روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ ٱلشَّهَوَٰتِ مِنَ ٱلنِّسَآءِ وَٱلۡبَنِينَ وَٱلۡقَنَٰطِيرِ ٱلۡمُقَنطَرَةِ مِنَ ٱلذَّهَبِ وَٱلۡفِضَّةِ وَٱلۡخَيۡلِ ٱلۡمُسَوَّمَةِ وَٱلۡأَنۡعَٰمِ وَٱلۡحَرۡثِۗ ذَٰلِكَ مَتَٰعُ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۖ وَٱللَّهُ عِندَهُۥ حُسۡنُ ٱلۡمَـَٔابِ} (14)

{ زُيّنَ لِلنَّاسِ } كلام مستأنف سيق للتنفير عن الحظوظ النفسانية التي كثيراً ما يقع القتال بسببها إثر بيان حال الكفرة والتنصيص على عدم نفع أموالهم وأولادهم لهم وقد كانوا يتعززون بذلك ، والمراد من الناس الجنس { حُبُّ الشهوات } أي المشهيات وجعلها نفس الشهوات إشارة إلى ما ركز في الطباع من محبتها والحرص عليها حتى كأنهم يشتهون اشتهاءها كما قيل لمريض : ما تشتهي ؟ فقال : أشتهي أن أشتهي ، أو تنبيهاً على خستها لأن الشهوات خسيسة عند الحكماء/ والعقلاء ففي ذلك تنفير عنها وترغيب في ما عند الله تعالى ، والمزين هو الله تعالى كما أخرجه ابن أبي حاتم عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه ، وروي عن الحسن الشيطان والله زينها لهم لأنا لا نعلم أحداً أذم لها من خالقها ، وفي «الانتصاف » التزيين للشهوات يطلق ويراد به خلق حبها في القلوب وهو بهذا المعنى مضاف إليه تعالى حقيقة لأنه لا خالق إلا هو ، ويطلق ويراد به الحض على تعاطي الشهوات المحظورة فتزيينها بالمعنى الثاني مضاف إلى الشيطان تنزيلاً لوسوسته وتحسينه منزلة الأمر بها والحض على تعاطيها ، وكلام الحسن رحمه الله تعالى محمول على التزين بالمعنى الثاني لا بالمعنى الأول فإنه يتحاشى أن ينسب خلق الله تعالى إلى غيره والإسناد في كل حقيقة كما أشرنا إليه في ما تقدم ، ومن قال : الظاهر أنه من قبيل أقدمني بلدك حق لي عليك إذ لا إقدام هنا بل قدوم محض أثبت له مقدم للمبالغة ، والمراد أن الشهوات زينت في أعينهم لنقصانهم ولا زينة لها في الحقيقة من غير أن يكون هناك مزين إلا أنه أثبت مزين مبالغة في الزينة وتنزيلاً لسبب الزينة منزلة الفاعل فقد تعسف وتصلف ، ومن قال : المزين في الحقيقة هو الشيطان لأن التزيين صفة تقوم به . والقائل بأنه هو الله تعالى لأنه الخالق للأفعال والدواعي مخطئ في الدعوى وغير مصيب في الدليل فالمخطئ ابن أخت خالته ، وقرأ مجاهد زين بالبناء للفاعل ونصب { حُبَّ } .

{ مِنَ النساء والبنين } في محل النصب على الحال من الشهوات وهي مفسرة لها في المعنى ، وقيل : { مِنْ } لبيان الجنس وقدم النساء لعراقتهن في معنى الشهوة وهن حبائل الشيطان ، وقد روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال : " ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء " ويقال : فيهن فتنتان : قطع الرحم وجمع المال من الحلال والحرام ، وثنى بالبنين لأنهم من ثمرات النساء في الفتن ، وقد روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال : «الولد مبخلة مجبنة » ويقال فيهم فتنة واحدة وهي جمع المال ، ولم يتعرض لذكر البنات لعدم الاطراد في حبهن ، وقيل : إن البنين تشملهن على سبيل التغليب { والقناطير المقنطرة } جمع قنطار وهو المال الكثير كما أخرجه ابن جرير عن الضحاك .

