تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{تَبَارَكَ ٱلَّذِي نَزَّلَ ٱلۡفُرۡقَانَ عَلَىٰ عَبۡدِهِۦ لِيَكُونَ لِلۡعَٰلَمِينَ نَذِيرًا} (1)

مقدمة السورة:

سبب النزول :

قال مقاتل والكلبي ومجاهد وابن عباس : نزلت في النضر بن الحارث ، فهو الذي قال هذا القول ، وعنى بقوله : وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ . عداسا مولى حويطب بن عبد العزى ، ويسارا غلام عامر بن الحضرمي ، وأبو فكيهة الرومي مولى بني الحضرمي ، وكانوا من أهل الكتاب ، يقرءون التوراة ويحدثون أحاديث منها ، فأسلموا وكان النبي صلى الله عليه وسلم يتعهدهم ويختلف إليهم ، فمن ثم قال النضر ما قال .

تمهيد :

بدأت سورة الفرقان بالتوحيد ، وانتقلت إلى الرد على عباد الأوثان ، وذكرت هنا شبهات المشركين وطعنهم في القرآن ، وطعنهم في نبوة النبي محمد صلى الله عليه وسلم ، الذي نزل عليه القرآن .

أهداف سورة الفرقان :

سورة الفرقان سورة مكية ، نزلت بعد سورة يس ، ونزلت سورة يس بعد سورة الجن ، وكان نزول سورة الجن في رجوع النبي صلى الله عليه وسلم من الطائف ، وكان قد ذهب إليها سنة عشر من بعثته ، فيكون نزول سورة الفرقان في السنة العاشرة من البعثة ، وتكون من السور التي نزلت فيما بين الهجرة إلى الحبشة والإسراء . وهي فترة تميزت بقسوة مشركي مكة وعنفهم ورغبتهم في القضاء على الدعوة بكل سبيل ، ولذلك تبدو سورة الفرقان وكأنها إيناس لرسول الله صلى الله عليه وسلم وتسرية ، وتطمين له وهو يواجه مشركي قريش وعنادهم وتعنتهم معه وجدالهم بالباطل ، ووقوفهم في وجه الهدى وصدهم عنه .

سورة تشد أزر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم

تنوعت جوانب هذه السورة وتعددت ، لكنها في جملتها كانت مؤازرة لرسول الله تبثه الثقة والاطمئنان ، وتفضح شبهات المشركين ، وتنافح عن الدعوة والداعية بالعديد من السبل .

فهي في لمحة منها تصور الإيناس اللطيف الذي يحيط به الله عبده ورسوله ، وكأنما يمسح على آلامه ومتاعبه مسحا رفيقا ، ويفيض عليه بالرعاية واللطف والمودة .

وهي في لمحة تصور المعركة العنيفة مع البشرية الضالة الجاحدة المشاقة لله ورسوله ، وهي تجادل في عنف ، وتتعنت في عناد ، وتجنح عن الهدى الواضح المبين .

إنها البشرية الضالة التي تقول عن هذا القرآن العظيم : { إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ . . . } ( الفرقان : 4 ) .

أو تقول : { أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا } . ( الفرقان : 5 ) .

والتي تقول عن محمد رسول الله : { إِن تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَّسْحُورًا } . ( الفرقان : 8 ) .

أو تقول في استهزاء : { أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا } . ( الفرقان : 41 ) .

وهذا التكذيب كان سمة الناس من عهد نوح إلى عهد محمد ، لقد اعترض القوم على بشرية الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ، واعترضوا على حظه من المال ، فقالوا : { أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا . . . } ( الفرقان : 8 ) .

واعترضوا على طريقة تنزيل القرآن ، فقالوا : { لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً . . . } ( الفرقان : 32 ) .

وذلك فوق التكذيب والاستهزاء ، والافتراء والإيذاء . وعندما يئس النبي من أهل مكة توجه إلى الطائف ، وبها قبائل ثقيف ، وفيها نعمة وغنى وزراعة وأعناب ، حتى كان العرب يعتقدون أن طائفا من الجن نقلها من اليمن السعيد إلى جنوب الحجاز .

