سورة التوبة مائة وثلاثة وثلاثون وقيل عشرون وتسع آيات مدنية
قال صاحب «الكشاف » : لها عدة أسماء : براءة ، والتوبة ، والمقشقشة ، والمبعثرة ، والمشردة ، والمخزية ، والفاضحة ، والمثيرة ، والحافرة ، والمنكلة ، والمدمدمة ، وسورة العذاب ، قال لأن فيها التوبة على المؤمنين ، وهي تقشقش من النفاق أي تبرئ منه ، وتبعثر عن أسرار المنافقين ، وتبحث عنها ، وتثيرها . وتحفر عنها ، وتفضحهم ، وتنكل بهم ، وتشردهم وتخزيهم ، وتدمدم عليهم . وعن حذيفة : أنكم تسمونها سورة التوبة ، والله ما تركت أحدا إلا نالت منه . وعن ابن عباس في هذه السورة قال : إنها الفاضحة ما زالت تنزل فيهم وتنال منهم حتى خشينا أن لا تدع أحدا ، وسورة الأنفال نزلت في بدر ، وسورة الحشر نزلت في بني النضير . فإن قيل : ما السبب في إسقاط التسمية من أولها ؟
الوجه الأول : روي عن ابن عباس قال : قلت لعثمان بن عفان ، ما حملكم على أن عمدتم إلى سورة براءة وهي من المئين ، وإلى سورة الأنفال وهي من المثاني ، فقرنتم بينهما وما فصلتم ببسم الله الرحمن الرحيم ؟ فقال : كان النبي صلى الله عليه وسلم كلما نزلت عليه سورة يقول : «ضعوها في موضع كذا » وكانت براءة من آخر القرآن نزولا . فتوفي صلى الله عليه وسلم ولم يبين موضعها ، وكانت قصتها شبيهة بقصتها فقرن بينهما . قال القاضي يبعد أن يقال : إنه عليه السلام لم يبين كون هذه السورة تالية لسورة الأنفال ، لأن القرآن مرتب من قبل الله تعالى ومن قبل رسوله على الوجه الذي نقل ، ولو جوزنا في بعض السور أن لا يكون ترتيبها من الله على سبيل الوحي ، لجوزنا مثله في سائر السور وفي آيات السور الواحدة ، وتجويزه يطرف ما يقوله الإمامية من تجويز الزيادة والنقصان في القرآن . وذلك يخرجه من كونه حجة ، بل الصحيح أنه عليه السلام أمر بوضع هذه السورة ، بعد سورة الأنفال وحيا ، وأنه عليه السلام حذف بسم الله الرحمن الرحيم من أول هذه السورة وحيا .
الوجه الثاني : في هذا الباب ما يروى عن أبي بن كعب أنه قال : إنما توهموا ذلك ، لأن في الأنفال ذكر العهود ، وفي براءة نبذ العهود . فوضعت إحداهما بجنب الأخرى والسؤال المذكور عائد ههنا ، لأن هذا الوجه إنما يتم إذا قلنا إنهم إنما وضعوا هذه السورة بعد الأنفال من قبل أنفسهم لهذه العلة .
والوجه الثالث : أن الصحابة اختلفوا في أن سورة الأنفال وسورة التوبة سورة واحدة أم سورتان ؟ فقال بعضهم : هما سورة واحدة لأن كلتيهما نزلت في القتال ومجموعهما هذه السورة السابعة من الطوال وهي سبع ، وما بعدها المئون . وهذا قول ظاهر لأنهما معا ومائتان وست آيات ، فهما بمنزلة سورة واحدة . ومنهم من قال هما سورتان ، فلما ظهر الاختلاف بين الصحابة في هذا الباب تركوا بينهما فرجة تنبيها على قول من يقول هما سورتان ، وما كتبوا بسم الله الرحمن الرحيم بينهما تنبيها على قول من يقول هما سورة واحدة ، وعلى هذا القول لا يلزمنا تجويز مذهب الإمامية ، وذلك لأنه لما وقع الاشتباه في هذا المعنى بين الصحابة لم يقطعوا بأحد القولين ، وعملوا عملا يدل على أن هذا الاشتباه كان حاصلا ، فلما لم يتسامحوا بهذا القدر من الشبهة دل على أنهم كانوا مشددين في ضبط القرآن عن التحريف والتغيير ، وذلك يبطل قول الإمامية .
