تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{أَتَىٰٓ أَمۡرُ ٱللَّهِ فَلَا تَسۡتَعۡجِلُوهُۚ سُبۡحَٰنَهُۥ وَتَعَٰلَىٰ عَمَّا يُشۡرِكُونَ} (1)

مقدمة السورة:

دروس من سورة النحل

عرض إجمالي للسورة :

سورة النحل سورة مكية ، وعدد آياتها " 128 " آية ، وهي سورة هادئة الإيقاع ، عادية الجرس ، ولكنها مليئة حافلة ، موضوعاتها الرئيسة كثيرة منوعة ، والإطار التي تعرض فيه واسع شامل .

وهي كسائر السور المكية تعالج موضوعات العقيدة الكبرى : الألوهية ، والوحي والبعث ، ولكنها تلم بموضوعات جانبية أخرى تتعلق بتلك الموضوعات الرئيسة ، تلم بحقيقة الوحدانية الكبرى التي تصل بين دين إبراهيم عليه السلام ، ودين محمد صلى الله عليه وسلم ، وتلم بحقيقة الإرادة الإلهية والإرادة البشرية فيما يختص بالإيمان والكفر والهدى والضلال ، وتلم بوظيفة الرسل ، وسنة الله في المكذبين لهم ، وتلم بموضوع التحليل والتحريم ، وأوهام الوثنية حول هذا الموضوع ، وتلم بالهجرة في سبيل الله ، وفتنة المسلمين في دينهم ، والكفر بعد الإيمان وجزاء هذا كله عند الله ثم تضيف إلى موضوعات العقيدة موضوعات المعاملة : العدل والإحسان ، والإنفاق والوفاء بالعهد ، وغيرها من موضوعات السلوك القائم على العقيدة ، وهكذا هي مليئة حافلة من ناحية الموضوعات التي تعالجها .

فأما الإطار الذي تعرض فيه هذه الموضوعات ، والمجال الذي تجرى فيه الأحادث فهو فسيح شامل . . هو السماوات والأرض ، والماء الهاطل ، والشجر النامي . . والليل والنهار ، والشمس والقمر والنجوم . والبحار والجبال والمعالم والسبل والأنهار ، وهو الدنيا بأحداثها ومصائرها ، والأخرى بأقدارها ومشاهدها ، وهو الغيب بألوانه وأعماقه في الأنفس والآفاق .

في هذا المجال الفسيح يبدو سياق السورة وكأنه حملة ضخمة للتوجيه والتأثير واستجاشة العقل والضمير ، حملة هادئة الإيقاع ، ولكنها متعددة الأوتار ، ليست في جلجلة سورة الأنعام وسورة الرعد ، ولكنها في هدوئها تخاطب كل حاسة وكل جارحة في الكيان البشري ، وتتجه إلى العقل الواعي كما تتجه إلى الوجدان الحساس إنها تخاطب العين ؛ لترى ، والأذن ؛ لتسمع ، واللمس ؛ ليستشعر ، والوجدان ؛ ليتأثر والعقل ؛ ليتدبر ، وتحشد الكون كله : سماءه وأرضه ، وشمسه وقمره ، وليله ونهاره ، وجباله وبحاره ، وفجاجه وأنهاره ، وظلاله وأكنافه ، ونبته وثماره ، وحيوانه وطيوره ، كما تحشد دنياه وآخرته ، وأسراره وغيوبه . . كلها أدوات توقع بها على أوتار الحواس والجوارح والعقول والقلوب ، مختلف الإيقاعات التي لا يغلق أمامها إلا القلب الميت ، والعقل المنكوس ، والحس المطموس .

هذه الإيقاعات تتناول التوجيه إلى آيات الله في الكون وآلائه على الناس ، كما تتناول مشاهد القيامة ، وصور الاحتضار ومصارع الغابرين ، تصاحبها اللمسات الوجدانية التي تتسرب إلى أسرار الأنفس ، وإلى أحوال البشر وهم أجنة في البطون ، وهم في الشباب والهرم والشيخوخة ، وهم في حالات الضعف والقوة ، وهم في أحوال النعمة والنقمة ، كذلك تتخذ السورة الأمثال ، والمشاهد ، والحوار ، والقصص الخفيفة ، أدوات للعرض والإيضاح .

فأما الظلال العميقة التي تلون جو السورة كله ، فهي : الآيات الكونية تتجلى فيها عظمة الخلق ، وعظمة النعمة ، وعظمة العلم والتدبير . . كلها متداخلة ، فهذا الخلق الهائل العظيم المدبر عن علم وتقدير ملحوظ فيه أن يكون نعمة على البشر لا تلبي ضروراتهم وحدها ، ولكن تلبي أشواقهم كذلك ، فتسد الضرورة ، وتتخذ للزينة ، وترتاح بها أبدانهم وتستريح لها نفوسهم ، لعلهم يشكرون ، ومن ثم تتراءى في السورة ظلال النعمة ، وظلال الشكر ، والتوجيهات إليها ؛ والتعقيب بها في مقاطع السورة وتضرب عليها الأمثال ، ونعرض لها النماذج وأظهرها نموذج إبراهيم .

{ شاكرا لأنعمه اجتباه وهداه إلى صراط مستقيم } . ( النحل : 121 ) .

كل أولئك في تناسق ملحوظ بين الصور والأفكار ، والعبارات والإيقاعات ، والقضايا والموضوعات نرجو أن نشاهده في أثناء استعراضنا لأجزاء السورة .

التوحيد في السورة

تبدأ سورة النحل بآية مشهورة تقال كثيرا عندما يحين الأجل ويقف الإنسان عاجزا أمام حوادث القدر ، يقول سبحانه : { أتى أمر الله فلا تستعجلوه سبحانه وتعالى عما يشركون } . ( النحل : 1 ) .

ومن أسباب نزول هذه الآية : أن أهل مكة كانوا يستعجلون الرسول صلى الله عليه وسلم أن يأتيهم بعذاب الدنيا أو عذاب الآخرة . وكلما امتد بهم الأجل ولم ينزل العذاب ؛ زادوا استعجالا ، وزادوا استهزاء واستهتارا ، وحسبوا أن محمدا يخوفهم بما لا وجود له ولا حقيقة ؛ ليؤمنوا له ويستسلموا ، ولم يدركوا حكمة الله في إمهالهم ورحمته في إنظارهم ولم يحاولوا تدبر آياته في الكون ، وآياته في القرآن .