وعندما ذهب إلى الطائف دعا أهلها للإسلام ؛ فردوه أسوأ رد وأغروا به السفهاء والعبيد يرجمونه بالحجارة ، حتى دميت قدماه الشريفتان ، وأغمي على النبي الأمين ، فلما أفاق مد يده لله داعيا متضرعا ، يقول :

( اللهم أشكو إليك ضعف قوتي ، وقلة حيلتي وهواني على الناس ، يا رب العالمين أنت رب المستضعفين وأنت ربي ، إلى من تكلني إلى عدو يتجهمني أو بعيد ملكته أمري ، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات ، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة أن ينزل بي سخطك أو يحل علي غضبك ، إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي ، عافيتك هي أوسع لي ، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم .

وقد نزلت سورة الفرقان في أعقاب رحلة الطائف ، فكانت حنانا ورحمة من الله لنبيه تمسح آلامه ، وتسري عنه ، وتهون عليه مشقة ما يلقى من عنت القوم وسوء أدبهم ، وتطاولهم على الرسول الذي اختارته السماء ليحمل رسالة الله إلى الناس .

وتعزيه عن استهزائهم بتصوير المستوى الهابط الذي يتمرغون فيه : { أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا * أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا } . ( الفرقان : 43 ، 44 ) .

ويتكفل القرآن بالعون والمساعدة في معركة الجدل والمحاجة : { وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا } . ( الفرقان : 33 ) .

ثم تعرض السورة أهوال القيامة ومشاهد المجرمين تهديدا ووعيدا : { وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاء بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنزِيلًا ( 25 ) الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا } . ( الفرقان : 25 ، 26 ) .

وتصف ندم هؤلاء الكفار يوم القيامة فتقول : { وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا * يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا } . ( الفرقان : 27 ، 28 ) .

ثم تقدم السورة مسيرة الأنبياء وجهادهم وبلاءهم تسلية للرسول الأمين ، ثم تحثه على الصبر والمصابرة ، وعلى جهاد الكفار بالحجة والبرهان : { فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُم بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا } . ( الفرقان : 52 ) .

وهكذا تمضي السورة ، في جانب منها إيناس وتسرية وعطف وإيواء من الله لرسوله ، وفي جانب آخر مشاقة وعنت من المشركين لرسول الله ، وتقدم السورة جوانب القدرة الإلهية ، وتصف عجائب صنع الله في مد الظل وتسخير الشمس ، وخلق الليل والنهار ، والظلام والنور ، وإنزال المطر وإنبات النبات ، وخلق الإنسان والكواكب والبروج والأفلاك ، وتتوعد المشركين بالعذاب والعقاب .

فإذا اقتربت السورة من نهايتها وصفت عباد الرحمن بالتواضع وقيام الليل ، والاقتصاد في النفقة ، والاحتراز من الشرك والزنا وقتل النفس ، وتذكر فضل التوبة ومنزلة التائبين عند الله ، وتختم السورة بتصوير هوان البشرية على الله لولا تلك القلوب المؤمنة التي تلتجئ إليه وتدعوه : { قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا } . ( الفرقان : 77 ) .

موضوعات السورة :

رغم أن الخط الأساسي لسورة الفرقان هو العناية بالرسول ومسح آلام الحزن عنه وتثبيت قلبه ، إلا أنه يمكن أن نقسم هذه السورة إلى أربع فقرات أو أربعة موضوعات متمايزة :

الموضوع الأول :

بدأ الموضوع الأول من سورة الفرقان بتسبيح الله وحمده على تنزيل هذا القرآن على عبده ليكون للعالمين نذيرا . وبتوحيد الله المالك لما في السماوات والأرض ، المدبر للكون بحكمة وتقدير ، ونفي الولد والشريك . ثم شرع في ذكر ما أورده الكفار من شبه ، فذكر شبهتهم الأولى وهي قولهم : { إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ . . . } ( الفرقان : 4 ) .

ورد عليهم بأن ادعاءهم ظلم وزور ، لأنه تحداهم به فلم يمكنهم أن يأتوا بمثله .

ثم ذكر شبهتهم الثانية وهي زعمهم أن القرآن أساطير الأولين اكتتبها ، ورد عليهم بأن الذي أنزله هو خالق الإنسان ، وهو العليم بأسراره وما يناسبه .

ثم ذكر اعتراضهم على بشرية الرسول ، وحاجته للطعام والمشي في الأسواق ، واقتراحهم أن ينزل عليه ملك أو يلقى إليه كنز أو تكون له جنة يأكل منها .

