سورة الأنبياء سورة مكية بالاتفاق وآياتها ( 112 ) آية وقد نزلت قبيل الهجرة إلى المدينة أي : حوالي السنة الثانية عشرة من البعثة وسميت بسورة الأنبياء ؛ لأنه اجتمع فيها على قصرها كثير من قصص الأنبياء ؛ فسميت السورة باسمهم .
هي سورة مكية نزلت في آخر العهد المكي أي : في ذروة تجبر أهل مكة وعنتهم وانصرافهم عن الإسلام فنزلت تنذر هؤلاء الكفار باقتراب العذاب ففي بدايتها : اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مَُّعْرِضُونَ . ( الأنبياء : 1 ) .
ثم ساقت السورة الأدلة على الألوهية والتوحيد والرسالة والبعث . وهي الموضوعات التي عنيت بها السور المكية ؛ من أجل تقرير العقيدة والدفاع عنها .
ونلحظ هنا أن السورة قد عالجت هذه الموضوعات بعرض النواميس الكونية الكبرى ، وربط العقيدة بها .
فالعقيدة في سورة الأنبياء جزء من بناء هذا الكون يسير على نواميسها الكبرى .
وهذه العقيدة تقوم على الحق الذي قامت عليه السماوات والأرض ، وليست لعبا ولا باطلا ، كما أن هذا الكون لم يخلق عبثا ، ولن يترك سدى : وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاء وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاَعِبِينَ . ( الأنبياء : 16 ) .
ويلفت السياق أنظار الناس إلى مظاهر الكون الكبرى في السماء والأرض ، والرواسي والفجاج ، والليل والنهار ، والشمس والقمر ، موجها الأنظار إلى وحدة النواميس التي تحكمها وتصرفها ، وإلى دلالة هذه الوحدة على وحدة الخالق المدبر والمالك الذي لا شريك له في الملك ، كما أنه لا شريك له في الخلق . لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ اللَّهُ لَفَسَدَتَا . . . ( الأنبياء : 22 ) .
ثم تتحدث السورة عن وحدة النواميس التي تحكم الحياة في هذه الأرض ، وعن وحدة مصدر الحياة :
وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ . . . ( الأنبياء : 30 ) .
وعن وحدة النهاية التي ينتهي إليها الأحياء : كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ . . . ( الأنبياء : 35 ) .
والعقيدة وثيقة الارتباط بتلك النواميس الكونية ، فهي واحدة كذلك وإن تعدد الرسل على مدار الزمان . وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ . ( الأنبياء : 25 ) .
وكما أن العقيدة وثيقة الارتباط بنواميس الكون الكبرى ، فذلك ملابسات هذه العقيدة في الأرض .
فالسنة التي لا تتخلف أن يغلب الحق في النهاية وأن يزهق الباطل ؛ لأن الحق قاعدة كونية وغلبته سنة إلهية . بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِق . . . ( الأنبياء : 18 ) .
وأن يحل الهلاك بالظالمين المكذبين وينجي الله الرسل والمؤمنين : ثُمَّ صَدَقْنَاهُمُ الْوَعْدَ فَأَنجَيْنَاهُمْ وَمَن نَّشَاء وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ . ( الأنبياء : 9 ) .
وأن يرث الأرض عباد الله الصالحون : وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ . ( الأنبياء : 105 ) .
ومن ثم يستعرض السياق أمة الرسل الواحدة في سلسلة طويلة استعراضا سريعا ، يطول بعض الشيء عند عرض حلقة من قصة إبراهيم عليه السلام وعند الإشارة إلى داود وسليمان عليهما السلام .
ويقصر عند الإشارة إلى قصص : نوح ، وموسى ، وهارون ، ولوط ، وإسماعيل ، وإدريس ، وذى الكفل ، وذى النون ، وزكريا ، ويحيى ، وعيسى عليهم السلام .
وفي هذا الاستعراض تتجلى المعاني التي سبقت في سياق السورة – تتجلى في صورة وقائع في حياة الرسل والدعوات ، بعد ما تجلت في صورة قواعد عامة ونواميس .
كذلك يتضمن سياق السورة بعض مشاهد القيامة ، وتتمثل فيها تلك المعاني نفسها في صورة واقع يوم القيامة .
وهكذا تتجمع الأساليب المنوعة في السورة على هدف واحد هو استجاشة القلب البشري لإدراك الحق الأصيل في العقيدة التي جاء بها خاتم الرسل صلى الله عليه وآله وسلم فلا يتلقاها الناس غافلين معرضين لاهين . كما تصفهم السورة في مطلعها .