نعم الله

تسترسل الآيات في سورة النحل تستعرض نعم الله سبحانه على الإنسان ؛ فتذكر خلق السماوات والأرض والإنسان ، والأنعام والنبات ، والليل والنهار ، والجبال والبحار ، والشمس والقمر والنجوم ، وهي ظواهر طبيعية ملموسة ولكننا إذا قرأنا الآيات من 3 إلى18 في سورة النحل نجد أننا أمام لوحة كونية معروضة تنتقل بالإنسان من مشهد إلى آخر وكل مشهد يدل على وحدانية الخالق ، ووحدانية المنعم . وتعرض الآيات هذه النعم فوجا فوجا ومجموعة مجموعة بادئة بخلق السماوات والأرض فيقول سبحانه : { خلق السماوات والأرض بالحق } . ( النحل : 3 ) .

فالحق قوام خلقهما والحق قوام تدبيرهما ، والحق عنصر أصيل في تصريفهما وتصريف من فيهما وما فيهما ؛ فما من شيء من ذلك كله عبث ولا جزاف ، إنما كل شيء قائم على الحق وملتبس به وسائر في النهاية إليه .

ثم تستعرض الآيات نعمة خلق الأنعام ، والأنعام المتعارف عليها في الجزيرة العربية كانت هي : الإبل ، والبقر ، والضأن ، والمعز . وقد أباح الله أكلها أما الخيل ، والبغال ، والحمير ؛ فللركوب والزينة ولا تؤكل ، ثم يجيء التعقيب على هذه النعمة يقول سبحانه : { ويخلق ما لا تعلمون } . ( النحل : 8 ) .

ليظل المجال مفتوحا في التصور البشري لتقبل أنماط جديدة من أدوات الحمل والنقل والركوب والزينة . إن الإسلام عقيدة مفتوحة مرنة قابلة لاستقبال طاقات الحياة كلها ومقدرات الحياة كلها ، ومن ثم يهيئ القرآن الأذهان لاستقبال كل ما تتمخض عنه القدرة ويتمخض عنه العلم ، ويتمخض عنه المستقبل ، استقباله بالوجدان الديني المتفتح المستعد لتلقي كل جديد في عجائب الخلق والعلم والحياة .

ولقد وجدت وسائل للحمل والنقل والركوب والزينة ، لم يكن يعلمها أهل ذلك الزمان وستجد وسائل أخرى لا يعلمها أهل هذا الزمان ، والقرآن يهيئ القلوب والأذهان بلا جمود ولا تحجر حين يقول : { ويخلق مالا تعلمون } .

والفوج الثاني من آيات الخلق والنعمة ، هو :

إنزال الماء وإنبات النبات والمرعى والزروع التي يأكل منها الإنسان مع الزيتون والنخيل والأعناب وغيرها من أشجار الثمار .

والفوج الثالث من أفواج الآيات :

تسخير الليل والنهار والشمس والقمر والنجوم ، وكلها ذات أثر حاسم في حياة الإنسان ومن شاء فليتصور نهارا بلا ليل أو ليلا بلا نهار ، ثم يتصور مع هذا حياة الإنسان والحيوان والنبات في هذه الأرض كيف تكون ، كل أولئك طرف من حكمة التدبير ، وتناسق النواميس في الكون كله . يدركه أصحاب العقول التي تتدبر وتعقل : { إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون } . ( النحل : 12 ) .

والفوج الرابع من أفواج النعمة فيما خلق الله للإنسان : { وما ذرأ لكم في الأرض مختلفا ألوانه إن في ذلك لآية لقوم يذكرون } . ( النحل : 13 ) .

امتن الله على عباده بما خلق لهم في الأرض من ألوان المنافع ، وبما أودعه فيها للبشر من مختلف المعادن التي تقوم بها حياتهم في بعض الجهات وفي بعض الأزمان ولفت أنظارهم إلى هذه الذخائر المخبوءة في الأرض ، المودوعة للناس حتى يبلغوا رشدهم يوما بعد يوم ، ويستخرجوا كنوزهم في حينها ووقت الحاجة إليها ، وكما قيل : إن كنزا منها قد نفذ أعقبه كنز آخر غنى ، من رزق الله المدخر للعباد قال تعالى : { إن في ذلك لآية لقوم يذكرون } .

ثم امتن سبحانه على عباده بالبحر المالح وما يشتمل عليه من صنوف النعم ؛ فمنها : اللحم الطري من السمك وغيره للطعام ، وإلى جواره الحلية من اللؤلؤ ومن المرجان وغيرها من الأصداف والقواقع .

ومنها : مرور السفن تمخر عباب البحر ، وتيسر المصالح وتبادل المنافع بين الناس قال تعالى : { وهو الذي سخر البحر لتأكلوا منه لحما طريا وتستخرجوا منه حلية تلبسونها وترى الفلك مواخر فيه ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون } . ( النحل : 14 ) .

وعندما ينتهي استعراض النعم يبين القرآن : أن من يخلق ليس كمن لا يخلق وأن نعم الله على الإنسان لا تعد ولا تحصى .

{ وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها } . ( النحل : 18 ) .

وحدة الألوهية

تتعرض الآيات من 22 إلى50 في سورة النحل ، لتقرير وحدة الألوهية فيقول سبحانه : { وإلهكم إله واحد } .

وكل ما سبق في السورة من آيات الخلق وآيات النعمة وآيات العلم يؤدي إلى هذه الحقيقة الكبيرة البارزة وهي : أن هذا الكون البديع المنظم لا يحفظ نظامه إلا إله واحد والذين لا يسلمون بهذه الحقيقة ؛ قلوبهم منكرة ؛ فالجحود صفة كامنة فيها ، والعلة أصيلة في نفوسهم المريضة ، وطباعهم المعاندة المتكبرة عن الإقرار الإذعان والتسليم .

وتختم هذه الآيات بمشهد مؤثر ؛ مشهد الظلال في الأرض كلها ساجدة لله ومعها ما في السماوات وما في الأرض من دابة ، والملائكة قد برئت نفوسهم من الاستكبار وامتلأت بالخوف من الله والطاعة لأمره بلا جدال . هذا المشهد الخاشع الطائع يقابل صورة المستكبرين المتكبرة قلوبهم في مفتتح هذه المجموعة من الآيات .

وبين المطلع والختام يستعرض السياق مقولات أولئك المستكبرين المنكرين للوحي والقرآن ؛ إذ يزعمون : أنه أساطير الأولين ، ومقولاتهم عن أسباب شركهم بالله وتحريمهم ما لم يحرمه الله ؛ إذ يدعون : أن الله أراد منهم الشر وارتضاه . ومقولاتهم عن البعث والقيامة ؛ إذ يقسمون جهدهم : لا يبعث الله من يموت ، ويتولى الرد على مقولاتهم جميعا ، ويعرض في ذلك مشاهد احتضارهم ومشاهد بعثهم وفيها يتبرءون من تلك المقولات الباطلة كما يعرض بعض مصارع الغابرين من المكذبين أمثالهم ويخوفهم أخذ الله في ساعة من ليل أو نهار وهم لا يشعرون وهم في تقلبهم في البلاد ، أو وهم على تخوف وتوقع وانتظار للعذاب .

