روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{بَرَآءَةٞ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦٓ إِلَى ٱلَّذِينَ عَٰهَدتُّم مِّنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ} (1)

مقدمة السورة:

سورة التوبة

مدنية كما روي عن ابن عباس وعبد الله بن الزبير وقتادة وخلق كثير وحكى بعضهم الاتفاق عليه ، وقال ابن الفرس : هي كذلك إلا آيتين منها { لقد جاءكم رسول من أنفسكم } الخ وهو مشكل بناء على ما في المستدرك عن أبي بن كعب وأخرجه أبو الشيخ في تفسيره عن علي بن زيد عن يوسف المكي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما من أن آخر آية نزلت { لقد جاءكم } الخ ولا يتأتى هنا ما قالوه في وجه الجمع بين الأقوال المختلفة في آخر ما نزل واستثنى آخرون { ما كان للنبي } الآية بناء على ما ورد أنها نزلت في قوله صلى الله تعالى عليه وسلم لأبي طالب : لأستغفرن لك ما لم أنه عنك وقد نزلت كما قال ابن كيسان على تسع من الهجرة ولها عدة أسماء التوبة لقوله تعالى فيها : { لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار } إلى قوله سبحانه : { وعلى الثلاثة الذين خلفوا } والفاضحة أخرج أبو عبيد وابن المنذر وغيرهما عن ابن جبير قال : قلت لابن عباس رضي الله تعالى عنهما سورة التوبة قال : التوبة بل هي الفاضحة ما زالت تنزل ومنهم ومنهم حتى ظننا أنه لا يبقى أحد منا إلا ذكر فيها وسورة العذاب أخرج الحاكم في مستدركه عن حذيفة قال : التي يسمون سورة التوبة هي سورة العذاب وأخرج أبو الشيخ عن ابن جبير قال : كان عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه إذا ذكر له سورة براءة وقيل سورة التوبة قال : هي إلى العذاب أقرب ما أقلعت عن الناس حتى ما كادت تدع منهم أحدا والمقشقشة أخرج ابن مردويه وغيره عن زيد بن أسلم أن رجلا قال لعبد الله : سورة التوبة فقال ابن عمر : وأيتهن سورة التوبة فقال براءة فقال رضي الله تعالى عنه : وهل فعل بالناس الأفاعيل إلا هي ما كنا ندعوها إلا المقشقشة أي المبرئة ولعله أراد عن النفاق والمنقرة أخرج أبو الشيخ عن عبيد بن عمير قال : كانت براءة تسمى المنقرة نقرت عما في قلوب المشركين والبحوث بفتح الباء صيغة مبالغة من البحث بمعنى اسم الفاعل كما روى ذلك الحاكم عن المقداد والمبعثرة أخرج ابن المنذر عن محمد بن إسحق قال : كانت براءة تسمى في زمان النبي صلى الله تعالى عليه وسلم وبعده المبعثرة لما كشفت من سرائر الناس وظن أنه تصحيف المنقرة من بعد الظن وذكر ابن الفرس أنها تسمى الحافرة أيضا لأنها حفرت عن قلوب المنافقين وروي ذلك عن الحسن والمثيرة كما روي عن قتادة لأنها أثارت المخازي والقبائح والمدمدمة كما روي عن سفيان بن عيينة والمخزية والمنكلة والمشردة كما ذكر ذلك السخاوي وغيره وسورة براءة فقد أخرج سعيد بن منصور والبيهقي في الشعب وغيرهما عن أبي عطية الهمداني قال : كتب عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه تعلموا سورة براءة وعلموا نساءكم سورة النور وهي مائة وتسع وعشرون عند الكوفيين ومائة وثلاثون عند الباقين ووجه مناسبتها للأنفال أن في الأولى قسمة الغنائم وجعل خمسها لخمسة أصناف على ما علمت وفي هذه قيمة الصدقات وجعلها لثمانية أصناف على ما ستعلم إن شاء الله تعالى وفي الأولى أيضا ذكر العهود وهنا نبذها وأنه تعالى أمر في الأولى بالإعداد فقال سبحانه : { وأعدوا لهم مااستطعتم من قوة } ونعى هنا على المنافقين عدم الإعداد بقوله عز وجل : { ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة } وأنه سبحانه ختم الأولى بإيجاب أن يوالي المؤمنين بعضهم بعضا وأن يكونوا منقطعين عن الكفار بالكلية وصرح جل شأنه في هذه بهذا المعنى بقوله تبارك وتعالى : { براءة من الله ورسوله } الخ إلى غير ذلك من وجوه المناسبة ، وعن قتادة وغيره أنها مع الأنفال سورة واحدة ولهذا لم تكتب بينهما البسملة وقيل : في وجه عدم كتابتها أن الصحابة رضي الله تعالى عنهم اختلفوا في كونها سورة أو بعض سورة ففصلوا بينها وبين الأنفال رعاية لمن يقول هما سورتان ولم يكتبوا البسملة رعاية لمن يقول هما سورة واحدة والحق أنهما سورتان إلا أنهم لم يكتبوا البسملة بينهما لما رواه أبو الشيخ وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما عن علي كرم الله تعالى وجهه من أن البسملة أمان وبراءة نزلت بالسيف ومثله عن محمد ابن الحنفية وسفيان بن عيينة ومرجع ذلك إلى أنها لم تنزل في هذه السورة كأخواتها لما ذكر ويؤيد القول بالإستقلال تسميتها بما مر ، واختار الشيخ الأكبر قدس سره في فتوحاته أنهما سورة واحدة وأن الترك لذلك قال في الباب الحادي والثلثمائة بعد كلام : وأما سورة التوبة فاختلف الناس فيها هل هي سورة مستقلة كسائر السور أو هل هي وسورة الأنفال سورة واحدة فإنه لا يعرف كمال السورة إلا بالفصل بالبسملة ولم تجيء هنا فدل على أنها من سورة الأنفال وهو الأوجه وإن كان لتركها وجه وهو عدم المناسبة بين الرحمة والتبري ولكن ماله تلك القوة بل هو وجه ضعيف ، وسبب ضعفه أنه في الاسم الله من البسملة ما يطلبه والبراءة إنما هي من الشريك لا من المشرك فإن الخالق كيف يتبرأ من المخلوق ولو تبرا منه من كان يحفظ وجوده عليه والشريك معدوم فتصح البراءة منه فهي صفة تنزيه وتنزيه الله تعالى من الشريك والرسول صلى الله تعالى عليه وسلم من إعتقاد الجهل ووجه آخر من ضعف هذا التأويل الذي ذكرناه وهو أن البسملة موجودة في أول سورة { ويل لكل همزة } و { ويل للمطففين } وأين الرحمة من الويل انتهى وقد يقال : كون البراءة من الشريك غير ظاهر من آيتها أصلا وستعلم إن شاء الله تعالى المراد منها وما ذكره قدس سره في الوجه الآخر من الضعف قد يجاب عنه بأن هذه السورة لا تشبهها سورة فإنها ما تركت أحدا كما قال حذيفة إلا نالت منه وهضمته وبالغت في شأنه أما المنافقون والكافرون فظاهر وأما المؤمنون ففي قوله تعالى : { يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا آباءكم } إلى { الفاسقين } وهو من أشد ما يخاطب به المخالف فكيف بالموافق وليس في سورة ويل ولا في سورة تبت ولا ولا ولو سلم إشتمال سورة على نوع ما اشتملت عليه لكن الامتياز بالكمية والكيفية مما لا سبيل لإنكاره ولذلك تركت فيها البسملة على ما أقول والاسم الجليل وإن تضمن القهر الذي يناسب ما تضمنته السورة لكنه متضمن غير ذلك أيضا مع إقترانه صريحا بما لم يتضمنا سوى الرحمة وليس المقصود هنا إلا إظهار صفة القهر ولا يتأتى ذلك مع الافتتاح بالبسملة ولو سلم خلوص الاسم الجليل له نعم إنه سبحانه لم يترك عادته في إفتتاح السور هنا بالكلية حيث افتتح هذه السورة بالباء كما إفتتح غيرها بها في ضمن البسملة وإن كانت باء البسملة كلمة وباء هذه السورة جزء كلمة وذلك لسر دقيق يعرفه أهله هذا ونقل عن السخاوي أنه قال في جمال القراء : اشتهر ترك التسمية في أول براءة وروي عن عاصم التسمية أولها وهو القياس لأن إسقاطها إما لأنها نزلت بالسيف أو لأنهم لم يقطعوا بأنها سورة مستقلة بل من الأنفال ولا يتم الأول لأنه مخصوص بمن نزلت فيه ونحن إنما نسمي للتبرك ألا ترى أنه يجوز بالإتفاق بسم الله الرحمن الرحيم { وقاتلوا المشركين } الآية ونحوها وإن كان الترك لأنها ليست مستقلة فالتسمية في أول الأجزاء جائزة وروي ثبوتها في مصحف ابن مسعود رضي الله تعالى عنه ، وذهب ابن متادر إلى قراءتها وفي الإقناع جوازها والحق إستحباب تركها حيث أنها لم تكتب في الإمام ولا يقتدى بغيره وأما القول بحرمتها ووجوب تركها كما قاله بعض المشايخ الشافعية فالظاهر خلافه ولا أرى في الإتيان بها بأسا لمن شرع في القراءة من أثناء السورة والله تعالى أعلم .

