تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{قُلۡ هَلۡ أُنَبِّئُكُم بِشَرّٖ مِّن ذَٰلِكَ مَثُوبَةً عِندَ ٱللَّهِۚ مَن لَّعَنَهُ ٱللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيۡهِ وَجَعَلَ مِنۡهُمُ ٱلۡقِرَدَةَ وَٱلۡخَنَازِيرَ وَعَبَدَ ٱلطَّـٰغُوتَۚ أُوْلَـٰٓئِكَ شَرّٞ مَّكَانٗا وَأَضَلُّ عَن سَوَآءِ ٱلسَّبِيلِ} (60)

المفردات :

الطاغوت : رأس الضلال . وقيل : الشيطان ، أو كل معبود من دون الله .

مثوبة : المثوبة والثواب ؛ الجزاء على الأعمال خيرها ، وشرها ، وكثر استعماله في الخير .

التفسير :

60- قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُم بِشَرٍّ مِّن ذَلِكَ مَثُوبَةً عِندَ اللّهِ مَن لَّعَنَهُ اللّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ . . الآية .

بين سبحانه لرسوله أن هناك قوما فيهم من العيب ما هو أولى بالعيب ، وهو ما هم عليه من الكفر الموجب للعن الله وغضبه ومسخه {[279]} .

والمعنى :

قل لهم يا محمد على سبيل التبكيت والتنبيه على ضلالهم : هل أخبركم أيها اليهود ، بمن هم شر وأسوأ من أهل ذلك الدين عقوبة عند الله يوم القيامة ؟ !

هم أولئك الذين طردهم الله من رحمته ، وأبعدهم عن رضوانه وحل عليهم سخطه ، وهم :

مَن لَّعَنَهُ اللّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ . أي : وجعل منهم من يشبه القردة في التقليد الأعمى ، والخنازير في الانغماس في كل ما هو قذر .

وكذلك جعل منهم الذين عبدوا الكهنة ورؤساء الضلال .

وفي المراد بالطاغوت هنا قولان :

أحدهما : الأصنام .

والثاني : الشيطان .

وفي القرطبي وابن كثير ، وابن الجوزي عشرون قراءة في كلمة وعبد الطاغوت وفيها وجهان . أحدهما : أن المعنى : وجعل منهم القردة والخنازير ومن عبد الطاغوت .

والثاني : أن المعنى : من لعنه الله وعبد الطاغوت . أي : خدم الطاغوت وأطاع الظلم والباطل والفساد . والآية وردت على سبيل المشاكلة والمجاورة لتفكير اليهود الفاسد وزعمهم الباطل .

فكأنه سبحانه يقول لنبيه :

إن هؤلاء يا محمد ينكرون عليكم إيمانكم بالله وبالكتب السماوية ويعتبرون ذلك شرا ، قل لهم : لئن كنتم تعيبون علينا إيماننا وتعتبرونه شرا لا خير فيه فشر منه عاقبة ومآلا ما انتم عليه من لعن وطرد من رحمة الله ، وما أصاب أسلافهم من مسخ بعضهم قردة ، وبعضهم خنازير . وما عرف عنكم من عبادة لغير الله . . وشبيه بهذه الآية في مجاراة الخصم قوله تعالى : وَإِنَّا وْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ . ( سبأ : 24 )

أُوْلَئِكَ شَرٌّ مَّكَاناً . أي : هؤلاء الموغلون في الاتصاف بتلك القبائح والخبائث التي أوقعتهم في سوء المصير . هم في شر المكانة وأحط المقام في الدنيا والآخرة .

وَأَضَلُّ عَن سَوَاء السَّبِيلِ . أي : وهم أكثر ضلالا عن طريق الحق المستقيم من سواهم ، فهم في الدنيا يشركون بالله وينتهكون محارمه وفي الآخرة مأواهم النار وبئس القرار .


[279]:تفسير الشوكاني (فتح القدير).
 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{قُلۡ هَلۡ أُنَبِّئُكُم بِشَرّٖ مِّن ذَٰلِكَ مَثُوبَةً عِندَ ٱللَّهِۚ مَن لَّعَنَهُ ٱللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيۡهِ وَجَعَلَ مِنۡهُمُ ٱلۡقِرَدَةَ وَٱلۡخَنَازِيرَ وَعَبَدَ ٱلطَّـٰغُوتَۚ أُوْلَـٰٓئِكَ شَرّٞ مَّكَانٗا وَأَضَلُّ عَن سَوَآءِ ٱلسَّبِيلِ} (60)

قوله تعالى : " قل هل أنبئكم بشر من ذلك " أي بشر من نقمكم علينا . وقيل : بشر ما تريدون لنا من المكروه ، وهذا جواب قولهم : ما نعرف دينا شرا من دينكم . " مثوبة " نصب على البيان وأصلها مفعولة ، فألقيت حركة الواو على الثاء فسكنت الواو وبعدها واو ساكنة فحذفت إحداهما لذلك ؛ ومثله مقولة ومجوزة ومضوفة على معنى المصدر ، كما قال الشاعر{[5750]} :