إلى جوار هذا يعرض صورا عن مقولات المتقين المؤمنين وما ينتظرهم عند الاحتضار ويوم البعث من طيب الجزاء . . . وينتهي هذا الدرس بذلك المشهد الخاشع الطائع للظلال والدواب والملائكة في الأرض والسماء والسياق القرآني يعبر عن خضوع الأشياء لنواميس الله بالسجود وهو أقصى مظاهر الخضوع ويوجه إلى حركة الظلال المتفيئة أي : الراجعة بعد امتداد وهي حركة لطيفة خفيفة ذات دبيب في المشاعر والأعماق ، ويرسم المخلوقات داخرة أي : خاضعة خاشعة ويضم إليها ما في السماوات وما في الأرض من دابة ويضيف إلى الحشد الكوني . . الملائكة في مقام خشوع وخضوع وعبادة وسجود ، قال تعالى : { ولله يسجد ما في السماوات وما في الأرض من دابة والملائكة وهم لا يستكبرون*يخافون ربهم من فوقهم ويفعلون ما يؤمرون } . ( النحل : 50 ، 49 ) .

أدلة الوحدانية

تستمر الآيات من 51 إلى76 في سورة النحل في إثبات قضية الألوهية الواحدة التي لا تتعدد ، تبدأ فتقرر وحدة الإله ووحدة المالك ، ووحدة المنعم في الآيات الثلاث الأولى متواليات وتختم بمثلين تضربهما للسيد المالك الرازق ، والعبد المملوك الذي لا يقدر على شيء ولا يملك شيئا . . هل يستوون ؟ ! فكيف يسوي الله المالك الرازق بمن لا يقدر ولا يملك ولا يرزق ؛ فيقال : هذا إله وهذا إله ؟ ! .

وفي خلال هذا الدرس تعرض الآيات نموذجا بشريا للناس حين يصيبهم الضر فيجأرون إلى الله وحده ، وإذا كشف عنهم الضر راحوا يشركون به غيره .

وتعرض الآيات صورا من أوهام الوثنية وخرافاتها في تخصيص بعض ما رزقه الله لآلهتهم المدعاة ، في حين أنهم لا يردون شيئا مما يملكونه على عبيدهم ولا يقاسمونهم إياه وفي نسبة البنات إلى الله على حين يكرهون ولادة البنات لهم ، { وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودا وهو كظيم } . ( النحل : 58 ) .

وفي الوقت الذي يجعلون لله ما يكرهون تروح ألسنتهم تتشدق : بأن لهم الحسنى ، وأنهم سينالون على ما فعلوا خيرا وهذه الأوهام التي ورثوها من المشركين قبلهم ، هي التي أرسل الرسول صلى الله عليه وسلم ، يبين لهم الحقيقة فيها ، وليخرجهم من ظلمات الشرك إلى نور اليقين ثم تأخذ الآيات في عرض نماذج من صنع الألوهية الحقة في تأملها عظة وعبرة ؛ فالله وحده هو القادر عليها الموجد لها ، وهي هي دلائل الألوهية لا سواها ؛ فالله أنزل من السماء ماء فأحيا به الأرض بعد موتها والله يسقي الناس غير الماء لبنا سائغا يخرج من بطون الأنعام من بين فرث ودم ، والله يطلع للناس ثمرات النخيل والأعناب يتخذون منها سكرا ورزقا حسنا ، والله أوحى إلى النحل لتتخذ من الجبال بيوتا ومن الشجر ومما يعرشون ثم تخرج عسلا فيه شفاء للناس .

اسم السورة

وقد سميت هذه السورة بسورة النحل للإشارة إلى الأمر العجيب الدقيق في شأن النحل فهي تعمل بإلهام من الفطرة التي أودعها إياها الخالق ، وهذا الإلهام لون من الوحي تعمل النحل بمقتضاه وهي تعمل بدقة عجيبة يعجز عن مثلها العقل المفكر سواء في بناء خلاياها ، أو في تقسيم العمل بينها ، أو في طريقة إفرازها للعسل المصفى .

وهي تتخذ بيوتها حسب فطرتها في الجبال والشجر ، وما يعرشون أي : ما يرفعون من الكروم وغيرها ، وقد ذلل الله لها سبل الحياة ، بما أودع في فطرتها وفي طبيعة الكون حولها من توافق ، قال تعالى : { وأوحى ربك إلى النحل أن اتخذي من الجبال بيوتا ومن الشجر ومما يعرشون*ثم كلي من كل الثمرات فاسلكي سبل ربك ذللا يخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه فيه شفاء للناس إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون } . ( النحل : 69 ، 68 ) .

وقد سئل الإمام الشافعي : بم عرفت الله ؟ قال : بالنحلة ؛ نصفها يعسل ونصفها يلسع . وفي الحديث : ( المؤمن كالنحلة )أي : أنه خفيف الظل مترفع في هدفه ، لا يأكل إلا طيبا ، ولا يترك إلا أثرا حسنا ، وإذا وقع على شيء لم يكسره . وتستمر الآيات في عرض أدلة القدرة الإلهية فتذكر : أن الله يخلق الناس ويتوفاهم ويؤجل بعضهم حتى يشيخ فينسى ما تعلمه ويرتد ساذجا لا يعلم شيئا ، والله فضل بعضهم على بعض في الرزق ، والله جعل لهم من أنفسهم أزواجا ، وجعل لهم من أزواجهم بنين وحفدة ، وهم بعد هذا كله يعبدون من دون الله ما لا يملك لهم رزقا في السماوات والأرض ، ويجعلون لله الأشباه والأمثال ! .

هذه اللمسات كلها في أنفسهم وفيما حولهم ، يوجههم إليها ؛ لعلهم يستشعرون القدرة ، وهي تعمل في ذواتهم ، وفي طعامهم ، وفي شرابهم ، وفي كل شيء حولهم .

وفي كل شيء له آية *** تدل على أنه الواحد

مظاهر القدرة الإلهية

تتحدث الآيات من 77 إلى 89 في سورة النحل عن مظاهر القدرة الإلهية فتوضح عظمة الخالق وفيض نعمته وإحاطة علمه وتركز الآيات في هذا الشوط على قضية البعث . والساعة إحدى أسرار الغيب ، الذي يختص الله بعلمه فلا يطلع عليه أحدا .

وموضوعات هذا الدرس تشمل ألوانا من أسرار غيب الله في السماوات والأرض ، وفي الأنفس والآفاق : غيب الساعة التي لا يعلمها إلا الله وهو عليها قادر وهي عليه هينة ، { وما أمر الساعة إلا كلمح البصر أو هو أقرب } . ( النحل : 77 ) .

