{ بسم الله الرحمن الرحيم } 1 { يا أيها الناس } يا أهل مكة { اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة } آدم { وخلق منها زوجها } حواء خلقت من ضلع من أضلاعه { وبث } أي فرق ونشر { منهما } { واتقوا الله } أي خافوه وأطيعوه { الذي تساءلون به } أي تتساءلون فيما بينكم حوائجكم وحقوقكم به وتقولون أسألك بالله وأنشدك الله وقوله { والأرحام } أي واتقوا الأرحام أن تقطعوها { إن الله كان عليكم رقيبا } أي حافظا يرقب عليكم أعمالكم فاتقوه فيما أمركم به ونهاكم عنه
وهي مدنية إلا آية واحدة نزلت بمكة عام الفتح في عثمان بن طلحة الحجبي وهي قوله : " إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها " {[1]} [ النساء : 58 ] على ما يأتي بيانه . قال النقاش : وقيل : نزلت عند هجرة النبي صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة . وقد قال بعض الناس : إن قوله تعالى : " يا أيها الناس " حيث وقع إنما هو مكي ، وقاله{[2]} علقمة وغيره ، فيشبه أن يكون صدر السورة مكيا ، وما نزل بعد الهجرة فإنما هو مدني . وقال النحاس : هذه السورة مكية .
قلت : والصحيح الأول ، فإن في صحيح البخاري عن عائشة أنها قالت : ما نزلت سورة النساء إلا وأنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ، تعني قد بنى بها . ولا خلاف بين العلماء أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما بنى بعائشة بالمدينة . ومن تبين أحكامها علم أنها مدنية لا شك فيها . وأما من قال : إن قوله . " يا أيها الناس " مكي حيث وقع فليس بصحيح ؛ فإن البقرة مدنية وفيها قوله : " يا أيها الناس " في موضعين{[3]} ، وقد تقدم . والله أعلم
وفيه ست مسائل{[3860]} :
الأولى : قوله تعالى : " يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم " قد مضى في " البقرة " اشتقاق " الناس " ومعنى التقوى والرب والخلق والزوج والبث ، فلا معنى للإعادة{[3861]} . وفي الآية تنبيه على الصانع . وقال " واحدة " على تأنيث لفظ النفس . ولفظ النفس يؤنث وإن عني به مذكر . ويجوز في الكلام " من نفس واحد " وهذا على مراعاة المعنى ؛ إذ المراد بالنفس آدم عليه السلام ، قاله مجاهد وقتادة . وهي قراءة ابن أبي عبلة " واحد " بغير هاء . " وبث " معناه{[3862]} فرق ونشر في الأرض ، ومنه " وزرابي مبثوثة " {[3863]} [ الغاشية : 16 ] وقد تقدم في " البقرة " {[3864]} . و " منهما " يعني آدم وحواء . قال مجاهد : خلقت حواء من قصيرى{[3865]} آدم . وفي الحديث : ( خلقت المرأة من ضلع عوجاء ) ، وقد مضى في البقرة{[3866]} .
" رجالا كثيرا ونساء " حصر ذريتهما في نوعين ، فاقتضى أن الخنثى ليس بنوع ، لكن له حقيقة ترده إلى هذين النوعين ، وهي الآدمية فيلحق بأحدهما ، على ما تقدم ذكره في " البقرة " من اعتبار نقص الأعضاء وزيادتها .
