الوجيز في تفسير الكتاب العزيز للواحدي - الواحدي [إخفاء]  
{وَإِنۡ خِفۡتُمۡ أَلَّا تُقۡسِطُواْ فِي ٱلۡيَتَٰمَىٰ فَٱنكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ ٱلنِّسَآءِ مَثۡنَىٰ وَثُلَٰثَ وَرُبَٰعَۖ فَإِنۡ خِفۡتُمۡ أَلَّا تَعۡدِلُواْ فَوَٰحِدَةً أَوۡ مَا مَلَكَتۡ أَيۡمَٰنُكُمۡۚ ذَٰلِكَ أَدۡنَىٰٓ أَلَّا تَعُولُواْ} (3)

{ وإن خفتم ألا تقسطوا } ألا تعدلوا { في اليتامى } أي في نكاح اليتامى وهمكم ذلك { فانكحوا ما طاب } أي الطيب { لكم من النساء } يعني من اللاتي تحل دون المحرمات والمعنى أن الله سبحانه قال لنا فكما تخافون ألا تعدلوا بين اليتامى إذا كفلتموهم فخافوا أيضا ألا تعدلوا بين النساء إذا نكحتموهن فانكحوا من النساء { مثنى } أي اثنتين اثنتين { وثلاث } ثلاثا ثلاثا { ورباع } أربعا أربعا { فإن خفتم ألا تعدلوا } أي في الأربع { فواحدة } أي فلينكح كل واحد منكم واحدة و { ذلك } أن نكاح هؤلاء النسوة على قلة عددهن { أدنى } أي أقرب إلى العدل وهو قوله { ألا تعولوا } أي تميلوا وتجوروا

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَإِنۡ خِفۡتُمۡ أَلَّا تُقۡسِطُواْ فِي ٱلۡيَتَٰمَىٰ فَٱنكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ ٱلنِّسَآءِ مَثۡنَىٰ وَثُلَٰثَ وَرُبَٰعَۖ فَإِنۡ خِفۡتُمۡ أَلَّا تَعۡدِلُواْ فَوَٰحِدَةً أَوۡ مَا مَلَكَتۡ أَيۡمَٰنُكُمۡۚ ذَٰلِكَ أَدۡنَىٰٓ أَلَّا تَعُولُواْ} (3)

فيه أربع عشرة مسألة :

الأولى : قوله تعالى : " وإن خفتم " شرط ، وجوابه " فانكحوا " . أي إن خفتم ألا تعدلوا في مهورهن وفي النفقة عليهن " فانكحوا ما طاب لكم " أي غيرهن . وروى الأئمة واللفظ لمسلم عن عروة بن الزبير عن عائشة في قول الله تعالى : " وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع " قالت : يا ابن أختي هي اليتيمة تكون في حجر وليها تشاركه في ماله فيعجبه مالها وجمالها ، فيريد وليها أن يتزوجها من غير أن يقسط في صداقها فيعطيها مثل ما يعطيها غيره ، فنهوا أن ينكحوهن إلا أن يقسطوا لهن ويبلغوا بهن أعلى سنتهن من الصداق وأمروا أن ينكحوا ما طاب لهم من النساء سواهن . وذكر الحديث . وقال ابن خويز منداد : ولهذا قلنا إنه يجوز أن يشتري الوصي من مال اليتيم لنفسه ، ويبيع من نفسه من غير محاباة . وللموكل النظر فيما اشترى وكيله لنفسه أو باع منها . وللسلطان النظر فيما يفعله الوصي من ذلك . فأما الأب فليس لأحد عليه نظر ما لم تظهر عليه المحاباة فيعترض عليه السلطان حينئذ ، وقد مضى في " البقرة " {[3911]} القول في هذا . وقال الضحاك والحسن وغيرهما : إن الآية ناسخة لما كان في الجاهلية وفي أول الإسلام ، من أن للرجل أن يتزوج من الحرائر ما شاء ، فقصرتهن الآية على أربع . وقال ابن عباس وابن جبير وغيرهما : ( المعنى وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فكذلك خافوا في النساء ) ؛ لأنهم كانوا يتحرجون في اليتامى ولا يتحرجون في النساء و " خفتم " من الأضداد ، فإنه يكون المخوف منه معلوم الوقوع ، وقد يكون مظنونا ؛ فلذلك اختلف العلماء في تفسير هذا الخوف . فقال أبو عبيدة : " خفتم " بمعنى أيقنتم . وقال آخرون : " خفتم " ظننتم . قال ابن عطية : وهذا الذي اختاره الحذاق ، وأنه على بابه من الظن لا من اليقين . التقدير من غلب على ظنه التقصير في القسط لليتيمة فليعدل عنها . و " تقسطوا " معناه تعدلوا . يقال : أقسط الرجل إذا عدل . وقسط إذا جار وظلم صاحبه . قال الله تعالى : " وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطبا " {[3912]} [ الجن : 15 ] يعني الجائرون . وقال عليه السلام : ( المقسطون في الدين على منابر من نور يوم القيامة ) يعني العادلين . وقرأ ابن وثاب والنخعي " تقسطوا " بفتح التاء من قسط على تقدير زيادة " لا " كأنه قال : وإن خفتم أن تجوروا .

الثانية : قوله تعالى : " فانكحوا ما طاب لكم من النساء " إن قيل : كيف جاءت " ما " للآدميين وإنما أصلها لما لا يعقل ، فعنه أجوبة خمسة : الأول - أن " من " و " ما " قد يتعاقبان ، قال الله تعالى : " والسماء وما بناها " {[3913]} [ الشمس : 5 ] أي ومن بناها . وقال " فمنهم من يمشي على بطنه ومنهم من يمشي على رجلين ومنهم من يمشي على أربع " {[3914]} [ النور :45 ] . فما ههنا لمن يعقل وهن النساء ؛ لقوله بعد ذلك " من النساء " مبينا لمبهم . وقرأ ابن أبي عبلة " من طاب " على ذكر من يعقل . الثاني : قال البصريون : " ما " تقع للنعوت كما تقع لما لا يعقل يقال : ما عندك ؟ فيقال : ظريف وكريم . فالمعنى فانكحوا الطيب من النساء ، أي الحلال ، وما حرمه الله فليس بطيب . وفي التنزيل " وما رب العالمين " {[3915]} فأجابه موسى على وفق ما سأل ، وسيأتي . الثالث : حكى بعض الناس أن " ما " في هذه الآية ظرفية ، أي ما دمتم تستحسنون النكاح قال ابن عطية : وفي هذا المنزع ضعف . جواب رابع : قال الفراء " ما " ههنا مصدر . وقال النحاس : وهذا بعيد جدا ، لا يصح فانكحوا الطيبة . قال الجوهري : طاب الشيء يطيب طيبة وتطيابا . قال علقمة :

كأن تَطيابَها في الأنف مشموم{[3916]}

جواب خامس : وهو أن المراد بما هنا العقد ، أي فانكحوا نكاحا طيبا . وقراءة ابن أبي عبلة ترد هذه الأقوال الثلاثة . وحكى أبو عمرو بن العلاء أن أهل مكة إذا سمعوا الرعد قالوا : سبحان ما سبح له الرعد . أي سبحان من سبح له الرعد . ومثله قولهم : سبحان ما سخركن لنا . أي من سخركن . واتفق كل من يعاني العلوم على أن قوله تعالى : " وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى " ليس له مفهوم ؛ إذ قد أجمع المسلمون على أن من لم يخف القسط في اليتامى له أن ينكح أكثر من واحدة : اثنتين أو ثلاثا أو أربعا كمن خاف . فدل على أن الآية نزلت جوابا لمن خاف ذلك ، وأن حكمها أعم من ذلك .

