{ وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لهم من النساء مثنى وثلث وربع فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة او ما ملكت أيمانكم ذلك أدنى ألا تعولوا }
ألا تقسطوا : أي ألا تعدلوا من اقسط أي عدل وأما قسط فمعناه ظلم وجار قال تعالى : وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطبا . ( الجن 15 ) .
في اليتامى : المراد اليتيمات .
ما طاب لكم : ما حل : أو مالت إليه أنفسكم .
مثنى وثلاث ورباع : أي اثنين اثنين ، وثلاثا ثلاثا ، وأربعا أربعا .
ألا تعولوا : ألا تجوروا وتظلموا .
3- { وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم ذلك أدنى ألا تعولوا } .
وإن أحسستم من أنفسكم الخوف من أكل مال الزوجة اليتيمة ، فعليكم ألا تتزوجوا بها ، فإن الله جعل لكم مندوحة عن اليتامى ، بما أباحه لكم من التزويج بغيرهن واحدة أو اثنين أو ثلاثا أو أربعا ، إذا وثقتم بالقدرة على العدل ، ولكن إن خفتم ألا تعدلوا بين الزوجين أو الزوجات فعليكم أن تلزموا واحدة فقط ، أو استمتعوا بما ملكت أيديكم من الإماء ، وإن زواج الواحدة أقرب إلى العدل ، وأبعد عن الظلم والجور .
سبب نزول الآية روى البخاري وغيره : " عن عروة بن الزبير ، عن عائشة رضي الله عنها أنه سألها عن هذه الآية فقالت : يا بن أختي هذه اليتيمة تكون في حجر وليها تشركه في حاله ويعجبه مالها وجمالها فيريد وليها أن يتزوجها بغير أن يقسط في صداقها فيعطيها مثل ما يعطيها غيره ، فنهوا ان ينكحوهن إلا أن يقسطوا لهن ، ويبلغوا بهن أعلى سنتهن في الصداق ، وأمروا أن ينكحوا ما طاب لهم من النساء سواهن " الحديث رواه البخاري في كتاب التفسير .
1- روى الطبري عن ابن عباس وعكرمة : أن قريشا كان الرجل منهم يتزوج العشر من النساء والأكثر والأقل ، فإذا صار معدما مال على يتيمه الذي هو في حجره فأنفقه أو تزوج به ، فنهوا عن التزويج فوق الأربع .
2- وقال آخرون معنى الآية : فكما خفتم في اليتامى أن تجوروا عليهم فكذلك فتخوفوا في النساء أن تزنوا بهن ، ولكن انكحوا ما طاب منهن مثنى وثلاث ورباع ، إذا اطمأننتم إلى تحقيق العدل بينهن وإلا فاقتصروا على الواحدة .
3- وقال آخرون : وإن خفتم ألا تعدلوا في اليتامى ، فكذلك فخافوا في النساء ، فلا تنكحوا منهن إلا مالا تخافون أن تجوروا فيه منهن من واحدة إلى الأربع . وقد أجاز السيد رشيد رضا أن تكون الآراء السابقة كلها مقصودة للآية فقال : " وقد يصح ان يقال إنه يجوز أن يراد بالآية مجموع تلك المعاني ، من قبيل رأي الشافعية الذين يجيزون استعمال اللفظ المشترك في كل ما يحتمله الكلام من معانيه واستعمال اللفظ في حقيقته ومجا زه معا " 10 .
ويقول الأستاذ الدكتور محمد بلتاجي :
" . . ومن هنا معنى الآية يتضمن أمرا إلى أولياء الفتيات اليتامى بالإقساط فيهن عند إرادة التزوج بهن ، ثم هو في نفس الوقت أمر إلى هؤلاء الأولياء بألا يسرفوا على أنفسهم بكثرة الزوجات ، فيحملهم ذلك على التعدي على أموال اليتامى ، الذين هم في رعايتهم وتحت وصايتهم وقد كان هذا وما سبقه موجودا عند نزول القرآن الكريم ثم هو أيضا أمر إلى المسلمين باتقاء الله تعالى في النساء ، وتجنب الزنا بهن لأن الله تعالى أباح التزوج منهن فلم يعد بالمسلم حاجة مقبولة إلى الزنا ، ثم هو في الوقت نفسه أمر المسلمين بوجوب اتقاء الله في العدل في النساء عند إرادة التزوج منهن والخشية من ظلمهن في ذلك . كما يخاف كل منهم ان يظلم اليتيم إذا كان تحت رعايته ، ثم إن الآية بعد كل هذا تشمل على إباحة تعدد الزوجات بشرط العدل " 11 .
