مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{قُلۡ هَلۡ أُنَبِّئُكُم بِشَرّٖ مِّن ذَٰلِكَ مَثُوبَةً عِندَ ٱللَّهِۚ مَن لَّعَنَهُ ٱللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيۡهِ وَجَعَلَ مِنۡهُمُ ٱلۡقِرَدَةَ وَٱلۡخَنَازِيرَ وَعَبَدَ ٱلطَّـٰغُوتَۚ أُوْلَـٰٓئِكَ شَرّٞ مَّكَانٗا وَأَضَلُّ عَن سَوَآءِ ٱلسَّبِيلِ} (60)

ثم قال تعالى { قل هل أنبئكم بشر من ذلك مثوبة عند الله من لعنه الله وغضب عليه وجعل منهم القردة والخنازير وعبد الطاغوت أولئك شر مكانا وأضل عن سواء السبيل }

فيه مسائل :

المسألة الأولى : قوله { من ذلك } إشارة إلى المنقم ، و لابد من حذف المضاف ، وتقديره : بشر من أهل ذلك ؛ لأنه قال : { من لعنه الله } ولا يقال الملعون شر من ذلك الدين ، بل يقال : إنه شر ممن له ذلك الدين .

فإن قيل : فهذا يقتضي كون الموصوفين بذلك الدين محكوما عليهم بالشر ، ومعلوم أنه ليس كذلك .

قلنا : إنما خرج الكلام على حسب قولهم واعتقادهم ، فإنهم حكموا بأن اعتقاد ذلك الدين شر ، فقيل لهم : هب أن الأمر كذلك ولكن لعنة الله وغضبه ومسخ الصور شر من ذلك .

المسألة الثانية : { مثوبة } نصب على التمييز ، ووزنها مفعلة كقولك : مقولة ومجوزة ، وهو بمعنى المصدر ، وقد جاءت مصادر على مفعول كالمعقول والميسور .

فإن قيل : المثوبة مختصة بالإحسان ، فكيف جاءت في الإساءة ؟

قلنا : هذا على طريقة قوله { فبشرهم بعذاب أليم } وقول الشاعر :

تحية بينهم ضرب وجيع *** . . .

المسألة الثالثة : { من } في قوله { من لعنه الله } يحتمل وجهين : الأول : أنه في محل الرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف ، فإنه لما قال : { قل هل أنبئكم بشر من ذلك } فكأن قائلا قال : من ذلك ؟ فقيل : هو من لعنه الله ، ونظيره قوله تعالى : { قل أفأنبئكم بشر من ذلكم النار } كأنه قال : هو النار . الثاني : يجوز أن يكون في موضع خفض بدلا من ( شر ) والمعنى أنبئكم بمن لعنه الله .

المسألة الرابعة : اعلم أنه تعالى ذكر من صفاتهم أنواعا : أولها : أنه تعالى لعنهم ، وثانيها : أنه غضب عليهم ، وثالثها : أنه جعل منهم القردة والخنازير وعبد الطاغوت . قال أهل التفسير : عنى بالقردة أصحاب السبت ، وبالخنازير كفار مائدة عيسى . وروي أيضا أن المسخين كانا في أصحاب السبت لأن شبانهم مسخوا قردة ، ومشايخهم مسخوا خنازير .