الثالثة : تعلق أبو حنيفة بهذه الآية في تجويزه{[3917]} نكاح اليتيمة قبل البلوغ . وقال : إنما تكون يتيمة قبل البلوغ ، وبعد البلوغ هي امرأة مطلقة لا يتيمة ، بدليل أنه لو أراد البالغة لما نهى عن حطها عن صداق مثلها ؛ لأنها تختار ذلك فيجوز إجماعا . وذهب مالك والشافعي والجمهور من العلماء إلى أن ذلك لا يجوز حتى تبلغ وتستأمر ؛ لقوله تعالى : " ويستفتونك في النساء " [ النساء : 127 ] والنساء اسم ينطلق على الكبار كالرجال في الذكور ، واسم الرجل لا يتناول الصغير ، فكذلك اسم النساء ، والمرأة لا يتناول الصغيرة . وقد قال : " في يتامى النساء " [ النساء : 127 ] والمراد به هناك اليتامى هنا ، كما قالت عائشة رضي الله عنها . فقد دخلت اليتيمة الكبيرة في الآية فلا تزوج إلا بإذنها ، ولا تنكح الصغيرة إذ لا إذن لها ، فإذا بلغت جاز نكاحها لكن لا تزوج إلا بإذنها . كما رواه الدارقطني من حديث محمد بن إسحاق عن نافع عن ابن عمر قال : زوجني خالي قدامة بن مظعون بنت أخيه عثمان بن مظعون ، فدخل المغيرة بن شعبة على أمها ، فأرغبها في المال وخطبها إليها ، فرفع شأنها إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال قدامة : يا رسول الله ابنة أخي وأنا وصي أبيها ولم أقصر بها ، زوجتها من قد علمت فضله وقرابته . فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إنها يتيمة واليتيمة أولى بأمرها ) فنزعت مني وزوجها المغيرة بن شعبة . قال الدارقطني : لم يسمعه محمد بن إسحاق من نافع ، وإنما سمعه من عمر بن حسين عنه . ورواه ابن أبي ذئب عن عمر بن حسين عن نافع عن عبدالله بن عمر : أنه تزوج بنت خاله عثمان بن مظعون قال : فذهبت أمها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت : إن ابنتي تكره ذلك . فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يفارقها ففارقها . وقال : ( ولا تنكحوا اليتامى حتى تستأمروهن فإذا سكتن فهو إذنها ) . فتزوجها بعد عبدالله المغيرة بن شعبة . فهذا يرد ما يقوله أبو حنيفة من أنها إذا بلغت لم تحتج إلى ولي ، بناء على أصله في عدم اشتراط الولي في صحة النكاح . وقد مضى في " البقرة " {[3918]} ذكره ، فلا معنى لقولهم : إن هذا الحديث محمول على غير البالغة لقوله ( إلا بإذنها ) فإنه كان لا يكون لذكر اليتيم معنى . والله أعلم .

الرابعة : وفي تفسير عائشة للآية من الفقه ما قال به مالك صداق المثل ، والرد إليه فيما فسد من الصداق ووقع الغبن في مقداره ؛ لقولها : ( بأدنى من سنة صداقها ) . فوجب أن يكون صداق المثل معروفا لكل صنف من الناس على قدر أحوالهم . وقد قال مالك : للناس مناكح عرفت لهم وعرفوا لها . أي : صَدُقات وأكفاء . وسئل مالك عن رجل زوج ابنته [ غنية ]{[3919]} من ابن أخ له فقير فاعترضت أمها فقال : إني لأرى لها في ذلك متكلما ، فسوغ لها في ذلك الكلام حتى يظهر هو من نظره ما يسقط اعتراض الأم عليه . وروي " لا أرى " بزيادة الألف والأول أصح . وجائز لغير اليتيمة أن تنكح بأدنى من صداق مثلها ؛ لأن الآية إنما خرجت في اليتامى . هذا مفهومها وغير اليتيمة بخلافها .

الخامسة : فإذا بلغت اليتيمة وأقسط الولي في صداقها جاز له أن يتزوجها ، ويكون هو الناكح والمنكح على ما فسرته عائشة . وبه قال أبو حنيفة والأوزاعي والثوري وأبو ثور ، وقاله من التابعين الحسن وربيعة ، وهو قول الليث . وقال زفر والشافعي : لا يجوز له أن يتزوجها إلا بإذن السلطان ، أو يزوجها منه ولي لها هو أقعد بها منه ، أو مثله في القعود{[3920]} ، وأما أن يتولى طرفي العقد بنفسه فيكون ناكحا منكحا فلا . واحتجوا بأن الولاية شرط من شروط العقد لقوله عليه السلام : ( لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل ) . فتعديد الناكح والمنكح والشهود واجب ، فإذا اتحد اثنان منهم سقط واحد من المذكورين . وفي المسألة قول ثالث ، وهو أن تجعل أمرها إلى رجل يزوجها منه . روي هذا عن المغيرة بن شعبة ، وبه قال أحمد ، ذكره ابن المنذر .

السادسة : قوله تعالى : " ما طاب لكم من النساء " معناه ما حل لكم ، عن الحسن وابن جبير وغيرهما . واكتفى بذكر من يجوز نكاحه ؛ لأن المحرمات من النساء كثير . وقرأ ابن إسحاق والجحدري وحمزة " طاب " " بالإمالة " وفي مصحف أبي " طيب " بالياء ، فهذا دليل الإمالة . " من النساء " دليل على أنه لا يقال نساء إلا لمن بلغ الحلم . وواحد النساء نسوة ، ولا واحد لنسوة من لفظه ، ولكن يقال امرأة .

السابعة : قوله تعالى : " مثنى وثلاث ورباع " وموضعها من الإعراب نصب على البدل من " ما " وهي نكرة لا تنصرف ؛ لأنها معدولة وصفة ، كذا قال أبو علي . وقال الطبري : هي معارف ؛ لأنها لا يدخلها الألف واللام ، وهي بمنزلة عمر في التعريف ، قاله الكوفي . وخطأ الزجاج هذا القول . وقيل : لم ينصرف ؛ لأنه معدول عن لفظه ومعناه ، فأحاد معدول عن واحد واحد ، ومثنى معدولة عن اثنين اثنين ، وثلاث معدولة عن ثلاثة ثلاثة ، ورباع عن أربعة أربعة . وفي كل واحد منها لغتان : فعال ومفعل ، يقال أحاد وموحد وثناء ومثنى وثلاث ومثلث ورباع ومربع ، وكذلك إلى معشر وعشار . وحكى أبو إسحاق الثعلبي لغة ثالثة : أحد وثنى وثلث وربع مثل عمر وزفر . وكذلك قرأ النخعي في هذه الآية . وحكى المهدوي عن النخعي وابن وثاب " ثلاث وربع " بغير ألف في ربع فهو مقصور من رباع استخفافا ، كما قال :

أقبل سَيْلُ جاء من عند الله *** يَحرِدُ حرد الجنة المُغِلَّهْ{[3921]}

قال الثعلبي : ولا يزاد من هذا البناء على الأربع إلا بيت جاء عن الكميت :

