( وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع . فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة ، أو ما ملكت أيمانكم ، ذلك أدنى ألا تعولوا ) . .
عن عروة بن الزبير - رضي الله عنه - أنه سأل عائشة - رضي الله عنها - عن قوله تعالى : ( وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى ) فقالت : " يا ابن أختي هذه اليتيمة تكون في حجر وليها ، تشركه في ماله ، ويعجبه مالها وجمالها ، فيريد وليها أن يتزوجها بغير أن يقسط في صداقها ، فيعطيها مثل ما يعطيها غيره ، فنهوا أن ينكحوهن إلا أن يقسطوا اليهن ؛ ويبلغوا بهن أعلى سنتهن في الصداق ، وأمروا أن ينكحوا من النساء سواهن " قال عروة : قالت عائشة : " وإن الناس استفتوا رسول الله [ ص ] بعد هذه الآية ، فأنزل الله : ( ويستفتونك في النساء . قل الله يفتيكم فيهن . وما يتلى عليكم في الكتاب في يتامى النساء اللاتي لا تؤتونهن ما كتب لهن وترغبون أن تنكحوهن . . . ) قالت عائشة : [ وقول الله في هذه الآية الأخرى : ( وترغبون أن تنكحوهن ) رغبة أحدكم عن يتيمته إذا كانت قليلة المال والجمال . فنهوا أن ينكحوا من رغبوا في مالها وجمالها من النساء إلا بالقسط من أجل رغبتهم عنهن إذا كن قليلات المال والجمال ] .
وحديث عائشة - رضي الله عنها - يصور جانبا من التصورات والتقاليد التي كانت سائدة في الجاهلية ، ثم بقيت في المجتمع المسلم ، حتى جاء القرآن ينهى عنها ويمحوها ، بهذه التوجيهات
الضمائر ، وهو يقول : ( وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى ) . . فهي مسألة تحرج وتقوى وخوف من الله إذا توقع الولي ألا يعدل مع اليتيمة في حجره ، ونص الآية مطلق لا يحدد مواضع العدل ، فالمطلوب هو العدل في كل صوره وبكل معانيه في هذه الحالة ، سواء فيما يختص بالصداق ، أو فيما يتعلق بأي اعتبار آخر . كأن ينكحها رغبة في مالها ، لا لأن لها في قلبه مودة ، ولا لأنه يرغب رغبة نفسية في عشرتها لذاتها . وكأن ينكحها وهناك فارق كبير من السن لا تستقيم معه الحياة ، دون مراعاة لرغبتها هي في إبرام هذا النكاح ، هذه الرغبة التي قد لا تفصح عنها حياء أو خوفا من ضياع مالها إذا هي خالفت عن إرادته . . إلى آخر تلك الملابسات التي يخشى ألا يتحقق فيها العدل . . والقرآن يقيم الضمير حارسا ، والتقوى رقيبا . وقد أسلف في الآية السابقة التي رتب عليها هذه التوجيهات كلها قوله : ( إن الله كان عليكم رقيبا ) . .
فعندما لا يكون الأولياء واثقين من قدرتهم على القسط مع اليتيمات اللواتي في حجورهم ، فهناك النساء غيرهن ، وفي المجال متسع للبعد عن الشبهة والمظنة :
( وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع . فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم . ذلك أدنى ألا تعولوا ) . .
وهذه الرخصة في التعدد ، مع هذا التحفظ عند خوف العجز عن العدل ، والاكتفاء بواحدة في هذه الحالة ، أو بما ملكت اليمين . .
هذه الرخصة - مع هذا التحفظ - يحسن بيان الحكمة والصلاح فيها . في زمان جعل الناس يتعالمون فيه على ربهم الذي خلقهم ، ويدعون لأنفسهم بصرا بحياة الإنسان وفطرته ومصلحته فوق بصر خالقهم سبحانه ! ويقولون في هذا الأمر وذاك بالهوى والشهوة ، وبالجهالة والعمى . كأن ملابسات وضرورات جدت اليوم ، يدركونها هم ويقدرونها ولم تكن في حساب الله - سبحانه - ولا في تقديره ، يوم شرع للناس هذه الشرائع ! ! !
وهي دعوى فيها من الجهالة والعمى ، بقدر ما فيها من التبجح وسوء الأدب ، بقدر ما فيها من الكفر والضلالة ! ولكنها تقال ، ولا تجد من يرد الجهال العمي المتبجحين المتوقحين الكفار الضلال عنها ! وهم يتبجحون على الله وشريعته ، ويتطاولون على الله وجلاله ، ويتوقحون على الله ومنهجه ، آمنين سالمين غانمين ، مأجورين من الجهات التي يهمها أن تكيد لهذا الدين !
وهذه المسألة - مسألة إباحة تعدد الزوجات بذلك التحفظ الذي قرره الإسلام - يحسن أن تؤخذ بيسر ووضوح وحسم ؛ وأن تعرف الملابسات الحقيقية والواقعية التي تحيط بها . .
روى البخاري - بإسناده - أن غيلان بن سلمة الثقفي أسلم - وتحته عشر نسوة - فقال له النبي [ ص ] : " اختر منهن أربعا " . .
وروى أبو داود - بإسناده - أن عميرة الأسدي قال : أسلمت وعندي ثماني نسوة ، فذكرت ذلك للنبي [ ص ] فقال : " اختر منهن أربعا " .
وقال الشافعي في مسنده : أخبرني من سمع ابن أبي الزياد يقول : أخبرني عبد المجيد عن ابن سهل بن عبد الرحمن ، عن عوف بن الحارث ، عن نوفل بن معاوية الديلمي ، قال : أسلمت وعندي خمس نسوة ، فقال لي رسول الله [ ص ] : " اختر أربعا أيتهن شئت وفارق الأخرى " . .
فقد جاء الإسلام إذن ، وتحت الرجال عشر نسوة أو أكثر أو أقل - بدون حد ولا قيد - فجاء ليقول للرجال : إن هناك حدا لا يتجاوزه المسلم - هو أربع - وإن هناك قيدا - هو إمكان العدل - وإلا فواحدة . . أو ما ملكت أيمانكم . .