ورد عليهم بأن الله لو شاء لجعل لنبيه في الآخرة جنات وقصورا خيرا مما ذكروه من نعم الدنيا ، وجميع الرسل قبل محمد كانوا يأكلون الطعام ويمشون في الأسواق لأنهم بشر وذلك شأن البشر .

ويستغرق الموضوع الأول من أول السورة إلى الآية 20 منها .

الموضوع الثاني :

بدأ الموضوع الثاني بذكر تطاول المشركين ، وزعمهم أنه كان يجب أن ينزل عليهم ملائكة تؤيد محمدا في دعواه ، أو يروا ربهم .

ثم عاجلهم بمشهد اليوم الذي يرون فيه الملائكة لا تحمل البشرى ، وإنما تحمل الإنذار والوعيد ، { وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا } . ( الفرقان : 26 ) .

ليكون في ذلك تسلية للرسول صلى الله عليه وآله وسلم وهم يهجرون القرآن ، وهو يشكو لربه هذا الهجران .

ثم ذكر اعتراضهم على عدم نزول القرآن جملة واحدة ، ورد عليهم بأنه نزل مفرقا لتثبيت قلب الرسول ، وللإجابة على استفهام المستفهمين ، وتوضيح الحق أمام السائلين .

ثم ذكر أنهم في الآخرة يمشون مقلوبين ، وجوههم إلى تحت ، وأرجلهم إلى فوق ، فيضلون في أخراهم كما ضلوا في دنياهم .

ثم شرع في تأييد ذلك بتصوير عاقبة المكذبين من قبلهم ، من قوم موسى وقوم نوح ، وعاد وثمود ، وأصحاب الرس والقرون الكثيرة بين ذلك ، ويعجب من أمرهم وهم يمرون على قرية لوط المدمرة ولا يعتبرون ؛ فيهون بذلك كله من وقع تطاولهم على الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وقولهم : { أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا } . ( الفرقان : 41 ) .

ثم عقب على هذا الاستهزاء بتحقيرهم ووضعهم في صف الأنعام ، بل دون ذلك : { إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا } . ( الفرقان : 44 ) .

ويستغرق هذا الموضوع الآيات من : 21 : 44 .

الموضوع الثالث :

يبدأ الموضوع الثالث بعرض مظاهر القدرة الإلهية في نظام هذا الكون وإبداع صنعته ودقة ناموسه .

فيعرض مشهد الظل ، ويستطرد إلى تعاقب الليل والنهار ، والرياح المبشرة بالماء المحيي ، وخلقة البشر من الماء ، ومع هذا فهم يعبدون من دون الله ما لا ينفعهم ولا يضرهم ، ويتظاهرون على ربهم وخالقهم ، فينصرون الشيطان على ربهم الذي يريد أن يربيهم ويهديهم ، ويتطاولون في قحة إذا دعوا إلى عبادة الرحمن ، وقد جعل الله الليل والنهار خلفة يخلف أحدهما الآخر ، ويتعاقبان ليرى الإنسان الصباح المشرق والليل المظلم ؛ فيتذكر عظمة الله ويشكره ، ولكنهم لا يتذكرون ولا يشكرون .

ويستغرق هذا الموضوع الآيات من 45 : 62 .

الموضوع الرابع :

يصف الموضوع الرابع عباد الرحمن الذين يسجدون له ويعبدونه ، ويسجل مقوماتهم التي استحقوا بها هذه الصفة الرفيعة ، ويفتح باب التوبة على مصراعيه لمن يريد الإقبال على الله ، ويصور جزاء المؤمنين الصابرين على تكاليف الإيمان والعبادة : { أُوْلَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَامًا * خَالِدِينَ فِيهَا حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا } . ( الفرقان : 75 ، 76 ) .

ويستغرق هذا الموضوع الآيات من 63 : 77 حيث تختم السورة ببيان هوان البشرية على الله لولا دعاء المؤمنين ، وعبادة المتقين .

وفي هذا الهوان تهوين لما يلقاه الرسول من عنت المشركين ، فهو يتفق مع ظل السورة وجوها ، ويتفق مع موضوعها وأهدافها .