الثانية : قوله تعالى : " واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام " كرر الاتقاء تأكيدا وتنبيها لنفوس المأمورين . و " الذي " في موضع نصب على النعت . " والأرحام " معطوف . أي اتقوا الله أن تعصوه ، واتقوا الأرحام أن تقطعوها . وقرأ أهل المدينة " تسّاءلون " بإدغام التاء في السين . وأهل الكوفة بحذف{[3867]} التاء ، لاجتماع تاءين ، وتخفيف السين ؛ لأن المعنى يعرف ، وهو كقوله : " ولا تعاونوا على الإثم " {[3868]} [ المائدة : 2 ] و " تنزل " وشبهه . وقرأ{[3869]} إبراهيم النخعي وقتادة والأعمش وحمزة " الأرحام " بالخفض . وقد تكلم النحويون في ذلك . فأما البصريون فقال رؤساؤهم : هو لحن لا تحل القراءة به . وأما الكوفيون فقالوا : هو قبيح ، ولم يزيدوا على هذا ولم يذكروا علة قبحه ، قال النحاس : فيما علمت . وقال سيبويه : لم يعطف على المضمر المخفوض ؛ لأنه بمنزلة التنوين ، والتنوين لا يعطف عليه . وقال جماعة : هو معطوف على المكني ، فإنهم كانوا يتساءلون بها ، يقول الرجل : سألتك بالله والرحم ، هكذا فسره الحسن والنخعي ومجاهد ، وهو الصحيح في المسألة ، على ما يأتي . وضعفه أقوام منهم الزجاج ، وقالوا : يقبح عطف الاسم{[3870]} الظاهر على المضمر في الخفض إلا بإظهار الخافض ، كقوله " فخسفنا به وبداره الأرض " {[3871]} [ القصص : 81 ] ويقبح " مررت به وزيد " . قال الزجاج عن المازني : لأن المعطوف والمعطوف عليه شريكان . يحل كل واحد منهما محل صاحبه ، فكما لا يجوز " مررت بزيد وك " كذلك لا يجوز " مررت بك وزيد " . وأما سيبويه فهي عنده قبيحة ولا تجوز إلا في الشعر ، كما قال :
فاليوم قرّبتَ تهجونا وتشتمنا *** فاذهب فما بك والأيام من عجب
عطف " الأيام " على الكاف في " بك " بغير الباء للضرورة . وكذلك قول الآخر :
نعلق في مثل السواري سيوفنا *** وما بينها والكعب مَهْوَى{[3872]} نَفَانِفُ
عطف " الكعب " على الضمير في " بينها " ضرورة . وقال أبو علي : ذلك ضعيف في القياس . وفي كتاب التذكرة المهدية{[3873]} عن الفارسي أن أبا العباس المبرد قال : لو صليت خلف إمام يقرأ " ما أنتم بمصرخي " {[3874]} [ إبراهيم : 22 ] و " اتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام " لأخذت نعلي ومضيت . قال الزجاج : قراءة حمزة مع ضعفها وقبحها في العربية خطأ عظيم في أصول أمر الدين ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( لا تحلفوا بآبائكم ) فإذا لم يجز الحلف بغير الله فكيف يجوز بالرحم . ورأيت إسماعيل بن إسحاق يذهب إلى أن الحلف بغير الله أمر عظيم ، وإنه خاص{[3875]} لله تعالى . قال النحاس : وقول بعضهم " والأرحام " قسم خطأ من المعنى والإعراب ؛ لأن الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم يدل على النصب . وروى شعبة عن عون بن أبي جحيفة عن المنذر بن جرير عن أبيه قال : كنا{[3876]} عند النبي صلى الله عليه وسلم حتى جاء قوم من مضر حفاة عراة ، فرأيت وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم يتغير لما رأى من فاقتهم ، ثم صلى الظهر وخطب الناس فقال : ( يا أيها الناس اتقوا ربكم ، إلى : والأرحام ) ، ثم قال : ( تصدق رجل بديناره تصدق رجل بدرهمه تصدق رجل بصاع تمره . . . ) وذكر الحديث{[3877]} . فمعنى هذا على النصب ؛ لأنه حضهم على صلة أرحامهم . وأيضا فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم ( من كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت ) . فهذا يرد قول من قال : المعنى أسألك بالله وبالرحم . وقد قال أبو إسحاق : معنى " تساءلون به " يعني تطلبون حقوقكم به . ولا معنى للخفض أيضا مع هذا . قلت : هذا ما وقفت عليه من القول لعلماء اللسان في منع قراءة " والأرحام " بالخفض ، واختاره ابن عطية . ورده الإمام أبو نصر عبدالرحيم بن عبدالكريم القشيري ، واختار العطف فقال : ومثل هذا الكلام مردود عند أئمة الدين ؛ لأن القراءات التي قرأ بها{[3878]} أئمة القراء ثبتت عن النبي صلى الله عليه وسلم تواترا يعرفه أهل الصنعة ، وإذا ثبت شيء عن النبي صلى الله عليه وسلم ، فمن رد ذلك فقد رد على النبي صلى