وأخرج أحمد عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «القنطار إثنا عشر ألف أوقية » وأخرج الحاكم عن أنس قال : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : «القنطار ألف أوقية » وفي رواية ابن أبي حاتم عنه القنطار ألف دينار . وأخرج ابن جرير عن أبيّ بن كعب قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «القنطار ألف أوقية ومائتا دينار » وعن معاذ ألف ومائتا أوقية ، وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما اثنا عشر ألف درهم وألف دينار ، وفي رواية أخرى عنه ألف ومائتا دينار ومن الفضة ألف ومائتا مثقال ، وعن أبي سعيد الخدري ملء جلد الثور ذهباً ، وعن مجاهد سبعون ألف دينار ، وعن ابن المسيب ثمانون ألفاً ، وعن أبي صالح مائة رطل ، وعن قتادة قال : كنا نحدث أن القنطار مائة رطل من الذهب أو ثمانون ألفاً من الورق ، وعن أبي جعفر خمسة عشر ألف مثقال والمثقال أربعة وعشرون قيراطاً ، وقيل : القنطار عند العرب وزن لا يحد ، وقيل : ما بين السماء والأرض من مال وغير ذلك ، ولعل الأولى كما قيل : ما روي عن الضحاك ويحمل التنصيص على المقدار المعين في هذه الأقوال على التمثيل لا التخصيص ، والكثرة تختلف بحسب الاعتبارات والإضافات ، واختلف في وزنه فقيل : فعلال ، وقيل : فعنلان فالنون على الأول أصلية وعلى الثاني زائدة ، ولفظ المقنطرة مأخوذ منه ، ومن عادة العرب أن يصفوا الشيء بما يشتق منه للمبالغة كظل ظليل وهو كثير/ في وزن فاعل ويرد في المفعول ك { حِجْراً مَّحْجُوراً } [ الفرقان : 22 ] و { نَسْياً مَّنسِيّاً } [ مريم : 23 ] وقيل : المقنطرة المضعفة ، وخصها بعضهم بتسعة قناطير ، وقيل : المقنطرة المحكمة المحصنة من قنطرت الشيء إذا عقدته وأحكمته ، وقيل : المضروبة دنانير أو دراهم ، وقيل : المنضدة التي بعضها فوق بعض ، وقيل : المدفونة المكنوزة .

{ مِنَ الذهب والفضة } بيان للقناطير وهو في موضع الحال منها ، والذهب مؤنث يقال : هي الذهب الحمراء ولذلك يصغر على ذهيبة ، وقال الفراء : وربما ذكر ، ويقال في جمعه : أذهاب وذهوب وذهبان ، وقيل : إنه جمع في المعنى لذهبة واشتقاقه من الذهاب ، والفضة تجمع على فضض واشتقاقه من انفض الشيء إذا تفرق { والخيل } عطف على ( النساء ) أو ( القناطير ) لا على ( الذهب والفضة ) لأنها لا تسمى قنطاراً وواحده خائل وهو مشتق من الخيلاء مثل طائر وطير ، وقال قوم : لا واحد له من لفظه بل هو اسم جمع واحده فرس ولفظه لفظ المصدر وجوز أن يكون مخففاً من خيل { المسومة } أي الراعية قاله ابن عباس رضي الله تعالى عنهما في إحدى الروايات عنه فهي من سوم ماشيته إذا أرسلها في المرعى ، أو المطهمة الحسان قاله مجاهد فهي من السيما بمعنى الحسن أو المعلمة ذات الغرة والتحجيل قاله عكرمة . فهي من السمة أو السومة بمعنى العلامة { والأنعام } أي الإبل والبقر والغنم وسميت بذلك لنعومة مشيها ولينه ، والنعم مختصة بالإبل { والحرث } مصدر بمعنى المفعول أي المزروع سواء كان حبوباً أم بقلاً أم ثمراً { ذلك } أي ما زين لهم من المذكور ولهذا ذكر وأفرد اسم الإشارة ويصح أن يكون ذلك لتذكير الخبر وإفراده وهو { مَّتَاعَ الحياة الدنيا } أي ما يتمتع به أياماً قلائل ثم يزول عن صاحبه { والله عِندَهُ حُسْنُ } أي المرجع الحسن فالمآب مفعل من آب يؤب أي رجع وأصله مأوب فنقلت حركة الواو إلى الهمزة الساكنة قبلها ثم قلبت ألفاً وهو اسم مصدر ويقع اسم مكان وزمان والمصدر أوب وإياب .