جاء الإسلام لا ليطلق ، ولكن ليحدد . ولا ليترك الأمر لهوى الرجل ، ولكن ليقيد التعدد بالعدل . وإلا امتنعت الرخصة المعطاة !
إن الإسلام نظام للإنسان . نظام واقعي إيجابي . يتوافق مع فطرة الإنسان وتكوينه ، ويتوافق مع واقعه وضروراته ، ويتوافق مع ملابسات حياته المتغيرة في شتى البقاع وشتى الأزمان ، وشتى الأحوال .
إنه نظام واقعي إيجابي ، يلتقط الإنسان من واقعه الذي هو فيه ، ومن موقفه الذي هو عليه ، ليرتفع به في المرتقى الصاعد ، إلى القمة السامقة . في غير إنكار لفطرته أو تنكر ؛ وفي غير إغفال لواقعه أو إهمال ؛ وفي غير عنف في دفعه أو اعتساف !
إنه نظام لا يقوم على الحذلقة الجوفاء ؛ ولا على التظرف المائع ؛ ولا على " المثالية " الفارغة ؛ ولا على الأمنيات الحالمة ، التي تصطدم بفطرة الإنسان وواقعه وملابسات حياته ، ثم تتبخر في الهواء !
وهو نظام يرعى خلق الإنسان ، ونظافة المجتمع ، فلا يسمح بإنشاء واقع مادي ، من شأنه انحلال الخلق ، وتلويث المجتمع ، تحت مطارق الضرورة التي تصطدم بذلك الواقع . بل يتوخى دائما أن ينشىء واقعا يساعد على صيانة الخلق ، ونظافة المجتمع ، مع أيسر جهد يبذله الفرد ويبذله المجتمع .
فإذا استصحبنا معنا هذه الخصائص الأساسية في النظام الإسلامي ، ونحن ننظر إلى مسألة تعدد الزوجات . . فماذا نرى ؟
نرى . . أولا . . أن هناك حالات واقعية في مجتمعات كثيرة - تاريخية وحاضرة - تبدو فيها زيادة عدد النساء الصالحات للزواج ، على عدد الرجال الصاحلين للزواج . . والحد الأعلى لهذا الاختلال الذي يعتري بعض المجتمعات لم يعرف تاريخيا أنه تجاوز نسبة أربع إلى واحد . وهو يدور دائما في حدودها .
فكيف نعالج هذا الواقع ، الذي يقع ويتكرر وقوعه ، بنسب مختلفة . هذا الواقع الذي لا يجدي فيه الإنكار ؟
نعالجه بهز الكتفين ؟ أو نتركه يعالج نفسه بنفسه ؟ حسب الظروف والمصادفات ؟ !
إن هز الكتفين لا يحل مشكلة ! كما أن ترك المجتمع يعالج هذا الواقع حسبما اتفق لا يقول به إنسان جاد ، يحترم نفسه ، ويحترم الجنس البشري !
ولا بد إذن من نظام ، ولا بد إذن من إجراء . .
وعندئذ نجد أنفسنا أمام احتمال من ثلاثة احتمالات :
1- أن يتزوج كل رجل صالح للزواج امرأة من الصالحات للزواج . . ثم تبقى واحدة أو أكثر - حسب درجة الاختلال الواقعة - بدون زواج ، تقضي حياتها - أو حياتهن - لا تعرف الرجال !
2- أن يتزوج كل رجل صالح للزواج واحدة فقط زواجا شرعيا نظيفا . ثم يخادن أو يسافح واحدة أو أكثر ، من هؤلاء اللواتي ليس لهن مقابل في المجتمع من الرجال . فيعرفن الرجل خدينا أو خليلا في الحرام والظلام !
3- أن يتزوج الرجال الصالحون - كلهم أو بعضهم - أكثر من واحدة . وأن تعرف المرأة الأخرى الرجل ، زوجة شريفة ، في وضح النور لا خدينة وولا خليلة في الحرام والظلام !
الاحتمال الأول ضد الفطرة ، وضد الطاقة ، بالقياس إلى المرأة التي لا تعرف في حياتها الرجال . ولا يدفع هذه الحقيقة ما يتشدق به المتشدقون من استغناء المرأة عن الرجل بالعمل والكسب . فالمسألة أعمق بكثير مما يظنه هؤلاء السطحيون المتحذلقون المتظرفون الجهال عن فطرة الإنسان . وألف عمل ، وألف كسب لا تغني المرأة عن حاجتها الفطرية إلى الحياة الطبيعية . . سواء في ذلك مطالب الجسد والغريزة ، ومطالب الروح والعقل ، من السكن والأنس بالعشير . . والرجل يجد العمل ويجد الكسب ؛ ولكن هذا لا يكفيه فيروح يسعى للحصول على العشيرة ، والمرأة كالرجل - في هذا - فهما من نفس واحدة !
والاحتمال الثاني ضد اتجاه الإسلام النظيف ؛ وضد قاعدة المجتمع الإسلامي العفيف ؛ وضد كرامة المرأة الإنسانية . والذين لا يحفلون أن تشيع الفاحشة في المجتمع ، هم أنفسهم الذين يتعالمون على الله ، ويتطاولون على شريعته . لأنهم لا يجدون من يردعهم عن هذا التطاول . بل يجدون من الكائدين لهذا الدين كل تشجيع وتقدير !
والاحتمال الثالث هو الذي يختاره الإسلام . يختاره رخصة مقيدة . لمواجهة الواقع الذي لا ينفع فيه هز الكتفين ؛ ولا تنفع فيه الحذلقة والادعاء . يختاره متمشيا مع واقعيته الإيجابية ، في مواجهة الإنسان كما هو - بفطرته وظروف حياته - ومع رعايته للخلق النظيف والمجتمع المتطهر ، ومع منهجه في التقاط الإنسان من السفح ، والرقي به في الدرج الصاعد إلى القمة السامقة . ولكن في يسر ولين وواقعية !
ثم نرى . . ثانيا . . في المجتمعات الإنسانية . قديما وحديثا . وبالأمس واليوم والغد . إلى آخر الزمان . واقعا في حياة الناس ، لا سبيل إلى إنكاره كذلك أو تجاهله .