الله عليه وسلم ، واستقبح ما قرأ به ، وهذا مقام محذور ، ولا يقلد فيه أئمة اللغة والنحو ، فإن العربية تتلقى من النبي صلى الله عليه وسلم ، ولا يشك أحد في فصاحته . وأما ما ذكر من الحديث ففيه نظر ؛ لأنه عليه السلام قال لأبي العشراء{[3879]} : ( وأبيك لو طعنت في خاصرته ) . ثم النهي إنما جاء في الحلف بغير الله ، وهذا توسل إلى الغير بحق الرحم فلا نهي فيه . قال القشيري : وقد قيل هذا إقسام بالرحم ، أي اتقوا الله وحق الرحم{[3880]} ، كما تقول : افعل كذا وحق أبيك . وقد جاء في التنزيل : " والنجم " ، والطور ، والتين ، لعمرك " وهذا تكلف وقلت : لا تكلف فيه فإنه لا يبعد أن يكون " والأرحام " من هذا القبيل ، فيكون أقسم بها{[3881]} كما أقسم بمخلوقاته الدالة على وحدانيته وقدرته تأكيدا لها حتى قرنها بنفسه . والله أعلم . ولله أن يقسم بما شاء ويمنع ما شاء ويبيح ما شاء ، فلا يبعد أن يكون قسما . والعرب تقسم بالرحم . ويصح أن تكون الباء مرادة فحذفها{[3882]} كما حذفها في قوله :
مشائيمُ ليسوا مصلحين عشيرةً *** ولا ناعبٍ إلا ببين غُرابها
فجر وإن لم يتقدم باء . قال ابن الدهان أبو محمد سعيد بن مبارك : والكوفي يجيز عطف الظاهر على المجرور ولا يمنع منه . ومنه قوله :
آبَكَ أيِّه بِيَ أو مصدَّرِ *** من حُمْرِ الجِلَّة جَأْبٍ حَشْوَرِ{[3883]}
وما بينها والكعب غَوْطٌ نَفَانِفُ
وقد رام آفاق السماء فلم يجد *** له مَصعدًا فيها ولا الأرض مقعدا
ما إن بها والأمور من تَلَفٍ *** ما حم من أمر غَيْبِهِ{[3884]} وقعا
أمر على الكتيبة لست أدري *** أحتفي كان فيها أم سواها
ف " سواها " مجرور الموضع بفي . وعلى هذا حمل بعضهم قوله تعالى : " وجعلنا لكم فيها معايش ومن لستم له برازقين " {[3885]} [ الحجر : 20 ] فعطف على الكاف والميم . وقرأ عبدالله بن يزيد " والأرحام " بالرفع على الابتداء ، والخبر مقدر ، تقديره : والأرحام أهل أن توصل . ويحتمل أن يكون إغراء ؛ لأن من العرب من يرفع المغرى . وأنشد الفراء{[3886]} :
إن قوما منهم عمير وأشبا ***ه عمير ومنهم السفّاحُ
لجديرون باللقاء إذا قا ***ل أخو النجدة : السلاحُ السلاحُ
وقد قيل : إن " والأرحام " بالنصب عطف على موضع به ؛ لأن موضعه نصب ، ومنه قوله :
فلسنا بالجبال ولا الحديدا{[3887]}
وكانوا يقولون : أنشدك بالله والرحم . والأظهر أنه نصب بإضمار فعل كما ذكرنا .
الثالثة : اتفقت الملة على أن صلة الرحم واجبة وأن قطيعتها محرمة . وقد صح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأسماء وقد سألته : أأصل أمي{[3888]} ( نعم صلي أمك ){[3889]} فأمرها بصلتها وهي كافرة . فلتأكيدها دخل الفضل في صلة الكافر ، حتى انتهى الحال بأبي حنيفة وأصحابه فقالوا : بتوارث ذوي الأرحام إن لم يكن عصبة ولا فرض مسمى ، ويعتقون على من اشتراهم من ذوي رحمهم لحرمة الرحم ، وعضدوا ذلك بما رواه أبو داود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( من ملك ذا رحم محرم فهو حر ) . وهو قول أكثر أهل العلم . روي ذلك عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه وعبدالله بن مسعود ، ولا يعرف لهما مخالف من الصحابة . وهو قول الحسن البصري وجابر بن زيد وعطاء والشعبي والزهري ، وإليه ذهب الثوري وأحمد وإسحاق . ولعلمائنا في ذلك ثلاثة أقوال : الأول - أنه مخصوص بالآباء والأجداد . الثاني - الجناحان يعني الإخوة . الثالث - كقول أبي حنيفة . وقال الشافعي : لا يعتق عليه إلا أولاده وآباؤه وأمهاته ، ولا يعتق عليه إخوته ولا أحد من ذوي قرابته ولحمته . والصحيح الأول للحديث الذي ذكرناه وأخرجه الترمذي والنسائي . وأحسن طرقه رواية النسائي له ، رواه من حديث ضمرة عن سفيان عن عبدالله بن دينار عن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من ملك ذا رحم محرم فقد عتق عليه ) . وهو حديث ثابت بنقل العدل عن العدل ولم يقدح فيه أحد من الأئمة بعلة توجب تركه ، غير أن النسائي قال في آخره : هذا حديث منكر . وقال غيره : تفرد به ضمرة . وهذا هو معنى المنكر والشاذ في اصطلاح المحدثين . وضمرة عدل ثقة ، وانفراد الثقة بالحديث لا يضره . والله أعلم .