{ بَرَاءةٌ مّنَ الله وَرَسُولِهِ } أي هذه براءة والتنوين للتفخيم و { مِنْ } ابتدائية كما يؤذن به مقابلتها بإلى متعلقة بمحذوف وقع صفة للخبر لفساد تعلقه به أي واصلة من الله ، وقدروه بذلك دون حاصله لتقليل التقدير لأنه يتعلق به { إلى } الآتي أيضاً ، وجوز أن تكون مبتدأ لتخصيصها بصفتها وخبره قوله تعالى : { إِلَى الذين * عاهدتم مّنَ المشركين } .

وقرأ عيسى بن عمرو { بَرَاءةٌ } بالنصب وهي منصوبة باسمعوا أو الزموا على الإغراء ، وقرأ أهل نجران { مِنَ الله } بكسر النون على أن الأصل في تحريك الساكن الكسر ، لكن الوجه الفتح مع لام التعريف هرباً من توالي الكسرتين ، وإنما لم يذكر ما تعلق به البراءة حسبما ذكر في قوله تعالى : { أَنَّ الله بَرِىء مّنَ المشركين } [ التوبة : 3 ] اكتفاءً بما في حيز الصلة فإنه منبىء عنه إنباءً ظاهراً واحترازاً عن تكرار لفظ من ، والعهد العقد الموثق باليمين ، والخطاب في { عاهدتم } للمسلمين وقد كانوا عاهدوا مشركي العرب من أهل مكة وغيرهم بإذن الله تعالى واتفاق الرسول صلى الله عليه وسلم فنكثوا إلا بني ضمرة وبني كنانة ، وأمر المسلمون بنبذ العهد إلى الناكثين وأملهوا أربعة أشهر ليسيروا حيث شاءوا .

