تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَعۡبُدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ حَرۡفٖۖ فَإِنۡ أَصَابَهُۥ خَيۡرٌ ٱطۡمَأَنَّ بِهِۦۖ وَإِنۡ أَصَابَتۡهُ فِتۡنَةٌ ٱنقَلَبَ عَلَىٰ وَجۡهِهِۦ خَسِرَ ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةَۚ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلۡخُسۡرَانُ ٱلۡمُبِينُ} (11)

{ وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ ( 11 ) يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُ وَمَا لَا يَنفَعُهُ ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ ( 12 ) يَدْعُو لَمَن ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِن نَّفْعِهِ لَبِئْسَ الْمَوْلَى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ ( 13 ) } .

11

التفسير :

11 - وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ .

على حرف : على طرف لا ثبات له فيه .

خير : سعة في المال وكثرة في الولد .

فتنة : بلاء ومحنة في نفسه أو أهله أو ماله ، فعله : فتنه يفتنه فتنة : أي : اختبره وعذبه .

انقلب على وجهه : ارتد وكفر ، وهو من الكنايات .

خسر الدنيا والآخرة : ضيعهما ، إذ فاته فيهما ما يسره .

ومن الناس من يعبد الله متشككا متخوفا من الإسلام ، فهو أشبه بالجندي الذي يكون في طرف الجيش ، إذا أصابت الجيش هزيمة كان أول الفارين ، وإذا أحرز الجيش نصرا ، انضم إليه وأكد تمسكه بالاستمرار معه .

فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ .

روى القرطبي عن ابن عباس قال :

كان الرجل يقدم المدينة فإن ولدت امرأته غلاما ، وأنتجت خيله ، قال : هذا دين صالح ، وإن لم تلد امرأته ، ولم تنتج خيله قال : هذا دين سوء . وقد أخرجه البخاري في صحيحه ، وورد ذلك في مختصر تفسير ابن كثير .

فهو رجل نفعي كأنما العقيدة عنده سلعة ، تعرض في حساب الربح والخسارة ، فإذا استفاد مغنما من الدنيا ، ثبت على إسلامه ، وإذا امتحنه الله في ماله أو ولده أو نفسه : انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ . أي ارتد عن الدين وعاد إلى الكفر ، وهي كناية تصور هذا الإنسان كالفار من الميدان ، قد ولى وانتكس ، وارتد بوجهه مدبرا وعاد من حيث جاء .

خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ .

فلم يربح غنيمة ولا نصرا ، ولا تفوقا في قتال عدو ، أو جهاد نفس ، بل عاد من حيث أتى ، فدخل في الإيمان قليلا ثم انهزم وارتد ، فخسر موقعه في الدنيا ، وخسر أيضا ثوابه في الآخرة ، لأن الله يعطي الجزاء للمخلصين الصادقين ، وهو فاسد العقيدة ، يتظاهر بالإسلام ، وقلبه غير راسخ في دين الله .

ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ .

هذا هو الخسران الواضح الذي لا خسران مثله .

قال ابن كثير : هذه هي الخسارة العظيمة والصفقة الخاسرة .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَعۡبُدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ حَرۡفٖۖ فَإِنۡ أَصَابَهُۥ خَيۡرٌ ٱطۡمَأَنَّ بِهِۦۖ وَإِنۡ أَصَابَتۡهُ فِتۡنَةٌ ٱنقَلَبَ عَلَىٰ وَجۡهِهِۦ خَسِرَ ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةَۚ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلۡخُسۡرَانُ ٱلۡمُبِينُ} (11)

ولما بين قسمي المصارحين بالكفر الكثيف والأكثف صريحاً . وأفهم المؤمن المخلص ، عطف على ذلك المذبذب فقال : { ومن الناس } ولذلك عبر بالناس الذي مدلوله الاضطراب والتردد دون أن يضمر { من يعبد الله } أي يعمل على سبيل الاستمرار والتجدد بما أمر به الإله الأعظم من طاعته { على حرف } فهو مزلزل كزلزلة من يكون على حرف شفير أو جبل أو غيره ، لا استقرار له ، وكالذي على طرف من العسكر ، فإن رأى غنيمة قر ، وإن توهم خوفاً طار وفر ، وذلك معنى قوله : { فإن أصابه خير } أي من الدنيا { اطمأن به } أي بسببه ، وثبت على ما هو عليه { وإن أصابته فتنة } أي مصبية ولو قلت - بما يشير إليه التأنيث - في جسده أو معيشته يختبر بها ويظهر خبأه للناس { انقلب على وجهه } لتهيئه للانقلاب بكونه على شفا جرف فسقط عن ذلك الطرف من الدين سقوطاً لا رجوع له بعده إليه ولا حركة له معه ، فإن الإنسان مطبوع على المدافعة بكل عضو من أعضائه عن وجهه فلا يمكن منه إلا بعد نهاية العجز ، والمعنى أنه رجع إلى الوجه الذي كان عليه من الكفر أو الشك رجوعاً متمكناً ، وهذا بخلاف الراسخ في إيمانه ، فإنه إن أصابته سراء شكر ، وإن أصابته ضراء حمد وصبر ، فكل قضاء الله له خير .

