مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{أَفَرَءَيۡتَ مَنِ ٱتَّخَذَ إِلَٰهَهُۥ هَوَىٰهُ وَأَضَلَّهُ ٱللَّهُ عَلَىٰ عِلۡمٖ وَخَتَمَ عَلَىٰ سَمۡعِهِۦ وَقَلۡبِهِۦ وَجَعَلَ عَلَىٰ بَصَرِهِۦ غِشَٰوَةٗ فَمَن يَهۡدِيهِ مِنۢ بَعۡدِ ٱللَّهِۚ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ} (23)

ثم عاد تعالى إلى شرح أحوال الكفار وقبائح طوائقهم ، فقال : { أفرأيت من اتخذ إلهه هواه } يعني تركوا متابعة الهدى وأقبلوا على متابعة الهوى فكانوا يعبدون الهوى كما يعبد الرجل إلهه ، وقرئ ( آلهته هواه ) كلما مال طبعه إلى شيء اتبعه وذهب خلفه ، فكأنه اتخذ هواه آلهة شتى يعبد كل وقت واحدا منها .

ثم قال تعالى : { وأضله الله على علم } يعني على علم بأن جوهر روحه لا يقبل الصلاح ، ونظيره في جانب التعظيم قوله تعالى : { الله أعلم حيث يجعل رسالته } وتحقيق الكلام فيه أن جواهر الأرواح البشرية مختلفة فمنها مشرقة نورانية علوية إلهية ، ومنها كدرة ظلمانية سفلية عظيمة الميل إلى الشهوات الجسمانية ، فهو تعالى يقابل كلا منهم بحسب ما يليق بجوهره وماهيته ، وهو المراد من قوله { وأضله الله على علم } في حق المردودين وبقوله { الله أعلم حيث يجعل رسالته } في حق المقبولين .

ثم قال : { وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة } فقوله { وأضله الله على علم } هو المذكور في قوله { إن الذين كفروا } إلى قوله { لا يؤمنون } وقوله { وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة } هو المراد من قوله { ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة } وكل ذلك قد مر تفسيره في سورة البقرة بالاستقصاء ، والتفاوت بين الآيتين أنه في هذه الآية قدم ذكر السمع على القلب ، وفي سورة البقرة قدم القلب على السمع ، والفرق أن الإنسان قد يسمع كلاما فيقع في قلبه منه أثر ، مثل أن جماعة من الكفار كانوا يلقون إلى الناس أن النبي صلى الله عليه وسلم شاعر وكاهن وأنه يطلب الملك والرياسة ، فالسامعون إذا سمعوا ذلك أبغضوه ونفرت قلوبهم عنه ، وأما كفار مكة فهم كانوا يبغضونه بقلوبهم بسبب الحسد الشديد فكانوا يستمعون إليه ، ولو سمعوا كلامه ما فهموا منه شيئا نافعا ، ففي الصورة الأولى كان الأثر يصعد من البدن إلى جوهر النفس ، وفي الصورة الثانية كان الأثر ينزل من جوهر النفس إلى قرار البدن ، فلما اختلف القسمان لا جرم أرشد الله تعالى إلى كلا هذين القسمين بهذين الترتيبين اللذين نبهنا عليهما ولما ذكر الله تعالى هذا الكلام قال : { فمن يهديه من بعد الله } أي من بعد أن أضله الله { أفلا تذكرون } أيها الناس ، قال الواحدي وليس يبقى للقدرية مع هذه الآية عذر ولا حيلة ، لأن الله تعالى صرح بمنعه إياهم عن الهدى حين أخبر أنه ختم على سمع هذا الكافر وقلبه وبصره ، وأقول هذه المناظرة قد سبقت بالاستقصاء في أول سورة البقرة .

 
تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{أَفَرَءَيۡتَ مَنِ ٱتَّخَذَ إِلَٰهَهُۥ هَوَىٰهُ وَأَضَلَّهُ ٱللَّهُ عَلَىٰ عِلۡمٖ وَخَتَمَ عَلَىٰ سَمۡعِهِۦ وَقَلۡبِهِۦ وَجَعَلَ عَلَىٰ بَصَرِهِۦ غِشَٰوَةٗ فَمَن يَهۡدِيهِ مِنۢ بَعۡدِ ٱللَّهِۚ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ} (23)

اتخذ إلهه هواه : من اتخذ هواه معبودا له يجري وراء متعته ولذاته ولا يتقيد بشرع ولا دين .

ثم يُتبع الله ذلك بصورة عجيبة لأولئك الناس الذين لا يتقيّدون بدين ، ولا يتمسكون بخلُق : أرأيتَ أيها الرسُول ، مَن ركب رأسه ، وترك الهدى ، وأطاع هواه فجعله معبوداً له ، وضل عن سبيل الحق وهو يعلم بهذا السبيل { على عِلْمٍ } منه ثم مضى سادِراً في ملذّاته غير آبهٍ بدين ولا خلق ! ؟ لقد أغلقَ سمعه فلا يقبل وعظاً ، وقلبه فلا يعتقد حقا { أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ } ، يا مشركي قريشٍ هذا ؟

إنها صورة عجيبة من الواقع الذي نراه دائماً ، وما أكثر هذا الصنف من الناس . واتباعُ الهوى هذا قد ذمّه اللهُ في عدة آيات من القرآن الكريم . { واتبع هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الكلب } [ الأعراف : 176 ] { واتبع هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً } [ الكهف : 28 ] . { وَلاَ تَتَّبِعِ الهوى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ الله } [ ص : 26 ] . نسأل الله السلامة .