إن هذه الرسالة حق كما أن هذا الكون حق وجد . فلا مجال للهو في استقبال الرسالة ، ولا مجال لطلب الآيات الخارقة ، وإن آيات الله في الكون وسنن الكون كله توحي بأنه الخالق القادر الواحد ، والرسالة من لدن ذلك الخالق القادر الواحد .
النظم في سورة الأنبياء يختلف عن النظم في سورة مريم وسورة طه . هناك كان النظم سهلا والختام رخيا يختم في الغالب بالألف اللينة .
أما في سورة الأنبياء فالنظم هنا نظم التقرير الذي يتناسق مع موضوعها ، ومع جو السياق في عرض هذا الموضوع ، ولذلك ختمت آياتها بالميم أو بالنون .
وإذا نظرنا إلى الجانب الذي عرض من قصة إبراهيم في سورة مريم ، وجدنا أن الحلقة التي عرضت هناك حلقة الحوار الرخي بين إبراهيم وأبيه . وقد ختمت آيات الحوار هناك بالألف اللينة مثل : نبيا ، صفيا ، عليا .
وأما هنا فجاءت حلقة تحطيم الأصنام ، وإلقاء إبراهيم في النار ، وليتم التناسق في الموضوع والجو والنظم والإيقاع فقد ختمت قصة إبراهيم هنا بالنون أو الميم التي تفيد : التقرير والتأكيد ، أو ما يشبه أحكام القضاء بعد تفكر وتأمل وترتيب .
يمكن أن تقسم سورة الأنبياء إلى أربعة أقسام ، يمضي السياق خلالها من قسم إلى آخر ، ويمهد كل شوط للذي يليه .
يبدأ الشوط الأول : بمطلع قوى الضربات ، يهز القلوب هزا وهو يلفتها إلى الخطر القريب المحدق ، وهي عنه غافلة لاهية : اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مَُّعْرِضُونَ . ( الأنبياء : 1 ) .
ثم يهزها هزة أخرى بمشهد من مصارع الغابرين الذين كانوا عن آيات ربهم غافلين : وَكَمْ قَصَمْنَا مِن قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْمًا آخَرِينَ . ( الأنبياء : 11 ) .
ثم يربط بين الحق والجد في الدعوة والحق والجد في نظام الكون ، وبين عقيدة التوحيد ونواميس الوجود ، وبين وحدة الخالق المدبر ووحدة الرسالة والعقيدة ، ووحدة مصدر الحياة ونهايتها ومصيرها على النحو الذي أسلفناه ، ويستغرق هذا الشوط من أول السورة إلى الآية : 35 .
أما الشوط الثاني : فيرجع بالحديث إلى الكفار الذين يواجهون الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بالسخرية والاستهزاء ، بينما الأمر جد وحق ، وكل ما حولهم يوحي باليقظة والاهتمام . وهم يستعجلون العذاب ، والعذاب منهم قريب . . وهنا يعرض مشهدا من مشاهد القيامة ، ويلفتهم إلى ما أصاب المستهزئين بالرسل قبلهم ، ويقرر :
أن ليس لهم من الله من عاصم ويوجه قلوبهم إلى تأمل يد القدرة وهي تنقص الأرض من أطرافها ، وتزوى رقعتها وتطويها فلعل هذا أن يوقظهم من غفلتهم التي جاءتهم من طول النعمة وامتداد الرخاء .
وينتهي هذا الشوط بتوجيه الرسول صلى الله عليه وآله وسلم إلى بيان : وظيفته : قُلْ إِنَّمَا أُنذِرُكُم بِالْوَحْيِ . وإلى الخطر الذي يتهددهم في غفلتهم : وَلَا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعَاءَ إِذَا مَا يُنذَرُونَ . ( الأنبياء : 45 ) . حتى تنصب الموازين القسط وهم في غفلتهم سادرون . ويستغرق هذا الشوط من الآية : 36 إلى الآية : 47 .