ولما كان انقلاب هذا مفسداً لآخرته بما ناله من الوزر ، وغير نافع له في استدراك ما فاته من الدنيا ، كانت فذلكة ذلك قوله : { خسر الدنيا } أي بسبب أن ذلك لا يرد ما فاته منها ويكون سبب التقتير عليه وذهاب بركته

{ ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليهم من ربهم لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم }[ المائدة : 66 ] " إن الرجل ليحرم الرزق بالذنب يصيبه " { والآخرة } بفوات أجر الصبر وحصول إثم الجزع : ثم عظم مصيبته بقوله : { ذلك } أي الأمر العظيم { هو } أي لا غير { الخسران المبين* } ورى البخاري في التفسير عن ابن عباس رضي الله عنهما في هذه الآية قال : كان الرجل يقدم المدينة ، فإن ولدت امرأته غلاماً ونتجت خيله قال : هذا دين صالح ، وإن لم تلد امرأته ولم تنتج خيله قال : هذا دين سوء

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَعۡبُدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ حَرۡفٖۖ فَإِنۡ أَصَابَهُۥ خَيۡرٌ ٱطۡمَأَنَّ بِهِۦۖ وَإِنۡ أَصَابَتۡهُ فِتۡنَةٌ ٱنقَلَبَ عَلَىٰ وَجۡهِهِۦ خَسِرَ ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةَۚ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلۡخُسۡرَانُ ٱلۡمُبِينُ} (11)

قوله تعالى : { ومن الناس من يعبد الله على حرف فإن أصابه خير اطمأن به وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه خسر الدنيا والآخرة ذلك هو الخسران المبين ( 11 ) يدعوا من دون الله ما لا يضره وما لا ينفعه ذلك هو الضلال البعيد ( 12 ) يدعوا لمن ضره أقرب من نفعه لبئس المولى ولبئس العشير ( 13 ) } في سبب نزول هذه الآيات أخرج البخاري عن ابن عباس قال : كان الرجل يقدم المدينة ، فإن ولدت امرأته غلاما ونتجت خيله قال : هذا دين صالح . وإن لم تلد امرأته ولم تنتج خيله قال : هذا دين سوء . وعن ابن عباس كلك قال : كان ناس من الأعراب يأتون النبي ( ص ) فيسلمون فإذا رجعوا إلى بلادهم فإن وجدوا عام غيث ، وعام خصب ، وعام ولاد حسن قالوا : إن ديننا هذا لصالح فتمسكوا به . وإن وجدوا عام جدوبة وعام ولاد سوء وعام قحط قالوا : ما في ديننا هذا خير ، فأنزل الله على نبيه ( ومن الناس من يعبد الله على حرف ) الآية{[3080]} وحرف كل شيء ، طرفه وشفيره وحده{[3081]} أي يعبد الله على شك واضطراب . أو على طرف من الدين لا في وسطه وقلبه فلا ثبات له فيه ، كالذي يكون على طرف الجيش فإن أحس بظفر ثبت واستقر ، وإلا تولى نافرا وأدبر .

قوله : ( فإن أصابه خير اطمأن به ) ذلك تبيين لعبادة الله على حرف . فشأن الذي يعبد الله على حرف ، أنه إن أصابته نعمة ورخاء وبسطة في العيش ، رضي واطمأن بدينه وقرّ عليه ( وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه خسر الدنيا والآخرة ) أي إن أصابه بلاء من فساد الصحة ، وذهاب المال أو الولد أو غير ذلك من وجوه المصائب ؛ فإنه ينتكس مرتدا ليعود في الكفر فيحبط عمله ويبوء بالخسران الأكبر وهو خُسران الدنيا بتعس الحظ وسوء الذكر وقبيح السيرة ، وخسران الآخرة حيث العقاب الأليم .


[3080]:- تفسير ابن كثير جـ3 ص 209، وأسباب النزول للنيسابوري ص 207.
[3081]:- مختار الصحح ص 131.