هذا الهوان تهوين لما يلقاه منهم رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] فهو يتفق مع ظل السورة وجوها ، ويتفق مع موضوعها وأهدافها ، على طريقة التناسق الفني في القرآن .
والآن نبدأ الشوط الأول بالتفصيل :
تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا . الذي له ملك السماوات والأرض ، ولم يتخذ ولدا ، ولم يكن له شريك في الملك ، وخلق كل شيء فقدره تقديرا . واتخذوا من دونه آلهة لا يخلقون شيئا وهم يخلقون ، ولا يملكون لأنفسهم ضرا ولا نفعا ، ولا يملكون موتا ولا حياة ولا نشورا . .
إنه البدء الموحي بموضوع السورة الرئيسى : تنزيل القرآن من عند الله ، وعموم الرسالة إلى البشر جميعا . ووحدانية الله المطلقة ، تنزيهه عن الولد والشريك ، وملكيته لهذا الكون كله ، وتدبيره بحكمة وتقدير . . وبعد ذلك كله يشرك المشركون ، ويفتري المفترون ، ويجادل المجادلون ، ويتطاول المتطاولون !
( تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا ) . .
والتبارك تفاعل من البركة ، يوحي بالزيادة فيها والفيض والرفعة جميعا . ولم يذكر لفظ الجلالة واكتفى بالاسم الموصول ( الذي نزل الفرقان )لإبراز صلته وإظهارها في هذا المقام ، لأن موضوع الجدل في السورة هو صدق الرسالة وتنزيل القرآن .
وسماه الفرقان . بما فيه من فارق بين الحق والباطل ، والهدي والضلال . بل بما فيه من تفرقة بين نهج في الحياة ونهج ، وبين عهد للبشرية وعهد . فالقرآن يرسم منهجا واضحا للحياة كلها في صورتها المستقرة في الضمير ، وصورتها الممثلة في الواقع . منهجا لا يختلط بأي منهج آخر مما عرفته البشرية قبله . ويمثل عهدا جديدا للبشرية في مشاعرها وفي واقعها لا يختلط كذلك بكل ما كان قبله . فهو فرقان بهذا المعنى الواسع الكبير . فرقان ينتهي به عهد الطفولة ويبدأ به عهد الرشد . وينتهي به عهد الخوارق المادية ويبدأ به عهد المعجزات العقلية . وينتهي به عهد الرسالات المحلية الموقوتة ويبدأ به عهد الرسالة العامة الشاملة : ( ليكون للعالمين نذيرا ) .
وفي موضع التكريم لرسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] وفي مقام التعظيم يصفه بالعبودية : على عبده . . كذلك وصفه في مقام الإسراء والمعراج في سورة الإسراء : ( سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى ) . وكذلك وصفه في مقام دعائه ومناجاته في سورة الجن : ( وأنه لما قام عبد الله يدعوه . . . )وكذلك يصفه هنا في مقام تنزيل الفرقان عليه كما وصفه في مثل هذا المقام في مطلع سورة الكهف :
( الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا . . . )والوصف بالعبودية في هذه المواضع له دلالته على رفعة هذا المقام ، وأنه أرفع ما يرتفع إليه بشر من بني الإنسان . كما أن فيه تذكيرا خفيا بأن مقام البشرية حين يبلغ مداه لا يزيد على أن يكون مقام العبودية لله . ويبقى مقام الألوهية متفردا بالجلالة ، متجردا من كل شبهة شرك أو مشابهة . ذلك أن مثل مقام الإسراء والمعراج ، أو مقام الدعاء والمناجاة ، أو مقام الوحي والتلقي ، كان مزلة لبعض أتباع الرسل من قبل ، منها نشأت أساطير البنوة لله ، أو الصلة القائمة على غير الألوهية والعبودية . ومن ثم يحرص القرآن على توكيد صفة العبودية في هذه المقام ، بوصفها أعلى أفق يرتفع إليه المختارون من بني الإنسان .
ويرسم الغاية من تنزيل الفرقان على عبده . . ( ليكون للعالمين نذيرا ) . . وهذا النص مكي ، وله دلالته على إثبات عالمية هذه الرسالة منذ أيامها الأولى . لا كما يدعي بعض ؛ المؤرخين غير المسلمين ، أن الدعوة الإسلامية نشأت محلية ، ثم طمحت بعد اتساع رقعة الفتوح أن تكون عالمية . فهي منذ نشأتها رسالة للعالمين . طبيعتها طبيعة عالمية شاملة ، ووسائلها وسائل إنسانية كاملة ؛ وغايتها نقل هذه البشرية كلها من عهد إلى عهد ، ومن نهج إلى نهج . عن طريق هذا الفرقان الذي نزله الله على عبده ليكون للعالمين نذيرا ، فهي عالمية للعالمين والرسول يواجه في مكة بالتكذيب والمقاومة والجحود . .
{ تبارك } : أي تكاثرت بركته وعمت الخلائق كلها .
{ الذي نزل الفرقان } : أي الله الذي نزل القرآن فارقاً بين الحق والباطل .
{ على عبده } : أي محمد صلى الله عليه وسلم .
{ ليكون للعالمين نذيرا } : أي ليكون محمد صلى الله عليه وسلم نذيراً للعالمين من الإنس والجن أي مخوفاً لهم من عقاب الله وعذابه إن كفروا به ولم يعبدوه ويوحدوه .
يثني الرب تبارك وتعالى على نفسه بأنه عَظُم خيره وعمت بركته المخلوقات كلها الذي نزل الفرقان الكتاب العظيم الذي فرق به بين الحق والباطل والتوحيد والشرك والعدل والظلم أنزله على عبده ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم ليكون للعالمين الإنس والجن نذيراً ينذرهم عواقب الكفر والشرك والظلم والشر والفساد وهي عقاب الله وعذابه في الدنيا والآخرة .
- مظاهر ربوبية الله تعالى الموجبة لألوهيته وهو إفاضة الخير على الخلق والملك والقدرة والعلم والحكمة .