نرى أن فترة الإخصاب في الرجل تمتد إلى سن السبعين أو ما فوقها . بينما هي تقف في المرأة عند سن الخمسين أو حواليها . فهناك في المتوسط عشرون سنة من سني الإخصاب في حياة الرجل لا مقابل لها في حياة المرأة . وما من شك أن من أهداف اختلاف الجنسين ثم التقائهما ، امتداد الحياة بالإخصاب والإنسال ، وعمران الأرض بالتكاثر والانتشار . فليس مما يتفق مع هذه السنة الفطرية العامة أن نكف الحياة عن الانتفاع بفترة الإخصاب الزائدة في الرجال . ولكن مما يتفق مع هذا الواقع الفطري أن يسن التشريع - الموضوع لكافة البيئات في جميع الأزمان والأحوال - هذه الرخصة - لا على سبيل الإلزام الفردي ، ولكن على سبيل إيجاد المجال العام الذي يلبي هذا الواقع الفطري ، ويسمح للحياة أن تنتفع به عند الاقتضاء . . وهو توافق بين واقع الفطرة وبين اتجاه التشريع ملحوظ دائما في التشريع الإلهي . لا يتوافر عادة في التشريعات البشرية ، لأن الملاحظة البشرية القاصرة لا تنتبه له ، ولا تدرك جميع الملابسات القريبة والبعيدة ، ولا تنظر من جميع الزوايا ، ولا تراعي جميع الاحتمالات .
ومن الحالات الواقعية - المرتبطة بالحقيقة السالفة - ما نراه أحيانا من رغبة الزوج في أداء الوظيفة الفطرية ، مع رغبة الزوجة عنها - لعائق من السن أو من المرض - مع رغبة الزوجين كليهما في استدامة العشرة الزوجية وكراهية الانفصال - فكيف نواجه مثل هذه الحالات ؟
نواجهها بهز الكتفين ؛ وترك كل من الزوجين يخبط رأسه في الجدار ؟ ! أو نواجهها بالحذلقة الفارغة والتظرف السخيف ؟
إن هز الكتفين - كما قلنا - لا يحل مشكلة . والحذلقة والتظرف لا يتفقان مع جدية الحياة الإنسانية ، ومشكلاتها الحقيقية . .
وعندئذ نجد أنفسنا - مرة أخرى - أمام احتمال من ثلاثة احتمالات :
1- أن نكبت الرجل ونصده عن مزاولة نشاطه الفطري بقوة التشريع وقوة السلطان ! ونقول له : عيب يا رجل ! إن هذا لا يليق ، ولا يتفق مع حق المرأة التي عندك ولا مع كرامتها !
2- أن نطلق هذا الرجل يخادن ويسافح من يشاء من النساء !
3- أن نبيح لهذا الرجل التعدد - وفق ضرورات الحال - ونتوقى طلاق الزوجة الأولى . .
الاحتمال الأول ضد الفطرة ، وفوق الطاقة ، وضد احتمال الرجل العصبي والنفسي . وثمرته القريبة - إذا نحن أكرهناه بحكم التشريع وقوة السلطان - هي كراهية الحياة الزوجية التي تكلفه هذا العنت ، ومعاناة جحيم هذه الحياة . . وهذه ما يكرهه الإسلام ، الذي يجعل من البيت سكنا ، ومن الزوجة أنسا ولباسا .
والاحتمال الثاني ضد اتجاه الإسلام الخلقي ، وضد منهجه في ترقية الحياة البشرية ، ورفعها وتطهيرها وتزكيتها ، كي تصبح لائقة بالإنسان الذي كرمه الله على الحيوان !
والاحتمال الثالث هو وحده الذي يلبي ضرورات الفطرة الواقعية ، ويلبي منهج الإسلام الخلقي ، ويحتفظ للزوجة الأولى برعاية الزوجية ، ويحقق رغبة الزوجين في الإبقاء على عشرتهما وعلى ذكرياتهما ، وييسر على الإنسان الخطو الصاعد في رفق ويسر وواقعية .
وشيء كهذا يقع في حالة عقم الزوجة ، مع رغبة الزوج الفطرية في النسل . حيث يكون أمامه طريقان لا ثالث لهما :
1- أن يطلقها ليستبدل بها زوجة أخرى تلبي رغبة الإنسان الفطرية في النسل .
2- أو أن يتزوج بأخرى ، ويبقي على عشرته مع الزوجة الأولى .
وقد يهذر قوم من المتحذلقين - ومن المتحذلقات - بإيثار الطريق الأول . ولكن تسعا وتسعين زوجة - على الأقل - من كل مائة سيتوجهن باللعنة إلى من يشير على الزوج بهذا الطريق ! الطريق الذي يحطم عليهن بيوتهن بلا عوض منظور - فقلما تجد العقيم وقد تبين عقمها راغبا في الزواج - وكثيرا ما تجد الزوجة العاقر أنسا واسترواحا في الأطفال الصغار ، تجيء بهم الزوجة الأخرى من زوجها ، فيملأون عليهم الدار حركة وبهجة أيا كان ابتئاسها لحرمانها الخاص .
وهكذا حيثما ذهبنا نتأمل الحياة الواقعية بملابساتها العملية ، التي لا تصغي للحذلقة ، ولا تستجيب للهذر ، ولا تستروح للهزل السخيف والتميع المنحل في مواضع الجد الصارم . . وجدنا مظاهر الحكمة العلوية ، في سن هذه الرخصة ، مقيدة بذلك القيد : ( فانكحوا ما طاب لكم من النساء - مثنى وثلاث ورباع - فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة ) فالرخصة تلبي واقع الفطرة ، وواقع الحياة ؛ وتحمي المجتمع من الجنوح - تحت ضغط الضرورات الفطرية والواقعية المتنوعة - إلى الانحلال أو الملال . . والقيد يحمي الحياة الزوجية من الفوضى والاختلال ، ويحمي الزوجة من الجور والظلم ؛ ويحمي كرامة المرأة أن تتعرض للمهانة بدون ضرورة ملجئة واحتياط كامل . ويضمن العدل الذي تحتمل معه الضرورة ومقتضياتها المريرة .