فلم يسْتَريثُوك حتى رمي *** تَ فوق الرجال خصالا عشارا

يعني طعنت عشرة . وقال ابن الدهان : وبعضهم يقف على المسموع وهو من أحاد إلى رباع ولا يعتبر بالبيت لشذوذه . وقال أبو عمرو بن الحاجب : ويقال أحاد وموحد وثناء ومثنى وثلاث ومثلث ورباع ومربع . وهل يقال فيما عداه إلى التسعة أو لا يقال ؟ فيه خلاف أصحها أنه لم يثبت . وقد نص البخاري في صحيحه على ذلك . وكونه معدولا عن معناه أنه لا يستعمل في موضع تستعمل فيه الأعداد غير المعدولة ، تقول : جاءني اثنان وثلاثة ، ولا يجوز مثنى وثلاث حتى يتقدم قبله جمع ، مثل جاءني القوم أحاد وثناء وثلاث ورباع من غير تكرار . وهي في موضع الحال هنا وفي الآية ، وتكون صفة ، ومثال كون هذه الأعداد صفة يتبين في قوله تعالى : " أولي أجنحة مثنى وثلاث ورباع " {[3922]} [ فاطر : 1 ] فهي{[3923]} صفة للأجنحة وهي{[3924]} نكرة . وقال ساعدة بن جؤية :

ولكنما أهلي بوادٍ أنيسه *** ذئاب تَبَغَّى الناس مثنى ومَوْحَدُ{[3925]}

وأنشد الفراء :

قتلنا به من بين مثنى ومَوْحَدِ *** بأربعة منكم وآخر خامس{[3926]}

فوصف ذئابا وهي نكرة بمثنى وموحد ، وكذلك بيت الفراء ، أي قتلنا به ناسا ، فلا تنصرف إذا هذه الأسماء في معرفة ولا نكرة . وأجاز الكسائي والفراء صرفه في العدد على أنه نكرة . وزعم الأخفش أنه إن سمى به صرفه في المعرفة والنكرة ؛ لأنه قد زال عنه العدل .

الثامنة : اعلم أن هذا العدد مثنى وثلاث ورباع لا يدل على إباحة تسع ، كما قال من بعد فهمه للكتاب والسنة ، وأعرض عما كان عليه سلف هذه الأمة ، وزعم أن الواو جامعة ، وعضد ذلك بأن النبي صلى الله عليه وسلم نكح تسعا ، وجمع بينهن في عصمته . والذي صار إلى هذه الجهالة ، وقال هذه{[3927]} المقالة الرافضة وبعض أهل الظاهر ، فجعلوا مثنى مثل اثنين ، وكذلك ثلاث ورباع . وذهب بعض أهل الظاهر أيضا إلى أقبح منها ، فقالوا بإباحة الجمع بين ثمان عشرة ؛ تمسكا منه بأن العدل في تلك الصيغ يفيد التكرار والواو للجمع ، فجعل مثنى بمعنى اثنين اثنين وكذلك ثلاث ورباع . وهذا كله جهل باللسان والسنة ، ومخالفة لإجماع الأمة ، إذ لم يسمع عن أحد من الصحابة ولا التابعين أنه جمع في عصمته أكثر من أربع . وأخرج مالك في موطئه ، والنسائي والدارقطني في سننهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لغيلان بن أمية الثقفي وقد أسلم وتحته عشر نسوة : ( اختر منهن أربعا وفارق سائرهن ) . في كتاب أبي داود عن الحارث بن قيس قال : أسلمت وعندي ثمان نسوة ، فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال : ( اختر منهن أربعا ) . وقال مقاتل : إن قيس بن الحارث كان عنده ثمان نسوة حرائر ، فلما نزلت هذه الآية أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يطلق أربعا ويمسك أربعا . كذا قال : " قيس بن الحارث " ، والصواب أن ذلك كان حارث بن قيس الأسدي كما ذكر أبو داود . وكذا روى محمد بن الحسن في كتاب السير الكبير : أن ذلك كان حارث بن قيس ، وهو المعروف عند الفقهاء . وأما ما أبيح من ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فذلك من خصوصياته ، على ما يأتي بيانه في " الأحزاب " {[3928]} . وأما قولهم : إن الواو جامعة ، فقد قيل ذلك ، لكن الله تعالى خاطب العرب بأفصح اللغات . والعرب لا تدع أن تقول تسعة وتقول اثنين وثلاثة وأربعة . وكذلك تستقبح ممن يقول : اعط فلانا أربعة ستة ثمانية ، ولا يقول ثمانية عشر . وإنما الواو في هذا الموضع بدل ، أي انكحوا ثلاثا بدلا من مثنى ، ورباع بدلا من ثلاث ؛ ولذلك عطف بالواو ولم يعطف بأو . ولو جاء بأو لجاز إلا يكون لصاحب المثنى ثلاث ، ولا لصاحب الثلاث رباع . وأما قولهم : إن مثنى تقتضي اثنين ، وثلاث ثلاثة ، ورباع أربعة ، فتحكم بما لا يوافقهم أهل اللسان عليه ، وجهالة منهم . وكذلك جهل الآخرين{[3929]} ، بأن مثنى تقتضي اثنين اثنين ، وثلاث ثلاثة ثلاثة ، ورباع أربعة أربعة ، ولم يعلموا أن اثنين اثنين ، وثلاثا ثلاثا ، وأربعا أربعا ، حصر للعدد . ومثنى وثلاث ورباع بخلافها . ففي العدد المعدول عند العرب زيادة معنى ليست في الأصل ، وذلك أنها إذا قالت : جاءت الخيل مثنى ، إنما تعني بذلك اثنين اثنين ، أي جاءت مزدوجة . قال الجوهري : وكذلك معدول العدد . وقال غيره : إذا قلت جاءني قوم مثنى أو ثلاث أو أحاد أو عشار ، فإنما تريد أنهم جاؤوك واحدا واحدا ، أو اثنين اثنين ، أو ثلاثة ثلاثة ، أو عشرة عشرة ، وليس هذا المعنى في الأصل ؛ لأنك إذا قلت جاءني قوم ثلاثة ثلاثة ، أو قوم عشرة عشرة ، فقد حصرت عدة القوم بقولك ثلاثة وعشرة . فإذا قلت جاؤوني رباع وثناء فلم تحصر عدتهم . وإنما تريد أنهم جاؤوك أربعة أربعة أو اثنين اثنين . وسواء كثر عددهم أو قل في هذا الباب ، فقصرهم كل صيغة على أقل ما تقتضيه بزعمه تحكم .

وأما اختلاف علماء المسلمين في الذي يتزوج خامسة وعنده أربع وهي :

التاسعة : فقال مالك والشافعي : عليه الحد إن كان عالما . وبه قال أبو ثور . وقال الزهري : يرجم إذا كان عالما ، وإن كان جاهلا أدنى الحدين الذي هو الجلد ، ولها مهرها ويفرق بينهما ولا يجتمعان أبدا . وقالت طائفة : لا حد عليه في شيء من ذلك . هذا قول النعمان . وقال يعقوب ومحمد : يحد في ذات المحرم ولا يحد في غير ذلك من النكاح . وذلك مثل أن يتزوج مجوسية أو خمسة{[3930]} في عقدة أو تزوج متعة{[3931]} أو تزوج بغير شهود ، أو أمة تزوجها بغير إذن مولاها . وقال أبو ثور : إذا علم أن هذا لا يحل له يجب أن يحد فيه كله إلا التزوج بغير شهود . وفيه قول ثالث قاله النخعي في الرجل ينكح الخامسة متعمدا قبل أن تنقضي عدة الرابعة من نسائه : جلد مائة ولا ينفى . فهذه فتيا علمائنا{[3932]} في الخامسة على ما ذكره ابن المنذر فكيف بما فوقها .