المسألة الخامسة : ذكر صاحب الكشاف في قوله { وعبد الطاغوت } أنواعا من القراءات : أحدها : قرأ أبي : وعبدوا الطاغوت ، وثانيها : قرأ ابن مسعود : ومن عبدوا ، وثالثها : وعابد الطاغوت عطفا على القردة ، ورابعها : وعابدي ، وخامسها : وعباد ، وسادسها : وعبد ، وسابعها : وعبد ، بوزن حطم ، وثامنها : وعبيد ، وتاسعها : وعبد بضمتين جميع عبيد ، وعاشرها : وعبدة بوزن كفرة ، والحادي عشر : وعبد ، وأصله عبدة ، فحذفت التاء للإضافة ، أو هو كخدم في جمع خادم ، والثاني عشر : عبد ، والثالث عشر : عباد ، والرابع عشر : وأعبد ، والخامس عشر : وعبد الطاغوت على البناء للمفعول ، وحذف الراجع ، بمعنى وعبد الطاغوت فيهم أو بينهم ، والسادس عشر : وعبد الطاغوت ، بمعنى صار الطاغوت معبودا من دون الله تعالى ، كقولك : أمر إذا صار أميرا ، والسابع عشر : قرأ حمزة : عبد الطاغوت بفتح العين وضم الباء ونصب الدال وجر الطاغوت ، وعابوا هذه القراءة على حمزة ولحنوه ونسبوه إلى ما لا يجوز ذكره ، وقال قوم : إنها ليست بلحن ولا خطأ ، وذكروا فيها وجوها : الأول : أن العبد هو العبد إلا أنهم ضموا الباء للمبالغة ، كقولهم : رجل حذر وفطن للبليغ في الحذر والفطنة ، فتأويل عبد الطاغوت أنه بلغ الغاية في طاعة الشيطان ، وهذا أحسن الوجوه . الثاني : أن العبد ، والعبد لغتان كقولهم : سبع وسبع . الثالث : أن العبد جمعه عباد ، والعباد جمعه عبد ، كثمار وثمر . ثم استثلقوا ضمتين متواليتين فأبدلت الأولى بالفتحة . الرابع : يحتمل أنه أراد أعبد الطاغوت ، فيكون مثل فلس وأفلس ، ثم حذفت الهمزة ونقلت حركتها إلى العين . الخامس : يحتمل أنه أراد : وعبدة الطاغوت كما قرئ ، ثم حذف الهاء وضم الباء لئلا يشتبه بالفعل .

المسألة السادسة : قوله { وعبد الطاغوت } قال الفراء : تأويله وجعل منهم القردة ومن عبد الطاغوت ، فعلى هذا : الموصول محذوف .

المسألة السابعة : احتج أصحابنا بهذه الآية على أن الكفر بقضاء الله . قالوا : لأن تقدير الآية وجعل الله منهم من عبد الطاغوت ، وإنما يعقل معنى هذا الجعل إذا كان هو الذي جعل فيهم تلك العبادة ، إذ لو كان جعل تلك العبادة منهم لكان الله تعالى ما جعلهم عبدة الطاغوت ، بل كانوا هم الذين جعلوا أنفسهم كذلك ، وذلك على خلاف الآية . قالت المعتزلة : معناه أنه تعالى حكم عليهم بذلك ووصفهم به كقوله { وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا } والكلام فيه قد تقدم مرارا .

المسألة الثامنة : قيل : الطاغوت العجل ، وقيل : الطاغوت الأحبار ، وكل من أطاع أحدا في معصية الله فقد عبده .

ثم قال تعالى : { أولئك شر مكانا } أي أولئك الملعونون الممسوخون شر مكانا من المؤمنين ، وفي لفظ المكان وجهان : الأول : قال ابن عباس رضي الله عنهما : لأن مكانهم سقر ، ولا مكان أشد شرا منه . والثاني : أنه أضيف الشر في اللفظ إلى المكان وهو في الحقيقة لأهله ، وهو من باب الكناية كقولهم : فلان طويل النجاد كثير الرماد ، ويرجع حاصله إلى الإشارة إلى الشيء بذكر لوازمه وتوابعه .

ثم قال : { وأضل عن سواء السبيل } أي عن قصد السبيل والدين الحق . قال المفسرون : لما نزلت هذه الآية عبر المسلمون أهل الكتاب وقالوا : يا إخوان القردة والخنازير ، فافتضحوا ونكسوا رؤوسهم .