الرابعة : واختلفوا من هذا الباب في ذوي المحارم من الرضاعة . فقال أكثر أهل العلم : لا يدخلون في مقتضى الحديث . وقال شريك{[3890]} القاضي بعتقهم . وذهب أهل الظاهر وبعض المتكلمين إلى أن الأب لا يعتق على الابن إذا ملكه ، واحتجوا بقوله عليه السلام : ( لا يجزي ولد والدا إلا أن يجده مملوكا فيشتريه فيعتقه ) . قالوا : فإذا صح الشراء فقد ثبت الملك ، ولصاحب الملك التصرف . وهذا جهل منهم بمقاصد الشرع ، فإن الله تعالى يقول : " وبالوالدين إحسانا " {[3891]} [ الإسراء : 23 ] فقد قرن بين عبادته وبين الإحسان للوالدين في الوجوب ، وليس من الإحسان أن يبقى والده في ملكه وتحت سلطانه ، فإذا يجب عليه عتقه إما لأجل الملك عملا بالحديث ( فيشتريه فيعتقه ) ، أو لأجل الإحسان عملا بالآية . ومعنى الحديث عند الجمهور أن الولد لما تسبب إلى عتق أبيه باشترائه نسب الشرع العتق إليه نسبة الإيقاع منه . وأما اختلاف العلماء فيمن يعتق بالملك ، فوجه القول الأول ما ذكرناه من معنى الكتاب والسنة ، ووجه الثاني إلحاق القرابة القريبة المحرمة بالأب المذكور في الحديث ، ولا أقرب للرجل من ابنه فيحمل على الأب ، والأخ يقاربه في ذلك لأنه يدلي بالأبوة ، فإنه يقول : أنا ابن أبيه . وأما القول الثالث فمتعلقه حديث ضمرة وقد ذكرناه . والله أعلم .
الخامسة : قوله تعالى : " والأرحام " الرحم اسم لكافة الأقارب من غير فرق بين المحرم وغيره . وأبو حنيفة يعتبر الرحم المحرم في{[3892]} منع الرجوع في الهبة ، ويجوز الرجوع في حق بني الأعمام مع أن القطيعة موجودة والقرابة حاصلة ؛ ولذلك تعلق بها الإرث والولاية وغيرهما من الأحكام . فاعتبار المحرم زيادة على نص الكتاب من غير مستند . وهم يرون ذلك نسخا ، سيما وفيه إشارة إلى التعليل بالقطيعة ، وقد جوزوها في حق بني الأعمام وبني{[3893]} الأخوال والخالات . والله أعلم .
السادسة : قوله تعالى : " إن الله كان عليكم رقيبا " ( أي حفيظا ) ، عن ابن عباس ومجاهد . ابن زيد : عليما . وقيل : " رقيبا " حافظا . قيل : بمعنى فاعل . فالرقيب من صفات الله تعالى ، والرقيب : الحافظ والمنتظر ، تقول رقبت أرقب رقبة ورقبانا إذا انتظرت . والمرقب : المكان العالي المشرف ، يقف عليه الرقيب . والرقيب : السهم الثالث من السبعة التي لها أنصباء{[3894]} . ويقال : إن الرقيب ضرب من الحيات ، فهو لفظ مشترك . والله أعلم .
هذه السورة مدنية إلا آية واحدة نزلت بمكة عام الفتح هي قوله تعالى : [ إن الله يأمركم أن تؤدوا الآمانات إلى أهلها ] .
ولا جرم أن تكون هذه السورة عظيمة بكونها من أكبر وأشمل السور التي وردت في القرآن الكريم خصوصا وأنها مدنية . فهي بطبيعتها قد جاءت لتشتمل على ضروب شتى من الأحكام والتفصيلات في مختلف أمور الدين و الدنيا من خلال أسلوب قرآني متميز ، غاية في الروعة والسموق بما يحقق للقرآن معجزته الخالدة وحجته التي تنطق بإلهية هذا الكلام الرائع الخلاب .
ولدى استعراض السورة نجد حقيقة الشمول الذي يتناول مسائل وجوانب عديدة كان أولها الخطاب الموجه لبني الإنسان كيما يتقوا الله الذي خلق البشرية من نفس واحدة هي آدم أبو الشر ومن زوجه حواء التي خلقها من نفسها ( آدام ) على نحو وكيفية لا نعلمها نحن على اليقين إلا ما ورد في ذلك من أقوال لا تستند إلى حجج قواطع .