وإنما نسبت البراءة إلى الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم مع شمولها للمسلمين في اشتراكهم في حكمها ووجوب العمل بموجبها وعلقت المعاهدة بالمسلمين خاصة مع كونها بإذن الله تعالى واتفاق الرسول عليه الصلاة والسلام للإنباء عن تنجزها وتحتمها من غير توقف على رأي المخاطبين لأنها عبارة عن إنهاء حكم الأمان ورفع الخطر المترتب على الع ، السابق عن التعرض للكفرة وذلك منوط بجانب الله تعالى من غير توقف على شيء أصلاً ، واشتراك المسلمين إنما هو على طريق الامتثال لا غير ، وأما المعاهدة فحيث كانت عقداً كسائر العقود الشرعية لا تتحصل ولا تترتب عليها الأحكام إلا بمباشرة المتعاقدين على وجه لا يتصور صدوره منه تعالى وإنما الصادر عنه سبحانه الإذن في ذلك وإنما المباشر له المسلمون ، ولا يخفى أن البراءة إنما تتعلق بالعهد لا بالإذن فيه فنسبت كل واحدة منهما إلى من هو أصل فيها ، على أن في ذلك تفخيماً لشأن البراءة وتهويلاً لأمرها وتسجيلاً على الكفرة بغاية الذل والهوان ونهاية الخزي والخذلان ، وتنزيهاً لساحة الكبرياء عما يوهم شائبة النقص والبداء تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً ، وأدراجه صلى الله عليه وسلم في النسبة الأولى وإخراجه عن الثانية لتنويه شأنه الرفيع صلى الله عليه وسلم في كلا المقامين كذا حرره بعض المحققين وهو توجيه وجيه . وزعم بعضهم أن المعاهدة لما لم تكن واجبة بل مباحة مأذونة نسبت إليه بخلاف البراءة فإنها واجبة بإيجابه تعالى فلذا نسبت للشارع وهو كما ترى .

وذكر ابن المنير في سر ذلك أن نسبة الع . د إلى الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم في مقام نسب فيه النبذ من المشركين لا يحسن أدباً .

ألا ترى إلى وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم لأمراء السرايا حيث يقول لهم : «إذا نزلتم بحصن فطلبوا النزول على حكم الله تعالى فأنزلوهم على حكمكم فانكم لا تدرون أصادفتم حكم الله تعالى فيهم أم لا ، وإن طلبوا ذمة الله تعالى فأنزلوهم على ذمتكم فلأن تخفر ذمتكم خير من أن تخفر ذمة الله تعالى » فانظر إلى أمره صلى الله عليه وسلم بتوقير ذمة الله تعالى مخافة أن تخفر وإن كان لم يحصل بعد ذلك الأمر المتوقع ، فتوقير عهد الله تعالى وقد تحقق من المشركين النكث وقد تبرأ منه تعالى ورسوله عليه الصلاة والسلام بأن لا ينسب العهد المنبوذ إليه سبحانه أحرى وأجدر فلذلك نسب العهد للمسلمين دون البراءة منه ولا يخلو عن حسن إلا أنه غير واف وفاء ما قد سبق ، وقيل : إن ذكر الله تعالى للتمهيد كقوله سبحانه : { لاَ تُقَدّمُواْ بَيْنَ يَدَىِ الله وَرَسُولِهِ } [ الحجرات : 1 ] تعظيماً لشأنه صلى الله عليه وسلم ولولا قصد التمهيد لأعيدت { مِنْ } كما في قوله عز وجل : { كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِندَ الله وَعِندَ رَسُولِهِ } [ التوبة : 7 ] وإنما نسبت البراءة إلى الرسول عليه الصلاة والسلام والمعاهدة إليهم لشركتهم في الثانية دون الأولى . وتعقب بأنه لا يخفى ما فيه فإن من برأ الرسول عليه الصلاة والسلام منه تبرأ منه المؤمنون ، وما ذكر من إعادة الجار ليس بلازم ، وما ذكره من التمهيد لا يناسب المقام لضعف التهويل حينئذ ، وقيل : ولك أن تقول : إنه إنما أضاف العهد إلى المسلمين لأن الله تعالى علم أن لا عهد لهم وأعلم به رسوله عليه الصلاة والسلام فلذا لم يضف العهد إليه لبراءته منهم ومن عهدهم في الأزل ، وهذه نكتة الاتيان بالجملة اسمية خبرية وإن قيل : إنها إنشائية للبراءة منهم ولذا دلت على التجدد .

وفيه أن حديث الأزل لا يتأتى في حق الرسول عليه الصلاة والسلام ظاهراً وبالتأويل لا يبعد اعتبار المسلمين أيضاً ، ونكتة الاتيان بالجملة الاسمية وهي الدلالة على الدوام والاستمرار لا تتوقف على ذلك الحديث فقد ذكرها مع ضم نكتة التوسل إلى التهويل بالتنكير التفخيمي من لم يذكره .