أخرج ابن جرير عن السدي أنه قال : ( حسن المآب ) حسن المنقلب وهي الجنة ، وفي تكرير الإسناد إلى الاسم الجليل زيادة تأكيد وتفخيم ومزيد اعتناء بالترغيب في ما عند الله تعالى من النعيم المقيم والتزهيد في ملاذ الدنيا السريعة الزوال ، ومن غريب ما استنبط من الآية كما قال أبو حيان ، وجوب الزكاة في الخيل السائمة لذكرها مع ما تجب فيه الصدقة أو النفقة ، والثاني : النساء والبنون ولا يخفى ما فيه .

هذا ( من باب الإشارة ) :{ زُيّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشهوات } بسبب ما فيهم من العالم السفلي والغشاوة الطبيعية والغواشي البدنية { مّنَ النساء } وهي النفوس { والبنين } وهي الخيالات المتولدة منها الناشئة عنها { والقناطير المقنطرة مِنَ الذهب والفضة } وهي العلوم المتداولة وغير المتداولة ، أو الأصول والفروع { والخيل المسومة } وهي مراكب الهوى وأفراس اللهو { والأنعام } وهي رواحل جمع الحطام وأسباب جلب المنافع الدنيوية { والحرث } وهو زرع الحرص وطول الأمل { ذلك متاع الحياة الدنيا } [ آل عمران : 14 ] الزائل عما قليل بالرجوع إلى المبدأ الأصلي والموطن القديم . ولك أن تبقي هذه المذكورات على ظواهرها فإن النفوس المنغمسة في أوحال الطبيعة لها ميل كلي إلى ذلك أيضاً

 
معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي - البغوي [إخفاء]  
{زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ ٱلشَّهَوَٰتِ مِنَ ٱلنِّسَآءِ وَٱلۡبَنِينَ وَٱلۡقَنَٰطِيرِ ٱلۡمُقَنطَرَةِ مِنَ ٱلذَّهَبِ وَٱلۡفِضَّةِ وَٱلۡخَيۡلِ ٱلۡمُسَوَّمَةِ وَٱلۡأَنۡعَٰمِ وَٱلۡحَرۡثِۗ ذَٰلِكَ مَتَٰعُ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۖ وَٱللَّهُ عِندَهُۥ حُسۡنُ ٱلۡمَـَٔابِ} (14)

قوله تعالى : { زين للناس حب الشهوات } . جمع شهوة وهي ما تدعو النفس إليه .

قوله تعالى : { من النساء } بدأ بهن لأنهن حبائل الشيطان .

قوله تعالى : { والبنين والقناطير } جمع قنطار واختلفوا فيه ، فقال الربيع بن انس : القنطار المال الكثير بعضه على بعض ، وقال معاذ بن جبل رضي الله عنه : القنطار ألف ومائتا أوقية ، لكل أوقية أربعون درهما ، وقال ابن عباس رضي الله عنهما والضحاك : ألف ومائتا مثقال ، وعنهما رواية أخرى اثنا عشر ألف درهم وألف دينار دية أحدكم ، وعن الحسن قال : القنطار دية أحدكم ، وقال سعيد بن جبير وعكرمة : هو مائة ألف ، ومائة من ، ومائة رطل ، ومائة مثقال ، ومائة درهم . ولقد جاء الإسلام يوم جاء وبمكة مائة رجل قد قنطروا ، وقال سعيد بن المسيب وقتادة : ثمانون ألفاً ، وقال مجاهد : سبعون ألفاً ، وعن السدي قال : أربعة آلاف مثقال ، وقال الحكم : القنطار مابين السماء والأرض من مال . وقال أبو نصرة ملء مسك ثور ذهباً أو فضة ؛ وسمي قنطاراً من الإحكام ، يقال : قنطرت الشيء إذا أحكمته ، ومنه سميت القنطرة .

قوله تعالى : { المقنطرة } . قال الضحاك : المحصنة المحكمة ، وقال قتادة : هي الكثيرة المنضدة بعضها فوق بعض . وقال يمان : هي المدفونة ، وقال السدي : هي المضروبة المنقوشة حتى صارت دراهم ودنانير . وقال الفراء :المضعفة ، فالقناطير ثلاثة ، والمقنطرة تسعة .

قوله تعالى : { من الذهب والفضة } . وقيل سمي الذهب ذهباً لأنه يذهب ولا يبقى ، والفضة لأنها تنفض أي تتفرق .