وفي السورة تحضيض على ملاطفة اليتامى وألا تؤكل أموالهم بغير حق وبالطرق غير المشروعة فإن ذلك من كبائر الآثام والمعاصي .
وفي السورة كذلك حض على النكاح فإنه من الأمور التعبدية التي تتراوح بين الندب والوجوب بحسب الحال من الرغبة واليسر وامتلاك المهر والنفقة . ثم تعرض الآية في هذا الصدد إلى إباحة تعدد الزوجات في صراحة لا تقبل التأويل أو التمحل الفاسدين . فإن حقيقة التعدد حتى الزوجة الرابعة لا يداور فيها أو يكابر إلا جاهل أو مضطرب يحس بضاغط الهزة تزلزل شخصه وكيانه تحت وابل كثيف من افتراءات الأعداء والخصوم اللّد وهم ينشرون أسباب الشبهة والريبة والظنون حول دين الإسلام ونبيّه الكريم ( عليه الصلاة والسلام ) وفي هذه المسألة بالذات مزيد من البيان المفصل نشرح من خلاله تعدد الزوجات وما يدور حول ذلك من ترّهات ظالمة ساقطة ، تبثها أقلام الحاقدين أو المارقين الذين ينعقون نعيق الغربان في جهل مطبق وتقليد فاسد أعمى . وكذلك توجب السورة إيتاء النساء مهورهن على وجه الفريضة وعن طيب خاطر إلا أن تجود أنفسهن أنفسهن بشيء من ذلك لمن يشأن من غير قسر أو إكراه .
وتوصي الآية باختبار اليتامى حتى إذا علم الأوصياء أنهم على درجة مقبولة من التعقل والتمييز وجب أن تدفع إليهم أموالهم وألا تؤكل مبادرة قبل أن يكبروا إلا أن يكون ذلك على وجه الأجرة المشروعة يأخذها الوصي الفقير ، أما إن كان غنيّا فإن عليه أن يستعفف .
وفي السورة بيان مجمل سريع لمسألة هي من أجل وأروع ما في الفقه من مسائل . وتلك هي مسألة المواريث .
ومما لا ريب فيه أن مسألة التوريث في شريعة الإسلام قد جاءت على غاية من الإحكام المضبوط الذي لا نظير له في مختلف شرائع الأرض عل مد الأحقاب والأزمان . وهي مسألة هامة وعظيمة باعتبارها بالغة اللصوق بحياة الأفراد والأسر من حيث حقوقهم المشروعة في أموال المورثين ، ومن حيث التوزيع الرائع لهذه الحقوق . وسوف نعرض لهذه المسألة لدى تفسير آيات المواريث إن شاء الله .
وفي السورة بيان بالنساء المحرمات من حيث النكاح . وتحريم النكاح يقع تحت أسباب ثلاثة وهي النسب والصهرية والرضاع . وقد ورد ذلك في السورة على نحو وجيز مجمل يتطلب مزيدا من الشروع والتفصيلات التي نقف عليها من خلال السنة النبوية وأقوال الفقهاء المسلمين .
وفي السورة نهي عن أكل الحرام وقتل الإنسان نفسه فإن ذلك عدوان عل الأموال والأنفس ، وظلم يحيق بمن تؤكل أمواله بغير حق وبمن هريق دمه ظلما وجورا .
وتأتي بعد ذلك مسألة القوامة وهي المسؤولية وقد نيطت بالرجل باعتباره القيّم والمسؤول عن الأسرة ؛ لما في ذلك من مسايرة لبديهيات الأمور ومراعاة حقيقة لجانب الفطرة التي تنطق بصلاحية الرجل لاحتمال المسؤولية عن البيت ومن فيه من زوجة وأطفال . ولا يعني ذلك شيئا من التحكم والمحاباة أو الاعتساف والاستبداد من غير تشاور مع الزوجة وتقدير لرأيها في البيت . بل المقصود أن يكون الرجل هو المسؤول الأول لكونه مهيئا بعامل الخلقة والفطرة لقيادة الأسرة نحو الخير والسعادة وفي هذا يحرص الإسلام أعظم الحرص على أن يكون عنصر التكامل والتوافق والتآزر مستديما داخل البيت لكي يتبدد من سماء الأسرة والبيت كل شبح يشي بالقطيعة أو التمزق أو يلوح من بعيد ليحمل شيئا من بواعث الفراق أو الطلاق . وفي السورة نهي عن قربان الصلاة ساعة السكر ؛ كيلا يقع للمصلي حال الصلاة شيء من الخلط أو الخطأ . وكذلك فإنه ليس للجنب أن يصلّي إلا بعد اغتسال كامل سابغ . وإن تعسر ذلك لانعدام الماء أو كان في مسه ما يسبب أذى أو ضررا جاز للمصلي أن يتيمم لاستباحة الصلاة وغيرها من تلاوة القرن ودخول المسجد .