إن أحدا يدرك روح الإسلام واتجاهه ، لا يقول : إن التعدد مطلوب لذاته ، مستحب بلا مبرر من ضرورةفطرية أو اجتماعية ؛ وبلا دافع إلا التلذذ الحيواني ، وإلا التنقل بين الزوجات ، كما يتنقل الخليل بين الخليلات . إنما هو ضرورة تواجه ضرورة ، وحل يواجه مشكلة . وهو ليس متروكا للهوى ، بلا قيد ولا حد في النظام الإسلامي ، الذي يواجه كل واقعيات الحياة .
فإذا انحرف جيل من الأجيال في استخدام هذه الرخصة . إذا راح رجال يتخذون من هذه الرخصة فرصة لإحالة الحياة الزوجية مسرحا للذة الحيوانية . إذا أمسوا يتنقلون بين الزوجات كما يتنقل الخليل بين الخليلات . إذا أنشأوا " الحريم " في هذه الصورة المريبة . . فليس ذلك شأن الإسلام ؛ وليس هؤلاء هم الذين يمثلون الإسلام . . إن هؤلاء إنما انحدروا إلى هذا الدرك لأنهم بعدوا عن الإسلام ، ولم يدركوا روحه النظيف الكريم . والسبب أنهم يعيشون في مجتمع لا يحكمه الإسلام ، ولا تسيطر فيه شريعته . مجتمع لا تقوم عليه سلطة مسلمة ، تدين للإسلام وشريعته ؛ وتأخذ الناس بتوجيهات الإسلام وقوانينه ، وآدابه وتقاليده .
إن المجتمع المعادي للإسلام المتفلت من شريعته وقانونه ، هو المسؤول الأول عن هذه الفوضى . هو المسؤول الأول عن " الحريم " في صورته الهابطة المريبة . هو المسؤول الأول عن اتخاذ الحياة الزوجية مسرح لذة بهيمية . فمن شاء أن يصلح هذه الحال فليرد الناس إلى الإسلام ، وشريعة الإسلام ، ومنهج الإسلام ؛ فيردهم إلى النظافة والطهارة والاستقامة والاعتدال . . من شاء الاصلاح فليرد الناس إلى الإسلام لا في هذه الجزئية ولكن في منهج الحياة كلها . فالإسلام نظام متكامل لا يعمل إلا وهو كامل شامل . .
والعدل المطلوب هو العدل في المعاملة والنفقة والمعاشرة والمباشرة . أما العدل في مشاعر القلوب وأحاسيس النفوس ، فلا يطالب به أحد من بني الإنسان ، لأنه خارج عن إرادة الإنسان . . وهو العدل الذي قال الله عنه في الآية الأخرى في هذه السورة : ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء - ولو حرصتم - فلا تميلوا كل الميل ، فتذروها كالمعلقة . . هذه الآية التي يحاول بعض الناس أن يتخذوا منها دليلا على تحريم التعدد . والأمر ليس كذلك . وشريعة الله ليست هازلة ، حتى تشرع الأمر في آية ، وتحرمه في آية ، بهذه الصورة التي تعطي باليمين وتسلب بالشمال ! فالعدل المطلوب في الآية الأولى ؛ والذي يتعين عدم التعدد إذا خيف ألا يتحقق ؛ هو العدل في المعاملة والنفقة والمعاشرة والمباشرة ، وسائر الأوضاع الظاهرة ، بحيث لا ينقص إحدى الزوجات شيء منها ؛ وبحيث لا تؤثر واحدة دون الأخرى بشيء منها . . على نحو ما كان النبي [ ص ] وهو أرفع إنسان عرفته البشرية ، يقوم به . في الوقت الذي لم يكن أحد يجهل من حوله ولا من نسائه ، أنه يحب عائشة - رضي الله عنها - ويؤثرها بعاطفة قلبية خاصة ، لا تشاركها فيها غيرها . . فالقلوب ليست ملكا لأصحابها . إنما هي بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء . . وقد كان [ ص ] يعرف دينه ويعرف قلبه . فكان يقول : " اللهم هذا قسمي فيما أملك ، فلا تلمني فيما تملك ولا أملك " . .
ونعود فنكرر قبل أن نتجاوز هذه النقطة ، أن الإسلام لم ينشىء التعدد إنما حدده . ولم يأمر بالتعدد إنما رخص فيه وقيده . وأنه رخص فيه لمواجهة واقعيات الحياة البشرية ، وضرورات الفطرة الإنسانية . هذه الضرورات وتلك الواقعيات التي ذكرنا بعض ما تكشف لنا حتى الآن منها . وقد يكون وراءها غيرها تظهره أطوار الحياة في أجيال أخرى ، وفي ظروف أخرى كذلك . كما يقع في كل تشريع أو توجيه جاء به هذا المنهج الرباني ، وقصر البشر في فترة من فترات التاريخ ، عن استيعاب كل ما وراءه من حكمة ومصلحة . فالحكمة والمصلحة مفترضتان وواقعتان في كل تشريع إلهي ، سواء أدركهما البشر أم لم يدركوهما ، في فترة من فترات التاريخ الإنساني القصير ، عن طريق الإدراك البشري المحدود !
ثم ننتقل إلى الإجراء الثاني الذي تنص عليه الآية عند الخوف من عدم تحقق العدل :
( فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة ، أو ما ملكت أيمانكم ) . .
أي إنه إن خيف عدم العدل في التزوج بأكثر من واحدة تعين الاقتصار على واحدة ! ولم يجز تجاوزها أو ( ما ملكت أيمانكم ) من الإماء زواجا أو تسريا ، فالنص لم يحدد .
ولقد سبق أن وقفنا في الجزء الثاني من هذه الظلال وقفة قصيرة أمام مسألة الرق إجمالا . فلعله يحسن هنا أن نلم بمسألة الاستمتاع بالإماء خاصة .
إن الزواج من مملوكة فيه رد لاعتبارها وكرامتها الإنسانية . فهو مؤهل من مؤهلات التحرير لها ولنسلها من سيدها - حتى ولو لم يعتقها لحظة الزواج - فهي منذ اليوم الذي تلد فيه تسمى " أم ولد " ويمتنع على سيدها بيعها ؛ وتصبح حرة بعد وفاته . أما ولدها فهو حر منذ مولده .