قوله تعالى : { والخيل المسومة } . الخيل جمع لا واحد له من لفظه ، واحدها فرس كالقوم والنساء ونحوهما . والمسومة ، قال مجاهد : هي المطهمة الحسان . وقال عكرمة : تسويمها حسنها . وقال سعيد بن جبير : هي الراعية ، يقال : أسام الخيل وسومها ، وقال الحسن وأبو عبيده : هي المعلمة من السيماء ، والسمة العلامة . ثم منهم من قال : سيماها الشبة واللون ، وهو قول قتادة ، وقيل : الكي .

قوله تعالى : { والأنعام } . جمع النعم ، وهي الإبل والبقر والغنم جمع لا واحد له من لفظه .

قوله تعالى : { والحرث } يعني الزرع .

قوله تعالى : { ذلك } . الذي ذكرت .

قوله تعالى : { متاع الحياة الدنيا } . يشير إلى أنها متاع يفنى .

قوله تعالى : { والله عنده حسن المآب } . أي المرجع ، فيه إشارة إلى التزهيد في الدنيا وترغيب في الآخرة .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ ٱلشَّهَوَٰتِ مِنَ ٱلنِّسَآءِ وَٱلۡبَنِينَ وَٱلۡقَنَٰطِيرِ ٱلۡمُقَنطَرَةِ مِنَ ٱلذَّهَبِ وَٱلۡفِضَّةِ وَٱلۡخَيۡلِ ٱلۡمُسَوَّمَةِ وَٱلۡأَنۡعَٰمِ وَٱلۡحَرۡثِۗ ذَٰلِكَ مَتَٰعُ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۖ وَٱللَّهُ عِندَهُۥ حُسۡنُ ٱلۡمَـَٔابِ} (14)

قوله تعالى : ( زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطر المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث ذلك متاع الحياة الدنيا والله عنده حسن المآب قل أؤنبئكم بخير من ذلكم للذين اتقوا عند ربهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وأزواج مطهرة ورضوان من الله والله بصير بالعباد ) .

يستفاد من بناء الفعل الماضي في الآية ( زين ) للمجهول أن الإنسان مزيّن له تزيينا أن يحب هاتيك الشهوات مما ذكر ، وبذلك فالتزيين خارج عن إرادة الإنسان . وإنما الإنسان قد جيء به مفطورا على هذه الحال من إركاز الغرائز الفطرية والأهواء الذاتية كحب النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة ، فلا جرم أن المزين للإنسان حب الشهوات من لذائذ وأهواء ومنافع هو الله ، مع أنه قيل في المزين خلاف ذلك ، لكننا نرجح أن المزين هنا هو الله . ذلك أن ما ذكر في الآية من وجوه الشهوات المختلفة ليس عارضا ولا مكتسبا ، بل إنه إحساسات فطرية مركوزة في أعماق الطبيعة البشرية لا يملك حيالها غير الاعتبار والمراعاة .

إن ما ذكرته الآية من لذائذ ورغائب ، إن هي الاستعدادات ذاتية أصيلة ضاربة في أغوار النفس البشرية ، بل إنها جملة من المركبات الذاتية لطبيعة الإنسان . فهي ليست مصنوعة ولا مستفادة على سبيل الاكتساب ، وإنما هي ذخائر فطرية بني عليها الإنسان قدرت في كيانه تقديرا .

إذا تبين لنا ذلك لزم أن نقول إن هذه الغرائز والشهوات لا ينبغي أن تثير في النفسي الاستهجان أو الغضاضة ، فهذه الإحساسات ليست مستقبحة ولا نشازا ولا هي مثار للاستخفاف أو الازدراء ، بل إن عكس ذلك هو الصحيح ، فإن هذه المركبات الفطرية المستحوذة على كيان الإنسان جديرة بالمراعاة والاهتمام ؛ لأنها من خلق الله ومن تقديره . فهي جملة من المركبات النفسية والعضوية الذاتية للإنسان ، بل الإنسان كله حصيلة متوازنة متماسكة متكاملة لهاتيك المركبات العديدة المنسجمة ، فلا جرم أن مثل هذا التخليق من صنع الله وتقديره .