عظمة الخالق :

بسم الله الرحمن الرحيم

{ تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا ( 1 ) الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا ( 2 ) وَاتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً لَّا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنفُسِهِمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا ( 3 ) } .

المفردات :

تبارك : تكاثرت بركته وعمت الخلائق كلها .

الفرقان : القرآن ، وسمي فرقانا لأنه فرق بين الحق والباطل ، ولأنه نزل مفرقا ، ولم ينزل جملة واحدة ، قال تعالى : وقرآنا فرقناه لتقرأه على الناس على مكث . . . ( الإسراء : 106 ) .

عبده : أي : محمد صلى الله عليه وسلم ، ووصفه بذلك تشريفا له ، بكونه في أقصى مراتب العبودية .

للعالمين : أي : الثقلين من الإنس والجن .

نذيرا : مخوفا لهم من عذاب الله ، إن كفروا به ولم يوحدوه .

التفسير :

1 – { تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا } .

كثرت بركات الله ، وعظمت نعماؤه وأفضاله ، فهو خالق الكون ، وبيده الخلق والأمر وهو على كل شيء قدير ، وقد أنزل الله القرآن على عبده محمد صلى الله عليه وسلم ، ليكون داعية إلى الإيمان ، ونذيرا للبشرية كلها من الكفر والتكذيب .

في أعقاب الآية :

1 . امتن الله على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم بالعبودية الحقة لله ، وهذه أعظم درجة ينالها إنسان وهي أن يكون عبدا حقا لله العلي الكبير ، وقد ورد هذا المعنى في القرآن الكريم ، ففي صدر سورة الإسراء : { سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ } .

وفي صدر سورة الكهف يقول الله تعالى : { الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا } .

2 . عالمية الدعوة : هذه السورة مكية ، والآية الأولى مكية ، وفيها عالمية الرسالة ، فقد أفادت الآية أن الله أنزل القرآن على محمد صلى الله عليه وسلم ، ليبلغه للعالمين .

وفيه رد على المستشرقين ، الذين ادعوا أن الإسلام كان دعوة محلية في مكة ، فلما انتقل إلى المدينة وتكونت الدولة الإسلامية تحول إلى العالمية ، ويمكن الاستدلال بالأحاديث النبوية الصحيحة ، على عالمية الدعوة في مكة ، فقد اشتكى المؤمنون الأولون من شدة ما يلقون من العذاب من أهل مكة ، وقالوا : يا رسول الله ألا تدعو عليهم . فقال صلى الله عليه وسلم : ( والذي نفسي بيده ليتمن الله هذا الأمر ، حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله ، أو الذئب على غنمه ، ولكنكم تستعجلون ) .

وفي صحيح البخاري : أن هرقل ملك الروم سأل أبا سفيان عن النبي صلى الله عليه وسلم ، فسأله عن نسبه ، وعن أتباعه ، وعن حروبه . فقال أبو سفيان : هو فينا ذو نسب ، وأكثر أتباعه من الضعفاء ، والحرب بيننا وبينه سجال ينال منا وننال منه ، فقال هرقل لأبي سفيان : إن الرسل تبعث في أنساب قومها ، وأتباع الرسل هم الضعفاء والفقراء ، والإيمان يتعرض للابتلاء حتى يكتمل نوره ، وإذا كان ما تقول حقا فسيملك محمد موضع قدمي هاتين ، ولو كنت أصل إليه لغسلت عن قدميه .

وفي طريق الهجرة من مكة إلى المدينة ، تقدم فارس مقدام خلف النبي صلى الله عليه وسلم يريد القبض عليه ، أو قتله ، ليحصل على مكافأة أهل مكة ، لكن عناية الله وحفظه لنبيه ، حفظا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( يا سراقة ، أسلم ولك سوار كسرى ) . ثم أسلم سراقة فيما بعد ولبس خف كسرى ، وتاج كسرى ، وسراويل كسرى ، فلما رآه عمر قال له : أقبل ، فأقبل ، ثم قال له : أدبر ، فأدبر ، ثم قال عمر : رب يوم يا سراقة بن مالك ابن جشعم ، يكون هذا فخرا لك ولأبنائك من بعدك ، ثم خلعها عمر عن سراقة ووضعها في بيت مال المسلمين .

( ج ) رسالة الرسول صلى الله عليه وسلم للتبشير بالجنة للطائعين ، والإنذار بالنار للعاصين ، ولكنه اقتصر هنا على الإنذار ، في مواجهة الكافرين المعاندين .