العاشرة : ذكر الزبير بن بكار حدثني إبراهيم الحزامي عن محمد بن معن الغفاري قال : أتت امرأة إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، فقالت : يا أمير المؤمنين ، إن زوجي يصوم النهار ويقوم الليل وأنا أكره أن أشكوه ، وهو يعمل بطاعة الله عز وجل . فقال لها : نعم الزوج{[3933]} زوجك : فجعلت تكرر عليه القول وهو{[3934]} يكرر عليها الجواب . فقال له كعب الأسدي{[3935]} : يا أمير المؤمنين ، هذه المرأة تشكو زوجها في مباعدته إياها عن فراشه . فقال عمر : ( كما فهمت كلامها فاقض بينهما ) . فقال كعب : علي بزوجها ، فأتي به فقال له : إن امرأتك هذه تشكوك . قال : أفي طعام أم شراب ؟ قال لا . فقالت المرأة :

يا أيها القاضي الحكيم رشدُه *** ألْهَى خليلي عن فراشي مسجدُه

زهده في مضجعي تعبده *** فاقض القضا كعب ولا تُردِّدُهُ

نهاره وليله ما يرقده *** فلست في أمر النساء أحمدُهُ

فقال زوجها :

زهدني في فرشها وفي الحَجَلْ{[3936]} *** أني امرؤ أذهلني ما قد نزل

في سورة النحل وفي السبع{[3937]} الطُّوَل *** وفي كتاب الله تخويف جلل

فقال كعب :

إن لها عليك حقا يا رجل *** نصيبها في أربع لمن عقل

فأعطها ذاك ودع عنك العِلَلْ

ثم قال : إن الله عز وجل قد أحل لك من النساء مثنى وثلاث ورباع ، فلك ثلاثة أيام ولياليهن تعبد فيهن ربك . فقال عمر : ( والله ما أدري من أي أمريك أعجب ؟ أمن فهمك أمرهما أم من حكمك بينهما ؟ اذهب فقد وليتك قضاء البصرة ) . وروى أبو هدبة إبراهيم بن هدبة حدثنا أنس بن مالك قال : أتت النبي صلى الله عليه وسلم امرأة تستعدي زوجها ، فقالت : ليس لي ما للنساء ، زوجي يصوم الدهر . قال : ( لك يوم وله يوم ، للعبادة يوم وللمرأة يوم ) .

الحادية عشر : قوله تعالى : " فإن خفتم ألا تعدلوا " قال الضحاك وغيره : في الميل والمحبة والجماع والعشرة والقسم بين الزوجات الأربع والثلاث والاثنتين " فواحدة " فمنع من الزيادة التي تؤدي إلى ترك العدل في القسم وحسن العشرة . وذلك دليل على وجوب ذلك ، والله أعلم . وقرئت بالرفع ، أي فواحدة فيها كفاية أو كافية . وقال الكسائي : فواحدة تقنع . وقرئت بالنصب بإضمار فعل ، أي فانكحوا واحدة .

الثانية عشر : قوله تعالى : " أو ما ملكت أيمانكم " يريد الإماء . وهو عطف على " فواحدة " أي إن خاف ألا يعدل في واحدة فما ملكت يمينه . وفي هذا دليل على ألا حق لملك اليمين في الوطء ولا القسم ؛ لأن المعنى " فإن خفتم ألا تعدلوا " في القسم " فواحدة أو ما ملكت أيمانكم " فجعل ملك اليمين كله بمنزلة واحدة ، فانتفى بذلك أن يكون للإماء حق في الوطء أو في القسم . إلا أن ملك اليمين في العدل قائم بوجوب حسن الملكة والرفق بالرقيق . وأسند تعالى الملك إلى اليمين إذ هي صفة مدح ، واليمين مخصوصة بالمحاسن لتمكنها . ألا ترى أنها المنفقة ؟ كما قال عليه السلام : ( حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه ) وهي المعاهدة المبايعة ، وبها سميت الألِيَّةُ يمينا ، وهي المتلقية لرايات المجد ، كما قال :

إذا ما راية رفعت لمجد *** تلقاها عرابة باليمين{[3938]}

الثالثة عشر : قوله تعالى : " ذلك أدنى ألا تعولوا " أي ذلك أقرب إلى ألا تميلوا عن الحق وتجوروا . عن ابن عباس ومجاهد وغيرهما . يقال : عال الرجل يعول إذا جار ومال . ومنه قولهم : عال السهم عن الهدف مال عنه . قال ابن عمر : ( إنه لعائل الكيل والوزن ) ، قال الشاعر :

قالوا{[3939]} اتبعنا رسول الله واطرحوا *** قول الرسول وعالوا في الموازين

أي جاروا . وقال أبو طالب :

بميزان صدق لا يُغِلُّ{[3940]} شعيرة *** له شاهد من نفسه غير عائل

يريد غير مائل . وقال آخر :

ثلاثة أنفس وثلاث ذَوْدٍ *** لقد عال الزمان على عيالي{[3941]}

أي جار ومال . وعال الرجل يعيل إذا افتقر فصار عالة . ومنه قوله تعالى : " وإن خفتم عيلة " {[3942]} [ التوبة : 28 ] . ومنه قول الشاعر :

وما يدري الفقير متى غناه *** وما يدري الغني متى يَعِيلُ{[3943]}

وهو عائل وقوم عيلة ، والعيلة والعالة الفاقة ، وعالني الشيء يعولني إذا غلبني وثقل علي ، وعال الأمر اشتد وتفاقم . وقال الشافعي : " ألا تعولوا " [ النساء : 3 ] ألا تكثر عيالكم . قال الثعلبي : وما قال هذا غيره ، وإنما يقال : أعال يعيل إذا كثر عيال . وزعم ابن العربي أن عال على سبعة معان لا ثامن لها ، يقال : عال مال ، الثاني : زاد ، الثالث : جار ، الرابع : افتقر ، الخامس : أثقل ، حكاه ابن دريد . قالت الخنساء :

ويكفي العشيرة{[3944]} ما عالها

السادس : عال قام بمؤونة العيال ، ومنه قوله عليه السلام : ( وابدأ بمن تعول ) . السابع : عال غلب ، ومنه عيل صبره{[3945]} . أي غلب . ويقال : أعال الرجل كثر عيال . وأما عال بمعنى كثر عياله فلا يصح . قلت : أما قول الثعلبي " ما قاله غيره " فقد أسنده الدارقطني في سننه عن زيد بن أسلم ، وهو قول جابر بن زيد ، فهذان إمامان من علماء المسلمين وأئمتهم قد سبقا الشافعي إليه . وأما ما ذكره ابن العربي من الحصر وعدم الصحة فلا يصح . وقد ذكرنا : عال الأمر اشتد وتفاقم ، حكاه الجوهري . وقال الهروي في غريبه : " وقال أبو بكر : يقال عال الرجل في الأرض يعيل فيها{[3946]} أي ضرب فيها . وقال الأحمر : يقال عالني الشيء يعيلني عيلا ومعيلا إذا أعجزك " . وأما عال كثر عياله فذكره الكسائي وأبو عمر الدوري وابن الأعرابي . قال الكسائي أبو الحسن علي بن حمزة : العرب تقول عال يعول وأعال يعيل أي كثر عياله . وقال أبو حاتم : كان الشافعي أعلم بلغة العرب منا ، ولعله لغة . قال الثعلبي المفسر : قال أستاذنا أبو القاسم بن حبيب : سألت أبا عمر الدوري عن هذا وكان إماما في اللغة غير مدافع فقال : هي لغة حمير ، وأنشد :

وإن الموت يأخذ كل حي *** بلا شك وإن أمشى وعَالاَ

يعني وإن كثرت ماشيته وعياله . وقال أبو عمرو بن العلاء : لقد كثرت وجوه العرب حتى خشيت{[3947]} أن آخذ عن لاحن لحنا . وقرأ طلحة بن مصرف " ألا تعيلوا " وهي حجة الشافعي رضي الله عنه . قال ابن عطية : وقدح الزجاج وغيره في تأويل عال من العيال بأن قال : إن الله تعالى قد أباح كثرة السراري وفي ذلك تكثير العيال ، فكيف يكون أقرب إلى ألا يكثر العيال . وهذا القدح غير صحيح ؛ لأن السراري إنما هي مال يتصرف فيه بالبيع ، وإنما العيال{[3948]} القادح الحرائر ذوات الحقوق الواجبة . وحكى ابن الأعرابي أن العرب تقول : عال الرجل إذا كثر عياله .