( ومن باب الإشارة ) : أنه سبحانه أشار إلى تمكن رسوله عليه الصلاة والسلام ووصول أصحابه رضي الله تعالى عنهم إلى مقام الوحدة الذاتية بعد أن كانوا محتجبين بالأفعال تارة وبالصفات أخرى وبذلك تحققت الضدية على أكمل وجه بينهم وبين المشركين فنزلت البراءة وأمروا بنبذ العهد ليقع التوافق بين الباطن والظاهر وأمر المشركون بالسياحة في الآرض أربعة أشهر على عدد مواقفهم في الدنيا والآخرة تنبيهاً لهم فإنهم لما وقفوا في الدنيا مع الغير بالشرك حجبوا عن الدين والأفعال والصفات والذات في برزخ الناسوت فلزمهم أن يوقفوا في الآخرة على الله عز وجل ثم على الجبروت ثم على الملكوت ثم على النار في جحيم الآثار فيعذبوا بأنواع العذاب . ومن طبق الآيات على ما في الأنفس ذكر أن هذه المدة هي مدة كمال الأوصاف الأربعة النباتية والحيوانية والشيطانية والإنسانية ثم قال سبحانه لهم : { واعلموا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي الله } إذ لا بد من حبسكم في تلك المواقف بسبب وقوفكم مع الغير بالشرك { وَأَنَّ الله مُخْزِى الكافرين } [ التوبة : 2 ] المحجوبين عن الحق بافتضاحهم عند ظهور رتبة ما عبدوه من دونه ووقوفهم معه على النار

 
أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير للجزائري - أبوبكر الجزائري [إخفاء]  
{بَرَآءَةٞ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦٓ إِلَى ٱلَّذِينَ عَٰهَدتُّم مِّنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ} (1)

شرح الكلمات :

{ براءة } : أي هذه براءة بمعنى تبرؤ وتباعد وتخلص .

{ عاهدتم } : أي جعلتم بينكم وبينهم عهداً وميثاقاً .

المعنى :

/د1

{ براءة من الله ورسوله } أي واصلة { إلى الذين عاهدتم من المشركين فسيحوا في الأرض أربعة أشهر } .

/ذ4

 
التفسير الوسيط للقرآن الكريم لسيد طنطاوي - سيد طنطاوي [إخفاء]  
{بَرَآءَةٞ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦٓ إِلَى ٱلَّذِينَ عَٰهَدتُّم مِّنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ} (1)

مقدمة السورة:

سورة التوبة

مقدمة

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين ، سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه وأتباعه ومن دعا بدعوته إلى يوم الدين .

وبعد : فهذا تفسير تحليلي لسورة التوبة ، توخيت فيه أن أبرز ما اشتملت عليه السورة الكريمة من توجيهات سامية ، وآداب عالية ، وهدايات شاملة ، وحكم جليلة ، وتراكيب بليغة . .

والله نسأل أن يجعل هذا العمل خالصاً لوجهه ، ونافعاً لعباده ، وشفيعاً لنا عنده –سبحانه- يوم نلقاه ، إنه أكرم مسئول وأعظم مأمول .

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .

المؤلف

د . محمد سيد طنطاوي

تمهيد بين يدي تفسير سورة التوبة

نقصد بهذا التمهيد –كما سبق أن بينا في تفسير السورة السابقة –إعطاء القارئ صورة واضحة عن السورة التي سنفسرها قبل أن نبدأ في تفسيرها آية آية . فنقول :

1- سورة التوبة هي السورة التاسعة في ترتيب المصحف ، فقد سبقتها سور الفاتحة ، والبقرة ، وآل عمران ، والنساء ، والمائدة ، والأنعام ، والأعراف ، والأنفال .

2- وعدد آياتها مائة وتسعة وعشرون آية عند الكوفيين . ومائة وثلاثون آية عند جمهور العلماء .