وكذلك عند التسري بها . فإنها إذا ولدت أصبحت " أم ولد " وامتنع بيعها ، وصارت حرة بعد وفاة سيدها . وصار ولدها منه كذلك حرا إذا اعترف بنسبه ، وهذا ما كان يحدث عادة .
فالزواج والتسري كلاهما طريق من طرق التحرير التي شرعها الإسلام وهي كثيرة . . على أنه قد يحيك في النفس شيء من مسألة التسري هذه . فيحسن أن نتذكر أن قضية الرق كلها قضية ضرورة - كما بينا هناك - وأن الضروة التي اقتضت إباحة الاسترقاق في الحرب الشرعية التي يعلنها الإمام المسلم المنفذ لشريعة الله ، هي ذاتها التي اقتضت إباحة التسري بالإماء ؛ لأن مصير المسلمات الحرائر العفيفات حين يؤسرن كان شرا من هذا المصير !
على أنه يحسن ألا ننسى أن هؤلاء الأسيرات المسترقات ، لهن مطالب فطرية لا بد أن يحسب حسابها في حياتهن ، ولا يمكن إغفالها في نظام واقعي يراعي فطرة الإنسان وواقعه . . فإما أن تتم تلبية هذه المطالب عن طريق الزواج ، وإما أن تتم عن طريق تسري السيد ، ما دام نظام الاسترقاق قائما ، كي لا ينشرن في المجتمع حالة من الانحلال الخلقي ، والفوضى الجنسية ، لا ضابط لها ، حين يلبين حاجتهن الفطرية عن طريق البغاء أو المخادنة ، كما كانت الحال في الجاهلية .
أما ما وقع في بعض العصور من الاستكثار من الإماء - عن طريق الشراء والخطف والنخاسة وتجميعهن في القصور ، واتخاذهن وسيلة للإلتذاذ الجنسي البهيمي ، وتمضية الليالي الحمراء بين قطعان الإماء ، وعربدة السكر والرقص والغناء . . إلى آخر ما نقلته الينا الأخبار الصادقة والمبالغ فيها على السواء . . أما هذا كله فليس هو الإسلام . وليس من فعل الإسلام ، ولا إيحاء الإسلام . ولا يجوز أن يحسب على النظام الإسلامي ، ولا أن يضاف إلى واقعه التاريخي . .
إن الواقع التاريخي " الإسلامي " هو الذي ينشأ وفق أصول الإسلام وتصوراته وشرعته وموازينه . هذا وحده هو الواقع التاريخي " الإسلامي " . . أما ما يقع في المجتمع الذي ينتسب إلى الإسلام ، خارجا على أصوله وموازينه ، فلا يجوز أن يحسب منه ، لأنه انحراف عنه .
إن للإسلام وجوده المستقل خارج واقع المسلمين في أي جيل . فالمسلمون لم ينشئوا الإسلام ، إنما الإسلام هو الذي أنشأ المسلمين . الإسلام هو الأصل ، والمسلمون فرع عنه ، ونتاج من نتاجه . ومن ثم فإن ما يصنعه الناس أو ما يفهمونه ليس هو الذي يحدد أصل النظام الإسلامي أو مفهوم الإسلام الأساسي . إلا أن يكون مطابقا للأصل الإسلامي الثابت المستقل عن واقع الناس ومفهومهم ، والذي يقاس إليه واقع الناس في كل جيل ومفهومهم ، ليعلم كم هو مطابق أو منحرف عن الإسلام .
إن الأمر ليس كذلك في النظم الأرضية التي تنشأ ابتداء من تصورات البشر ، ومن المذاهب التي يضعونها لأنفسهم - وذلك حين يرتدون إلى الجاهلية ويكفرون بالله مهما ادعوا أنهم يؤمنون به ، فمظهر الإيمان الأول بالله هو استمداد الأنظمة من منهجه وشريعته ، ولا إيمان بغير هذه القاعدة الكبيرة - ذلك أن المفهومات المتغيرة للناس حينئذ ، والأوضاع المتطورة في أنظمتهم ، هي التي تحدد مفهوم المذاهب التي وضعوها لأنفسهم ، وطبقوها على أنفسهم .
فأما في النظام الإسلامي الذي لم يصنعه الناس لأنفسهم ، إنما صنعه للناس رب الناس وخالقهم ورازقهم ومالكهم . . فأما في هذا النظام فالناس إما أن يتبعوه ويقيموا أوضاعهم وفقه ؛ فواقعهم إذن هو الواقع التاريخي " الإسلامي " وإما أن ينحرفوا عنه أو يجانبوه كلية ، فليس هذا واقعا تاريخيا للإسلام . إنما هو انحراف عن الإسلام !
ولا بد من الإنتباه إلى هذا الاعتبار عند النظر في التاريخ الإسلامي . فعلى هذا الاعتبار تقوم النظرية التاريخية الإسلامية ، وهي تختلف تماما مع سائر النظريات التاريخية الأخرى ، التي تعتبر واقع الجماعة الفعلي ، هو التفسير العملي للنظرية أو المذهب ، وتبحث عن " تطور " النظرية أو المذهب في هذا الواقع الفعلي للجماعة التي تعتنقه ، وفي المفهومات المتغيرة لهذه النظرية في فكر الجماعة ! وتطبيق هذه النظرة على الإسلام ينافي طبيعته المتفردة ، ويؤدي إلى أخطار كثيرة ، في تحديد المفهوم الإسلامي الحقيقي .
وأخيرا تفصح الآية عن حكمة هذه الإجراءات كلها . . إنها اتقاء الجور وتحقيق العدل :
ذلك . . البعد عن نكاح اليتيمات - إن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى - ونكاح غيرهن من النساء - مثنى وثلاث ورباع - ونكاح الواحدة فقط - إن خفتم ألا تعدلوا - أو ما ملكت أيمانكم . . ( ذلك أدنى ألا تعولوا ) . . أي ذلك أقرب ألا تظلموا وألا تجوروا .