وغيب الأرحام والله وحده هو الذي يخرج الأجنّة من هذا الغيب لا تعلم شيئا ، ثم ينعم على الناس بالسمع والأبصار والأفئدة ؛ لعلهم يشكرون نعمته .

وغيب أسرار الخلق ويعرض منها تسخير الطير في جو السماء ما يمسكهن إلا الله .

يلي هذا الدرس استعراض لبعض نعم الله المادية على الناس وهي بجانب تلك الأسرار وفي جوها ، نعم السكن والهدوء والاستظلال في البيوت المبنية والبيوت المتخذة من جلود الأنعام للظعن والإقامة ، والأثاث والمتاع من الأصواف والأوبار والأشعار .

وتذكر الآيات من نعم الله : الظلال ، والأكنان وهي ما يستر الإنسان ويغطيه والسرابيل وهي ما يلبسه الإنسان من قميص يقيه الحر والبرد أو درع تقيه بأس الحرب : { كذلك يتم نعمته عليكم لعلكم تسلمون } . ( النحل : 81 ) .

ثم تفصل الآيات أمر البعث في مشاهد يعرض فيها المشركون وشركاؤهم والرسل شهداء عليهم والرسول صلى الله عليه وسلم شهيد على قومه . وبذلك تتم هذه الجولة في جو البعث والقيامة .

الأوامر والنواهي

تتعرض الآيات من 90 إلى 111 في سورة النحل لشرح بعض أهداف القرآن ويبدأ هذا الدرس بآية شهيرة يرددها الخطباء على المنابر في نهاية خطبة الجمعة وهي قوله تعالى : { إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون } . ( النحل : 90 ) .

وفي هذا الدرس أمر بالوفاء بالعهد ونهي عن نقض الأيمان بعد توكيدها وكلها من مبادئ السلوك الأساسية التي جاء بها القرآن الكريم .

وفي هذا الدرس بيان : الجزاء المقرر لنقض العهد ، واتخاذ الأيمان ؛ للخداع والتضليل ، وهو العذاب العظيم ، والبشرى للذين صبروا ومضاعفة الثواب لهم .

ثم تذكر الآيات : بعض آداب تلاوة القرآن . وهي : الاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم لطرد شبحه من مجلس القرآن الكريم ، كما تذكر بعض تقولات المشركين عن القرآن فمنهم من يرمي الرسول صلى الله عليه وسلم بافترائه على الله ومنهم من يقول : إن غلاما أعجميا هو الذي يعلمه هذا القرآن .

وفي نهاية الدرس يبين : جزاء من يكفر بعد إيمانه ، ومن يكره على الكفر وقلبه مطمئن بالإيمان . ويبين : جزاء من فتنوا عن دينهم ثم هاجروا وجاهدوا وصبروا . وكل أولئك تبيان وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين .

وفي الآيات إباحة لمن أكرم على الكفر أن ينطق لسانه به مادام القلب عامر بالإيمان ؛ روى ابن جرير بإسناده أن العذاب لما اشتد على عمار بن ياسر ؛ نطق ببعض ما أرادوا ، ثم شكا ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم ؛ فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : ( كيف تجد قلبك ؟ )قال : مطمئنا بالإيمان ؛ قال النبي : ( إن عادوا فعد ) فكانت رخصة في مثل هذه الحال .

وقد أبى بعض المسلمين أن يظهروا الكفر بلسانهم مؤثرين الموت على لفظة باللسان كذلك صنعت سمية أم عمار بن ياسر ، وهي تطعن بالحرية في موضع العفة حتى تموت ، وكذلك صنع أبوه ياسر .

وقد كان بلال رضوان الله عليه يعذب أشد العذاب حتى لتوضع الصخرة العظيمة على صدره في شدة الحر ويطلب منه أن ينطق بكلمة فيأبى وهو يقول : أحد أحد .

ولست أبالي حين أقتل مسلما *** على أي جنب كان في الله مصرعي

ختام سورة النحل

يتحدث الربع الأخير في سورة النحل عن مثل ضربه الله ؛ لتصوير حال مكة وقومها المشركين الذين جحدوا نعمة الله عليهم ؛ لينظروا المصير الذي يتهددهم من خلال المثل الذي يضربه لهم ، حين يقول سبحانه : { وضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا من كل مكان فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون } . ( النحل : 112 ) .

وهي حال أشبه شيء بحال مكة ؛ جعل الله فيها البيت ، وجعلها بلدا حراما من دخله فهو آمن مطمئن لا تمتد إليه يد ولو كان قاتلا ، ولا يجرؤ أحد على إيذائه وهو في جوار بيت الله الكريم ، وكان الناس يتخطفون من حول البيت وأهل مكة في حراسته وحمايته آمنون مطمئنون ، كذلك كان رزقهم يأتيهم هينا هنيئا من كل مكان من الحجيج ومع القوافل الآمنة مع أنهم في واد قفر جدب غير ذي زرع ، فكانت تجبى إليهم ثمرات كل شيء فيتذوقون طعم الأمن وطعم الرغد منذ دعوة إبراهيم الخليل ، فإذا كذّب أهل مكة بدعوة محمد وجحدوا رسالته ؛ استحقوا العقاب ، والعذاب ، ولباس الجوع والخوف ؛ جزاء كفرهم وعنادهم .

ثم ينتقل السياق بهم إلى الطيبات التي حرمتها قبائل مكة على أنفسها اتباعا لأوهام الوثنية ، وقد أحلها الله لهم ، وحدد المحرمات وبينها وليست هذه منها وذلك لون من الكفر بنعمة الله وعدم القيام بشكرها يتهددهم بالعذاب الأليم من أجله ، وهو افتراء على الله لم ينزل به شريعة .

وبمناسبة ما حرّم على المسلمين من الخبائث ، يشير إلى ما حرّم على اليهود من الطيبات بسبب ظلمهم . وقد جعل هذا التحريم عقوبة لهم على عصيانهم . ولم يكن محرما على آبائهم في عهد إبراهيم الذي كان أمة قانتا لله حنيفا ، ولم يكن من المشركين ، شاكرا لأنعمه اجتباه وهداه إلى صراط مستقيم . فكانت حلالا له الطيبات ولبنيه من بعده حتى حرّم الله بعضها على اليهود في صورة عقوبة لهم خاصة ، ومن تاب من بعد جهالته فإن الله غفور رحيم .

ثم جاء دين محمد صلى الله عليه وسلم امتدادا وإتباعا لدين إبراهيم ؛ فعادت الطيبات كلها حلالا وكذلك السبت الذي منع فيه اليهود من الصيد ، فإنما السبت على أهله الذين اختلفوا فيه ، ففريق كف عن الصيد وفريق نقض عهده ؛ فمسخه الله وانتكس عن مستوى الإنسانية .