3- أسماؤها :

عرفت هذه السورة منذ العهد النبوي بجملة من الأسماء منها :

( أ‌ ) التوبة : وسميت بهذا الاسم لتكرار الحديث فيها عن التوبة والتائبين ومن ذلك قوله –تعالى- : [ فإن تبتم فهو خير لكم . . . ]( {[1]} ) .

وقوله –تعالى- : [ فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم في الدين ]( {[2]} ) .

وقوله –تعالى- : [ ثم يتوب الله من بعد ذلك على من يشاء والله غفور رحيم ]( {[3]} ) .

قوله –تعالى- : [ وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئاً عسى الله أن يتوب عليهم . . . ]( {[4]} ) .

وقوله –تعالى- : [ وآخرون مرجون لأمر الله إما يعذبهم وإما يتوب عليهم . . . ]( {[5]} ) .

إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة التي تكررت في هذه السورة عن التوبة والتائبين .

( ب‌ ) براءة : وسميت بذلك لافتتاحها بقوله –سبحانه- : [ براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين . . . ] .

وهذان الاسمان –التوبة وبراءة- هما أشهر أسماء هذه السورة الكريمة .

( ج ) الفاضحة : وسميت بهذا الاسم لحديثها المستفيض عن المنافقين وصفاتهم وأحوالهم . . وفضيحتهم على رءوس الأشهاد .

أخرج البخاري عن سعيد بن جبير قال : قلت لابن عباس : سورة التوبة قال : التوبة هي الفاضحة . مازالت تنزل : ومنهم ومنهم ، حتى ظنوا أنها لن تبقي أحداً منهم إلا ذكر فيها( {[6]} ) .

( د ) المنقرة : وسميت بذلك ، لأنها نقرت عما في قلوب المنافقين والمشركين فكشفت عنه ، وأظهرته للناس .

( ه ) المثيرة : وسميت بهذا الاسم ، لأنها أثارت مثالبهم وعوراتهم . أي : أخرجتها من الخفاء إلى الظهور .

( و ) المبعثرة : لأنها بعثرت أسرارهم . أي بينتها وعرفتها للمؤمنين .

( ز ) المدمرة : أي المهلكة لهم .

إلى غير ذلك من الأسماء التي اشتهرت بها هذه السورة الكريمة( {[7]} ) .

هذا ، وليس في سور القرآن الكريم أكثر أسماء منها ومن سورة الفاتحة .

4- زمان ومكان نزولها :

قال ابن كثير : هذه السورة الكريمة من أواخر ما نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم كما قال البخاري . . . " ( {[8]} ) .

وقال صاحب المنار : هي مدنية بالاتفاق . وقيل : إلا قوله –تعالى- [ ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى . . . ] الآية وذلك لما روى في الحديث المتفق عليه من نزولها في النهي عن استغفاره صلى الله عليه وسلم لعمه أبي طالب –كما سيأتي تفصيله عند تفسيرها .

ويجاب عنه بجواز أن يكون نزولها تأخر عن ذلك ، وبما يقوله العلماء في مثل هذا المقام من جواز نزول الآية مرتين : مرة منفردة ومرة في أثناء السورة .

واستثنى ابن الفرس قوله –تعالى- [ لقد جاءكم رسول من أنفسكم . . . ] إلى آخر الآيتين اللتين في آخرها ؛ فزعموا أنهما مكيتان .

ويرده ما رواه الحاكم وأبو الشيخ في تفسيره عن ابن عباس من أن هاتين الآيتين من آخر ما نزل من القرآن . كما يرده أيضا قول الكثيرين من أن هذه السورة نزلت تامة .