ثم تعرض السورة للذين هادوا وهم اليهود الذين يحرّفون الكلم عن مواضعه عل نحو خبيث من التحريف واللّيّ في العبارة بما يوهم السامع خلاف ما تحويه الصدور المريضة والتي تحتبس في جوفها ركاما من الضغن والكراهية للإسلام والنبي الكريم عليه الصلاة والسلام .
هؤلاء الذين هادوا قد أوتوا نصيبا من الكتاب ( التوراة ) يؤمنون بالشرك والطاغوت ويطلقون الفتوى الكاذبة بأن العرب المشركين الجاهلين هم أصوب طريقا وأصدق دينا من المسلمين . وذلك قول ظالم كاذب يستحق قائله اللعنة من الله سبحانه لتصم القائل المفتري بوصمة الزيغ والضلال إلى نهاية الزمان .
ويأمر الله سبحانه وتعالى أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها فإن في أدائها وفاء بالعهد الملزم وإبراء للذمة التي تثقل الكاهل وخلوصا بالنفس إل حيث التطهر والاستقامة والبراءة من حقوق الناس .
وبعد ذلك يأتي دور المنافقين وهم فئة ضالة خبيثة مفسدة في الأرض لما تطهره من صلاح خادع مصطنع وما تخفيه من خبايا السوء الذي تنثني عليه النفوس الملتوية المريضة . هذه الفئة الخبيثة المتدسسة تصد عن الإسلام ونبيه صدودا ، فتعمل في الظلام لتبث الأكاذيب والإشاعات والشبهات بما ينشر في المجتمع أسباب الريبة والتخاذل والهزيمة . كل ذلك من طرف خفي والناس في غفلة إلا أن ينتبه فريق من المؤمنين الحذرين ليكشفوا عن هؤلاء المنافقين أغشية الدجل والخداع .
ثم يأتي القسم المجلجل الحاسم الذي يتضمن حَلْفا إلهيا مؤثرا بأن أحداً لا يكون على الإيمان الصحيح أو جادّة الإسلام الحق إلا إذا جعل من كلمات الله وسنّه نبيه حكما تنفض به المشكلات والقضايا من غير أن يجد المرء في ذلك شيئا من حرج أو مضايقة . وتلك مسألة هامة وخطيرة ترتسم عندها صورة حية للمفاصلة التامة التي يفترق عندها الحق عن الباطل ويميز الله بها الخبيث من الطيّب أو الشرك بكل صوره وأشكاله عن الإخلاص الذي يستلزم المضيء في خط الله وفي ظلاله من غير انحراف أو ازورار .
وفي معرض التحريض عل الجهاد ومحاربة الأعداء يأمر الله المسلمين في هذه السورة بأن يأخذوا حذرهم ثم ليكن نفيرهم بعد ذلك على الحالة التي يرون لد اندفاعهم في ملاحقة العدو أو مقابلته سواء كان ذلك عل نحو من الكتائب والسرايا أو أن ينفروا جميعا . وفي هذا الصدد تحتوي السورة عل نصيب كبير من الدعوة للحرب لمجاهدة اللئام المتربصين الذين يرفضون شرع الله والذين يبتغون الفساد والخراب في الأرض . ولا ريب أن هؤلاء يقاتلون من أجل الباطل وفي سبيل الشيطان فيجب قتالهم دون تريّث أو هوادة ويجب أن لا يأخذ المسلمين في ذلك شيء من هلع أو خشيه فالله سبحانه هو أحق أن يخشى وأن يطاع .
وفي السورة تبيين لحال القتل سواء كان خطأ أو عمدا . وثمة مرتبة أخرى وسط وهي شبه العمد وهي أقرب للخطأ منها للعمد لانعدام القصد المبيّت بالقتل .
وفي السورة كذلك تجويز لقصر الصلاة عند السفر وذلك أن تتحول الصلوات ذوات الركعات الأربع إلى ركعتين اثنتين . ثم تلي ذلك صلاة من نوع اخر وهي صلاة الخوف وذلك عند حمي الوطيس واشتداد لهيب المعركة .