1- قال بعض أئمة الشيعة والظاهرية : يجوز جمع تسع نساء حيث اعتبروا كلمات ( مثنى وثلاث ورباع ) معدولة عن اثنين وثلاث وأربع وجمعوا هذه الأرقام 2+3+4=9 وهو كلام مرفوض مخالف لما يفيده النص العربي البليغ فإن الطفل هو الذي إذا أراد يقول تسعة قال 2+3+4=9 أما القرآن فهو أبلغ أسلوب .
والعمل متواتر من العهد النبوي والخلفاء الراشدين بعدم جواز جمع أكثر من أربع في عصمة رجل في وقت واحد ، وهذا العمل مؤيد بالكتاب والسنة والإجماع وهو الحق الذي يجب الالتزام به والوقوف عنده12 .
الإسلام دين الوسط وهو شريعة الله العليم الخبير ، وقد كان العرب في بيئة ذاع فيها التفاخر بالأنساب ، والاعتزاز بكثرة الأبناء ، وإهمال شأن المرأة وهضم حقوقها ، فلم يقفوا في تعدد الزوجات عند حد .
" وقد سلك الإسلام طريقا وسطا هو إباحة التعدد إلى حد محدود13 لما في هذا من منافع لا بنبغي لمشرع ان يغض الطرف عنها ، ومنها :
1- أن طبيعة الرجل الجنسية قد تقوى فلا يقنع بامرأة واحدة فإذا سددنا عليه باب التعدد فتح لنفسه باب الزنا والمخالة الداعرة فتنتهك الأعراض وتضيع الأنساب ، وذلك شر عظيم ، وفي فتح باب التعدد تمهيد لكثرة النسل الذي تعتز به الأمة ، وإن دينا يحرم الزنا ويعاقب عليه أقسى العقوبات ، جدير به أن يفتح باب التعدد ، إشباعا للغريزة ودفعا للشر ، ورغبة في كثرة النسل الحلال .
2- وقد تكون المرأة عقيما لا تلد ، أو تصاب بما يمنعها من مزاولة الحياة الجنسية ، ويرى الزوج من الوفاء لها ألا يتخلى عنها في محنتها ، وألا يمنعها عطفه وانسه ورعايته ، أفليس من الحكمة أن نمكنه من هذا الوفاء ، بإباحة التزوج عليها حتى لا نلجئه إلى سلوك طريق آخر ؟ .
3- ولما كان الرجال أكثر من النساء تعرضا لأسباب الفناء كان عددهم أقل من عددهن وخاصة أعقاب الحروب فإذا لم نبح للرجل أن يعول بالزواج أكثر من واحدة كانت النساء عرضة للفاقة ، وللاتجار بالأعراض ، والعمل للتخلص من النسل فتقل الأيدي العاملة .
وليس بعجيب أن يكون عدد النساء في العالم أكثر من عدد الرجال ، وأن يباح للرجل أن يتزوج أكثر من امرأة ، ضمانا لبقاء النوع فقد جرت عادة الخالق سبحانه أن يخلق من بذور النبات وبويضات الحيوان ملايين البذور والبويضات ضمانا لبقاء أنواعها ، ويكون استئثار المرأة بالرجل حينئذ أثرة ممقوتة ضارة بالجماعة14 .
ذهب بعض الناس إلى منع تعدد الزوجات مدعيا أن آيتين في سورة النساء ترشدان إلى ذلك .
الآية الأولى تقول : فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة ( النساء 3 ) .
والآية الثانية تقول : ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم فلا تميلوا كل الميل فتذروها كالمعلقة . ( النساء 129 ) .
بل إنهم عند الاستشهاد بالآية 129 من سورة النساء هذه استشهدوا بالجزء الأول منها وهو ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم . وقالوا : إن التعدد ممنوع في القرآن لأن الآية رقم 3 من سورة النساء اشترطت العدل لإباحة التعدد .
والآية رقم 129 بينت أن العدل غير مستطاع حتى لمن حرص على تحقيقه بين النساء .