الوجه الرابع : في هذا الباب : أنه تعالى ختم سورة الأنفال بإيجاب أن يوالي المؤمنون بعضهم بعضا وأن يكونوا منقطعين عن الكفار بالكلية ، ثم إنه تعالى صرح بهذا المعنى في قوله : { براءة من الله ورسوله } فلما كان هذا عين ذلك الكلام وتأكيدا له وتقريرا له ، لزم وقوع الفاصل بينهما ، فكان إيقاع الفصل بينهما تنبيها على كونهما سورتين متغايرتين ، وترك كتب بسم الله الرحمن الرحيم بينهما تنبيها على أن هذا المعنى هو عين ذلك المعنى .
الوجه الخامس : قال ابن عباس : سألت عليا رضي الله عنه : لم لم يكتب بسم الله الرحمن الرحيم بينهما ؟ قال : لأن بسم الله الرحمن الرحيم أمان ، وهذه السورة نزلت بالسيف ونبذ العهود وليس فيها أمان ، ويروى أن سفيان بن عيينة ذكر هذا المعنى ، وأكده بقوله تعالى : { ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا } فقيل له : أليس أن النبي صلى الله عليه وسلم كتب إلى أهل الحرب بسم الله الرحمن الرحيم . فأجاب عنه : بأن ذلك ابتداء منه بدعوتهم إلى الله ، ولم ينبذ إليهم عهدهم . ألا تراه قال في آخر الكتاب : «والسلام على من اتبع الهدى » وأما في هذه السورة فقد اشتملت على المقاتلة ونبذ العهود فظهر الفرق .
والوجه السادس : قال أصحابنا : لعل الله تعالى لما علم من بعض الناس أنهم يتنازعون في كون بسم الله الرحمن الرحيم من القرآن ، أمر بأن لا تكتب ههنا ، تنبيها على كونها آية من أول كل سورة ، وأنها لما لم تكن آية من هذه السورة ، لا جرم لم تكتب ، وذلك يدل على أنها لما كتبت في أول سائر السور وجب كونها آية من كل سورة .
قوله تعالى : { براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين } وفي الآية مسائل :
المسألة الأولى : معنى البراءة انقطاع العصمة . يقال : برئت من فلان أبرأ براءة ، أي انقطعت بيننا العصمة ولم يبق بيننا علقة ، ومن هنا يقال برئت من الدين ، وفي رفع قوله : { براءة } قولان : الأول : أنه خبر مبتدأ محذوف أي هذه براءة . قال الفراء : ونظيره قولك إذا نظرت إلى رجل جميل ، جميل والله ، أي هذا جميل والله ، وقوله : { من } لابتداء الغاية ، والمعنى : هذه براءة واصلة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم ، كما تقول كتاب من فلان إلى فلان . الثاني : أن يكون قوله : { براءة } مبتدأ وقوله : { من الله ورسوله } صفتها وقوله : { إلى الذين عاهدتم } هو الخبر كما تقول رجل من بني تميم في الدار .
فإن قالوا : ما السبب في أن نسب البراءة إلى الله ورسوله ، ونسب المعاهدة إلى المشركين ؟
قلنا قد أذن الله في معاهدة المشركين ، فاتفق المسلمون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وعاهدهم ثم إن المشركين نقضوا العهد فأوجب الله النبذ إليهم ، فخوطب المسلمون بما يحذرهم من ذلك ، وقيل اعلموا أن الله ورسوله قد برئا مما عاهدتم من المشركين .
