في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{فَإِنۡ حَآجُّوكَ فَقُلۡ أَسۡلَمۡتُ وَجۡهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ ٱتَّبَعَنِۗ وَقُل لِّلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡأُمِّيِّـۧنَ ءَأَسۡلَمۡتُمۡۚ فَإِنۡ أَسۡلَمُواْ فَقَدِ ٱهۡتَدَواْۖ وَّإِن تَوَلَّوۡاْ فَإِنَّمَا عَلَيۡكَ ٱلۡبَلَٰغُۗ وَٱللَّهُ بَصِيرُۢ بِٱلۡعِبَادِ} (20)

18

ثم لقن نبيه [ ص ] فصل الخطاب في موقفه من أهل الكتاب والمشركين جميعا . ليحسم الأمر معهم عن بينة ، ويدع أمرهم بعد ذلك لله ، ويمضي في طريقه الواضح متميزا متفردا :

( فإن حاجوك فقل : أسلمت وجهي لله ومن اتبعن . وقل للذين أوتوا الكتاب والأميين أأسلمتم ؟ فإن أسلموا فقد اهتدوا . وإن تولوا فإنما عليك البلاغ . والله بصير بالعباد )

إنه لا سبيل إلى مزيد من الإيضاح بعد ما تقدم . فإما اعتراف بوحدة الألوهية والقوامة ، وإذن فلا بد من الإسلام والاتباع . وإما مماحكة ومداورة . وإذن فلا توحيد ولا إسلام .

ومن ثم يلقن الله - تعالى - رسوله [ ص ] كلمة واحدة تبين عقيدته كما تبين منهج حياته :

( فإن حاجوك )- أي في التوحيد وفي الدين - ( فقل : أسلمت وجهي لله ) أنا ( ومن اتبعن ) . . والتعبير بالاتباع ذو مغزى هنا . فليس هو مجرد التصديق . إنما هو الأتباع . كما أن التعبير بالإسلام الوجه ذو مغزىكذلك . فليس هو مجرد النطق باللسان أو الاعتقاد بالجنان . إنما هو كذلك الاستسلام . استسلام الطاعة والاتباع . . وإسلام الوجه كناية عن هذا الاستسلام . والوجه أعلى وأكرم ما في الإنسان . فهي صورة الانقياد الطائع الخاضع المتبع المستجيب .

هذا اعتقاد محمد [ ص ] ومنهج حياته . والمسلمون متبعوه ومقلدوه في اعتقاده ومنهج حياته . . فليسأل إذن أهل الكتاب والأميين سؤال التبين والتمييز ووضع الشارة المميزة للمعسكرين على وضوح لا اختلاط فيه ولا اشتباه :

( وقل للذين أوتوا الكتاب والأميين : أأسلمتم ؟ ) . .

فهم سواء . هؤلاء وهؤلاء . المشركون وأهل الكتاب هم مدعوون إلى الإسلام بمعناه الذي شرحناه . مدعوون للإقرار بتوحيد ذات الله ، ووحدة الألوهية ووحدة القوامة . مدعوون بعد هذا الإقرار إلى الخضوع لمقتضاه . وهو تحكيم كتاب الله ونهجه في الحياة .

( فإن أسلموا فقد اهتدوا ) . .

فالهدى يتمثل في صورة واحدة . هي صورة الإسلام . بحقيقته تلك وطبيعته . وليس هنالك صورة أخرى ، ولا تصور آخر ، ولا وضع آخر ، ولا منهج آخر يتمثل فيه الاهتداء . . إنما هو الضلال والجاهلية والحيرة والزيغ والالتواء . .

( وإن تولوا فإنما عليك البلاغ ) . .

فعند البلاغ تنتهي تبعة الرسول وينتهي عمله . وكان هذا قبل أن يأمره الله بقتال من لا يقبلون الإسلام حتى ينتهوا : إما إلى اعتناق الدين والخضوع للنظام الذي يتمثل فيه . وإما إلى التعهد فقط بالطاعة للنظام في صورة أداء الجزية . . حيث لا إكراه على الاعتقاد . .

( والله بصير بالعباد ) . .