وفي السورة ما يعرف في الفقه بالخلع ، بضم الخاء ، وهو المخالعة بين الرجل والمرأة ( الزوجان ) إذا استحكم بينهما الشر من غير اقتدار بعد ذلك عل الاحتمال والعيش . فلا يبق بعد ذلك مناص من المفارقة لكي يذهب كل منهما في سبيله مقابل شيء من المال تدفعه المرأة لبعلها .
ثم تحذّر السورة من مغبة الحيف يوقعه الرجل على المرأة في حال التعدد . وهو حيف ظالم ومحرّم إذا كان ذلك يتم في مجال الواقع والحسّ كالنفقة والمبيت وكل صور الإكرام . أما إن كان التفضيل وجدانيا محشورا في خبايا القلوب فإن ذلك ما لا بأس فيه ولا إثم عليه ؛ لأنه احساس وجداني لا طاقة للرجل عل التحكم فيه .
ثم يأمر الله المؤمنين بتصريف أمورهم وقضاياهم بالقسط مجانبين الميل والمحاباة مهما تكن الظروف وأن تكون شهاداتهم قائمة على الحق والقسطاس المستقيم حتى ولو كان ذلك على أنفسهم بالذات أو أقرب الأقربين إليهم من أبناء وآباء وغيرهم دون أن يأخذهم في ذلك إحساس عاطفي مؤثر تحت وطأة الشعور بالميل صوب الأرحام وأولي القربى أو الشعور بالحدب والإشفاق نحو الفقراء ، أو أن يكون ذلك تزلفا للأغنياء ومخاطبة لودّهم ورضاهم .
ثم تعود الآيات الحكيمة لتكشف عن خبايا المنافقين وسوء مقاصدهم وهي تعرض في وضوح مكشوف لكذب المنافقين وخداعهم وسلوكم المتثاقل المصطنع وهم يقومون إلى الصلاة كسالى يراءون الناس . والمنافقون هم مجموعة من البشر الفاسد الذي يسير في الحياة خاوي الضمير ، بليد الحس ، لا يحفزه للخير أي حافز ولا يستشعر في نفسه إلا كل معاني الخسة والضعة والانحطاط . وهم بذلك أجدر أن يكونوا في الأذلين وأن يكونوا في الدرك الأسفل من النار .
وكذلك تعود الآيات الحكيمة لتكشف عن طبيعة بني إسرائيل فيما فطروا عليه من الشح والضن بالخير وتطاولهم على أنبيائهم بكثرة الطلب والسؤال ثم بالأذى والقتل ، وافترائهم عل مريم العذراء البتول ليتقولوا عليها بالزور والبهتان . وفي هذا الصدد تركز الآيات الحكيمة عل نبذ الدعوى المفتراة بقل المسيح وصلبه ، وأن ذلك لم يكن إلا من قبيل التشبيه فقط .
ومما يجدر ذكره بعد ذلك كله أن نبين سبب تسمية هذه السورة بهذا الاسم ( النساء ) فنقول إن سورة النساء تحمل في اسمها مدلولا عظيما يشير إل الشأن الواضح الكبير الذي يرسيه الإسلام للمرأة باعتبارها شطر الإنسانية ونصفها المعتبر .
ومن خلال الآيات في هذه السورة يعطينا الإسلام حشدا كبيرا من الاهتمام والعناية بالمرأة في إحقاق حقوقها كاملة والتنذير بالعذاب الشديد لمن يعتدي من الأولياء أو الأزواج عل شيء من هذه الحقوق ، وليس في هذا التعدي إلا التجاوز لحدود الله والانتهاك لمحارمه فيما يورد المتجاوز المنتهك موارد الهاوية والسخط من الله .
والقران وهو يعرض لشأن المرأة في إفراز حقوقها وتفصيل واجباتها والتوصية بها والتخويف من النيل منها فإنه يحقق في أذهان الأفراد والأجيال وفي تصورهم فكرة سليمة كريمة عن المرأة كيما تكون عل مر الأجيال موضع إجلال وإكرام . وهي فكرة حقيقية تتأكد على الطبيعة وبالفعل عبر مراحل الحياة التي تمر بها المرأة بدءا بكونها وليدة صغيرة يوصي الإسلام بحسن استقبالها والاغتباط لمجيئها وعدم الامتعاض لدى التبشير بمقدمها ، ثم وهي زوجة يوجب الإسلام أن تتكرم وألا تمس بأذى أو مهانة أو اعتداء إلى درجة يوصم معها المعتدي المهين باللؤم ، وكذلك وهي أم فإنها تقفز إل غاية الإجلال والتقدير وإلى قمة الحظ المتميز الذي لا يبلغه أحد من البشر . هنالك تكون المرأة في أعل المعالي من الاحترام والإكرام وفي المستوى السامق المرموق الذي تحتله الأم لتكون مغمورة بفيض من الإخلاص والطاعة والتواضع تفرضه شريعة الإسلام على الأبناء للأمهات .