وما يعارض هذا مما ورد في أسباب نزول بعض الآيات ، يجاب عنه بأن أكثر ما روي في أسباب النزول ، كان يراد به أن الآية نزلت في حكم كذا . أعني أن الرواة كانوا يذكرونها كثيراً في مقام الاستدلال . وهذا لا يدل على نزولها وحدها ، ولا على كون النزول كان عند حدوث ما استدل بها عليه ، كما قلنا آنفا في احتمال نزول آية استنكار الاستغفار للمشركين في المدينة ، وإن كان ما ذكروه من سببها حدث بمكة قبل الهجرة " ( {[9]} ) .

وقال بعض العلماء : ومن مراجعة نصوص السورة مراجعة موضوعية ، ومراجعة ما جاء في الروايات المأثورة عن أسباب النزول وملابساته ، ومراجعة أحداث السيرة النبوية كذلك . . يتبين أن السورة بجملتها نزلت في العام التاسع من الهجرة . ولكنها لم تنزل دفعة واحدة .

ومع أننا لا نملك الجزم بالمواقيت الدقيقة التي نزلت فيها مقاطع السورة في خلال العام التاسع ، إلا أنه يمكن الترجيح بأنها نزلت في ثلاث مراحل :

المرحلة الأولى منها : كانت قبل غزوة تبوك في شهر رجب من هذا العام .

المرحلة الثانية : كانت في أثناء الاستعداد لهذه الغزوة ثم في ثناياها .

المرحلة الثالثة : كانت بعد العودة منها .

أما مقدمات السورة من أولها إلى نهاية الآية الثامنة والعشرين منها ، فقد نزلت متأخرة في نهاية السنة التاسعة قبيل موسم الحج من ذي القعدة أو في ذي الحجة .

وهذا –على الإجمال- هو كل ما يمكن ترجيحه والاطمئنان إليه( {[10]} ) .

والذي نراه أن هذا القول هو الذي تسكن إليه النفس في الحديث عن زمان ومكان نزول السورة الكريمة ؛ لأن الذي يستعرض آياتها يراها –في مجموعها- ترسم للمؤمنين ما يجب أن تكون عليه علاقاتهم مع المشركين ، ومع أهل الكتاب ومع المنافقين ؛ ومع غيرهم من الطوائف .

كما يراها ترسم لهم الطريق الذي يجب عليهم أن يتخذوه أساساً لدولتهم . ومنهاجاً لحياتهم ، حتى تستمر عزتهم ، وتبقى كلمتهم عالية قوية بعد أن فتح الله لهم مكة وأذل الشرك وأهله .

كما يراها –أيضاً- تتحدث باستفاضة عن أحداث قد وقعت خلال غزوة تبوك أو قبلها أو بعدها . وغزوة تبوك قد كانت في السنة التاسعة من الهجرة .

5- لماذا لم تذكر البسملة في أول سورة التوبة ؟

للإجابة على هذا السؤال ذكر العلماء أقوالاً متعددة لخصها القرطبي تلخيصاً حسنا فقال :

واختلف العلماء في سبب سقوط البسملة من أول هذه السورة على أقوال خمسة : الأول : -أنه قيل كان من شأن العرب في زمانها في الجاهلية ، إذا كان بينهم وبين قوم عهد وأرادوا نقضه ، كتبوا إليهم كتاباً ولم يكتبوا فيه بسملة ؛ فلما نزلت سورة براءءة بنقض العهد الذي كان بين النبي صلى الله عليه وسلم والمشركين ، بعث بها النبي صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب فقرأها عليهم في الموسم ، ولم يبسمل في ذلك على ما جرت به عادتهم في نقض العهود من ترك البسملة .

وقول ثان : -روى النسائي قال : حدثنا أحمد قال : حدثنا محمد بن المثنى عن يحيى بن سعيد قال : حدثنا عوف ، قال : حدثنا يزيد الرقاشي –وفي صحيح الترمذي يزيد الفارسي- قال : قال لنا ابن عباس : قلت لعثمان : ما حملكم على أن عمدتم إلى " الأنفال " وهي من المثاني ، وغلى " براءة " وهي من المثين فقرنتم بينهما ، ولم تكتبوا سطر بسم الله الرحمن الرحميم ، ووضعتموها في السبع الطوال ؛ فما حملكم على ذلك ؟

قال عثمان : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا نزل عليه الشيء يدعو بعض من يكتب عنده فيقول : " ضعوا هذه الآيات في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا " وكانت " الأنفال " من أوائل ما أنزل –أي بعد الهجرة ، و " براءة " من آخر القرآن نزولاً ، وكانت قصتها شبيهة بقصتها . وقبض رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يبين لنا أنها منها فظننت أنها منها ، فمن ثم قرنت بينهما ولم أكتب بينهما سطر بسم الله الرحمن الرحيم .