يتصرف في أمرهم وفق بصره وعلمه . وأمرهم إليه على كل حال .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{فَإِنۡ حَآجُّوكَ فَقُلۡ أَسۡلَمۡتُ وَجۡهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ ٱتَّبَعَنِۗ وَقُل لِّلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡأُمِّيِّـۧنَ ءَأَسۡلَمۡتُمۡۚ فَإِنۡ أَسۡلَمُواْ فَقَدِ ٱهۡتَدَواْۖ وَّإِن تَوَلَّوۡاْ فَإِنَّمَا عَلَيۡكَ ٱلۡبَلَٰغُۗ وَٱللَّهُ بَصِيرُۢ بِٱلۡعِبَادِ} (20)

قوله تعالى : " فإن حاجوك فقل أسلمت وجهي لله ومن اتبعن " أي جادلوك بالأقاويل المزورة والمغالطات ، فأسند أمرك إلى ما كلفت من الإيمان والتبليغ وعلى الله نصرك . وقوله " وجهي " بمعنى ذاتي ، ومنه الحديث ( سجد وجهي للذي خلقه وصوره ) . وقيل : الوجه هنا بمعنى القصد ، كما تقول : خرج فلان في وجه كذا . وقد تقدم هذا المعنى في البقرة مستوفى ، والأول أولى . وعبر بالوجه عن سائر الذات ؛ إذ هو أشرف أعضاء الشخص وأجمعها للحواس . وقال :

أسلمت وجهي لمن أسلمت *** له المُزْن تحمل عَذْباً زُلالا

وقد قال حذاق المتكلمين في قوله تعالى : " ويبقى وجه ربك " {[2955]} [ الرحمن : 27 ] : إنها عبارة عن الذات وقيل : العمل الذي يقصد به وجهه . وقوله " ومن اتبعن " " من " في محل رفع عطفا على التاء في قوله " أسلمت " أي ومن اتبعني أسلم أيضا ، وجاز العطف على الضمير المرفوع من غير تأكيد للفصل بينهما . وأثبت نافع وأبو عمرو ويعقوب ياء " اتبعن " على الأصل ، وحذف الآخرون اتباعا للمصحف إذ وقعت فيه بغير ياء . وقال الشاعر :

ليس تُخفى يَسَارَتي قدر يوم *** ولقد تُخف شِيمتي إعساري

قوله تعالى : " وقل للذين أوتوا الكتاب والأميين أأسلمتم فإن أسلموا فقد اهتدوا وإن تولوا فإنما عليك البلاغ والله بصير بالعباد " يعني اليهود والنصارى " والأميين " الذين لا كتاب لهم وهم مشركو العرب . " أأسلمتم " استفهام معناه التقرير وفي ضمنه الأمر ، أي أسلموا ، كذا قال الطبري وغيره . وقال الزجاج : " أأسلمتم " تهديد . وهذا حسن لأن المعنى أأسلمتم أم لا . وجاءت العبارة في قوله " فقد اهتدوا " بالماضي مبالغة في الإخبار بوقوع الهدي لهم وتحصيله . و " البلاغ " مصدر بلغ بتخفيف عين الفعل ، أي إنما عليك أن تبلغ . وقيل : إنه مما نسخ بالجهاد . وقال ابن عطية : وهذا يحتاج إلى معرفة تاريخ نزولها ، وأما على ظاهر نزول هذه الآيات في وفد نجران فإنما المعنى فإنما عليك أن تبلغ ما أنزل إليك بما فيه من قتال وغيره .


[2955]:- راجع جـ17 ص 165.
 
التسهيل لعلوم التنزيل، لابن جزي - ابن جزي [إخفاء]  
{فَإِنۡ حَآجُّوكَ فَقُلۡ أَسۡلَمۡتُ وَجۡهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ ٱتَّبَعَنِۗ وَقُل لِّلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡأُمِّيِّـۧنَ ءَأَسۡلَمۡتُمۡۚ فَإِنۡ أَسۡلَمُواْ فَقَدِ ٱهۡتَدَواْۖ وَّإِن تَوَلَّوۡاْ فَإِنَّمَا عَلَيۡكَ ٱلۡبَلَٰغُۗ وَٱللَّهُ بَصِيرُۢ بِٱلۡعِبَادِ} (20)

{ فإن حاجوك } أي : جادلوك في الدين ، والضمير لليهود ونصارى نجران .

{ أسلمت وجهي } أي : أخلصت نفسي وجملتي { لله } وعبر بالوجه على الجملة ومعنى الآية إقامة الحجة عليهم لأن من أسلم وجهه لله فهو على الحق بلا شك ، فسقطت حجة من خالفه .

{ ومن اتبعن } عطف على التاء في أسلمت ويجوز أن يكون مفعولا معه .

{ أأسلمتم } تقرير بعد إقامة الحجة عليهم أي قد جاءكم من البراهين ما يقتضي أن تسلموا .

{ فإنما عليك البلاغ } أي : إنما عليك أن تبلغ رسالة ربك ، فإذا أبلغتها فقد فعلت ما عليك ، وقيل : إن فيها موادعة نسختها آية السيف .