وإذا كان الأمر كذلك بات من الضرورة الاستفادة من مثل هذا التركيب المتماسك المتوازن المنسجم الذين جاء عليه الإنسان ؛ وذلك من أجل الإصلاح والخير وبناء المجتمع البشري على أحسن حال من الترابط والانسجام والرحمة ، شريطة أن تأخذ هذه الغرائز والشهوات والرغائب مجراها السليم المعتدل . وذلك في إطار معقول ومقبول من التوازن والاعتدال ، بعيدا عن الإفراط والتفريط . وكلا هذين العنصرين ( الإفراط والتفريط ) مدعاة محققة وخطيرة للتدهور والانهيار ، بل إنهما مدعاة شنيعة لإعنات الإنسان بما يفضي به إلى الفساد والتدمير .

وقد كرت الآية جملة من الشهوات المحببة للإنسان والتي زينها الله للإنسان تزيينا لا يملك التنصل منه كليا ، ويأتي في طليعة هذه الشهوات والرغائب اللاحاحة حب النساء ، ويعبر عن ذلك بغريزة الجنس . وهي غريزة راسخة ومركوزة في النفسية البشرية ، يستحيل إنكارها أو التحرر من غلبتها وسلطانها إلا الكبت المرهق الشنيع . الكبت الذي يسوم الأعصاب والجهاز النفسي كله الإرهاق والعنت والاضطراب .

هذه حقيقة مقدرة ومحسوبة ، حقيقة قد راعاها الإسلام وحسب لها من التشريع ما يكافؤها من الاهتمام والحرص والرعاية ، وذلك بتشريع النكاح . هذا العقد المبارك المقدس الذي يصون للأزواج طبائعهم ونفوسهم ؛ كما تظل مرتاحة مطمئنة لا يعتورها خلل ، ولا قلق ولا إرهاق ، ويصون للأسر والبيوت حسن العيش في ود ومرحمة من غير شقاق ولا نزاع ولا فوضى ، ويصون للمجتمع كله أمنه واستقراره فيظل شامخ البنيان مستديم الصيانة والصلابة والائتلاف .

وكذلك حب الشهوة من ( البنين ) وواحده ابن ، والإنسان مفطور على حب الذرية والنسل ، لا جرم أن هؤلاء أقرب الخليقة إلى قلب الآباء والأمهات وهم الأصول ؛ لأن الولد فرع الأصل ، بل هو بضعة منه وجزء أساسي أصيل منبثق عن كيانه وبذلك فإن الآباء والأمهات لشدّ ما يكون حبهم وتعلقهم بأولادهم عظينا وغامرا .

على أن البنين خاصة تزداد الرغبة لدى الأصول في إنجابهم لإحساسهم المستكن أن ذريتهم من البنين والحفدة هم خير معوان لهم في رحلة العمر هائلة .

وكذلك حب الشهوة من ( القناطر المقنطرة من الذهب والفضة ) يراد بالقناطر المقنطرة – في الجملة- المال الكثير يتوثق به الإنسان في دفع أصناف النوائب . وهو قول الرازي .

أما الذهب والفضة فهما معيار الثمنية للأشياء كلها . قال الرازي في ذلك : الذهب والفضة إنما كانا محبوبين ؛ لأنهما جعلا ثمن جميع الأشياء فمالكهما كالمالك لجميع الأشياء ، وصفة المالكية هي القدرة ، والقدرة صفة الكمال ، والكمال محبوب لذاته . فلما كان الذهب والفضة أكمل الوسائل إلى تحصيل هذا الكمال الذي هو محبوب لذاته وما لا يوجد المحبوب إلا به فهو محبوب ، لا جرم كانا محبوبين{[413]} .

وحب الإنسان للمال حقيقة لا شك فيها . حقيقة تعترف بها الوقائع والاستقراءات المحسوسة التي تشهد على تشبث الإنسان المشبوب بالمال ، إن حب المال يكاد يستحوذ كليا على قلب الإنسان وأعصابه وتفكيره إلا أن يستعصم بأهذاب العقيدة والتقوى ليتحرر من طوق هذه الشهوة الغلابة الجامحة .

وليت شعري هل ينجو من أسر هذه الشهوة الطاغية المستحوذة إلا القليل القليل من بني البشر . أولئك الذين استعلت طبائعهم وكراماتهم على المال بكل صوره وأصنافه ما بين ذهب ونقود مختلفة الأنواع والأشكال . نقود مرصودة في صنادق السحت والشنار داخل المصارف الربوية .

