الكشف والبيان في تفسير القرآن للثعلبي - الثعلبي  
{قُلۡ هَلۡ أُنَبِّئُكُم بِشَرّٖ مِّن ذَٰلِكَ مَثُوبَةً عِندَ ٱللَّهِۚ مَن لَّعَنَهُ ٱللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيۡهِ وَجَعَلَ مِنۡهُمُ ٱلۡقِرَدَةَ وَٱلۡخَنَازِيرَ وَعَبَدَ ٱلطَّـٰغُوتَۚ أُوْلَـٰٓئِكَ شَرّٞ مَّكَانٗا وَأَضَلُّ عَن سَوَآءِ ٱلسَّبِيلِ} (60)

ثم قال : قل يا محمد { هَلْ أُنَبِّئُكُمْ } أخبركم { بِشَرٍّ مِّن ذلِكَ } الذين ذكرت يعني قولهم لم نر أهل دين أولى حظاً في الدنيا والآخرة منكم فذكر الجواب بلفظ الابتداء وإن لم يكن الابتداء شراً كقوله تعالى للكفّار

{ قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُم بِشَرٍّ مِّن ذلِكُمُ النَّارُ وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ } [ الحج : 72 ] { مَثُوبَةً عِندَ اللَّهِ } ثواباً وجزاءاً وهو نصب على التفسير كقوله أكثر منك مالاً وأعز نفراً وأصلها مثووبة على وزن مفعوله وقد جاءت مصادر على وزن المفعول نحو المفعول والميسور فأسقط عين الفعل استثقالا على الواو ونقلت حركتها إلى فاء الفعل وهي الثاء فصار مثوبة مثل معونة ومغوثة ومقولة { مَن لَّعَنَهُ اللَّهُ } ويجوز أن يكون محل من خفضاً على البدل ومن قوله بشر أو على معنى لمن يلعنه اللّه ويجوز أن يكون رفعاً على إضمار هو .

ويجوز أن يكون نصباً على إيقاع أُنبئكم عليه { وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ } فالقردة : أصحاب السبت . والخنازير : كفّار أهل مائدة عيسى .

وروى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس : إن المسخين كلاهما من أصحاب نقبائهم مسخوا قردة ومشايخهم مسخوا خنازير ، { وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ } فيه عشر قراءات ، وعبد الطاغوت بفتح الباء والعين والتاء على الفعل وهي قراءة العامة ، وجعل منهم من عبد الطاغوت ، وتصديقها قراءة ابن مسعود ومن عبد والطاغوت .

وقرأ ابن وثاب وحمزة . عَبُدِ الطاغوت بفتح العين وضم الباء وكسر الدال آباد العبد وهما لغتان عَبدْ وعَبُد مثل سبْع وسبُع وقرْد وقرُد .

وأنشد حمزة في ذلك : كيف الصقيل القرد ، بضم الراء ووجه آخر وهو إنه أراد الجمع أي خدم الطاغوت . فجمع العبد عباد ثم جمع العباد عبداً جمع الجمع مثل ثمار وثمر منهم استقبل الضمّتين المتواليتين فعرض من الأولى فتحه ولذلك في قراءة الأعمش وعبد الطاغوت بضم العين والتاء وكسر الدال .

قال الشاعر :

إنسب العبد إلى آبائه *** أسود الجلدة من قوم عبد

وذكر عن أبي جعفر القاري : إنه قرأ وعبد الطاغوت على الفعل المجهول ، وقرأ الحسن : وعبد الطاغوت على الواحد .

قرأ أبو بردة الأسلمي : وعابد الطاغوت [ باختلاف ] على الواحد .

وقرأ ابن عباس : وعبيد الطاغوت بالجمع ، وقرأ أبو واقد الليثي : وعباد الطاغوت مثل كافر وكفار ، وقرأ عون العقيلي وأبان بن ثعلب : وعبد الطاغوت مثل ركع وسجد . وقرأا بن عمير : واعبد الطاغوت مثل كلب وأكلب { أُوْلَئِكَ شَرٌّ مَّكَاناً وَأَضَلُّ عَن سَوَآءِ السَّبِيلِ } فلما نزلت هذه الآية تنذّر اليهود وقالوا إخوان القردة والخنازير فسكتوا وأُفحموا ، وفيهم يقول الشاعر :

فلعنة اللّه على اليهود *** إن اليهود إخوة القرود