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{قُلۡ هَلۡ أُنَبِّئُكُم بِشَرّٖ مِّن ذَٰلِكَ مَثُوبَةً عِندَ ٱللَّهِۚ مَن لَّعَنَهُ ٱللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيۡهِ وَجَعَلَ مِنۡهُمُ ٱلۡقِرَدَةَ وَٱلۡخَنَازِيرَ وَعَبَدَ ٱلطَّـٰغُوتَۚ أُوْلَـٰٓئِكَ شَرّٞ مَّكَانٗا وَأَضَلُّ عَن سَوَآءِ ٱلسَّبِيلِ} (60)

المفردات :

الطاغوت : رأس الضلال . وقيل : الشيطان ، أو كل معبود من دون الله .

مثوبة : المثوبة والثواب ؛ الجزاء على الأعمال خيرها ، وشرها ، وكثر استعماله في الخير .

التفسير :

60- قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُم بِشَرٍّ مِّن ذَلِكَ مَثُوبَةً عِندَ اللّهِ مَن لَّعَنَهُ اللّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ . . الآية .

بين سبحانه لرسوله أن هناك قوما فيهم من العيب ما هو أولى بالعيب ، وهو ما هم عليه من الكفر الموجب للعن الله وغضبه ومسخه {[279]} .

والمعنى :

قل لهم يا محمد على سبيل التبكيت والتنبيه على ضلالهم : هل أخبركم أيها اليهود ، بمن هم شر وأسوأ من أهل ذلك الدين عقوبة عند الله يوم القيامة ؟ !

هم أولئك الذين طردهم الله من رحمته ، وأبعدهم عن رضوانه وحل عليهم سخطه ، وهم :

مَن لَّعَنَهُ اللّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ . أي : وجعل منهم من يشبه القردة في التقليد الأعمى ، والخنازير في الانغماس في كل ما هو قذر .

وكذلك جعل منهم الذين عبدوا الكهنة ورؤساء الضلال .

وفي المراد بالطاغوت هنا قولان :

أحدهما : الأصنام .

والثاني : الشيطان .

وفي القرطبي وابن كثير ، وابن الجوزي عشرون قراءة في كلمة وعبد الطاغوت وفيها وجهان . أحدهما : أن المعنى : وجعل منهم القردة والخنازير ومن عبد الطاغوت .

والثاني : أن المعنى : من لعنه الله وعبد الطاغوت . أي : خدم الطاغوت وأطاع الظلم والباطل والفساد . والآية وردت على سبيل المشاكلة والمجاورة لتفكير اليهود الفاسد وزعمهم الباطل .

فكأنه سبحانه يقول لنبيه :

إن هؤلاء يا محمد ينكرون عليكم إيمانكم بالله وبالكتب السماوية ويعتبرون ذلك شرا ، قل لهم : لئن كنتم تعيبون علينا إيماننا وتعتبرونه شرا لا خير فيه فشر منه عاقبة ومآلا ما انتم عليه من لعن وطرد من رحمة الله ، وما أصاب أسلافهم من مسخ بعضهم قردة ، وبعضهم خنازير . وما عرف عنكم من عبادة لغير الله . . وشبيه بهذه الآية في مجاراة الخصم قوله تعالى : وَإِنَّا وْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ . ( سبأ : 24 )

أُوْلَئِكَ شَرٌّ مَّكَاناً . أي : هؤلاء الموغلون في الاتصاف بتلك القبائح والخبائث التي أوقعتهم في سوء المصير . هم في شر المكانة وأحط المقام في الدنيا والآخرة .

وَأَضَلُّ عَن سَوَاء السَّبِيلِ . أي : وهم أكثر ضلالا عن طريق الحق المستقيم من سواهم ، فهم في الدنيا يشركون بالله وينتهكون محارمه وفي الآخرة مأواهم النار وبئس القرار .


[279]:تفسير الشوكاني (فتح القدير).