قال الأستاذ أحمد شاكر : ( وزاد الأمر وطم حتى سمعنا أن حكومة من الحكومات التي تنتسب للإسلام وضعت في بلادها قانونا منعت فيه تعدد الزوجات جملة بل صرحت تلك الحكومة بأن تعدد الزوجات عندهم صار حراما ولم يعرف رجال تلك الحكومة أنهم بهذا اللفظ الجرىء صاروا مرتدين خارجين من دين الإسلام بل إن احد الرجال الذين ابتلى الأزهر بانتسابهم إلى علمائه ، تجرأ مرة وكتب بالقول الصريح إن الإسلام يحرم تعدد الزوجات جرأة على الله وافتراء على دينه15 .
العلاقات الزوجية متداخلة ، منها ما هو مادي ، ومنها ما هو معنوي ، فالمحبة والهوى القلبي أمور معنوية لا يتحكم فيه الإنسان وهي المشار إليها بقول النبي صلى الله عليه وسلم " اللهم هذا قسمي فيما أملك فلا تلمني فيما تملك ولا أملك " 16
أما الأمور المادية مثل الأكل والنفقة والكسوة والمسكن وأشباهها فيمكن العدل فيها بين النساء . وهي التي عناها القرآن ، حين أرشد الرجال إلى العدل فيها ، وبين أن العدل في ميل القلب أمر غير مستطاع لأن القلوب متقلبة ، وما يسمى القلب قلبا إلا لأنه يتقلب ، ولان قلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء . فإذا اتبع الإنسان هوى قلبه ، مال إلى الزوجة التي يحبها وأعطاها حظوظا مادية زائدة وترك الأخرى تستمع بمثل هذه الحظوظ المادية . ولذلك وجه القرآن المسلم بأن يعدل في قسمته بين النساء في المسكن والمأكل والملبس ، وأمر بالتسوية بينهما ، ونهى عن محاباة المحبوبة ، وهجر ضرتها حتى تصير كالمرأة المعلقة وهي التي هجرها زوجها وتركها بدون طلاق فلا هي مطلقة تنتظر الأزواج ، ولا هي متزوجة زوجا يقر عينها ، ويحسن عشرتها ، ويوفي لها حقها ، ويعدل بينها وبين ضرتها أو ضرائرها ، في الامور المادية التي يمكن العدل فيها .
وقد روى الإمام احمد وغيره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " من كانت له امرأتان فمال إلى احدهما جاء يوم القيامة وأحد شقيه ساقط " 17 .
والمراد بالميل هنا الظلم في القسمة بين الزوجين ، وتفضل إحداهما على الأخرى في النفقة والمسكن والملبس ، وهي التي عناها القرآن بقوله : { فلا تميلوا كل الميل فتذروها كالملعقة } . ( النساء 129 ) .
وفي ختام الآية فتح القرآن الباب أمام الأزواج ليحاولوا العدل ولينصفوا الزوجة الأخرى ويحسنوا إليها مراعاة لأمر الله واتقاء عقابه وحسابه ، فقال سبحانه : { ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم فلا تميلوا كل الميل فتذروها كالمعلقة وإن تصلحوا وتتقوا فإن الله كان غفورا رحيما } ( النساء : 129 ) .
قال الطبري شيخ المفسرين : وإن تصلحوا أعمالكم أيها الناس فتعدلوا في قسمتكم بين أزواجكم ، وما فرض الله لهن عليكم من النفقة والعشرة بالمعروف فإن الله كان غفورا رحيما يستر عليكم ما قد يكون سلف منكم في ذلك رحيما بكم يقبل توتكم فيه .
يقول الأستاذ رشيد رضا في موضوع : الإصلاح الإسلامي في تعدد الزوجات ما يأتي :
قال تعالى : { وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم ذلك أدنى ألا تعدلوا } ( النساء 3 ) .
العول : الجور ، أي ذلك الاقتصار على امرأة واحدة أو ملك اليمين أقرب الوسائل لعدم وقوعكم في الجور والظلم المانع من تعدد الزوجات لمن خاف الوقوع فيه .