ويتضمن الشوط الثالث : استعراض أمة النبيين وجهاد الرسل وبلائهم في سبيل الحق ويبدأ الشوط بموسى وهارون وقد أنعم الله عليهما بالفرقان وهو التوراة ؛ لأنها تفرق بين الحق والباطل ، ثم ذكر : إبراهيم وقد أعطاه الله الرشد والهداية فأنكر على قومه عبادة الأصنام ثم حطمها ، فألقي في النار فجعلها الله بردا وسلاما عليه . ثم نجاة لوط من قومه المعتدين ، ونجاة نوح وأتباعه من الطوفان ، ثم ذكر : حكم داود وفهم سليمان ، وتسخير الشياطين والجن ؛ لتعمل بين يديه بإذن ربه ، ثم تضرع أيوب ، ودعاء يونس ، وسؤال زكريا ، وصلاح مريم ، ويعقب الشوط بأن هناك وحدة بين هذه الرسالات في العقيدة والإيمان والهدف والقيم والسلوك : إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ . ( الأنباء : 92 ) .
وتتجلى في رسالة الأنبياء عناية الله بهم ، ورعايته لأهل رسالته وتوليهم بالعناية والرعاية وأخذ المكذبين والظالمين أخذ عزيز مقتدر ، ويستغرق هذا الشوط من الآية 48 إلى الآية 95 .
أما الشوط الرابع والأخير : فيعرض النهاية والمصير ، في مشهد من مشاهد القيامة المثيرة . حين يفتح سد يأجوج ومأجوج ويعرض ذل الكفار في عذاب جهنم ونعيم المؤمنين في الجنة ثم طي السماوات في ساعة القيامة ، ثم توجه السياق إلى الرسول بالخطاب فذكر : أن الله أرسله بالرحمة والإحسان لتبليغ رسالة الله إلى الناس . ثم ختمت السورة بمثل ما بدأت : إيقاعا قويا ، وإنذارا صريحا ، وتخلية بينهم وبين مصيرهم المحتوم ويستغرق هذا الشوط من الآية 96 إلى 112 .
وفي آخر آية للسورة رنين يتحدى الكفار ويتوعدهم بحكم الله العادل : قَلَ رَبِّ احْكُم بِالْحَقِّ وَرَبُّنَا الرَّحْمَنُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ . ( الأنبياء : 112 ) .
{ اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُّعْرِضُونَ ( 1 ) مَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكْرٍ مِّن رَّبِّهِم مُّحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ ( 2 ) لَاهِيَةًً قُلُوبُهُمْ وَأَسَرُّواْ النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنتُمْ تُبْصِرُونَ ( 3 ) قَالَ رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّمَاء وَالأَرْضِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ( 4 ) بَلْ قَالُواْ أَضْغَاثُ أَحْلاَمٍ بَلِ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الأَوَّلُونَ ( 5 ) مَا آمَنَتْ قَبْلَهُم مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ ( 6 ) } .
1- اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُّعْرِضُونَ .
اقترب : اقترب وقرب بمعنى واحد ، والمراد من اقتراب الحساب : اقتراب زمانه ، وهو مجيء الساعة .
مطلع قوى يهز القلوب هزا ، ويثير الفزع عند كل غافل أو مستهتر ، أو معرض عن البعث والحساب والجزاء ، فالدنيا قصيرة الأمد ، واليوم عمل ولا حساب ، وغدا حساب ولا عمل ، والموت يأتي بغتة ، فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَآخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ . ( النحل : 61 ) .
دنا وقت الحساب والجزاء ، والناس غافلون عن حسابهم ، ساهون لا يفكرون في عاقبتهم ، مع أن قضية العقل تقضي بجزاء المحسن والمسيء ، ومن شأن كفار مكة أنهم إذا تلى عليهم الوحي ، ونبهوا من غفلتهم ، بما يتلى عليهم من الآيات والنذر ، أعرضوا ، وسدوا آذانهم عن سماع الوحي ، وعن التنبيه لأمور الآخرة .
{ 1 - 4 } { بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ * مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ * لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ * قَالَ رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ }
هذا تعجب من حالة الناس ، وأنه لا ينجع فيهم تذكير ، ولا يرعون إلى نذير ، وأنهم قد قرب حسابهم ، ومجازاتهم على أعمالهم الصالحة والطالحة ، والحال أنهم في غفلة معرضون ، أي : غفلة عما خلقوا له ، وإعراض عما زجروا به . كأنهم للدنيا خلقوا ، وللتمتع بها ولدوا ، وأن الله تعالى لا يزال يجدد لهم التذكير والوعظ ، ولا يزالون في غفلتهم وإعراضهم ، ولهذا قال : { مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ } .
الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على أفضل المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه وأتباعه ومن دعا بدعوته إلى يوم الدين .