بينما قال تعالى : في سورة الأحزاب : { يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُّنِيرًا } . ( الأحزاب : 45 ، 46 ) .

وقال سبحانه : { وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ } . ( الأنبياء : 107 ) .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{تَبَارَكَ ٱلَّذِي نَزَّلَ ٱلۡفُرۡقَانَ عَلَىٰ عَبۡدِهِۦ لِيَكُونَ لِلۡعَٰلَمِينَ نَذِيرًا} (1)

مقدمة السورة:

سورة الفرقان

أطلق الجمهور القول بمكيتها وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وقتادة هي مكية إلا ثلاث آيات نزلت بالمدينة وهي ( والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ) إلى قوله سبحانه ( وكان الله غفورا رحيما ) وقال الضحاك : هي مدنية إلا أو لها إلى قوله تعالى ( ولا نشورا ) فهو مكي وعدد آياتها سبع وسبعون آية بلا خلاف كما ذكره الطبرسي والداني في كتاب العدد ولما ذكر جل وعلا في آخر السورة السابقة وجوب متابعة المؤمنين للرسول صلى الله عليه وسلم ومدح المتابعين وحذر المخالفين افتتح سبحانه هذه السورة بما يدل على تعاليه جل شأنه عما سواه في ذاته وصفاته وأفعاله أو على كثرة خيره تعالى ودوامه وأنه أنزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا إطماعا في خيره وتحذيرا من عقابه جل شأنه وفي هذه السورة أيضا من تأكيد ما في السابقة من مدح الرسول صلى الله عليه وسلم ما فيها .

{ تَبَارَكَ الذى نَزَّلَ الفرقان على عَبْدِهِ لِيَكُونَ للعالمين نَذِيراً } أي تعالى جل شأنه في ذاته وصفاته وأفعاله على أتم وجه وأبلغه كما يشعر به إسناد صيغة التفاعل إليه تعالى وهذا الفعل لا يسند في الأغلب إلى غيره تعالى ومثله تعالى ولا يتصرف فلا يجىء منه مضارع ولا أمر ولا ولا في الأغلب أيضاً وإلا فقد قرأ أبي كما سيأتي إن شاء الله تعالى تباركت الأرض ومن حولها ، وجاء كما في «الكشف » تباركت النخلة أي تعالت ، وحكى الأصمعي أن أعرابياً صعد رابية فقال لأصحابه : تباركت عليكم ، وقال الشاعر