الرابعة عشر : تعلق بهذه الآية من أجاز للمملوك أن يتزوج أربعا ؛ لأن الله تعالى قال : " فانكحوا ما طاب لكم من النساء " يعني ما حل " مثنى وثلاث ورباع " ولم يخص عبدا من حر . وهو قول داود والطبري وهو المشهور عن مالك وتحصيل مذهبه على ما في موطئه ، وكذلك روى عنه ابن القاسم وأشهب . وذكر ابن المواز أن ابن وهب روى عن مالك أن العبد لا يتزوج إلا اثنتين ، قال وهو قول الليث . قال أبو عمر : قال الشافعي وأبو حنيفة وأصحابهما والثوري والليث بن سعد : لا يتزوج العبد أكثر من اثنتين ، وبه قال أحمد وإسحاق . وروي عن عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وعبدالرحمن بن عوف في العبد لا ينكح أكثر من اثنتين ، ولا أعلم لهم مخالفا من الصحابة . وهو قول الشعبي{[3949]} وعطاء وابن سيرين والحكم{[3950]} وإبراهيم وحماد{[3951]} . والحجة لهذا القول القياس الصحيح على طلاقه وحده . وكل من قال حده نصف حد الحر ، وطلاقه تطليقتان ، وإيلاؤه شهران ، ونحو ذلك من أحكامه فغير بعيد أن يقال : تناقض في قوله " ينكح أربعا " والله أعلم .


[3911]:راجع ج 3 ص 62.
[3912]:راجع ج 19 ص 15.
[3913]:راجع ج 20 ص 74.
[3914]:راجع ج 12 ص 291.
[3915]:راجع ج 13 ص 98.
[3916]:هذا عجز بيت وصدره: يحملن أترجة نضخ العبير بها.
[3917]:كذا في هـ و ط و ي.
[3918]:راجع ج 3 ص 72.
[3919]:زيادة من أحكام القرآن لابن العربي.
[3920]:أقعد: أقرب إلى الجد الأكبر.
[3921]:حرد يحرد بالكسر حردا: قصد.
[3922]:راجع ج 14 ص 319.
[3923]:من ب و ج و ط و ز.
[3924]:من ب و ج و ط و ز.
[3925]:تبغي الناس: تطلبهم.
[3926]:الذي في معاني القرآن للفراء: وإن الغلام المستهام بذكره *** قتلنا به من بين مثنى وموحد بأربعة منكم وآخر خامس *** وساد مع الإظلام في رمح معبد كذا في شرح التسهيل.
[3927]:في هـ :بهذه.
[3928]:راجع ج 14 ص 212.
[3929]:في أ: جهله الآخرون لأن الخ.
[3930]:في ج: أو ستة أو خمسة.
[3931]:كذا في ط و ج و ب و ز و هـ و ي. وفي أ: معتدة ولعله أحق.
[3932]:في ط و ب و ج و ي: علماء المسلمين.
[3933]:في ب و ط: نعم الرجل.
[3934]:من ب و ط و هـ و ز.
[3935]:هو كعب بن سوار الأزدي. راجع أسد الغابة.
[3936]:الحجل: جمع حجلة بفتحتين، وهي بيت يزين للعروس بالثياب والأسرة والستور.
[3937]:السبع الطول من سور القرآن وهي البقرة وآل عمران والنساء والمائدة والأنعام والأعراف واختلفوا في السابعة فمنهم من قال براءة والأنفال عدهما سورة واحدة، ومنهم من جعلها سورة يونس. والطول جمع الطولى. وفي ب و ج و ز و هـ: النمل بدل النحل.
[3938]:البيت للشماخ يمدح عرابة الأوسي. وقبله: رأيت عرابة الأوسي يسمو *** إلى الخيرات منقطع القرين
[3939]:في اللسان مادة عول....: إنا تبعنا .... الخ.
[3940]:في ج : يخيس. وفي ابن عطية رواية: بميزان قسط لا يخيس شعيرة *** ووازن صدق وزنه غير عائل
[3941]:البيت للحطيئة. وفيه شاهد آخر، وهو تذكير الثلاثة والنفس مؤنثة لحملها على معنى الشخص وثلاث ذود: أنوق كان يقوم بها على عياله ففضلت له، في ب و ي و ط و د: نحن ثلاثة. وهي رواية الأغاني ج 2 ص 173.
[3942]:راجع ج 8 ص 106.
[3943]:البيت لأحيحة بن الجلاح وبعده: وما تدري إذا أزمعت أمرا *** بأي الأرض يدركك المقيل
[3944]:في ديوانها: وما كان أدنى ولكنه *** سيكفي العشيرة ما عالها
[3945]:في ب و هـ: صبري.
[3946]:في ط: إذا.
[3947]:في ب و ي و ط و ز: حييت.
[3948]:الزيادة في ط و ج و ب، وابن عطية والبحر.
[3949]:في ب: الشافعي. في أ: الحسن.
[3950]:في ط و ج.
[3951]:من ج و ط.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{وَإِنۡ خِفۡتُمۡ أَلَّا تُقۡسِطُواْ فِي ٱلۡيَتَٰمَىٰ فَٱنكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ ٱلنِّسَآءِ مَثۡنَىٰ وَثُلَٰثَ وَرُبَٰعَۖ فَإِنۡ خِفۡتُمۡ أَلَّا تَعۡدِلُواْ فَوَٰحِدَةً أَوۡ مَا مَلَكَتۡ أَيۡمَٰنُكُمۡۚ ذَٰلِكَ أَدۡنَىٰٓ أَلَّا تَعُولُواْ} (3)

قوله تعالى : ( وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فأنكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم ذلك أدنى ألا تعولوا ) .

سبب نزول هذه الآية أن عروة بن الزبير وهو ابن أسماء بنت أبي بكر الصديق قد سأل عائشة رضي الله عنها عن هذه الآية فقالت : يا ابن أختي هي اليتيمة تكون في حجر وليّها تشاركه في ماله فيعجبه مالها وجمالها فيريد وليّها أن يتزوجها من غير أن يقسط في صداقها فيعطيها مثل ما يعطيها غيره ، فنهوا أن ينكحوهن إلا أن يقسطوا لهن ويبلغوا بهن أعلى سنتهن من الصداق وأمروا أن ينكحوا ما طاب لهم من النساء سواهن{[687]} .

وعلى العموم فإن الآية من حيث سببها متعلقة بالخشية من الحيف يوقعه الوليّ على اليتيمة التي تكون في حجره فيما إذا رغب أن يتزوجها . فعليه إذ ذاك أن يعدل إلى من سواها من النساء تجنبا للظلم أن يقع على اليتيمة .