المسألة الثالثة : روي أن النبي صلى الله عليه وسلم لما خرج إلى غزوة تبوك وتخلف المنافقون وأرجفوا بالأراجيف ، جعل المشركون ينقضون العهد ، فنبذ رسول الله صلى الله عليه وسلم العهد إليهم .
فإن قيل : كيف يجوز أن ينقض النبي صلى الله عليه وسلم العهد ؟
قلنا : لا يجوز أن ينقض العهد إلا على ثلاثة أوجه : أحدها : أن يظهر له منهم خيانة مستورة ويخاف ضررهم فينبذ العهد إليهم ، حتى يستووا في معرفة نقض العهد لقوله : { وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء } وقال أيضا : { الذين ينقضون عهدهم في كل مرة } والثاني : أن يكون قد شرط لبعضهم في وقت العهد أن يقرهم على العهد فيما ذكر من المدة إلى أن يأمر الله تعالى بقطعه . فلما أمره الله تعالى بقطع العهد بينهم قطع لأجل الشرط . والثالث : أن يكون مؤجلا فتنقضي المدة وينقضي العهد ويكون الغرض من إظهار هذه البراءة أن يظهر لهم أنه لا يعود إلى العهد ، وأنه على عزم المحاربة والمقاتلة ، فأما فيما وراء هذه الأحوال الثلاثة لا يجوز نقض العهد البتة ، لأنه يجري مجرى الغدر وخلف القول ، والله ورسوله منه بريئان ، ولهذا المعنى قال الله تعالى : { إلا الذين عاهدتم من المشركين ثم لم ينقصوكم شيئا ولم يظاهروا عليكم أحدا فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم } وقيل : إن أكثر المشركين نقضوا العهد إلا أناسا منهم وهم بنو ضمرة وبنو كنانة .
المسألة الثالثة : روي أن فتح مكة كان سنة ثمان وكان الأمير فيها عتاب بن أسيد ، ونزول هذه السورة سنة تسع ، وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر رضي الله عنه سنة تسع أن يكون على الموسم ، فلما نزلت هذه السورة أمر عليا أن يذهب إلى أهل الموسم ليقرأها عليهم . فقيل له لو بعثت بها إلى أبي بكر ، فقال : لا يؤدي عني إلا رجل مني ، فلما دنا علي سمع أبو بكر الرغاء ، فوقف وقال : هذا رغاء ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلما لحقه قال : أميرا أو مأمورا ؟ قال : مأمور ، ثم ساروا ، فلما كان قبل التروية خطب أبو بكر وحدثهم عن مناسكهم ، وقام علي يوم النحر عند جمرة العقبة فقال : يا أيها الناس إني رسول رسول الله إليكم ، فقالوا بماذا فقرأ عليهم ثلاثين أو أربعين آية ، وعن مجاهد ثلاث عشرة آية ، ثم قال : أمرت بأربع أن لا يقرب هذا البيت بعد هذا العام مشرك ، ولا يطوف بالبيت عريان ، ولا يدخل الجنة إلا كل نفس مؤمنة ، وأن يتم إلى كل ذي عهد عهده . فقالوا عند ذلك يا علي أبلغ ابن عمك أنا قد نبذنا العهد وراء ظهورنا وأنه ليس بيننا وبينه عهد إلا طعن بالرماح وضرب بالسيوف ، واختلفوا في السبب الذي لأجله أمر عليا بقراءة هذه السورة عليهم وتبليغ هذه الرسالة إليهم ، فقالوا السبب فيه أن عادة العرب أن لا يتولى تقرير العهد ونقضه إلا رجل من الأقارب فلو تولاه أبو بكر لجاز أن يقولوا هذا خلاف ما نعرف فينا من نقض العهود فربما لم يقبلوا ، فأزيحت علتهم بتولية ذلك عليا رضي الله عنه ، وقيل لما خص أبا بكر رضي الله عنه بتوليته أمير الموسم خص عليا بهذا التبليغ تطييبا للقلوب ورعاية للجوانب ، وقيل قرر أبا بكر علي الموسم وبعث عليا خلفه لتبليغ هذه الرسالة ، حتى يصلي على خلف أبي بكر ويكون ذلك جاريا مجرى التنبيه على إمامة أبي بكر ، والله أعلم .