ولا نطن بعد هذا التصور أن ثمة عقيدة أو نظاما أو ملّة تضفي عل الأم من الإجلال ما يضفيه الإسلام . نتصور ذلك ونحن نمعن النظر والتفكير في حديث النبي صلى الله عليه وسلم إذ جاءه رجل يبتغي الجهاد في سبيل الله فسأله النبي : ( ( هل امك حية ) ) قال نعم . فقال النبي : " الزم رجليها فثم الجنة " .
( يأيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا ) .
الناس من النوس ومعناه الحركة والتذبذب{[683]} . وكأنما تتحقق الحركة بوجود البشر حيث التصرف والتعامل والتلاقي وفي أمور تتمثل في حركة دائمة الفعالية والنشاط . والتقوى من الفعل وقى . والاسم وقاية وهي الحماية{[684]} . وهي تعني أن يتخذ الناس من طاعة الله والامتثال لأمره سبيلا يكسبون بها مرضاة الله وستارا يحجب عنهم سخطه وعذابه ، وربكم من الرب ويعني المالك{[685]} . والله سبحانه يملك الحياة والأشياء والوجود كله .
وفي هذه الآية يخاطب الله الناس كافة ليتقوه فيأتمروا بأمره ويتجنبوا معاصيه ويقفوا عند حدوده ، فهو سبحانه صاحب الفضل والمنّة الذي خلقهم جميعا من أصل واحد وهو أبو البشر ادم عليه السلام ومن زوجة حوّاء التي خلقها الله من ادم نفسه على الطريقة التي لا يعلمها إلا هو سبحانه . فإنه ليس في القران ما يكشف عن كيفية الخلق لحواء . وفي مسألة كهذه نؤثر أن نقف عند مفهوم النص القرآني دون استقصاء إلى ما قد يحمل عل التكلف أو يوقه في الزلل .
ولذلك فإن ادم وحواء هما أبوا البشر كافة وقد خلق الله عن طريقهما تفرعا وتسلسلا هذه الجموع البشرية المنبثة في بقاع الأرض والتي توجد عل هيئات شتى من الشعوب والقبائل والأجناس والأعراق ، سواء كان ذلك في الأمصار أو الأرياف أو البوادي أوفي البراري والصحاري وعبر البحار . كل أولئك رجالا ونساء هم من نسل دم ومعه زوجه حواء . وفي ذلك ما يكشف عن شان الله العظيم الذي يتجلى في مقدرته المطلقة بما يجعله سبحانه أهلا للمعبودية دون أحد من خلقه ، وليس ذلك إلا بتقدير الله وإرادته وحكمته ، فهو سبحانه القادر عل كل شيء والذي لا يعز عليه أن يخلق أو يصنع أي شيء .
وقوله : ( واتقوا الله الذين تساءلون به والأرحام ) . يأمر الله عباده في تأكيد مكرور بأن يتقوه فهو الذي يتساءلون به . أي الذي يحلّف به بعضهم لبعض وذلك أن يقول أحدهما للآخر سألتك بالله .
( والأرحام ) يحتمل إعرابها وجهين : أولهما : أنها منصوبة عل المفعولية لكونها معطوفة على لفظ الجلالة قبلها . وثانيهما : أنها مجرورة لكونها معطوفة عل الضمير المتصل في الكلمة " به " قبلها .
والراجح القول الأول وهو النصب . فيكون المعنى عل نحو السياق التالي : فاتقوا الله الذي تساءلون به واتقوا الأرحام ؛ لأن ذلك أبعد عن المحظور الذي يقع في الحلف أو التساؤل حلفا بغير الله . فقد أخرج الشيخان عن ابن عمر أن النبي ( ص ) قال : " من كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت " .
وكذلك روى الشيخان عن ابن عمر أنه عليه الصلاة والسلام قال : " لا تحلفوا بآبائكم " .
قوله : ( إن الله كان عليكم رقيبا ) .
ذلك تعقيب مناسب مؤثر يرد في هذا المجال ليؤثر في نفوس المؤمنين فيزدادوا إيمانا ومن ثم يكونون دائمي الصلة بالله ومستشعرين لمخافته التي تمس قلوبهم بغير مبارحة .
وقوله : ( رقيبا ) بمعنى حافظ أي مراقب لسائر الأحوال والأعمال ، وعالم بالمقاصد والنوايا ، فهو سبحانه لا تخفى عليه الأسرار والخفايا .