قراءات :

قرأ حمزة والكسائي : غشوة ، والباقون : غشاوة . قال في لسان العرب الغشاء : الغطاء ، وعلى بصره وقلبه غشوة وغشوة مثلثة العين ، وغشاوة وغشاوة بفتح الغين وكسرها ، وكلها معناها الغطاء .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{أَفَرَءَيۡتَ مَنِ ٱتَّخَذَ إِلَٰهَهُۥ هَوَىٰهُ وَأَضَلَّهُ ٱللَّهُ عَلَىٰ عِلۡمٖ وَخَتَمَ عَلَىٰ سَمۡعِهِۦ وَقَلۡبِهِۦ وَجَعَلَ عَلَىٰ بَصَرِهِۦ غِشَٰوَةٗ فَمَن يَهۡدِيهِ مِنۢ بَعۡدِ ٱللَّهِۚ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ} (23)

{ أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتخذ إلهه هَوَاهُ } تعجيب من حال من ترك متابعة الهدى إلى مطاوعة الهوى فكأنه يعبده فالكلام على التشبيه البليغ أو الاستعارة ، والفاء للعطف على مقدر دخلت عليه الهمزة أي أنظرت من هذه حاله فرأيته فإن ذلك مما يقضي منه العجب ، وأبو حيان جعل أرأيت بمعنى أخبرني وقال : المفعول الأول من { اتخذ } والثاني محذوف يقدر بعد الصلات أي أيهتدي بدليل { فمن يهديه } والآية نزلت على ما روي عن مقاتل في الحرث بن قيس السهمي كان لا يهوى شيئاً إلا ركبه ، وحكمها عام وفيها من ذم اتباع هوى النفس ما فيها ، وعن ابن عباس ما ذكر الله تعالى هوى إلا ذمه .

وقال وهب : إذا شككت في خير أمرين فانظر أبعدهما من هواك فأته ، وقال سهل التستري : هواك داؤك فإن خالفته فدواؤك ، وفي الحديث " العاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله تعالى "

وقال أبو عمران موسى بن عمران الأشبيلي الزاهد :

فخالف هواها واعصها إن من يطع *** هوى نفسه ينزع به شر منزع

ومن يطع النفس اللجوجة ترده *** وترم به في مصرع أي مصرع

وقد ذم ذلك جاهلية أيضاً ، ومنه قول عنترة :

أني امرؤ سمح الخليقة ما جد *** لا أتبع النفس اللجوج هواها

ولعل الأمر غني عن تكثير النقل .

وقرأ الأعرج . وأبو جعفر { ءالِهَةً } بتاء التأنيث بدل هاء الضمير ، وعن الأعرج أنه قرأ «آلهة » بصيغة الجمع .

قال ابن خالويه : كان أحدهم يستحسن حجراً فيعبده فإذا رأى أحسن منه رفضه مائلا إليه ، فالظاهر أن آلهة بمعناها من غير تجوز أو تشبيه والهوى بمعنى المهوى مثله في قوله :

هواي مع الركب اليمانين مصعد *** { وَأَضَلَّهُ الله } أي خلقه ضالاً أو خلق فيه الضلال أو خذله وصرفه عن اللطف على ما قيل { على عِلْمٍ } حال من الفاعل أي أضله الله تعالى عالماً سبحانه بأنه أهل لذلك لفساد جوهر روحه .

ويجوز أن يكون حالا من المفعول أي أضله عالماً بطريق الهدى فهو كقوله تعالى : { فَمَا اختلفوا إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ العلم } [ الجاثية : 17 ] { وَخَتَمَ على سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ } بحيث لا يتأثر بالمواعظ ولا يتفكر في الآيات .

{ وَجَعَلَ على بَصَرِهِ غشاوة } مانعة عن الاستبصار والاعتبار والكلام على التمثيل ، وقرأ عبد الله . والأعمش { غشاوة } بفتح الغين وهي لغة ربيعة ، والحسن . وعكرمة . وعبد الله أيضاً بضمها وهي لغة عكلية ، وأبو حنيفة . وحمزة . والكسائي . وطلحة . ومسعود بن صالح . والأعمش أيضاً { غشاوة } بفتح الغين وسكون الشين ، وابن مصرف . والأعمش أيضاً كذلك إلا أنهما كسرا الغين { فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ الله } أي من بعد اضلاله تعالى إياه ، وقيل : المعنى فمن يهديه غير الله سبحانه { أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ } أي ألا تلاحظون فلا تذكرون ، وقرأ الجحدري { تَذَكَّرُونَ } بالتخفيف ، والأعمش «تتذكرون » بتاءين على الأصل .