في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{وَإِذۡ قَالَ رَبُّكَ لِلۡمَلَـٰٓئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٞ فِي ٱلۡأَرۡضِ خَلِيفَةٗۖ قَالُوٓاْ أَتَجۡعَلُ فِيهَا مَن يُفۡسِدُ فِيهَا وَيَسۡفِكُ ٱلدِّمَآءَ وَنَحۡنُ نُسَبِّحُ بِحَمۡدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَۖ قَالَ إِنِّيٓ أَعۡلَمُ مَا لَا تَعۡلَمُونَ} (30)

30

فلننظر الآن في قصة آدم - كما جاءت هنا - في ضوء هذه الإيضاحات . .

إن السياق - فيما سبق - يستعرض موكب الحياة ، بل موكب الوجود كله . ثم يتحدث عن الأرض - في معرض آلاء الله على الناس - فيقرر أن الله خلق كل ما فيها لهم . . فهنا في هذا الجو تجيء قصة استخلاف آدم في الأرض ، ومنحه مقاليدها ، على عهد من الله وشرط ، وإعطائه المعرفة التي يعالج بها هذه الخلافة . كما أنها تمهد للحديث عن استخلاف بني إسرائيل في الأرض بعهد من الله ؛ ثم عزلهم عن هذه الخلافة وتسليم مقاليدها للأمة المسلمة الوافية بعهد الله [ كما سيجيء ] فتتسق القصة مع الجو الذي تساق فيه كل الاتساق .

فلنعش لحظات مع قصة البشرية الأولى وما وراءها من إيحاءات أصيلة :

ها نحن أولاء - بعين البصيرة في ومضات الاستشراف - في ساحة الملأ الأعلى ؛ وها نحن أولاء نسمع ونرى قصة البشرية الأولى :

( وإذ قال ربك للملائكة : إني جاعل في الأرض خليفة ) . .

وإذن فهي المشيئة العليا تريد أن تسلم لهذا الكائن الجديد في الوجود ، زمام هذه الأرض ، وتطلق فيها يده ، وتكل إليه إبراز مشيئة الخالق في الإبداع والتكوين ، والتحليل والتركيب ، والتحوير والتبديل ؛ وكشف ما في هذه الأرض من قوى وطاقات ، وكنوز وخامات ، وتسخير هذا كله - بإذن الله - في المهمة الضخمة التي وكلها الله إليه .

وإذن فقد وهب هذا الكائن الجديد من الطاقات الكامنة ، والاستعدادات المذخورة كفاء ما في هذه الأرض من قوى وطاقات ، وكنوز وخامات ؛ ووهب من القوى الخفية ما يحقق المشيئة الإلهية

وإذن فهنالك وحدة أو تناسق بين النواميس التي تحكم الأرض - وتحكم الكون كله - والنواميس التي تحكم هذا المخلوق وقواه وطاقاته ، كي لا يقع التصادم بين هذه النواميس وتلك ؛ وكي لا تتحطم طاقة الإنسان على صخرة الكون الضخمة !

وإذن فهي منزلة عظيمة ، منزلة هذا الإنسان ، في نظام الوجود على هذه الأرض الفسيحة . وهو التكريم الذي شاءه له خالقه الكريم .

هذا كله بعض إيحاء التعبير العلوي الجليل : ( إني جاعل في الأرض خليفة ) . . حين نتملاه اليوم بالحس اليقظ والبصيرة المفتوحة ، ورؤية ما تم في الأرض على يد هذا الكائن المستخلف في هذا الملك العريض !

( قالوا : أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ، ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك ؟ ) . .

ويوحي قول الملائكة هذا بأنه كان لديهم من شواهد الحال ، أو من تجارب سابقة في الأرض ، أو من إلهام البصيرة ، ما يكشف لهم عن شيء من فطرة هذا المخلوق ، أو من مقتضيات حياته على الأرض ؛ وما يجعلهم يعرفون أو يتوقعون أنه سيفسد في الأرض ، وأنه سيسفك الدماء . . ثم هم - بفطرة الملائكة البريئة التي لا تتصور إلا الخير المطلق ، وإلا السلام الشامل - يرون التسبيح بحمد الله والتقديس له ، هو وحده الغاية المطلقة للوجود ، وهو وحده العلة الأولى للخلق . . وهو متحقق بوجودهم هم ، يسبحون بحمد الله ويقدسون له ، ويعبدونه ولا يفترون عن عبادته !

لقد خفيت عليهم حكمة المشيئة العليا ، في بناء هذه الأرض وعمارتها ، وفي تنمية الحياة وتنويعها ، وفي تحقيق إرادة الخالق وناموس الوجود في تطويرها وترقيتها وتعديلها ، على يد خليفة الله في أرضه . هذا الذي قد يفسد أحيانا ، وقد يسفك الدماء أحيانا ، ليتم من وراء هذا الشر الجزئي الظاهر خير أكبر وأشمل . خير النمو الدائم ، والرقي الدائم . خير الحركة الهادمة البانية . خير المحاولة التي لا تكف ، والتطلع الذي لا يقف ، والتغيير والتطوير في هذا الملك الكبير .