وقبل الحديث عن هذه الآية بالتفصيل فإنه ينبغي أن نعرض لحملة الحقد والتشويه المضلل التي يثيرها أعداء الإسلام في كل زمان ومكان حول تعدد الزوجات . وهي حملة عارمة خبيثة يثيرها خصوم الإسلام من المنافقين والكافرين ، يستوي في ذلك أن الحافز إلى مثل هذه الحملة هو الحقد المركوز في تلك الصدور أو الجهل المطبق الذي يركب رؤوس كثير من المضللين والواهمين والمخدوعين .

على أن الحكم من الناحية الشرعية هنا أن نصم بالكفر أو الردّة كل من يتطاول على الإسلام بما يلصق به شيئا من عيب أو نقيصة . فإن الإسلام هو دين الله وهو فوق كل العيوب والشبهات ، وأكمل من أن تناله نقائص أو قوادح .

أما تعدد الزوجات فهو حقيقة صريحة لا تقبل المواربة أو التأويل المتكلف . وهو كذلك إجراء إسلامي ممتاز يحسب للأمور والأحداث والظروف كل حساب . وليس الإسلام قاصرا عل أمة معينة ولا هو رهن بفترة من الزمان تمر كأي زمان . ولكن الإسلام دين البشرية مهما ازدادت أو انتشرت وهو كذلك دين الزمان كله إلى أن ينتهي الزمان كله . وعلى ذلك فإنه قمين بالإسلام أن تتحقق فيه كل عناصر الحيطة والتحسب لكافة الأحوال والملابسات فردية كانت أم جماعية كيلا يقف عاجزا عن مراعاة الظروف مهما امتدت أو الفطرة كيفما تباينت أو تفاوتت .

والإسلام بطبيعته دين وسط يقوم على الاعتدال والتوازن ويجانب التفريط أو المغالاة . فهو لا يفرض الزواج من واحدة فقط مهما تكن الظروف ، وهو لا يدع أمر النكاح بغير ضبط أو تحفظ ، فلا تفريط يحمل بواعث الضيق والتنطع والإحراج ، ولا إفراط أو مغالاة تسوق إلى الإسراف في تلفت وتسيب . بل إن الإسلام يقف من هذه المسألة الخطيرة خير موقف وينتهج أسلم أسلوب . فهو يدعو إلى الزواج أولا ويحذر من التبتّل والعزوبة . فإن كانت الحال عل السلامة والوئام بحيث يغمرها الرضى والطمأنينة والقناعة فبها ونعمت . أما إن كان ثمة ظروف ملحة تفرض شيئا من التعدد تحت اعتبارات شتى فلا مناص إذ ذاك من اللجوء إلى التعدد . وتلكم هي الاعتبارات أو بعضها :

أولها : المرض العضال يصيب الزوجة فيقعدها عن الالتزام بمهام الزوجية وفي مقدمتها المسيس . ولا يستطيع الزوج في حالة كهذه أن يطل مضطلعا بمشقة الاصطبار إلى زمن طويل حتى إنه يخشى عليه من التورط في أسباب العنت والانزلاق إذا ما سدت في وجهه سبل الزواج من أخرى .

ثانيها : العقم فقد تكون المرأة عقيما لا تلد . وفي ذلك من المضايقة والحرج ما لا يخفى إلا إذا أبيح للزوج أن ينكح أخرى عسى أن يرزق النسل . والإنسان مفطور على حب النسل ، وهو تظل تخالطه نسائم الشوق والحنين لأبناء وأحفاد تقرّ بهم عينه وتطمئن لهم نفسه . وعلى ذلك فإن من أشد ألوان المرارة التي تحيق بالنفس البشرية أن تسأم التشريع الذي يحرم عليها سببا يقود إلى النسل .

ثالثها : الحرب . وتلك حقيقة لا شك في وقوعها بين الحين والآخر . ذلك أن البشرية دائمة التطاحن والاقتتال المدمر . والشعوب والدول إذا ما اختلفت فإنها لا تتردد في اللجوء إلى أقسى السبل لفض المشكلات والخلافات ، وهي الحرب . وهي سبيل معلومة في العود على البشرية والمجتمعات بالقتل . ولا ريب أن يكون القتل في الرجال من أبرز مظاهر الحرب . الحرب التي تذهب بالرجال وتستبقي النساء لأنهن لطبيعتهن أقل اضطلاعا بواجب القتال . وفي ذلك بيان واضح في اختلال النسبة بين الرجال والنساء من حيث العدد ، فلا مناص عندئذ من معالجة الموقف بغير التعدد في الزواج ، وإلا وقعت مشكلات اجتماعية ونفسية خطيرة لسوف تفضي في الغالب إلى مفاسد وانحرافات .

رابعها : التباين بين الأفراد من حيث المطلب الغريزي . بمعنى أن ثمة تفاوتا متحققا بين الرجال في الرغبة . والناس في أمور الحياة كلها متفاوتون ، فهم متفاوتون من حيث أخلاقهم وأمزجتهم ، و من حيث طاقاتهم ومهاراتهم و من حيث قدراتهم العقلية والنفسية والروحية والبدنية ’ ومن حيث رغائبهم في المال أو البنين أو الطعام . وهم كذلك متفاوتون من حيث رغائبهم في شهوة الجنس . إذ يفترقون في هذا المجال لتتراوح النفوس والرغبات بين الفتور أو الاعتدال أو الشدة . وتلك هي سنة الله في الناس والخلائق أجمعين .

ومن جهة أخر فإن الإسلام دين صريح ومستبين ، يخاطب الإنسان عل نحو مكشوف وواضح وبغير مواربة أو ازورار . ذلك أن الإسلام يعترف للإنسان بما ركّب فيه من شهوات مركوزة فهو ( الإسلام ) يدعوه للأخذ بحظه من هذه الشهوات بعيد عن التحيل أو التدسس في الظلام . إن الإسلام بذلك يدعو بكل صراحة لا تعرف المجاملة أو التكلف إلى أن يمارس الإنسان الشهوة بالطريقة المشروعة الحلال من خلال التعاقد المشهود عل ملأ من الناس . أما أن تكون ممارسة الشهوة في غياهب الظلام وفي بطون المواخير حيث التلصص والخيانة وموات الضمير فذلك ما يأباه الإسلام ويعلن عليه الحرب والنكير . نقول ذلك ونحن نقف على حقائق مذهلة من أفاعيل الأفاكين دعاة التحرر الذين يعيبون على الإسلام صراحته النظيفة في التعدد مع أنهم مرتكسون في حمأة الأوساخ والقاذورات التي تتلطخ بها بيوت الدعارة والخنا ومواخير الفاحشة والرذيلة . وهذه هي الصورة التي يرتضيها المفسدون دعاة التحرر ويدعون لتطبيقها خيانة في الظلام وممارسة الرذيلة في خسة مخبوءة في أوكار الوحل والدنس . أما أن يتم ذلك بالتعاقد المشروع المشهود من خلال نكاح شرعي حلال فإن ذلك أمر مشين ومقبوح يعيبه المفسدون دعاة التحرر المبتذل ! ! إن هؤلاء لا يعارضون أن يقارف الرجل الشهوة مع عشرات النساء في المواخير وبيوت الدعارة ، أم أن يمارسها في زواج ثان مشروع ومحسوب فذلك تأخر ورجعية كما يتصور الأفاكون المضللون ! !

ثم متى يقع الحيف على الزوجة الثانية الجائية من جراء التعدد في الزواج ؟ إنه لم يوقع أحد عليها حيفا ؛ لأنها ارتضت الزواج بنفسها من غير قسر أو إكراه . ولو أن شيئا من القسر أو الإكراه قد وقع عليها حين الزواج لجاز أن تعتبر محيفة لكنها هي التي ارتضت لنفسها ذلك بمحض رغبتها ومطلق إرادتها .