: إلى الجذع جذع النخلة المتبارك *** وقال الخليل : معنى تبارك تمجد ، وقال الضحاك : تعظم وهو قريب من قريب ، وعن الحسن . والنخعي أن المعنى تزايد خيره وعطاؤه وتكاثر وهي إحدى روايتين عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ، ثانيتهما أن المعنى لم يزل ، ولا يزال وتحقيق ذلك أن تبارك من البركة وهي في الأصل مأخوذة من برك البعير وهو صدره ومنه برك البعير إذا ألقى بركه على الأرض واعتبر فيه معنى اللزوم فقيل براكاء الحرب وبروكاؤها للمكان الذي يلزمه الإبطال وسمي محبس الماء بركة كسدرة ثم أطلقت على ثبوت الخير الإلهي في الشيء ثبوت الماء في البركة ، وقيل : لما فيه ذلك الخير مبارك ولما كان الخير الإلهي يصدر من حيث لا يحس وعلى وجه لا يحصى ولا يحصر قيل لكل ما يشاهد منه زيادة غير محسوسة هو مبارك وفيه بركة ؛ فمن اعتبر معنى اللزوم كابن عباس بناءً على الرواية الثانية عنه قال : المعنى لم يزل ولا يزال أو نحو ذلك ، ومن اعتبر معنى التزايد انقسم إلى طائفتين فطائفة جعلوه باعتبار كمال الذات في نفسها ونقصان ما سواها ففسروا ذلك بالتعالي ونحوه وطائفة جعلوه باعتبار كمال الفعل ففسروه بتزايد الخير وتكاثره ولا اعتبار للتغير المبني على اعتبار معنى اللزوم لقلة فائدة الكلام عليه وعدم مناسبة ذلك المعنى لما بعد ، ومن هنا ردد الجمهور المعنى بين ما ذكرناه أولاً وما روي عن الحسن ومن معه ؛ وترتيب وصفه تعالى بقوله سبحانه : { تبارك } بالمعنى الأول على إنزاله جل شأنه الفرقان لما أنه ناطق بعلو شأنه سبحانه وسمو صفاته وابتناء أفعاله على أساس الحكم والمصالح وخلوها عن شائبة الخلل بالكلية وترتيب ذلك بالمعنى الثاني عليه لما فيه من الخير الكثير لأنه هداية ورحمة للعالمين ، وفيه ما ينتظم به أمر المعاش والمعاد وكلا المعنيين مناسب للمقام ورجح الأول بأنه أنسب به لمكان قوله تعالى : { لِيَكُونَ للعالمين نَذِيراً } فقد قال الطيبي في اختصاص النذير دون البشير سلوك طريقة براعة الاستهلال وازيذان بأن هذه السورة مشتملة على ذكر المعاندين المتخذين لله تعالى ولداً وشريكاً الطاعنين ( فِى كتابه وَرُسُلِهِ واليوم الاخر ) ، وهذا المعنى يؤيد تأويل تبارك بتزايد عن كل شيء وتعالى عنه في صفاته وأفعاله جل وعلا لإفادته صفة الجلال والهيبة وإيذانه من أول الأمر بتعاليه سبحانه عما يقول الظالمون علواً كبيراً وهو من الحسن بمكان ، و { الفرقان } مصدر فرق الشيء من الشيء وعنه إذا فصله ، ويقال أيضاً كما ذكره الراغب فرقت بين الشيئين إذا فصلت بينهما سواء كان ذلك بفصل يدركه البصر أو بفصل تدركه البصرة ، والتفريق بمعناه إلا أنه يدل على التكثير دونه ، وقيل ءن الفرق في المعاني والتفريق في الأجسام والمراد به القررن وإطلاقه عليه لفصله بين الحق والباطل بما فيه من البيان أو بين المحق والمبطل لما فيه من الإعجاز أو لكونه مفصولاً بعضه عن بعض في نفسه أو في الإنزال حيث لم ينزل دفعة كسائر الكتب ، وسيأتي إن شاء الله تعالى ما يقوله الصوفية في ذلك فهو مصدر بمعنى الفاعل أو بمعنى المفعول ، ويجوز أن يكون ذلك من باب هي إقبال وإدبار فلا تغفل .

والمراد بعبده نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وإيراده عليه الصلاة والسلام بذلك العنوان لتشريفه وازيذان بكونه صلوات الله تعالى وسلامه عليه في أقصى مراتب العبودية والتنبيه على أن الرسول لا يكون إلا عبداً للمرسل رداً على النصارى ، وقيل : المراد بالفرقان جميع الكتب السماوية لأنها كلها فرقت بين الحق والباطل وبعبده الجنس الشامل لجميع من نزلت عليهم ، وأيد بقراءة ابن الزبير { على عِبَادِهِ } ، ولا يخفى ما في ذلك من البعد ، والمراد بالعباد في قراءة ابن الزبير الرسول عليه الصلاة والسلام وأمته ، والإنزال كما يضاف إلى الرسول صلى الله عليه وسلم يضاف إلى أمته كما في قوله تعالى : { لَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ } [ الأنبياء : 10 ] لأنه واصل إليهم ونزوله لأجلهم فكأنه منزل عليهم وإن كان إنزاله حقيقة عليه عليه الصلاة والسلام ، وقيل : المراد بالجمع هو صلى الله عليه وسلم وعبر عنه به تعظيماً ، وضمير يكون عائد على عبده ، وقيل على { الفرقان } وإسناد الإنذار إليه مجاز ، وقيل على الموصول الذي هو عبارة عنه تعالى ، ورجح بأنه العمدة المسند إليه الفعل والإنذار من صفاته عز وجل كما في قوله تعالى : { إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ } [ الدخان : 3 ] وقيل على التنزيل المفهوم من { نَزَّلَ } ، والمتبادر إلى الفهم هو الأول وهو الذي يقتضيه ما بعد ، والنذير صفة مشبهة بمعنى منذر .