والآية تدل على تحريم التعدد على من يخاف على نفسه ظلم زوجة محاباة لأخرى ، وتفضيلا لها عليها وعلى تحريمه بالأولى إذا كان عازما على هذا الظلم بان كان يريد أن يضارها لكرهه لها ، ثم قال في الآية 129 من سورة النساء أيضا { ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم } . فإذا قرنت هذه القضية بقضية { فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة } . أنتجتا وجوب الاقتصار على امرأة واحدة ولكنه قال بعدها : { فلا تميلوا كل الميل فتدورها كالملعقة } .
فعلم به ان غير المستطاع هو العدل في الحب وأثره من ميل النفس ، فيجب ضبط النفس في أثره ، وما يترتب عليه من المعاملة المستطاعة ، في النفقة والمبيت وغيرها ، وهو العدل المشروط في الأولى .
الأولى : أن الإسلام لم يوجب تعدد الزوجات ، ولم يندب إليه ، وإنما ذكره بما يدل على أنه يسلم فاعله من الظلم المحرم ، وحكمة هذا وفائدته أن يتروى فيه الرجل الذي تطالبه نفسه به ، ويحاسبها على قصده وعزمه ، وما يكون من مستقبل أمره في العدل الواجب .
الثانية : أنه لم يحرمه تحريما قطعيا لا هوادة فيه : لما في طبيعة الرجال وعاداتهم الراسخة بالوراثة في جميع العالم من عدم اقتصارهم في الغالب على التمتع بامرأة واحدة من حاجة بعضهم إلى النسل في حال عقم المرأة او كبرها أو علة أخرى مانعة من الحمل ومن كثرة النساء في بعض الأزمنة والأمكنة ولاسيما أعقاب الحرب بحيث تكون الألوف الكثيرة منهن ، أيامى لا يجدن رجالا يحصنوهن وينفقون عليهن مع وجود الأقوياء الأغنياء القادرين على إحصان امرأتين أو أكثر .
الثالثة : أنه لهذا وذلك تركه مباحا ، إلا انه قيده بالعدد فلا يتجاوز أربعة وبالقدرة على العدل والرغبة فيه ، وبهذه الشروط نتقي ضرره ونرجو خيره .
وقد رأينا وسمعنا بآذاننا من أهل عصرنا ، أن من المتدينين المتقين رجلا لم يرزق ولدا من زوجته الأولى ، فخطب زوجة ثانية رزق منها أولادا وعاش الجميع كعيشة الأخوات في حجر والدهن وقد كان هذا هو أكثر حال المسلمين ، في قرون الإسلام الأولى ، ولكنه قل في هذا الزمن بما طرأ على أكثر الشعوب الإسلامية من الجهل بالإسلام ، وبحكمه وآدابه في الزواج . وقد حمل شيخنا الأستاذ الإمام محمد عبده في سياق تفسيره للآية في الأزهر ، وحملة منكرة شديدة على هذه المفسدة في مصر ، وقرر أنه يستحيل تربية الأمة تربية صحيحة ، مع كثرة هذا التعدد الإفسادي ، الذي صار يجب منعه عملا بقاعدة " لا ضرر ولا ضرار " الثابتة في الحديث18 وقاعدة تقديم درء المفاسد على جلب المصالح ، وهي متفق عليها وقد نشرنا أنه أفتى فتوى غير رسمية بأن للحكومة منع التعدد لغير ضرورة مبيحة لا مفسدة فيها19 .
قام المستشار محمد الدجوي ببحث عن الحالة المدنية لمن تولى مشيخة الأزهر من سنة 1798 إلى سنة 1960 م .
وأسفر البحث عن أولئك المشايخ الأجلاء ، وعدتهم بضعة عشر شيخا ، لم يتزوج واحد منهم بزوجة ثانية بل اقتصروا على زوجة واحدة ، وذلك لانهم فهموا أحكام الدين ووعوا تعاليمه وتشربوا بروحه .
يرى الدكتور محمد عبد الله دراز أن أوروبا أباحت تعدد الخليلات والعشيقات ، ثم أباحت للإنسان أن يعترف بنسب أولاده من عشيقته ، فهم تفادوا اسم الزوجة فقط .
ولكن الإسلام حارب اتخاذ الأخدان والخليلات فقال سبحانه : { محصنات غير مسافحات ولا متخذات أخدان } . النساء 25 ) .
وقال عز شأنه : { محصنين غير مسافحين } ( النساء 24 ) .