وتختم السورة عند هذه المناسبة بالأمر إلى الرسول صلى الله عليه وسلم أن يدعو إلى سبيل ربه بالحكمة والموعظة الحسنة ، وأن يجادلهم بالتي هي أحسن ، وأن يلتزم قاعدة العدل في رد الاعتداء بمثله دون تجاوز . . والصبر والعفو خير ، والعاقبة بعد ذلك للمتقين المحسنين ؛ لأن الله معهم ينصرهم ويرعاهم ويهديهم طريق الخير والفلاح .

وفي أسباب نزول القرآن : أن الآيات الأخيرة من سورة النحل نزلت في حمزة بن عبد المطلب حين استشهد في غزوة أحد . وفي هذه الغزوة مثّل المشركون بالمسلمين فبقروا بطونهم وقطعوا مذاكيرهم وما تركوا أحدا غير ممثول به غير حنظلة بن الراهب ، كان الراهب أبو عامر مع أبي سفيان فتركوا حنظلة لذلك ، ثم وقف رسول الله على جثة حمزة وقد مثّل به فرآه مبقور البطن ؛ فقال : ( أما والذي أحلف به ، إن أظفرني الله بهم لأمثلن بسبعين مكانك ! ) فنزل قوله تعالى : { وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم لهو خير للصابرين } . ( النحل : 126 ) .

ولما نزلت هذه الآية ؛ كفّر النبي عن يمينه وكف عما أراده ، ومن هذا ذهبوا إلى أن خواتيم سورة النحل مدنية ، ولا خلاف في تحريم المثلة وقد وردت الأخبار بالنهي عنها حتى بالكلب العقور .

بسم الرحمن الرحيم

{ أتى أمر الله فلا تستعجلوه سبحانه وتعالى عما يشركون1ينزل الملائكة بالروح من أمره على من يشاء من عباده أن أنذروا أنه لا إله إلا أنا فاتقون2 } .

المفردات :

أتى أمر الله : قرب ودنا ، وهذا وعيد للمشركين .

أمر الله : العذاب والهلاك لهؤلاء المشركين .

1

التفسير :

1{ أتى أمر الله فلا تستعجلوه . . . } .

أي : قرب عذاب المشركين وهلاكهم ، أما إتيانه بالفعل وتحققه فمنوط بحكم الله النافذ ، وقضائه الغالب على كل شيء ، فهو يأتي في الحين الذي قدره وقضاه .

ومعنى قوله : { فلا تستعجلوه } ، لا تطلبوا حصوله قبل حضور الوقت المقدر في علمه تعالى ؛ فلله سنن ونواميس في إنزال العذاب ، وهو سبحانه لا يعجل لعجلة العباد ، وكل شيء عنده بمقدار .

{ سبحانه وتعالى عما يشركون } .

ادعوا : أن عبادتهم الأصنام لتشفع لهم عند الله ؛ حتى يتخلصوا من هذا العذاب المتوقع ؛ فأجاب القرآن عن هذه الشبهة ، بتنزيه الله عن شركة الشركاء والأنداد .

قال الفخر الرازي :

{ عما يشركون } . يجوز أن تكون ما مصدرية ، والتقدير : سبحانه وتعالى عن شركهم ، ويجوز أن تكون بمعنى : الذي ، أي : سبحانه وتعالى عن هذه الأصنام ، التي جعلوها شركاء لله ؛ لأنها جمادات خسيسة فأي مناسبة بينها وبين خالق الكائنات ، ومدبر الأرض والسماوات ؟ ! .

 
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{أَتَىٰٓ أَمۡرُ ٱللَّهِ فَلَا تَسۡتَعۡجِلُوهُۚ سُبۡحَٰنَهُۥ وَتَعَٰلَىٰ عَمَّا يُشۡرِكُونَ} (1)

مقدمة السورة:

تفسير سورة النحل وهي مكية

{ 1 - 2 } { بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ * يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ }

يقول تعالى -مقربا لما وعد به محققا لوقوعه- { أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ } فإنه آت ، وما هو آت ، فإنه قريب ، { سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ } من نسبة الشريك والولد والصاحبة والكفء وغير ذلك مما نسبه إليه المشركون مما لا يليق بجلاله ، أو ينافي كماله ، ولما نزه نفسه عما وصفه به أعداؤه ذكر الوحي الذي ينزله على أنبيائه ، مما يجب اتباعه في ذكر ما ينسب لله ، من صفات الكمال فقال : { يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ }

 
التفسير الوسيط للقرآن الكريم لسيد طنطاوي - سيد طنطاوي [إخفاء]  
{أَتَىٰٓ أَمۡرُ ٱللَّهِ فَلَا تَسۡتَعۡجِلُوهُۚ سُبۡحَٰنَهُۥ وَتَعَٰلَىٰ عَمَّا يُشۡرِكُونَ} (1)

مقدمة السورة:

تفسير سورة النحل

بسم الله الرحمن الرحيم

مقدمة

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله ومن والاه .

أما بعد : فقد سبق لي –بحمد الله وتوفيقه- أن قمت بتفسير سور : الفاتحة ، والبقرة ، وآل عمران ، والنساء ، والمائدة ، والأنعام ، والأعراف ، والأنفال ، والتوبة ، ويونس ، وهود ، ويوسف ، والرعد ، وإبراهيم ، والحجر .

وهأنذا أقدم للقارئ الكريم تفسير سورة " النحل " ، وقد حاولت فيه أن أكشف عما اشتملت عليه السورة الكريمة من توجيهات سامية ، وآداب عالية ، وإرشادات حكيمة ، ومجادلات بالتي هي أحسن .

وقد مهدت لتفسيرها بكلمة ، بينت فيها زمان نزولها ، وعدد آياتها . وسبب تسميتها بهذا الاسم ، والمقاصد الإجمالية التي اشتملت عليها .

والله أسأل أن يجعل هذا العمل خالصا لوجهه الكريم ، ونافعا لعباده ، وشفيعا لنا يوم نلقاه –سبحانه- .

وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب .

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .

المؤلف

د . محمد سيد طنطاوي

تعريف بسورة النحل

1- سورة النحل هي السورة السادسة عشرة في ترتيب المصحف ، فقد سبقتها سور : الفاتحة ، والبقرة ، وآل عمران ، والنساء ، والمائدة ، والأنعام ، والأعراف ، والأنفال ، والتوبة ، ويونس ، وهود ، ويوسف ، والرعد ، وإبراهيم ، والحجر .

أما في ترتيب النزول ، فكان ترتيبها التاسعة والستين ، وكان نزولها بعد سورة الكهف( {[1]} ) .

2- وعدد آياتها ثمان وعشرون ومائة آية .