عندئذ جاءهم القرار من العليم بكل شيء ، والخبير بمصائر الأمور :

( قال : إني أعلم ما لا تعلمون ) . .

/خ39

 
صفوة البيان لحسين مخلوف - حسنين مخلوف [إخفاء]  
{وَإِذۡ قَالَ رَبُّكَ لِلۡمَلَـٰٓئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٞ فِي ٱلۡأَرۡضِ خَلِيفَةٗۖ قَالُوٓاْ أَتَجۡعَلُ فِيهَا مَن يُفۡسِدُ فِيهَا وَيَسۡفِكُ ٱلدِّمَآءَ وَنَحۡنُ نُسَبِّحُ بِحَمۡدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَۖ قَالَ إِنِّيٓ أَعۡلَمُ مَا لَا تَعۡلَمُونَ} (30)

{ لِلْمَلاَئِكَةِ } هم جند من خلق الله . ركز الله فيهم العقل والفهم ، وفطرهم على الطاعة ، وأقدرهم على التشكل بأشكال مختلفة ، وعلى الأعمال العظيمة الشاقة ، ووصفهم في القرآن بأوصاف كثيرة ، منها أنهم : { يُسَبِّحُونَ اللَّيلَ والنَهَارَ لاَ يَفتَرُونَ }{[15]} و { لاَ يَعصَونَ اللهَ مَا أَمَرَهُم وَيَفعَلُونَ مَا يُؤمَرُونَ }{[16]}

ومنها : أنهم رسل الله أرسلهم بأمره ، ومنهم رسل الوحي إلى من اصطفاهم من خلقه للنبوة والرسالة ، قال تعالى : { جَاعِلِ المَلاَئِكَةِ رُسُلاً }{[17]} ، وقال تعالى : { اللهُ يَصطَفِي منَ المَلاَئِكةِ رُسُلاً ومِنَ النَّاسِ }{[18]} ، { يُنَزِّلُ المَلاَئِكةَ بالرُّوحِ مِن أَمرِهِ عَلَى مَن يَشَاء من عبَلدِه }{[19]}

جمع ملك ، والتاء لتأنيث الجمع ، واصله ملاك ، من ملك ، نحو شمال من شمل ، والهمزة زائدة ، وهو مقلوب مألك ، ثم سهلوه فقالوا : ملك . وقيل : إن ملأك من لأك إذا أرشل ، ومنه : الألوكة ، أي الرسالة .

{ خَلِيفَةً } هو من يخلف غيره و ينوب منابه ، فهو فعيل بمعنى فاعل ، والتاء فيه للمبالغة . والمراد يه آدم عليه السلام ، لأنه كان خليفة الله في الأرض . وكذلك سائر الأنبياء ، استخلفهم الله تعالى في عمارة الأرض وسياسة الناس ، وتكميل نفوسهم ، وإجراء أحكامه عليهم ، وتنفيذ أوامره فيهم . وقيل : آدم وذريته ، لأنه يخلف بعضهم بعضا في عمارة الأرض ، واستغنى بذكره عن ذكره ذريته لكونه الأصل .

{ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا } الفساد : الخروج عن الاعتدال والاستقامة ، ويضاده الصلاح . يقال : فسد الشئ فسادا وفسودا ، وأفسده غيره . وقد عزف الملائكة وقوع ذلك من الإنسان بإخبار من الله تعالى أو إلهام ، ولم يقص علينا فيما حكى الله عنهم للإيجاز على عادة القرآن . والاستفهام : استكشاف عن الحكمة الخفية في هذا الاستخلاف ، مع ما سيترتب عليه من الإفساد وسفك الدماء .

{ وَيَسْفِكُ الدِّمَاء } السفك : الصب و الإهراق ، يقال : سفكت الدم والدمع سفكا – من باب ضرب- صببته ، والفاعل سافك وسفاك . والمراد به حصول التقاتل بين أفراد بني الإنسان ظلما وعدوانا .

{ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ } ننزهك عما يليق بعظمتك ، تنزيها متلبسا بحمدك والثناء عليك . من التسبيح ، وهو تنزيه الله من السوء على وجه التعظيم ، وهو مشتق من السبح ، وهو المر السريع في الماء أو في الهواء ، فالمسبح مسرع في تنزيه الله وتبرئته من السوء .

{ وَنُقَدِّسُ لَكَ } نطهر ذكرك عما لا يليق بك ، تعظيما لك وتمجيدا . من التقديس بمعنى التطهير ، ومنه : الأرض المقدسة ، وروح القدس . واسمه تعالى القدوس ، أي الطاهر . واللام في " لك " زائدة لتأكيد التخصيص .


[15]:آية 20 الأنبياء
[16]:ية 6 التحريم
[17]:آية 1 فاطر
[18]:آية 75 الحج
[19]:آية 2 النحل