أما الزوجة الأولى التي قد جيء إليها بضرة فإنها ليس لها أن ترفض حقا لزوجها لتحرمه من التمتع به تحت مختلف الأحوال والظروف كما بينا آنفا . لكنها إن وقع عليها حيف بسبب هذا الزواج وكان الحيف حقيقيا وخطيرا ومتعمدا من الزوج نفسه بحيث يترتب عليها من ذلك ضرر كيفما كان ، فإن لها أن ترفع الأمر إل القضاء . وشأن القاضي في ذلك أن يرفع عنها الضرر حتى ولو أد ذلك إلى التطليق .

بعد هذا الكلام لا نتصور أن حيفا أو ضررا حقيقيا يقع على إحدى الزوجتين . ولو أن شيئا من ذلك وقع فإنه لا يساوي حيفا أو ضررا يحيق بالرجل من جرّاء إكراه على الاكتفاء بواحدة مهما تكن الظروف . لا جرم أن إكراهه في ذلك مدعاة لكثير من احتمالات الجنوح وفساد النفس والأعصاب .

ولا نتصور كذلك أن مثل هذه الشبهة غير اجترار تلغط به حناجر الذين يكرهون الإسلام لدوافع شتى منها الحقد أو الحسد ، ومنها التقليد في نعيق سفيه أعمى للأجانب من شرقيين ملاحدة أو غربيين صليبيين واستعماريين وجميعهم يلتقون على صعيد الحقد والكراهية للإسلام والمسلمين .

قوله : ( فأنكحوا ما طاب لكم من النساء ) قد يرض سؤال هنا : كيف جاءت " ما " للادميين مع أنها تستعمل لغير العاقل . فقد قيل في ذلك عدة أقوال لعل خيرها أن " من " و " ما " قد يتعاقبان . ومثل ذلك قول الله سبحانه : ( والسماء وما بناها ) أي ومن بناها . وقوله أيضا : ( فمنهم من يمشي على بطنه ومنهم من يمشي عل رجلين ومنهم من يمشي على أربع ) . وعلى ذلك فإن هذين الاسمين يتعاقبان وقيل : ( ما ) هنا للصفة أي انكحوا الطيب من النساء أي الحلال والأمر في قوله : ( فأنكحوا ) للإباحة لا للوجوب على الأرجح . أي أن الله جلت قدرته قد أباح للمؤمنين الزواج ممن يحل من النساء . فقد اكتفى بذكر من يجوز نكاحها ؛ لأن المحرمات من النساء كثير .

قوله : ( مثنى وثلاث ورباع ) إعراب كل من هذه الأعداد النصب على البدل من الاسم الموصول " ما " وكل من هذه الأعداد نكرة لا تنصرف ؛ لأنها معدولة من لفظها . بمعنى أم مثنى معدولة عن اثنين ، وثلاث معدولة عن ثلاثة ، ورباع معدولة عن أربعة . {[688]} وتعني الآية إباحة التعدد بالخيار من الواحدة حتى الرابعة دون زيادة . وأي زواج من خامسة مع وجود أربع زوجات فهو باطل غير معتبر ولا مشروع . ولا يدل هذا العدد الوارد في الآية وهو المثنى والثلاث والرباع على إباحة تسع زوجات بزعم أن الواو تفيد الجمع . فإن هذا الفهم فاسد ؛ لمجانبته للظاهر المحكم من الكتاب والسنة ولمخالفته لما أجمع عليه سلف الأمة وخلفها مثلما هو مخالف للسان العرب . فالعرب لا تقول اثنين وثلاث وأربعة بدلا من قولها تسعة . وثمة فهم خر أشد قبحا ونكرا تمسك به بعض الروافض فقالوا بإباحة الجمع بين ثماني عشرة زوجة قائلين : إن العدد في هذه الألفاظ يفيد التكرار وأن الواو للجمع . فمثن تعني اثنين اثنين . وثلاث تعني ثلاثة ثلاثة . فأفاد ذلك إباحة الزواج من ثماني عشرة زوجة معا . وذلك مناف للشريعة واللغة في آن واحد .

وعلى ذلك فإن التحديد بأربع زوجات للإباحة أمر لا يقبل الجدال . وفي ذلك قد أخرج الإمام مالك في الموطأ وكذلك النسائي والدارقطني في سننهما أن النبي ( ص ) قال لغيلان بن أمية الثقفي بعد أن أسلم وله من الزوجات عشر نسوة : " اختر منهن أربعا وفارق سائرهن " .

وأخرج أبو داود في سننه عن الحارث بن قيس قال : أسلمت وعندي ثماني نسوة فذكرت ذلك للنبي ( ص ) فقال : " اختر منهن أربعا " .

أما ما أبيح للنبي ( ص ) فوق أربع فإن ذلك من خصوصياته وذلك أمر مبني على بواعث وأسباب فرضتها اعتبارات شتى من التشريع الذي يتعلق بهدم لمفاهيم وتصورات جاهلية ، أو التحبب لمختلف بطون العرب ورجالاتهم ذوي الصولة والمكانة ، أو الحدب على المضيعات من النساء المسلمات اللواتي انقطعت بهن الأسباب بعد ممات أزواجهن فتعرضن للفتنة والضياع وغير ذلك من الاعتبارات التي تحركها المصلحة العليا للدعوة الإسلامية .

وبذلك فإن الاحتجاج بزواج النبي من تسع لا يصلح دليلا في هذا المجال . أما قولهم بأن الواو جامعة فإن ذلك مخالف لقواعد اللسان العربي السليم . فالله سبحانه قد خاطب العرب بأفصح اللغات ولا يعقل أن تقول العرب اثنين وثلاثة وأربعة ولا تقول تسعة . والصحيح أن الواو في هذا الموضع تعني البدل فيكون المعنى : انكحوا ثلاث بدلا من مثنى ، ورباع بدلا من ثلاث .

وكذلك قولهم بأن العدل يفيد التكرار تنفيه أبسط أساليب اللغة . فالعرب لا تقول أربعة ستة ثمانية بدلا من قولها ثماني عشرة .

وقوله : ( فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة ) واحدة منصوب بإضمار فعل تقديره : انكحوا واحدة . ذلك يعني أنكم إن خشيتم عدم العدل بين الزوجات من حيث النفقة والقسم والعشرة والجماع ( فواحدة ) أي ينبغي الوقوف عند واحدة دون غيرها ؛ كيلا يكون في التعدد حيف أو مجانبة للعدل . وقرئت واحدة بالرفع على أنها خبر لمبتدأ محذوف . والتقدير : فهي واحدة . {[689]}

وقوله : ( أو ما ملكت أيمناكم ) يريد بذلك الإماء . أي يجب الاكتفاء بواحدة أو ما تيسر من الإماء وهن ملك اليمين . ويجدر بنا أن نقف هنا وقفة لنبيّن مسألة ظالما خاض فيها المبطلون والجاحدون ليثيروا حول الإسلام الظنون والشبهات ، وليبعثوا في نفوس المسلمين كل ظواهر الشك والوهن .

أما الإماء أو ملك اليمين أو الجواري فإن ذلك كله ناشئ عن موضوع رئيس قد استغله الخصوم أبشع استغلال وذلك هو نظام الرق . ومن الحقيقة المغمورة التي تخف على كثير من الناس أن الإسلام قد عالج مسألة الرقيق على خير ما يكون عليه العلاج ، عل نحو يستأصل هذا النظام من أساسه لو قدر للإسلام أن يظل مهيمنا على الحياة ومؤثرا في المجتمع من غير إعاقة ولا تعثير .