3- وسميت بسور النحل ، لقوله –تعالى- فيها [ وأوحى ربك إلى النحل أن اتخذي من الجبال بيوتا . . . ]( {[2]} ) .

وتسمى –أيضا- بسورة النعم ، لأن الله –تعالى- عدد فيها أنواعا من النعم التي أنعم بها على عباده .

4- وسورة النحل من السور المكية : أي التي كان نزولها قبل الهجرة النبوية الشريفة .

قال القرطبي : " وهي مكية كلها في قول الحسن وعكرمة وعطاء وجابر . وتسمى سورة النعم بسبب ما عدد الله فيها من نعمه على عباده . وقيل : هي مكية إلا قوله –تعالى- [ وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به . . ] الآية . نزلت بالمدينة في شأن التمثيل بحمزة وقتلى أحد . . " ( {[3]} ) .

وقال الآلوسي : وأطلق جمع القول بأنها مكية ، وأخرج ذلك ابن مردويه عن ابن عباس ، وابن الزبير –رضي الله عنهم- وأخرجه النحاس من طريق مجاهد عن الحبر أنها نزلت بمكة سوى ثلاث آيات من آخرها ، فإنهن نزلن بين مكة والمدينة في منصرف النبي –صلى الله عليه وسلم- من غزوة أحد( {[4]} ) .

والذي تطمئن إليه النفس ، أن سورة النحل كلها مكية ، وذلك لأن الروايات التي ذكروها في سبب نزول قوله –تعالى- ، [ وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به . . ] إلخ السورة . فيها مقال . فقد ذكر الإمام ابن كثير عند سردها ، أن بعضها مرسل وفيه مبهم ، وبعضها في إسناده ضعف . . ( {[5]} ) .

5- ( أ ) وإذا ما قرأنا سورة النحل بتدبر وتفكر ، نراها في مطلعها تؤكد أن يوم القيامة حق ، وأنه آت لا ريب فيه ، وأن المستحق للعبادة والطاعة إنما هو الله الخالق لكل شيء .

قال –تعالى- : [ أتى أمر الله فلا تستعجلوه ، سبحانه وتعالى عما يشركون ، ينزل الملائكة بالروح من أمره على من يشاء من عباده ، أن أنذروا أنه لا إله إلا أنا فاتقون ] .

( ب ) ثم تسوق ألوانا من الأدلة على وحدانية الله وقدرته ، عن طريق خلق السموات والأرض وخلق الإنسان والحيوان ، وعن طريق إنزال الماء من السماء ، وتسخير الليل والنهار ، والشمس والقمر والنجوم . . وغير ذلك من النعم التي لا تحصى .

استمع إلى بعض هذه الآيات التي تحكي جانبا من هذه النعم فتقول : [ خلق السموات والأرض بالحق ، تعالى عما يشركون . خلق الإنسان من نطفة فإذا هو خصيم مبين . والأنعام خلقها لكم فيها دفء ومنافع تأكلون . ولكم فيها جمال حين تريحون وحين تسرحون . وتحمل أثقالكم إلى بلد لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس إن ربكم لرءوف رحيم ] .

ثم تقول : [ وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم وأنهارا وسبلا لعلكم تهتدون . وعلامات وبالنجم هم يهتدون . أفمن يخلق كمن لا يخلق أفلا تذكرون . وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها ، إن الله لغفور رحيم ] .

( ج ) وبعد أن توبخ السورة المشركين لتسويتهم بين من يخلق ومن لا يخلق تحكي جانبا من أقاويلهم الباطلة التي وصفوا بها القرآن الكريم ، وتصور استسلامهم لقضاء الله العادل فيهم يوم الحساب ، فتقول : [ وإذا قيل لهم ماذا أنزل ربكم قالوا : أساطير الأولين . ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة ، ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم ، ألا ساء ما يزرون ] .

إلى أن تقول : [ الذين تتوفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم ، فألقوا السلم ما كنا نعمل من سوء ، بلى إن الله عليم بما كنتم تعملون . فادخلوا أبواب جهنم خالدين فيها فلبئس مثوى المتكبرين ] .

( د ) وكعادة القرآن الكريم في قرنه الترهيب بالترغيب ، وفي عقده المقارنات بين مصير المؤمنين ومصير الكافرين ، جاءت الآيات بعد ذلك لتبشير المتقين بحسن العاقبة .

جاء قوله –تعالى- : [ وقيل للذين اتقوا ماذا أنزل ربكم قالوا خيرا ، للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة ، ولدار الآخرة خير ولنعم دار المتقين ] .

( ه ) ثم تعود السورة الكريمة مرة أخرى إلى حكاية أقوال المشركين حول مسألتين من أخطر المسائل ، وهما مسألة الهداية والإضلال ، ومسألة البعث بعد الموت بعد أن حكت ما قالوه في شأن القرآن الكريم .

استمع إلى القرآن الكريم وهو يحكي أقوالهم ثم يرد عليها بما يبطلها فيقول : [ وقال الذين أشركوا لو شاء الله ماعبدنا من دونه من شيء نحن ولا آباؤنا ولا حرمنا من دونه من شيء ، كذلك فعل الذين من قبلهم ، فهل على الرسل إلا البلاغ المبين . ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت ، فمنهم من هدى الله ، ومنهم من حقت عليه الضلالة ، فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين إن تحرص على هداهم فإن الله لا يهدي من يضل وما لهم من ناصرين ، وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت ، بلى وعدا عليه حقا ولكن أكثر الناس لا يعلمون . ليبين لهم الذين يختلفون فيه ، وليعلم الذين كفروا أنهم كانوا كاذبين ] .

( و ) ثم تهدد السورة الكريمة أولئك الجاحدين لنعم الله ، الماكرين للسيئات ، بأسلوب يستثير النفوس ويبعث الرعب في القلوب ، وتدعوهم إلى التأمل والتفكر في ملكوت السموات والأرض ، لعل هذا التفكر يكون سببا في هدايتهم ، وتخبرهم بأن الله –تعالى- هو الذي نهاهم عن الشرك ، وهو الذي أمرهم بإخلاص العبادة له .

استمع إلى القرآن وهو يصور هذه المعاني بأسلوبه البديع فيقول : [ أفأمن الذين مكروا السيئات أن يخسف الله بهم الأرض ، أو يأتيهم العذاب من حيث لا يشعرون . أو يأخذهم في تقلبهم فما هم بمعجزين . أو يأخذهم على تخوف فإن ربكم لرءوف رحيم . أو لم يروا إلى ما خلق الله من شيء يتفيؤ ظلاله عن اليمين والشمائل سجلا لله وهم داخرون . ولله يسجد ما في السموات وما في الأرض من دابة والملائكة وهم لا يستكبرون . يخافون ربهم من فوقهم ويفعلون ما يؤمرون . وقال الله لا تتخذوا إلهين اثنين إنما هو إله واحد فإياي فارهبون ] .