وهكذا يتبين أن البحث عن العدل والقسط ، هو رائد هذا المنهج ، وهدف كل جزئية من جزئياته . . والعدل أجدر أن يراعي في المحضن الذي يضم الأسرة . وهي اللبنة الأولى للبناء الاجتماعي كله ، ونقطة الانطلاق إلى الحياة الاجتماعية العامة ، وفيه تدرج الأجيال وهي لدنة رخصة قابلة للتكيف ، فإن لم يقم على العدل والود والسلام ، فلا عدل ولا ود في المجتمع كله ولا سلام .
{ وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لهم من النساء مثنى وثلث وربع فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة او ما ملكت أيمانكم ذلك أدنى ألا تعولوا }
ألا تقسطوا : أي ألا تعدلوا من اقسط أي عدل وأما قسط فمعناه ظلم وجار قال تعالى : وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطبا . ( الجن 15 ) .
في اليتامى : المراد اليتيمات .
ما طاب لكم : ما حل : أو مالت إليه أنفسكم .
مثنى وثلاث ورباع : أي اثنين اثنين ، وثلاثا ثلاثا ، وأربعا أربعا .
ألا تعولوا : ألا تجوروا وتظلموا .
3- { وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم ذلك أدنى ألا تعولوا } .
وإن أحسستم من أنفسكم الخوف من أكل مال الزوجة اليتيمة ، فعليكم ألا تتزوجوا بها ، فإن الله جعل لكم مندوحة عن اليتامى ، بما أباحه لكم من التزويج بغيرهن واحدة أو اثنين أو ثلاثا أو أربعا ، إذا وثقتم بالقدرة على العدل ، ولكن إن خفتم ألا تعدلوا بين الزوجين أو الزوجات فعليكم أن تلزموا واحدة فقط ، أو استمتعوا بما ملكت أيديكم من الإماء ، وإن زواج الواحدة أقرب إلى العدل ، وأبعد عن الظلم والجور .
سبب نزول الآية روى البخاري وغيره : " عن عروة بن الزبير ، عن عائشة رضي الله عنها أنه سألها عن هذه الآية فقالت : يا بن أختي هذه اليتيمة تكون في حجر وليها تشركه في حاله ويعجبه مالها وجمالها فيريد وليها أن يتزوجها بغير أن يقسط في صداقها فيعطيها مثل ما يعطيها غيره ، فنهوا ان ينكحوهن إلا أن يقسطوا لهن ، ويبلغوا بهن أعلى سنتهن في الصداق ، وأمروا أن ينكحوا ما طاب لهم من النساء سواهن " الحديث رواه البخاري في كتاب التفسير .
1- روى الطبري عن ابن عباس وعكرمة : أن قريشا كان الرجل منهم يتزوج العشر من النساء والأكثر والأقل ، فإذا صار معدما مال على يتيمه الذي هو في حجره فأنفقه أو تزوج به ، فنهوا عن التزويج فوق الأربع .
2- وقال آخرون معنى الآية : فكما خفتم في اليتامى أن تجوروا عليهم فكذلك فتخوفوا في النساء أن تزنوا بهن ، ولكن انكحوا ما طاب منهن مثنى وثلاث ورباع ، إذا اطمأننتم إلى تحقيق العدل بينهن وإلا فاقتصروا على الواحدة .
3- وقال آخرون : وإن خفتم ألا تعدلوا في اليتامى ، فكذلك فخافوا في النساء ، فلا تنكحوا منهن إلا مالا تخافون أن تجوروا فيه منهن من واحدة إلى الأربع . وقد أجاز السيد رشيد رضا أن تكون الآراء السابقة كلها مقصودة للآية فقال : " وقد يصح ان يقال إنه يجوز أن يراد بالآية مجموع تلك المعاني ، من قبيل رأي الشافعية الذين يجيزون استعمال اللفظ المشترك في كل ما يحتمله الكلام من معانيه واستعمال اللفظ في حقيقته ومجا زه معا " 10 .
ويقول الأستاذ الدكتور محمد بلتاجي :
" . . ومن هنا معنى الآية يتضمن أمرا إلى أولياء الفتيات اليتامى بالإقساط فيهن عند إرادة التزوج بهن ، ثم هو في نفس الوقت أمر إلى هؤلاء الأولياء بألا يسرفوا على أنفسهم بكثرة الزوجات ، فيحملهم ذلك على التعدي على أموال اليتامى ، الذين هم في رعايتهم وتحت وصايتهم وقد كان هذا وما سبقه موجودا عند نزول القرآن الكريم ثم هو أيضا أمر إلى المسلمين باتقاء الله تعالى في النساء ، وتجنب الزنا بهن لأن الله تعالى أباح التزوج منهن فلم يعد بالمسلم حاجة مقبولة إلى الزنا ، ثم هو في الوقت نفسه أمر المسلمين بوجوب اتقاء الله في العدل في النساء عند إرادة التزوج منهن والخشية من ظلمهن في ذلك . كما يخاف كل منهم ان يظلم اليتيم إذا كان تحت رعايته ، ثم إن الآية بعد كل هذا تشمل على إباحة تعدد الزوجات بشرط العدل " 11 .
1- قال بعض أئمة الشيعة والظاهرية : يجوز جمع تسع نساء حيث اعتبروا كلمات ( مثنى وثلاث ورباع ) معدولة عن اثنين وثلاث وأربع وجمعوا هذه الأرقام 2+3+4=9 وهو كلام مرفوض مخالف لما يفيده النص العربي البليغ فإن الطفل هو الذي إذا أراد يقول تسعة قال 2+3+4=9 أما القرآن فهو أبلغ أسلوب .
والعمل متواتر من العهد النبوي والخلفاء الراشدين بعدم جواز جمع أكثر من أربع في عصمة رجل في وقت واحد ، وهذا العمل مؤيد بالكتاب والسنة والإجماع وهو الحق الذي يجب الالتزام به والوقوف عنده12 .
الإسلام دين الوسط وهو شريعة الله العليم الخبير ، وقد كان العرب في بيئة ذاع فيها التفاخر بالأنساب ، والاعتزاز بكثرة الأبناء ، وإهمال شأن المرأة وهضم حقوقها ، فلم يقفوا في تعدد الزوجات عند حد .