وبعد : فهذا تفسير تحليلي لسورة ( الأنبياء ) وأسأل الله –تعالى- أن يجعله خالصا لوجهه ، ونافعا لعباده وشفيعا لنا يوم نلقاه . ( يوم لا ينفع مال ولا بنون . إلا من أتى الله بقلب سليم ) .
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .
1- سورة الأنبياء ، من السور المكية . وعدد آياتها اثنتا عشرة ومائة عند الكوفيين .
وعند غيرهم إحدى إحدى عشرة آية ومائة . وكان نزولها بعد سورة إبراهيم .
قال الآلوسي : وهي سورة عظيمة ، فيها موعظة فخيمة ، فقد أخرج ابن مردويه وأبو نعيم في الحلية ، وابن عساكر ، عن عامر بن ربيعة أنه نزل به رجل من العرب فأكرمه عامر ، وكلم فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاءه الرجل فقال : إني استقطعت رسول الله صلى الله عليه وسلم واديا ما في العرب واد أفضل منه . وقد أردت أن أقطع لك منه قطعة تكون لك ولعقبك من بعدك .
فقال عامر : لا حاجة لي في ذلك ، فقد نزلت اليوم سورة أذهلتنا عن الدنيا .
ثم قرأ : [ اقترب للناس حسابهم وهم في غفلة معرضون . . ]( {[1]} ) .
2- وعندما نقرأ هذه السورة الكريمة بتدبر وتأمل ، نراها في مطلعها تسوق لنا ما يهز القلوب ، ويحملها على الاستعداد لاستقبال يوم القيامة بالإيمان والعمل الصالح ، ويزجرها عن الغفلة والإعراض .
قال –تعالى- : [ اقترب للناس حسابهم وهم في غفلة معرضون . ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث إلا استمعوه وهم يلعبون . . ] .
3- ثم تحكي السورة بعد ذلك ألوانا من الشبهات التي أثارها المشركون حول الرسول صلى الله عليه وسلم وحول دعوته ، وردت عليهم بما يبطل شبهاتهم وأقوالهم ، فقال –تعالى- : [ بل قالوا أضغاث أحلام بل افتراه ، بل هو شاعر ، فليأتنا بآية كما أرسل الأولون* ما آمنت قبلهم من قرية أهلكناها أفهم يؤمنون* وما أرسلنا قبلك إلا رجالا نوحي إليهم فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون* وما جعلناهم جسداً لا يأكلون الطعام وما كانوا خالدين ] .
4- ثم ساقت السورة الكريمة بعد ذلك أدلة متعددة على وحدانية الله –تعالى- وعلى شمول قدرته . منها قوله –عز وجل- : [ أم اتخذوا آلهة من الأرض هم ينشرون* لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا فسبحان الله رب العرش عما يصفون* لا يسأل عما يفعل وهم يسألون ] .
وقوله –سبحانه- : [ أو لم ير الذين كفروا أن السموات والأرض كانتا رتقا ففتقناهما ، وجعلنا من الماء كل شيء حي أفلا يؤمنون* وجعلنا في الأرض رواسي أن تميد بهم* وجعلنا فيها فجاجا سبلا لعلهم يهتدون* وجعلنا السماء سقفا محفوظا وهم عن آياتها معرضون ] .
5- وبعد أن ذكرت السورة ألوانا من نعم الله على خلقه ، وحكت جانبا من تصرفات المشركين السيئة مع النبي صلى الله عليه وسلم أتبعت ذلك بتسليته صلى الله عليه وسلم عما قالوه في شأنه .
قال –تعالى- : [ ولقد استهزئ برسل من قبلك فحاق بالذين سخروا منهم ما كانوا به يستهزئون ] .
6- ثم عرضت السورة الكريمة جانبا من قصص بعض الأنبياء ، تارة على سبيل الإجمال ، وتارة بشيء من التفصيل ، فتحدثت عن موسى وهارون ، وعن إبراهيم ولوط ، وعن إسحاق ويعقوب ، وعن نوح وأيوب ، وعن داود وسليمان ، وعن إسماعيل وإدريس ، وعن يونس وزكريا .
وفي نهاية حديثها عنهم –صلوات الله وسلامه عليهم- عقبت بالمقصود الأساسي من رسالتهم ، وهو دعوة الناس جميعا إلى إخلاص العبادة لله –تعالى- ، وأنهم جميعا قد جاءوا برسالة واحدة في جوهرها ، فقال –تعالى- : [ إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون ] .
7- ثم تحدثت في أواخرها عن أشراط الساعة ، وعن أهوالها ، وعن أحوال الناس فيها .