( ز ) ثم انتقلت السورة إلى سرد أنواع من جهالات المشركين ، ومن سوء تفكيرهم ، حتى يزداد المؤمنون إيمانا على إيمانهم ، ويشكروا الله –تعالى- على توفيقه إياهم على الدخول في الإسلام .

لقد ذكرت السورة الكريمة ألوانا متعددة من جهالات الكافرين ، ومن ذلك قوله –تعالى- : [ ويجعلون لما لا يعلمون نصيبا مما رزقناهم ، تالله لتسألن عما كنتم تفترون . ويجعلون لله البنات سبحانه ولهم ما يشتهون ] .

[ ويجعلون لله ما يكرهون ، وتصف ألسنتهم الكذب أن لهم الحسنى لا جرم أن لهم النار وأنهم مفرطون ] .

( ح ) هكذا تصور سورة النحل ما كان عليه المشركون من غباء وغفلة وسوء تفكير ، ثم تعود –سورة النعم- مرة أخرى إلى الحديث عن نعم الله –تعالى- على عباده ، فتتحدث عن نعمة الكتاب ، وعن نعمة الماء . وعن نعمة الأنعام ، وعن نعمة الثمار والفواكه ، وعن نعمة العسل المتخذ من بطون النحل وعن نعمة التفاضل في الأرزاق ، وعن نعمة الأزواج والبنين والحفدة .

قال –تعالى- : [ وما أنزلنا عليك الكتاب إلا لتبين لهم الذي اختلفوا فيه ، وهدى ورحمة لقوم يؤمنون . والله أنزل من السماء ماء فأحيا به الأرض بعد موتها ، إن في ذلك لآيات لقوم يسمعون . وإن لكم في الأنعام لعبرة ، نسقيكم مما في بطونه من بين فرث ودم لبنا خالصا سائغا للشاربين ] .

إلى أن يقول –سبحانه- : [ والله جعل لكم من أنفسكم أزواجا ، وجعل لكم من أزواجكم بنين وحفدة ورزقكم من الطيبات ، أفبالباطل يؤمنون وبنعمة الله هم يكفرون ] .

( ط ) ثم تسوق السورة الكريمة مثلين مشتملين على الفرق الشاسع ، بين المؤمن والكافر ، وبين الإله الحق والآلهة الباطلة ، فتقول : " ضرب الله مثلا عبدا مملوكا لا يقدر على شيء ، ومن رزقناه منا رزقا حسنا فهو ينفق منه سرا وجهرا ، هل يستوون ؟ الحمد لله ، بل أكثرهم لا يعلمون ، وضرب الله مثلا رجلين أحدهما أبكم لا يقدر على شيء ، وهو كل على مولاه أينما يوجهه لا يأت بخير هل يستوي هو ومن يأمر بالعدل وهو على صراط مستقيم ] .

( ي ) وبعد إيراد هذين المثلين البليغين ، تعود سورة النعم إلى الحديث عن أنواع أخرى من نعم الله على خلقه ، لكي يشكروه عليها ، ويستعملوها فيما خلقت له فتتحدث عن نعمة إخراج الإنسان من بطن أمه ، وعن نعمة البيوت التي هي محل سكن الإنسان ، وعن نعمة الظلال ، وعن نعمة الجبال ، وعن نعمة الثياب .

قال –تعالى- : [ والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون ] . [ والله جعل لكم من بيوتكم سكنا ، وجعل لكم من جلود الأنعام بيوتاً تستخفونها يوم ظعنكم ويوم إقامتكم ، ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها ، أثاثاً ومتاعا إلى حين . والله جعل لكم مما خلق ظلالا ، وجعل لكم من الجبال أكناناً ، وجعل لكم سرابيل تقيكم الحر وسرابيل تقيكم بأسكم ، كذلك يتم نعمته عليكم لعلكم تسلمون ] .

( ك ) ثم بعد أن تصور السورة الكريمة أحوال المشركين يوم القيامة عندما يرون العذاب ، وتحكي ما يقولون عندما يرون شركاءهم ، وتقرر أن الله يبعث في كل أمة شهيدا عليهم من أنفسهم وأن الرسول –صلى الله عليه وسلم- سيكون شهيدا على من بعث إليهم .

بعد كل ذلك تسوق السورة عددا من الآيات الآمرة بمكارم الأخلاق والناهية عن منكراتها فتقول : [ إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى ، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي ، يعظكم لعلكم تذكرون . وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم ، ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها ، وقد جعلتم الله عليكم كفيلا ، إن الله يعلم ما تفعلون ] .

( ل ) وبعد هذه التوجيهات السامية المشتملة على الترغيب والترهيب ، وعلى الأوامر والنواهي . تتحدث آيات السورة عن آداب تلاوة القرآن وعن الشبهات التي أثارها المشركون حوله مع الرد عليها بما يدحضها ، وعن حكم من تلفظ بكلمة الكفر وقلبه مطمئن بالإيمان ، فتقول : [ فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم ] .

ثم تقول : [ ولقد نعلم أنهم يقولون إنما يعلمه بشر ، لسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان عربي مبين ] .

ثم تقول : [ من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ولكن من شرح بالكفر صدرا فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم ] .

( م ) ثم تعود السورة الكريمة لضرب الأمثال ، فتسوق مثلا لكل قوم أنعم الله عليهم بالنعم فلم يقابلوها بالشكر ، فانتقم الله –تعالى- منهم . كما تسوق جانبا من حياة سيدنا إبراهيم كمثال للشاكرين الذين استعملوا نعم الله فيما خلقت له .

استمع إلى قوله –تعالى- : [ وضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا من كل مكان ، فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون ] .

ثم إلى قوله –تعالى- : [ إن إبراهيم كان أمة قانتا حنيفا ولم يك من المشركين . شاكرا لأنعمه اجتباه وهداه إلى صراط مستقيم . وآتيناه في الدنيا حسنة وإنه في الآخرة لمن الصالحين . ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين ] .

( ن ) وأخيرا تختتم السورة الكريمة بتلك الآيات الجامعة لأحكم الأساليب وأكملها وأجملها وأنجعها في الدعوة إلى الله –تعالى- وفي معاملة الناس فتقول : [ ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن ، إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين . وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ، ولئن صبرتم لهو خير للصابرين واصبر وما صبرك إلا بالله ، ولا تحزن عليهم ولاتك في ضيق مما يمكرون . إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون ] .

6- وبعد ، فهذا عرض إجمالي لأهم المقاصد التي اشتملت عليها السورة الكريمة ، ومنه نرى :

( أ ) عنايتها الفائقة بإقامة الأدلة على وحدانية الله –تعالى- وعلى صدق رسوله محمد صلى الله عليه وسلم في دعوته ، وعلى أن يوم القيامة حق ، وعلى أن القرآن من عند الله –عز وجل .