ذهب فريق من العلماء إلى ان التعدد مباح لا يتوقف جوازه على شيء وراء أمن العدل وعدم الخوف من الجور والقدرة على القيام بواجبات الأسرة القديمة والجديدة ومن هؤلاء العلماء الأستاذ الشيخ محمود شلتوت ، والأستاذ أحمد شاكر ، والأستاذ علي عبد الواحد وافي ، والدكتور محمد بلتاجي .
ومن العلماء من يرى أن الأصل في الزواج الاقتصار على زوجة واحدة تتحقق بها المودة والرحمة ، ويباح التعدد عند الضرورة مثل عقم الزوجة أو مرضها مرضا شديدا يمنعها من أداء وظيفتها ، ويمكن أن يفهم هذا الرأي من كلام الشيخ محمد عبده والسيد رشيد رضا والشيخ محمد المدني .
ومن العلماء من يرى ان يكون تعدد الزوجات بإذن القاضي ، ومنهم من يرى ترك الناس إلى ضمائرهم ودينهم مع العناية بالتربية الدينية وإرشاد الناس إلى أدب الإسلام .
قوله تعالى : { وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع } . اختلفوا في تأويلهم ، فقال بعضهم : معناه إن خفتم يا أولياء اليتامى أن لا تعدلوا فيهن إذا نكحتموهن فانكحوا غيرهن من الغرائب مثنى وثلاث ورباع .
أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي ، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي ، أنا محمد بن يوسف ، أنا محمد بن إسماعيل ، أنا أبو اليمان ، أنا شعيب ، عن الزهري قال : كان عروة بن الزبير يحدث أنه سأل عائشة رضي الله عنها { وإن خفتم أن لا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء } . قالت : هي اليتيمة تكون في حجر وليها فيرغب في جمالها ومالها ويريد أن يتزوجها بأدنى من سنة نسائها ، فنهوا عن نكاحهن إلا أن يقسطوا لهن في إكمال الصداق ، وأمروا بنكاح من سواهن من النساء ، قالت عائشة رضي الله عنها : ثم استفتى الناس رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى : { ويستفتونك في النساء قل الله يفتيكم فيهن } . إلى قوله تعالى : { وترغبون أن تنكحوهن } فبين الله تعالى في هذه الآية أن اليتيمة إذا كانت ذات جمال أو مال رغبوا في نكاحها ولم يلحقوها بسنتها بإكمال الصداق ، وإذا كانت مرغوبة عنها في قلة المال والجمال تركوها والتمسوا غيرها من النساء ، قال : فكما يتركونها حين يرغبون عنها فليس لهم أن ينكحوها إذا رغبوا فيها ، إلا أن يقسطوا لها الأوفى من الصداق ويعطوها حقها .
قال الحسن : كان الرجل من أهل المدينة يكون عنده الأيتام وفيهن من يحل له نكاحها فيتزوجها لأجل مالها وهي لا تعجبه كراهية أن يدخل غريب فيشاركه في مالها ثم يسيء صحبتها ويتربص بها أن تموت ويرثها فعاب الله تعالى ذلك وأنزل الله هذه الآية .
وقال عكرمة : كان الرجل من قريش يتزوج العشر من النساء والأكثر إذا صار معدماً من مؤن نسائه مال إلى يتيمته التي في حجره فأنفقه فقيل لهم : لا تزيدوا على أربع حتى لا يحوجكم إلى أخذ أموال اليتامى ، وهذه رواية طاوس عن ابن عباس رضي الله عنهما .
وقال بعضهم : كانوا يتحرجون عن أموال اليتامى ويترخصون في النساء فيتزوجون ما شاءوا وربما عدلوا وربما لم يعدلوا فلما أنزل الله تعالى في أموال اليتامى { وآتوا اليتامى أموالهم } أنزل هذه الآية { وإن خفتم أن لا تقسطوا في اليتامى } يقول : كما خفتم أن لا تقسطوا في اليتامى فكذلك خافوا في النساء أن لا تعدلوا فيهن فلا تتزوجوا أكثر مما يمكنكم القيام بحقوقهن ، لأن النساء في الضعف كاليتامى ، وهذا قول سعيد بن جبير وقتادة والضحاك والسدي : ثم رخص في نكاح أربع فقال : { فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع فإن خفتم أن لا تعدلوا فواحدة } . .