قال –تعالى- : [ حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج وهم من كل حدب ينسلون* واقترب الوعد الحق فإذا هي شاخصة أبصار الذين كفروا ، يا ويلنا قد كنا في غفلة من هذا بل كنا ظالمين ] .
8- ثم ختم –سبحانه- سورة الأنبياء بالحديث عن سنة من سننه التي لا تتخلف ، وعن رسالة نبيه صلى الله عليه وسلم وعن موقفه من أعدائه ، فقال –تعالى- :
[ ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون* إن في هذا لبلاغا لقوم عابدين* وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين* قل إنما يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد فهل أنتم مسلمون* فإن تولوا فقل آذنتكم على سواء ، وإن أدري أقريب أم بعيد ما توعدون* إنه يعلم الجهر من القول ويعلم ما تكتمون* وإن أدري لعله فتنة لكم ومتاع إلى حين* قال رب احكم بالحق وربنا الرحمن المستعان على ما تصفون ] .
وبعد : فهذا عرض إجمالي لسورة الأنبياء ، ومنه نرى أنها قد أقامت ألوانا من الأدلة على وحدانية الله –تعالى- ، وعلى صدق الرسول صلى الله عليه وسلم فيما يبلغه عن ربه ، وعلى أن يوم القيامة حق . . .
كما حكت شبهات المشركين وردت عليها بما يبطلها ، كما ساقت نماذج متعددة من قصص الأنبياء –عليهم الصلاة والسلام .
ونسأل الله –تعالى- أن يجعل هذا العمل خالصا لوجهه الكريم . وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين .
قوله - سبحانه - : { اقترب } من القرب الذى هو ضد البعد .
والمعنى : قرب الزمن الذى يحاسب فيه الناس على أعمالهم فى الدنيا ، والحال أن الكافرين منهم فى غفلة تامة عن هذا الحساب ، وفى إعراض مستمر عن الاستعداد له بالإيمان والعمل الصالح .
قال الإمام ابن كثير : هذا تنبيه من الله - عز وجل - على اقتراب الساعة ودنوها ، وأن الناس فى غفلة عنها ، أى لا يعملون لها ، ولا يستعدون من أجلها .
قال - تعالى - : { أتى أَمْرُ الله فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ . . . } وقال : { اقتربت الساعة وانشق القمر وَإِن يَرَوْاْ آيَةً يُعْرِضُواْ وَيَقُولُواْ سِحْرٌ مُّسْتَمِرٌّ } وعبر سبحانه - بالقرب مع أنه قد مضى على نزول هذه الآية وأمثالها أكثر من أربعة عشر قرنا ، لأن كل آت وإن طالت أوقات استقباله وترقبه ، قريب الوقوع ، ولأن ذلك الوقت وإن كان كبيرا فى عرف الناس ، إلا أنه عند الله - تعالى - قليل ، كما قال - سبحانه - : { وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بالعذاب وَلَن يُخْلِفَ الله وَعْدَهُ وَإِنَّ يَوْماً عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ } وقال - تعالى - : { إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيداً وَنَرَاهُ قَرِيباً } وقال - تعالى - : { اقترب لِلنَّاسِ . . . } بلفظ العموم ، مع أن ما بعده من ألفاظ الغفلة والإعراض يشعر بأن المراد بهم الكافرون ، للتنبيه على أن الحساب سيشمل الجميع ، إلا أنه بالنسبة للكافرين سيكون حسابا عسيرا .
قال صاحب الكشاف : وصفهم بالغفلة مع الإعراض ، على معنى : أنهم غافلون عن حسابهم ساهون لا يتفكرون فى عاقبتهم ، ولا يتفطنون لما ترجع إليه خاتمة أمرهم ، مع اقتضاء عقولهم أنه لا بد من جزاء للمحسن والمسىء . وإذا قرعت لهم العصا ، ونبهوا عن سنة الغفلة ، وفطنوا لذلك بما يتلى عليهم من الآيات والنذر ، أعرضوا وسدوا أسماعهم ونفروا .
وفى التعبير عن اقتراب يوم القيامة باقتراب الحساب ، زيادة فى الترهيب والتخويف ، وفى الحض على الاستعداد لهذا اليوم ، لأنه يوم يحاسب فيه الناس على أعمالهم فى الدنيا حسابا دقيقا ، ولن تملك فيه نفس لنفس شيئا ، وإنما يجازى فيه كل إنسان بحسب عمله .