" وقد سلك الإسلام طريقا وسطا هو إباحة التعدد إلى حد محدود13 لما في هذا من منافع لا بنبغي لمشرع ان يغض الطرف عنها ، ومنها :
1- أن طبيعة الرجل الجنسية قد تقوى فلا يقنع بامرأة واحدة فإذا سددنا عليه باب التعدد فتح لنفسه باب الزنا والمخالة الداعرة فتنتهك الأعراض وتضيع الأنساب ، وذلك شر عظيم ، وفي فتح باب التعدد تمهيد لكثرة النسل الذي تعتز به الأمة ، وإن دينا يحرم الزنا ويعاقب عليه أقسى العقوبات ، جدير به أن يفتح باب التعدد ، إشباعا للغريزة ودفعا للشر ، ورغبة في كثرة النسل الحلال .
2- وقد تكون المرأة عقيما لا تلد ، أو تصاب بما يمنعها من مزاولة الحياة الجنسية ، ويرى الزوج من الوفاء لها ألا يتخلى عنها في محنتها ، وألا يمنعها عطفه وانسه ورعايته ، أفليس من الحكمة أن نمكنه من هذا الوفاء ، بإباحة التزوج عليها حتى لا نلجئه إلى سلوك طريق آخر ؟ .
3- ولما كان الرجال أكثر من النساء تعرضا لأسباب الفناء كان عددهم أقل من عددهن وخاصة أعقاب الحروب فإذا لم نبح للرجل أن يعول بالزواج أكثر من واحدة كانت النساء عرضة للفاقة ، وللاتجار بالأعراض ، والعمل للتخلص من النسل فتقل الأيدي العاملة .
وليس بعجيب أن يكون عدد النساء في العالم أكثر من عدد الرجال ، وأن يباح للرجل أن يتزوج أكثر من امرأة ، ضمانا لبقاء النوع فقد جرت عادة الخالق سبحانه أن يخلق من بذور النبات وبويضات الحيوان ملايين البذور والبويضات ضمانا لبقاء أنواعها ، ويكون استئثار المرأة بالرجل حينئذ أثرة ممقوتة ضارة بالجماعة14 .
ذهب بعض الناس إلى منع تعدد الزوجات مدعيا أن آيتين في سورة النساء ترشدان إلى ذلك .
الآية الأولى تقول : فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة ( النساء 3 ) .
والآية الثانية تقول : ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم فلا تميلوا كل الميل فتذروها كالمعلقة . ( النساء 129 ) .
بل إنهم عند الاستشهاد بالآية 129 من سورة النساء هذه استشهدوا بالجزء الأول منها وهو ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم . وقالوا : إن التعدد ممنوع في القرآن لأن الآية رقم 3 من سورة النساء اشترطت العدل لإباحة التعدد .
والآية رقم 129 بينت أن العدل غير مستطاع حتى لمن حرص على تحقيقه بين النساء .
قال الأستاذ أحمد شاكر : ( وزاد الأمر وطم حتى سمعنا أن حكومة من الحكومات التي تنتسب للإسلام وضعت في بلادها قانونا منعت فيه تعدد الزوجات جملة بل صرحت تلك الحكومة بأن تعدد الزوجات عندهم صار حراما ولم يعرف رجال تلك الحكومة أنهم بهذا اللفظ الجرىء صاروا مرتدين خارجين من دين الإسلام بل إن احد الرجال الذين ابتلى الأزهر بانتسابهم إلى علمائه ، تجرأ مرة وكتب بالقول الصريح إن الإسلام يحرم تعدد الزوجات جرأة على الله وافتراء على دينه15 .
العلاقات الزوجية متداخلة ، منها ما هو مادي ، ومنها ما هو معنوي ، فالمحبة والهوى القلبي أمور معنوية لا يتحكم فيه الإنسان وهي المشار إليها بقول النبي صلى الله عليه وسلم " اللهم هذا قسمي فيما أملك فلا تلمني فيما تملك ولا أملك " 16
أما الأمور المادية مثل الأكل والنفقة والكسوة والمسكن وأشباهها فيمكن العدل فيها بين النساء . وهي التي عناها القرآن ، حين أرشد الرجال إلى العدل فيها ، وبين أن العدل في ميل القلب أمر غير مستطاع لأن القلوب متقلبة ، وما يسمى القلب قلبا إلا لأنه يتقلب ، ولان قلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء . فإذا اتبع الإنسان هوى قلبه ، مال إلى الزوجة التي يحبها وأعطاها حظوظا مادية زائدة وترك الأخرى تستمع بمثل هذه الحظوظ المادية . ولذلك وجه القرآن المسلم بأن يعدل في قسمته بين النساء في المسكن والمأكل والملبس ، وأمر بالتسوية بينهما ، ونهى عن محاباة المحبوبة ، وهجر ضرتها حتى تصير كالمرأة المعلقة وهي التي هجرها زوجها وتركها بدون طلاق فلا هي مطلقة تنتظر الأزواج ، ولا هي متزوجة زوجا يقر عينها ، ويحسن عشرتها ، ويوفي لها حقها ، ويعدل بينها وبين ضرتها أو ضرائرها ، في الامور المادية التي يمكن العدل فيها .
وقد روى الإمام احمد وغيره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " من كانت له امرأتان فمال إلى احدهما جاء يوم القيامة وأحد شقيه ساقط " 17 .
والمراد بالميل هنا الظلم في القسمة بين الزوجين ، وتفضل إحداهما على الأخرى في النفقة والمسكن والملبس ، وهي التي عناها القرآن بقوله : { فلا تميلوا كل الميل فتذروها كالملعقة } . ( النساء 129 ) .
وفي ختام الآية فتح القرآن الباب أمام الأزواج ليحاولوا العدل ولينصفوا الزوجة الأخرى ويحسنوا إليها مراعاة لأمر الله واتقاء عقابه وحسابه ، فقال سبحانه : { ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم فلا تميلوا كل الميل فتذروها كالمعلقة وإن تصلحوا وتتقوا فإن الله كان غفورا رحيما } ( النساء : 129 ) .
قال الطبري شيخ المفسرين : وإن تصلحوا أعمالكم أيها الناس فتعدلوا في قسمتكم بين أزواجكم ، وما فرض الله لهن عليكم من النفقة والعشرة بالمعروف فإن الله كان غفورا رحيما يستر عليكم ما قد يكون سلف منكم في ذلك رحيما بكم يقبل توتكم فيه .