وكذلك حب الشهوة من ( الخيل المسومة ) الخيل اسم جمع ليس له واحد من لفظه ، واحده فرس كالقوم والرهط والنساء والإبل ونحو ذلك . والخيل مؤنثة ، وسميت خيلا لاختيالها وهو إعجابها بنفسها مرحا . ومنه يقال : اختال الرجل . وبه خيلاء وهو الكبر والإعجاب{[414]} . والمسومة بمعنى الراعية . يقال : أسمت الدابة وسومتها إذا أرسلتها في مروجها للرعي . وقيل : الراعية المطهمة الحسان{[415]} وهذه صنف من المال محبب للنفس ومرغوب في اقتنائه ، تحصيلا لاشتهاء النفس لمثل هذا المتاع . وهو واحد من زخارف الدنيا يجد فيها الرجال حظهم من المفاخرة والتلذذ بالمرح والاختيال .

وكذلك حب الشهوة من ( الأنعام والحرث ) الأنعام جمع ومفرده نعم بالفتح ، وهي الإبل والبقر والغنم ، ولا يقال للجنس الواحد منها : نعم ، إلا للإبل خاصة فإنها فلبت عليها . والحرث معناه الزرع . والمراد به في الآية اسم لكل ما يحرث وهو مصدر سمي به . نقول : حرث الرجل حرثا إذا أثار الأرض لمعنى الفلاحة{[416]} .

وهذان صنفان من المال تهوي إليهما النفوس ؛ لما فيهما من استدرار للخير المستفاد من الأنعام من حيث لحومها وألبانها وأشعارها وجلودها وغير ذلك من وجوه المنافع الحيوانية . وكذلك الحرث حيث الأرض وما يستفيض فيها من خيرات ومذخورات وكنوز ، ما بين زروع وثمار ومياه ومعادن ونحو ذلك من أصناف المنافع . كل أولئك مجتمع في العبارة القرآنية الوجيزة المعبرة ( والأنعام والحرث ) .

وفي جملة هذه الأصناف من ضروب المتاع الزائل قال القرطبي : قال العلماء : ذكر الله تعالى أربعة أصناف من المال ، كل نوع من المال يتمول به صنف من الناس ، أما الذهب والفضة فيتمول بها التجار ، وأما الخيل المسومة فيتمول بها الملوك ، وأما الأنعام فيتمول بها أهل البوادي ، وأما الحرث فيتمول بها أهل الرساتيق{[417]} .

قوله : ( ذلك متاع الحياة الدنيا والله عنده حسن المآب ) الإشارة هنا إلى ما ذكر في الآية من وجوه المنافع والزينة وغير ذلك من أصناف المباهج والخيرات الزائلة مما يؤول إلى الزوال والفناء لا محالة . إن ذلك كله ( متاع الحياة الدنيا ) والمتاع معناه المنفعة والسلعة والأداة وما تمتعت به من الحوائج{[418]} . لكن ما عند الله خير وأدوم وأبقى ( والله عنده حسن المآب ) أي المرجع والنعيم المقيم المستديم . ما من متاع في هذه الدنيا إلا ومصيره الزوال القريب ، وما يكاد المرء يمارس استمتاعه بمنافع هذه الحياة- على اختلاف هذه المنافع وتفاوتها حتى يجد نفسه قد فرغ منها في عجل من حيث يدري أو لا يدري ، وما تمر الأيام أو السنون حتى تنطوي بالمرء صفحات العمر وهو يظن أنه على شيء ، ثم تفجأه صرعة الموت الداهم ليستيقن- في حقيقة لا ريب فيها- أنه فارق كل متاع وأنه لم يجن من دنياه ومآله وتطلعاته غير الندامة والإياس المطبق . وهناك الخسران والثبور ! .


[413]:- تفسير الرازي جـ 7 ص 212.
[414]:- المصباح المنير جـ 1 ص 200.
[415]:- المصباح المنير جـ 1 ص 318 وتفسير الرازي جـ 7 ص 213 وتفسير ابن كثير جـ 1 ص 352.
[416]:- مختار الصحاح ص 128 والمصباح المنير جـ 1 ص 138 وتفسير الرازي جـ 7 ص 213 وتفسير القرطبي جـ 4 ص 34، 35.
[417]:- تفسير القرطبي جـ 4 ص 36 والرساتيق. جمع معرب وهو السواد والقرى أنظر القاموس المحيط جـ 3 ص 243 والمصباح المنير جـ 1 ص 242.
[418]:- القاموس المحيط جـ 3 ص 86.