وقرر الجاحظ هذا المعنى فقال : إن النبي صلى الله عليه وسلم بعث أبا بكر أميرا على الحاج وولاه الموسم وبعث عليا يقرأ على الناس آيات من سورة براءة فكان أبو بكر الإمام وعلي المؤتم وكان أبو بكر الخطيب وعلي المستمع وكان أبو بكر الرافع بالموسم والسابق لهم والآمر لهم ، ولم يكن ذلك لعلي رضي الله عنه . وأما قوله عليه الصلاة والسلام : «لا يبلغ عني إلا رجل مني » فهذا لا يدل على تفضيل علي على أبي بكر ، ولكنه عامل العرب بما يتعارفونه فيما بينهم ، وكان السيد الكبير منهم إذا عقد لقوم حلفا أو عاهد عهدا لم يحل ذلك العهد والعقد إلا هو أو رجل من أقاربه القريبين منه كأخ أو عم . فلهذا المعنى قال النبي صلى الله عليه وسلم ذلك القول .
1- وتسمى براءة ، والفاضحة لأنها فضحت أمر المنافقين ، ولها أربعة عشر اسما ، وعدد آياتها مئة وتسع وعشرون آية . وهي مدنية بإجماع الصحابة ، واتفق الصحابة رضوان الله عليهم على إسقاط البسملة من أولها ، وهي السورة التاسعة في ترتيب المصحف ، وقد نزلت في أواخر السنة التاسعة من الهجرة ، فكانت من آخر ما نزل من القرآن الكريم ، وفي هذه السنة خرج النبي صلى الله عليه وسلم بالمسلمين إلى تبوك ليغزو الروم ، وخرج أبو بكر على رأس المسلمين لحج بيت الله الحرام .
وقد حمل عليّ بن أبي طالب كرم الله وجهه هذه السورة إلى المسلمين في الحج وقرأها عليهم ، وأمير الحج كما تقدم أبو بكر رضي الله عنه .
وقد ابتدأت السورة ببراءة الله تعالى من المشركين ، فسميت براءة ، وعرفت بجملة أسماء ، تدل بمجموعها على ما اشتملت من المبادئ والمعاني التي تجب مراعاتها في معاملة الطوائف كلها ، مؤمنهم ، ومنافقهم ، وكتابيهم ، ومشركهم .
ومن تلك الأسماء أشهرها " التوبة " ، إشارة إلى ما تضمنته السورة من تسجيل توبة الله وتمام رضوانه على المؤمنين الصادقين ، الذين أخلصوا في مناصرة الدعوة ، وصدقوا في الجهاد مع النبي حتى بلغ بهم الغاية { لقد تاب على النبي والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة . . . الآيتان 119 -120 } .
ومن الأسماء " براءة " ، إشارة إلى ما تضمنته السور في أولها من قطع عصمة مشركي جزيرة العرب على الإطلاق ، حتى يخضعوا لسلطان الإسلام ، { براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين . . . الآية 1 } .
ومن أسمائها : الحافرة ، والمثيرة ، والفاضحة ، والمنكلة ، وغيرها مما احتفظت به كتب التفسير . وهي ألقاب أطلقت عليها باعتبار ما قامت به من حفر قلوب المنافقين ، وإثارة أسرارهم ، وفضيحتهم بها ، وتنكيلها بهم الخ . . .