يقول الأستاذ رشيد رضا في موضوع : الإصلاح الإسلامي في تعدد الزوجات ما يأتي :
قال تعالى : { وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم ذلك أدنى ألا تعدلوا } ( النساء 3 ) .
العول : الجور ، أي ذلك الاقتصار على امرأة واحدة أو ملك اليمين أقرب الوسائل لعدم وقوعكم في الجور والظلم المانع من تعدد الزوجات لمن خاف الوقوع فيه .
والآية تدل على تحريم التعدد على من يخاف على نفسه ظلم زوجة محاباة لأخرى ، وتفضيلا لها عليها وعلى تحريمه بالأولى إذا كان عازما على هذا الظلم بان كان يريد أن يضارها لكرهه لها ، ثم قال في الآية 129 من سورة النساء أيضا { ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم } . فإذا قرنت هذه القضية بقضية { فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة } . أنتجتا وجوب الاقتصار على امرأة واحدة ولكنه قال بعدها : { فلا تميلوا كل الميل فتدورها كالملعقة } .
فعلم به ان غير المستطاع هو العدل في الحب وأثره من ميل النفس ، فيجب ضبط النفس في أثره ، وما يترتب عليه من المعاملة المستطاعة ، في النفقة والمبيت وغيرها ، وهو العدل المشروط في الأولى .
الأولى : أن الإسلام لم يوجب تعدد الزوجات ، ولم يندب إليه ، وإنما ذكره بما يدل على أنه يسلم فاعله من الظلم المحرم ، وحكمة هذا وفائدته أن يتروى فيه الرجل الذي تطالبه نفسه به ، ويحاسبها على قصده وعزمه ، وما يكون من مستقبل أمره في العدل الواجب .
الثانية : أنه لم يحرمه تحريما قطعيا لا هوادة فيه : لما في طبيعة الرجال وعاداتهم الراسخة بالوراثة في جميع العالم من عدم اقتصارهم في الغالب على التمتع بامرأة واحدة من حاجة بعضهم إلى النسل في حال عقم المرأة او كبرها أو علة أخرى مانعة من الحمل ومن كثرة النساء في بعض الأزمنة والأمكنة ولاسيما أعقاب الحرب بحيث تكون الألوف الكثيرة منهن ، أيامى لا يجدن رجالا يحصنوهن وينفقون عليهن مع وجود الأقوياء الأغنياء القادرين على إحصان امرأتين أو أكثر .
الثالثة : أنه لهذا وذلك تركه مباحا ، إلا انه قيده بالعدد فلا يتجاوز أربعة وبالقدرة على العدل والرغبة فيه ، وبهذه الشروط نتقي ضرره ونرجو خيره .
وقد رأينا وسمعنا بآذاننا من أهل عصرنا ، أن من المتدينين المتقين رجلا لم يرزق ولدا من زوجته الأولى ، فخطب زوجة ثانية رزق منها أولادا وعاش الجميع كعيشة الأخوات في حجر والدهن وقد كان هذا هو أكثر حال المسلمين ، في قرون الإسلام الأولى ، ولكنه قل في هذا الزمن بما طرأ على أكثر الشعوب الإسلامية من الجهل بالإسلام ، وبحكمه وآدابه في الزواج . وقد حمل شيخنا الأستاذ الإمام محمد عبده في سياق تفسيره للآية في الأزهر ، وحملة منكرة شديدة على هذه المفسدة في مصر ، وقرر أنه يستحيل تربية الأمة تربية صحيحة ، مع كثرة هذا التعدد الإفسادي ، الذي صار يجب منعه عملا بقاعدة " لا ضرر ولا ضرار " الثابتة في الحديث18 وقاعدة تقديم درء المفاسد على جلب المصالح ، وهي متفق عليها وقد نشرنا أنه أفتى فتوى غير رسمية بأن للحكومة منع التعدد لغير ضرورة مبيحة لا مفسدة فيها19 .
قام المستشار محمد الدجوي ببحث عن الحالة المدنية لمن تولى مشيخة الأزهر من سنة 1798 إلى سنة 1960 م .
وأسفر البحث عن أولئك المشايخ الأجلاء ، وعدتهم بضعة عشر شيخا ، لم يتزوج واحد منهم بزوجة ثانية بل اقتصروا على زوجة واحدة ، وذلك لانهم فهموا أحكام الدين ووعوا تعاليمه وتشربوا بروحه .
يرى الدكتور محمد عبد الله دراز أن أوروبا أباحت تعدد الخليلات والعشيقات ، ثم أباحت للإنسان أن يعترف بنسب أولاده من عشيقته ، فهم تفادوا اسم الزوجة فقط .
ولكن الإسلام حارب اتخاذ الأخدان والخليلات فقال سبحانه : { محصنات غير مسافحات ولا متخذات أخدان } . النساء 25 ) .
وقال عز شأنه : { محصنين غير مسافحين } ( النساء 24 ) .
ذهب فريق من العلماء إلى ان التعدد مباح لا يتوقف جوازه على شيء وراء أمن العدل وعدم الخوف من الجور والقدرة على القيام بواجبات الأسرة القديمة والجديدة ومن هؤلاء العلماء الأستاذ الشيخ محمود شلتوت ، والأستاذ أحمد شاكر ، والأستاذ علي عبد الواحد وافي ، والدكتور محمد بلتاجي .
ومن العلماء من يرى أن الأصل في الزواج الاقتصار على زوجة واحدة تتحقق بها المودة والرحمة ، ويباح التعدد عند الضرورة مثل عقم الزوجة أو مرضها مرضا شديدا يمنعها من أداء وظيفتها ، ويمكن أن يفهم هذا الرأي من كلام الشيخ محمد عبده والسيد رشيد رضا والشيخ محمد المدني .
ومن العلماء من يرى ان يكون تعدد الزوجات بإذن القاضي ، ومنهم من يرى ترك الناس إلى ضمائرهم ودينهم مع العناية بالتربية الدينية وإرشاد الناس إلى أدب الإسلام .