وقال مجاهد : معناه إن تحرجتم من ولاية اليتامى وأموالهم إيماناً فكذلك تحرجوا من الزنا فانكحوا النساء الحلال نكاحاً طيباً ، ثم بين لهم عدداً ، وكانوا يتزوجون ماشاءوا من غير عدد ، فنزل قوله تعالى { فانكحوا ما طاب لكم من النساء } أي : من طاب ، كقوله تعالى : { والسماء وما بناها } وقوله تعالى : { قال فرعون وما رب العالمين } والعرب تضع " من وما " كل واحدة موضع الأخرى كقوله تعالى { فمنهم من يمشي على بطنه ومنهم من يمشي على رجلين } " وطاب " أي : حل لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع ، معدولات عن اثنين وثلاث ، وأربع ، ولذلك لا ينصرفن ، " الواو " بمعنى " أو " للتخيير ، كقوله تعالى { أن تقوموا لله مثنى وفرادى } وقوله تعالى : { أولي أجنحة مثنى وثلاث ورباع } وهذا إجماع أن أحداً من الأمة لا يجوز له أن يزيد على أربع نسوة ، وكانت الزيادة من خصائص النبي صلى الله عليه وسلم ، لا مشاركة معه لأحد من الأمة فيها . وروي أن قيس بن الحارث كان تحته ثمان نسوة فلما نزلت هذه الآية قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( طلق أربعاً وأمسك أربعاً ) فجعل يقول للمرأة التي لم تلد ، يا فلانة أدبري والتي قد ولدت يا فلانة أقبلي ، وروي أن غيلان بن سلمة الثقفي أسلم وعنده عشرة نسوة فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : ( أمسك أربعاً وفارق سائرهن ) . وإذا جمع الحر بين أربع نسوة حرائر فإنه يجوز ، فأما العبد فلا يجوز له أن ينكح أكثر من امرأتين عند أكثر أهل العلم ، لما أخبرنا عبد الوهاب بن أحمد الخطيب أنا عبد العزيز أحمد الخلال أنا أبو العباس الأصم أنا الربيع أنا الشافعي أنا سفيان عن محمد بن عبد الرحمن مولى أبي طلحة عن سليمان بن يسار عن عبد الله بن عتبة عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال : ينكح العبد امرأتين ، ويطلق تطلقتين ، وتعتد الأمة بحيضتين ، فإن لم تكن تحيض فبشهرين ، أو شهر ونصف ، وقال ربيعة : يجوز للعبد أن ينكح أربع نسوة كالحر .
قوله تعالى : { فإن خفتم } . خشيتم ، وقيل : علمتم .
قوله تعالى : { أن لا تعدلوا } . بين الأزواج الأربع .
قوله تعالى : { فواحدة } . أي فانكحوا واحدةً ، وقرأ أبو جعفر{ فواحدة } بالرفع .
قوله تعالى : { أو ما ملكت أيمانكم } . يعني السراري ، لا يلزم فيهن من الحقوق ما يلزم في الحرائر ، ولا قسم لهن ، ولا وقف في عددهن ، وذكر الأيمان بيان ، تقديره : أو ما ملكتم ، وقال بعض أهل المعاني : أو ما ملكت أيمانكم أي : ما ينفذ فيه أقسامكم ، جعله من يمين الحلف ، لا يمين الجارحة .
قوله تعالى : { ذلك أدنى } . أقرب .
قوله تعالى : { أن لا تعولوا } . أي : لا تجوروا ولا تميلوا ، يقال : ميزان عائل ، أي : جائر مائل ، هذا قول أكثر المفسرين ، وقال مجاهد : أن لا تضلوا ، وقال الفراء : أن لا تجاوزوا ما فرض الله عليكم ، وأصل العول : المجاوزة ، ومنه عول الفرائض ، وقال الشافعي رحمه الله ، أن لا تكثر عيالكم ، وما قاله أحد إنما يقال ، أعال يعيل إعالة ، إذا كثر عياله ، وقال أبو حاتم : كان الشافعي رضي الله عنه أعلم بلسان العرب منا فلعله لغة ويقال : هي لغة حمير ، وقرأ طلحة بن مصرف { أن لا تعيلوا } وهي حجة لقول الشافعي رضوان الله عليه .