وكنت إذا جاري دعا لمَضُوفَةٍ *** أشَمِّرُ حتى يَنْصُفَ السَّاقَ مئزري

وقيل : مَفْعُلة كقولك مكرمة ومعقلة . " من لعنه الله " " من " في موضع رفع ؛ كما قال : " بشر من ذلكم النار{[5751]} " [ الحج : 72 ] والتقدير : هو لعن من لعنه الله ، ويجوز أن يكون في موضع نصب بمعنى : قل هل أنبئكم بشر من ذلك من لعنه الله ، ويجوز أن تكون في موضع خفض على البدل من شر والتقدير : هل أنبئكم بمن لعنه الله ، والمراد اليهود . وقد تقدم القول في الطاغوت{[5752]} ، أي وجعل منهم من عبد الطاغوت ، والموصول محذوف عند الفراء . وقال البصريون : لا يجوز حذف الموصول ، والمعنى من لعنه الله وعبد الطاغوت . وقرأ ابن وثاب النخعي " وأنبئكم " بالتخفيف . وقرأ حمزة : " عبد الطاغوت " بضم الباء وكسر التاء ، جعله اسما على فعل كعضد فهو بناء للمبالغة والكثرة كيقظ وندس{[5753]} وحذر ، وأصله الصفة ؛ ومنه قول النابغة{[5754]} :

من وحش وَجْرَةَ مَوْشِيّ أكارعُه *** طَاوِي المَصِيرِ كَسَيْفِ الصَّيْقل الفَردِ

بضم الراء ونصبه ب " جعل " ؛ أي جعل منم عبدا للطاغوت ، وأضاف عبد إلى الطاغوت فخفضه . وجعل بمعنى خلق ، والمعنى وجعل منهم من يبالغ في عبادة الطاغوت . وقرأ الباقون بفتح الباء والتاء ، وجعلوه فعلا ماضيا ، وعطفوه على فعل ماضي وهو غضب ولعن ، والمعنى عندهم من لعنه الله ومن عبد الطاغوت ، أو منصوبا ب " جعل " ؛ أي جعل منهم القردة والخنازير وعبد الطاغوت . ووحد الضمير في عبد حملا على لفظ " من " دون معناها . وقرأ أُبي وابن مسعود " وعبدوا الطاغوت " على المعنى . ابن عباس : " وعبد الطاغوت " ، فيجوز أن يكون جمع عبد كما يقال : رهن ورهن ، وسقف وسقف ، ويجوز أن يكون جمع عباد كما يقال : مثال ومثل ، ويجوز أن يكون جمع عبد كرغيف ورعف ، ويجوز أن يكون جمع عادل كبازل وبزل ؛ والمعنى : وخدم الطاغوت . وعند ابن عباس أيضا " وعبد الطاغوت " {[5755]} جعله جمع عابد كما يقال شاهد وشهد وغايب وغيب . وعن أبي واقد : وعباد الطاغوت للمبالغة ، جمع عابد أيضا ، كعامل وعمال ، وضارب وضراب . وذكر محبوب أن البصريين قرؤوا : ( وعباد الطاغوت ) جمع عابد أيضا ، كقائم وقيام ، ويجوز أن يكون جمع عبد . وقرأ أبو جعفر الرؤاسي{[5756]} ( وعبد الطاغوت ) على المفعول ، والتقدير : وعبد الطاغوت فيهم . وقرأ عون العقيلي وابن بريدة{[5757]} : ( وعابد الطاغوت ) على التوحيد ، وهو يؤدي عن جماعة . وقرأ ابن مسعود أيضا ( وعبد{[5758]} الطاغوت ) وعنه أيضا وأبي{[5759]} ( وعبدت الطاغوت ) على تأنيث الجماعة ؛ كما قال تعالى : ( قالت الأعراب ){[5760]} [ الحجرات : 14 ] وقرأ عبيد بن عمير : ( وأعبد الطاغوت ) مثل كلب وأكلب . فهذه اثنا عشر وجها .

قوله تعالى : " أولئك شر مكانا " لأن مكانهم النار ؛ وأما المؤمنون فلا شر في مكانهم . وقال الزجاج : أولئك شر مكانا على قولكم . النحاس : ومن أحسن ما قيل فيه : أولئك الذين لعنهم الله شر مكانا في الآخرة من مكانكم في الدنيا لما لحقكم من الشر . وقيل : أولئك الذين لعنهم الله شر مكانا من الذين نقموا عليكم . وقيل : أولئك الذين نقموا عليكم شر مكانا من الذين لعنهم الله . ولما نزلت هذه الآية قال المسلمون لهم : يا إخوة القردة والخنازير فنكسوا رؤوسهم افتضاحا ، وفيهم يقول الشاعر :

فلعنةُ الله على اليهودِ *** إن اليهودَ إخوةُ القُرُودِ


[5750]:هو: أبو جندب الهزلي. والمضوفة: الأمر يشق منه ويخاف.
[5751]:راجع ج 12 ص 95.
[5752]:راجع ج 3 ص 281 وما بعدها.
[5753]:الندس (بفتح فضم أو فتح فكسر): الفهم الكيس.
[5754]:هو الذبياني، ووجرة: موضع بين مكة والبصرة، قال الأصمعي: هي أربعون ميلا ليس فيها منزل، فهي مرت للوحش. والوشي في ألوان البهائم بياض في سواد أو سواد في بياض – طاوي: ضامر. المصير: المصران. والصيقل: شحاذ السيوف وجلاؤها. والفرد والفرد (بفتح الراء وضمها): أي هو منقطع القرين لا مثيل له في جودته.
[5755]:قال ابن عطية: وهذه القراءة تتخرج على أنه أراد و "عبدا" منونا ثم حذف للاتقاء. كما قال: "ولا ذاكرا لله".
[5756]:راجع هامش ج 4 ص 1 في ضبط "الرؤاسي".
[5757]:في ابن عطية والشواذ قراءة ابن بريدة (بفتح الدال) و (ضم الدال) قراءة العقيلي ولعله يقرأ كالعقيلي في رواية أخرى عنه.
[5758]:قال ابن عطية: (بضم العين وفتح الباء والدال وكسر التاء) اسم مفرد يراد به الجمع كحطم ولبد.
[5759]:من ج و ك و ع و ز.
[5760]:راجع ج 16 ص 348.