وحقيقة المسألة أن نظام الرق كان متفشيا في العالم كله في غير ما غرابة أو استقباح . فقد كان من الأمور العادية تماما أن ينتشر الرقيق والإماء في كل مكان ، سواء كان ذلك في البيت أو الحقل أو دوائر الدولة . حتى يمكن القول بأن هذا النظام كان يمثل الدعامة الأساسية التي يستند إليها النظام الاقتصادي والاجتماعي لدى المجتمعات في الأزمنة الخالية . لقد كان نظام الرق مشروعا ومعتبرا لدى جميع النظم والشرائع والأديان التي سبقت الإسلام . فلم تنكره التوراة ولا الإنجيل ولا شريعة حمورابي ولا مذهب كونفوشيوس ولا فلسفة الإغريق وعلى رأسهم أرسطو وأفلاطون لم يستنكر هؤلاء نظام الرقيق ، بل العكس هو الذي كان واقعا . فلقد كان نظام الرقيق يحظى بتقدير وإقرار العلماء والفلاسفة والمشرعين في الأزمنة الخالية جميعها . وهنا يأتي دور الإسلام في المسألة . فقد جيء بالإسلام إلى هذه الدنيا وهي على حالها من تفشي ظاهرة العبيد في كل مجالات الحياة . ومن العسير البالغ أن يعمد الإسلام لتحريم الرق طفرة واحدة من غير توطئة ولا مقدمات . ولو عمد الإسلام لهذا التحريم أول مقدمه لكان في ذلك مدعاة لانهيار اجتماعي ونفسي مرير لا يطاق . لكن الإسلام وهو يعالج مسألة الرق قد سلك في ذلك سبيلين يؤديان إلى زوال هذا النظام بالكامل ثم الخلاص نهائيا من الرق وما يتعلق به من توابع وذيول .

السبيل الأولى :

وهي تبديد أسباب الرق للقضاء على كل مظاهره ووجوده . وفي ذلك استئصال لمنابع هذا النظام من جذوره بإبادة كل مقدماته ودواعيه التي تؤول إليه . يتبين ذلك في تحريم أسباب الرق كتحريم الإسلام للظلم والاستعباد بغير حق أو إيجاب الانتظار من الدائن للمدين حتى المسيرة فلا يسترقه مقابل دينه الذي يعجز عن أدائه . قال سبحانه : ( وإن كان ذو عسرة فنظرة إل ميسرة ) . وكان من عادة العرب الجاهلين إذا استقرض منهم الفقير مالا ولم يستطع أن يؤديه عند حلول أجله ، استرقه الدائن في مقابل دينه . لكن ذلك في الإسلام محظور البتة وعلى الدائن أن ينتظر حتى ميسرة المدين .

وعلى هذا فإن نظام الرق لا يلبث أن يتبدد ويتلاش مع مرور الزمن مادامت أسبابه وبواعثه قد أوقفت ، أو مادامت أبوابه التي تؤدي إليه قد أوصدت ، نتصور ذلك ونحن نتخيل نهرا كبيرا جاريا له روافد عديدة تمده بالأمواه من كل مكان حتى إذا تلاقت جميعا تمخضت عن نهر كبير جار . ولا سبيل إلى تجفيف هذا النهر الكبير إلا إذا عولنا عل تجفيف روافده وأسبابه . وتلك هي الحال بالنسبة للرق الذي كانت له دواع ومؤديات كثيرة قد عمد الإسلام من أول يوم لإيقافها وتحريمها كيما يتسنى لهذا النظام أن يتلاش ويضمحل .

السبيل الثاني :

وهي التحرير أي تحرير الرقاب المسترقة من إسار العبودية إلى حيث الانعتاق والحرية . وللإسلام في ذلك دوره العظيم فيما يتعلق بتحرير الرقيق نهائيا . وقد تجلى ذلك في دعوة الإسلام من أجل إعتاق العبيد حتى أقبل المسلمون جميعا في همة عظيمة ونخوة لا يحدها حد من أجل إعتاق العبيد لا لمطمع مادي أو دنيوي بل ابتغاء وجه الله ومرضاته .

وقد شرع الإسلام من أجل ذلك حكمين . أحدهما يفيد الوجوب المفروض وثانيهما يفيد المندوب المستحب ، وفي كلا الحكمين يكون المعتق مأجورا و له من ربه كبير المثوبة . أما حكم الوجوب المفروض فهو منتشر في جوانب شتى من السلوك والتصرفات التي تتعلق بمخالفات يرتكبها الناس في حياتهم كلما زلوا أو أخطأوا .

ومن جملة ذلك القتل الخطأ والحنث باليمين والظهار والجماع حال الصيام وغير ذلك من المخالفات . فإن من يجترح شيئا من ذلك فقد بات لزاما عليه أن يعتق رقبة .

أما حكم المندوب المستحب فهو ينتشر في كل جوانب الحياة بغير حدود . وهو حكم لا يتجاوز حد الندب والاستحباب وقد أهاب الإسلام بالمسلمين جميعا أن يسخوا في همة وتضحية في العتق . لقد هتف الإسلام بالمسلمين هتافا حانيا مؤثرا يخاطب الحس والوجدان ، وينفذ إلى القلب في صميمه كيما يسارعوا في نخوة عارمة لا تتردد من أجل تحرير العبيد . وقد استجاب المسلمون في مختلف الأزمنة والأمكنة لنداء الإسلام بالتحرير حتى كان الناس يتسابقون في سخاء وشهامة رفيعة على الإعتاق عن طيب خاطر . فكانت ظاهرة العتق للعبيد مثار اهتمام المسلمين واستباقهم المتزاحم على التحرير .

بمثل هذا التشريع يتبدد نظام الرق ويذوي ليتلاش رويدا رويدا . وتبعا لذلك فلسوف تنتهي مسألة الإماء أو الجواري . وهي مسألة لصيقة بنظام الرق أصلا . وليس بعد ذلك لمتحذلق مغرض أن يطعن في الإسلام طعنا يصمه بالكفر أو الردة ولا يجترئ على مثل هذا الطعن الغادر إلا معتد خصيم أو جاهل يلغط في نعيق كنعيق الغربان .

إن الإسلام فوق كل شبهة ، وهو يسمو على الطعون لو قدّر لبني ادم أن يقفوا عل هذا الدين في تشريعه وتصوره وفكره . وأن يعوه في تدبر وتبصر بعيدا عن التعصب والحقد والجهل .

وقوله : ( ذلك أدنى ألا تعولوا ) تعولوا من العول وهو الميل والجور والمعنى : أن الاكتفاء بواحدة أو ما ملكت أيمانكم أقرب إلى أن لا تميلوا عن الحق والعدل فتحيفوا وتظلموا . نقول : عال الميزان عولا إذا مال . وعال الحاكم في حكمه إذا جار . وقيل : تعولوا من العيلة وهي الفقر . مصدر عال يعيل فهو عائل أي فقير ، والجمع عالة . وقال الإمام الشافعي في تأويل ( ألا تعولوا ) : ألا تكثر عيالكم{[690]} .


[687]:ـ أسباب النزول للنسابوري ص 95.
[688]:ـ البيان ج 1 ص 241.
[689]:ـ البيان للأنباري جـ 1 ص 242.
[690]:- المصباح المنير جـ 2 ص 90، والكشاف جـ 1 ص 497 وتفسير القرطبي جـ 5 ص 20.