( ب ) كما نرى تفصيلها القول في بيان آلاء الله –تعالى- على خلقه ، وقد سبحت السورة في هذا الجانب سبحا عظيما ، فذكّرت الإنسان بنعمة خلقه ، وبنعمة تسخير الأنعام والشمس ، والقمر ، والنجوم ، والماء ، والجبال ، والأشجار . . كل ذلك وغيره لمنفعته ومصلحته .

( ج ) كما نلمس اهتمامها بضرب الأمثال للمؤمن والكافر ، والشاكر والجاحد والإله الحق والآلهة الباطلة . . وذلك لأن في ضرب الأمثال تقريبا للبعيد وتوضيحا للخفي ، بأسلوب من شأنه أن يكون أوقع في القلوب ، وأثبت في النفوس وأدعى إلى التدبر والتفكر .

( د ) كما ندرك حرصها على إيراد أقوال المشركين وشبههم ! ثم الرد عليها بطريقة تقنع العقول ، وترضي العواطف ، بأن الإسلام هو الدين الحق ، وبذلك يزداد المؤمنون إيمانا على إيمانهم .

( ه ) كما نحس –عند قراءتها- بعنايتها بتوجيه المؤمنين إلى مكارم الأخلاق ، وأمهات الفضائل ، كالعدل ، والإحسان ، وإيتاء ذي القربى ، والوفاء ، والصبر ، والشكر . . . وبنهيهم عن الرذائل كالغدر والجحود ، ونقض العهود ، والاستكبار ، والظلم .

وأخيرا فإن المتأمل في هذه السورة –أيضاً- يراها حافلة بأسلوب الترغيب والترهيب ، والتبشير والإنذار ، والوعد والوعيد .

الوعيد للكافرين بسوء المصير إذا ما لجوا في ضلالهم وطغيانهم كما في قوله –تعالى- : [ الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله زدناهم عذابا فوق العذاب بما كانوا يفسدون ] .

والوعد للمؤمنين بالحياة الطيبة في الدارين ، كما في قوله –تعالى- : [ من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون ] .

والآن فلنبدأ في التفسير التحليلي لسورة النعم ، ونسأل الله –تعالى- أن يرزقنا التوفيق والسداد .

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .

افتتحت السورة الكريمة ، بتهديد الكافرين الذين كانوا ينكرون البعث ، وما يترتب عليه من ثواب أو عقاب ، ويستبعدون نصر الله - تعالى - لأوليائه ، فقال - تعالى - : { أتى أَمْرُ الله فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ } والفعل { أتى } هنا ، بمعنى قرب ودنا بدليل { فلا تستعجلوه } ، لأن المنهى عن الاستعجال يقتضى أن الأمر الذى استعجل حصوله لم يحدث بعد .

والمراد بأمر الله : ما اقتضته سنته وحكمته - سبحانه - من إثابة المؤمنين ونصرهم ، وتعذيب الكافرين ودحرهم .

والفاء فى قوله { فلا تستعجلوه } للتفريع . والاستعجال : طلب حصول الشئ قبل وقته . والضمير المنصوب فى { تستعجلوه } يعود على { أمر الله } ، لأنه هو المتحدث عنه ، أو على { الله } - تعالى - ، فلا تستعجلوا الله فيما قضاه وقدره .

والمعنى : قرب ودنا مجئ أمر الله - تعالى - وهو إكرام المؤمنين بالنصر والثواب ، وإهانة الكافرين بالخسران والعقاب ، فلا تستعجلوا - أيها المشركون - هذا الأمر ، فإنه آت لا ريب فيه ، ولكن فى الوقت الذى يحدده الله تعالى - ويشاؤه .

وعبر عن قرب إتيان أمر الله - تعالى - بالفعل الماضى { أتى } للإِشعار بتحقق هذا الإِتيان ، وللتنويه بصدق المخبر به ، حتى لكأن ما هو واقع عن قريب ، قد صار فى حكم الواقع فعلا . وفى إبهام أمر الله ، إشارة إلى تهويله وتعظيمه ، لإِضافته إلى من لا يعجزه شئ فى الأرض ولا فى السماء .

قوله { فلا تستعجلوه } زيادة فى الإِنذار والتهديد ، أى : فلا جدوى من استعجالكم ، فإنه نازل بكم سواء استعجلتم أم لم تستعجلوا .

والظاهر أن الخطاب هنا للمشركين ، لأنهم هم الذين كانوا يستعجلون قيام الساعة ، ويستعجلون نزول العذاب بهم ، وقد حكى القرآن عنهم ذلك فى آيات :

منها قوله - تعالى - : { يَسْتَعْجِلُ بِهَا الذين لاَ يُؤْمِنُونَ بِهَا والذين آمَنُواْ مُشْفِقُونَ مِنْهَا وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الحق أَلاَ إِنَّ الذين يُمَارُونَ فَي الساعة لَفِي ضَلاَلٍ بَعِيدٍ } ومنها قوله - سبحانه - : { وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بالعذاب وَلَن يُخْلِفَ الله وَعْدَهُ وَإِنَّ يَوْماً عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ } وقال بعض العلماء : و " يجوز أن يكون الخطاب هنا شاملا للمؤمنين ، لأن عذاب الله - تعالى - وإن كان الكافرون يستعجلونه ، تهكما به ، لظنهم أنه غير آت ، فإن المؤمنين يضمرون فى نفوسهم استبطاءه ، ويحبون تعجيله للكافرين " .

وقوله : { سُبْحَانَهُ وتعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ } جملة مستأنفة ، قصد بها إبطال إشراكهم ، وزيادة توبيخهم وتهديدهم .

أى : تنزه الله - تعالى - وتعاظم بذاته وصفاته ، عن إشراك المشركين ، المؤدى بهم إلى الأقوال الفاسدة ، والأفعال السيئة ، والعاقبة الوخيمة ، والعذاب المهين . وقوله : { يشركون } : قراءة الجمهور ، وفيها التفات من الخطاب فى قوله { فلا تستعجلوه } إلى الغيبة ، تحقيرا لشأن المشركين ، وحطا من درجتهم عن رتبة الخطاب ، وحكاية لشنائعهم التى يتبرأ منها العقلاء .

وقرأ حمزة والكسائى { تشركون } تبعا لقوله - تعالى - { فلا تستعجلوه } وعلى قراءتهما لا التفات فى الآية .


[1]:- سورة إبراهيم: الآية 1.
[2]:- سورة الإسراء. الآية 9.
[3]:- سورة المائدة: الآيتان 15، 16.
[4]:- سورة الجن: الآيتان 1، 2.
[5]:- سورة البقرة: الآيتان 23، 24.