وجوز أن يكون مصدراً بمعنى إنذار كالنكير بمعنى إنكار وحكم الأخبار بالمصدر شهير ، والإنذار إخبار فيه تخويف ويقابله التبشير ولم يتعرض له لما مر آنفاً ، والمراد بالعالمين عند جمع من العالمين الإنس والجن ممن عاصره صلى الله عليه وسلم إلى يوم القيامة .

ويؤيده قراءة ابن الزبير للعالمين للجن والإنس وإرساله صلى الله عليه وسلم إليهم معلوم من الدين بالضرورة فيكفر منكره ، وكذا الملائكة عليهم السلام كما رجحه جمع محققون كالسبكي ومن تبعه ورد على من خالف ذلك ، وادعى بعضهم دلالة الآية عليه لأن العالم ما سوى الله تعالى وصفاته العلى فيشمل الملائكة عليهم السلام . وصيغة جمع العقلاء للتغليب أو جمع بعد تخصيصه بالعقلاء .

ومن قال كالبارزي : إنه عليه الصلاة والسلام أرسل حتى إلى الجمادات بعد جعلها مدركة لظاهر خبر مسلم وأرسلت إلى الخلق كافة لم يخصص ، واكتفى بالتغليب وفائدة الإرسال للمعصوم وغير المكلف طلب إذعانهما لشرفه عليه الصلاة والسلام ودخولهما تحت دعوته واتباعه تشريفاً على سائر المرسلين عليهم السلام .

وتقديم الجار والمجرور على متعلقه للتشويق ومراعاة الفواصل وللحصر أيضاً على القول الأول في العالمين ، وإبراز تنزيل الفرقان في معرض الصلة التي حقها أن تكون معلومة الثبوت للموصول عند السامع مع إنكار الكفرة له لإجرائه مجرى المعلوم المسلم تنبيهاً على قوة دلائله وكونه بحيث لا يكاد يجهله أحد كقوله تعالى : { لاَ رَيْبَ فِيهِ } [ البقرة : 2 ] وكذا يقال في نظائره من الصلات التي ينكرها الكفرة : وقال بعضهم : لا حاجة لما ذكر إذ يكفي في الصلة أن تكون معلومة للسامع المخاطب بها ولا يلزم أن تكون معلومة لكل سامع ، والمخاطب بها هنا هو رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عليه الصلاة والسلام عالم بثبوتها للموصول ، وفي شرح التسهيل أنه لا يلزم فيها أن تكون معلومة وإن تعريف الموصول كتعريف أل يكون للعهد والجنس وأنه قد تكون صلته مبهمة للتعظيم كما في قوله

: فإن أستطع أغلب وأن يغلب الهوى *** فمثل الذي لاقيت يغلب صاحبه

وما ذكر أولاً من تنزيلها منزلة المعلوم أبلغ لكونه كناية عما ذكر مناسبة للرد على من أنكر النبوة وتوحيد الله تعالى

 
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{تَبَارَكَ ٱلَّذِي نَزَّلَ ٱلۡفُرۡقَانَ عَلَىٰ عَبۡدِهِۦ لِيَكُونَ لِلۡعَٰلَمِينَ نَذِيرًا} (1)

مقدمة السورة:

تفسير سورة الفرقان وهي مكية عند الجمهور

{ 1 - 2 ْ } { تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا * الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا ْ }

هذا بيان لعظمته الكاملة وتفرده [ بالوحدانية ]{[574]}  من كل وجه وكثرة خيراته وإحسانه فقال : { تَبَارَكَ ْ } أي : تعاظم وكملت أوصافه وكثرت خيراته الذي من أعظم خيراته ونعمه أن نزل هذا القرآن الفارق بين الحلال والحرام والهدى والضلال وأهل السعادة من أهل الشقاوة ، { عَلَى عَبْدِهِ ْ } محمد صلى الله عليه وسلم الذي كمل مراتب العبودية وفاق جميع المرسلين ، { لِيَكُونَ ْ } ذلك الإنزال للفرقان على عبده { لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا ْ } ينذرهم بأس الله ونقمه ويبين لهم مواقع رضا الله من سخطه ، حتى إن من قبل نذارته وعمل بها كان من الناجين في الدنيا والآخرة الذين حصلت لهم السعادة الأبدية والملك السرمدي ، فهل فوق هذه النعمة وهذا الفضل والإحسان شيء ؟ فتبارك الذي هذا من بعض إحسانه وبركاته .


[574]:- زيادة من هامش ب.