وهي سورة مستقلة ، يثبت ذلك هذه الأسماء المتعددة التي أطلقت عليها من الصدر الأول ، ولم يعرف إطلاق واحد منها على سورة الأنفال ، وقد نزلت سورة الأنفال بعد غزوة بدر في السنة الثانية من الهجرة ، وسورة التوبة بعد غزوة تبوك في أواخر السنة التاسعة من الهجرة .
وأما ترك التسمية في أولها فإنه ترتيب إلهي ، وكل قول خلاف هذا لا قيمة له .
2- ولسورة التوبة بحكم خروج النبي الكريم إلى تبوك يغزو الروم ، وخروج أبي بكر على رأس المسلمين لحج بيت الله الحرام – هدفان هامان في تاريخ الدولة الإسلامية :
الأول : تحديد القانون الأساسي الذي تشاد عليه دولة الإسلام ، وذلك بالتصفية النهائية بين المسلمين ومشركي العرب بإلغاء معاهداتهم ، ومنعهم من الحج ، وتأكيد قطع الولاية بينهم وبين المسلمين ، وبوضع الأساس في قبول بقاء أهل الكتاب في جزيرة العرب وإباحة التعامل معهم .
الثاني : إظهار ما كانت عليه نفوس المسلمين حينما استنفرهم الرسول إلى غزو الروم ، وفي هذه الدائرة تحدثت السورة عن المتثاقلين منهم والمتخلفين والمثبطين ، كما كشفت الغطاء عن فتن المنافقين وما انطوت عليه قلوبهم من أحقاد وما قاموا به من أساليب النفاق وألوانه .
وقد عرضت السورة من أولها للهدف الأول ، واستغرق ذلك إلى آخر الآية الثامنة والعشرين ، وهي قوله تعالى { يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا } . وقد تضمنت الآيات التي تختص بالمشركين ما يأتي :
أولا : تقرير البراءة ورفع العصمة عن الأنفس والأموال .
ثانيا : منحهم هدنة مقدارها أربعة أشهر .
ثالثا : إعلان الناس جميعا يوم الحج الأكبر بهذه البراءة .
رابعا : إتمام مدة العهد لمن حافظ منهم على العهد .
خامسا : بيان ما يعاملون به بعد انتهاء أمد الهدنة أو مدة العهد .
سادسا : تأمين المستجير حتى يسمع كلام الله .
سابعا : بيان الأسباب التي أوجبت البراءة منهم وصدور الأمر بقتالهم .
ثامنا : إزالة وساوس قد يخطر في بعض النفوس أنها تبرر مسالمة المشركين أو البقاء معهم على العهود .
وتضمنت الآيات فيما يختص بالمنحرفين من أهل الكتاب ما يأتي :
أولا : الأمر باستمرار قتالهم الذي بدأوا به حتى تبدو عليهم آية الخضوع لسلطان الإسلام وذلك بدفع الجزية للمسلمين .
ثانيا : بيان صفاتهم التي قررت استمرار قتالهم بعد عدوانهم حتى يخضعوا .
ثالثا : أرشدت الآيات –في هذا السياق- إلى خطة رؤسائهم الدينيين في سلب أموال الناس بالباطل والصد عن سبيل الله ، كما أشارت إلى سوء ذلك وسوء عاقبة كنز الأموال ، وعدم إنفاقها في سبيل الله ، وإلى تحذير المؤمنين من الوقوع في ذلك .
وقد استغرقت هذه الموضوعات من الآية التاسعة والعشر ين { قاتلوا الذين لا يؤمنون الله ولا باليوم الآخر –إلى قوله : حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون } إلى نهاية الآية الخامسة والثلاثين : { هذا ما كنزتم لأنفسكم فذوقوا ما كنتم تكنزون } .
ثم عرضت إلى بعض تصرفات في الحل والحرمة كان يفعلها المشركون في الأشهر الحرم إمعانا في تلبية الهوى والشهوة ، وأهمها النسيء الذي قال الله تعالى فيه : { إنما النسيء زيادة في الكفر يضل به الذين كفروا . . . الآية } .
وبذلك كانت الآيات التي عرضت لهذه الموضوعات والتي بلغها علي بن أبي طالب للناس في موسم الحج من السنة التاسعة : سبعا وثلاثين آية .
3- وقد بينت كثيرا من الأحكام للمسلمين ، فجاء النص فيها على عدد الأشهر الحرم ، وفيها بينت ضرورة النفر إلى القتال عند كل نداء من غير تلكؤ . وفيها من بعد ذلك إشارات إلى المخلفين والمعوقين عن الخروج للقتال ، وبيان أحوال المنافقين الذين يبتغون الفتنة في كل قوت تكون الدعوة فيه إلى القتال .
وفيها بيان الأمر القاطع المعلن لعقوبة النفاق ، وهو أن لا يصلي النبي على ميت منهم . ثم ترد في السورة الأعذار التي تسوغ التخلف ، كما تجيء حال الذين أظهروا الدخول في الإسلام من الأعراب ، أو خضعوا لأحكامه بعد أن صارت له قوة ، وكان هؤلاء الأعراب يقيمون حول المدينة وقريبا منها .
وتصنف السورة بعد ذلك أحوال الناس بالنسبة للإيمان ، وخبر مسجد الضرار ، وهو المسجد الذي بناه المنافقون ليغضوا من قدر المسجد الذي بناه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم ذكر سبحانه أوصاف المؤمنين الصادقين في إيمانهم ، وتوبة الثلاثة الذين كانوا تخلفوا عن رسول الله في غزوة تبوك ، كما ذكر الله أحوال الناس في تلقي آيات القرآن عند نزولها ، وختم السورة بأن الله اختار محمدا للرسالة ، وهو لا يريد عنت من أرسل إليهم ، وهو بهم رؤوف رحيم .
والواقع أن سورة التوبة –في الوقت الذي ترشدنا فيه إلى الأسس التي لا بد منها للمسلمين في حفظ كيانهم الداخلي والخارجي تعطينا في الوقت نفسه مع سورة الأنفال ما يشبه أن يكون سورة تاريخية مجملة لدعوة النبي صلى الله عليه وسلم وجهاده إلى أن أقر الله عينه بثمرة ذلك الجهاد وتبليغ تلك الدعوة .
براءة : إعذار وإنذار بانقطاع العصمة .
لقد دلت تجربة الرسول الكريم وأصحابه مع المشركين في جميع أنحاء الجزيرة العربية أن هؤلاء لا أمان لهم ولا عهود ، ولا يُؤمَن غدرُهم في حالي القوة والضعف ، بل لا يستطيع المسلمون أن يعيشوا على أسس المعاهدات ما داموا على شِركهم . فجاءت هذه السورة تأمر المسلمين بنبذِ عهود المشركين المطلقة ، وإتمام عهودهم المؤقتة لمن استقام . وهكذا حاربهم النبي صلى الله عليه وسلم حتى محا الشرك من جزيرة العرب ودانت كلها للإسلام .
وقد زاد إقبال العرب على الإسلام بعد الحجّة التي حجّها أبو بكر سنة تسع للهجرة ، وفي هذه الحجة أرسل النبيّ عليّ بن أبي طالب ليلحق بأبي بكر ، ويتلو على الناس قرآنا . فكان فصلا بين عهدين : عهدٍ كان الإسلام يقوى فيه شيئا فشيئا ، لكن مع بقاء الشرك في بعض القبائل ، وعهد آخر خلصت فيه الجزيرة كلها للإسلام . والقرآن - الذي تلاه عليٌّ على الناس ، وفَرّق الله به بين هذين العهدين - هو هذه الآيات الكريمة من سورة التوبة .
{ بَرَاءَةٌ مِّنَ الله وَرَسُولِهِ إِلَى الذين عَاهَدْتُمْ مِّنَ المشركين } .
هذه براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم أيُها المسلمون من المشركين ، فيها إنذار بقطع تلك المعاهدات .