وقول ثالث : روي عن عثمان أيضاً . وقال مالك فيما رواه ابن وهب وابن القاسم وابن عبد الحكم : إنه لما سقط أولها سقط بسم الله الرحمن الرحيم معه .

وروى ذلك عن ابن عجلان أنه بلغه أن سورة " براءة " كانت تعدل البقرة أو قربها فذهب منها : فلذلك لم يكتب بسم الله الرحمن الرحيم .

وقال سعيد بن جبير : كانت مثل سورة البقرة .

وقول رابع : -قاله خارجة وأبو عصمة وغيرهما . قالوا : لما كتبوا المصحف في خلافة عثمان اختلف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال بعضهم : براءة والأنفال سورة واحدة ، وقال بعضهم : هما سورتان ، فتركت بينهما فرجة لقول من قال إنهما سورتان وتركت بسم الله الرحمن الرحيم لقول من قال هما سورة واحدة ، فرضي الفريقان معاً ، وثبت حجتاهما في المصحف .

وقول خامس : قال عبد الله بن عباس : سألت علي بن أبي طالب لماذا لم يكتب في براءة بسم الله الرحمن الرحيم ؟ قال : لأن بسم الله الرحمن الرحيم أمان ، وبراءة نزلت بالسيف ليس فيها أمان .

-وكذا قال المبرد : إن التسمية افتتاح للخير ، وأول هذه السورة وعيد ونقض عهود ، فلذلك لم تفتتح بالتسمية .

ثم قال القرطبي والصحيح أن التسمية لم تكتب ، لأن جبريل –عليه السلام- ما نزل بها في هذه السورة . . " ( {[11]} ) .

هذا ، وقول القرطبي : والصحيح أن التسمية لم تكتب . . . إلخ ، هو القول الذي نعتمده ، وتطمئن إليه قلوبنا ، وقد رجحه المحققون من العلماء .

فقد قال الفخر الرازي –وذكر ستة أوجه في سبب إسقاط التسمية من أولها - :

الصحيح أنه صلى الله عليه وسلم أمر بوضع هذه السورة بعد سورة الأنفال وحيا ، وأنه حذف بسم الله الرحمن الرحيم من أول هذه السورة وحيا( {[12]} ) .

وقال الجلال : ولم تكتب فيها البسملة لأنه صلى الله عليه وسلم لم يأمر بذلك ، كما يؤكد من حديث رواه الحاكم .

أي أنه –كما يقول الجمل- لا مدخل لرأي أحد في الإثبات والترك ، وإنما المتبع في ذلك هو الوحي والتوقيف . وحيث لم يبين النبي صلى الله عليه وسلم ذلك تعين ترك التسمية ، لأن عدم البيان من الشارع في موضع البيان بيان للعدم " ( {[13]} ) .

وقال بعض العلماء : ولم تكتب في أولها البسملة لعدم أمره صلى الله عليه وسلم بكتابتها ، إذ لم ينزل بها جبريل –عليه السلام- والأصل في ذلك التوقيف " .

أما الأقوال الخمسة التي نقلناها عن القرطبي –منذ قليل- في سبب سقوط البسملة من أول سورة التوبة ، فإننا لا نرى واحداً منها يعتمد عليه في هذا الأمر . لأن القول الأول الذي حكاه بقوله : قيل كان من شأن العرب . . . إلخ . إنما هو تعليل عقلي على سبيل الاجتهاد لبيان الحكمة في عدم كتابة البسملة في أولها . ومثل هذا التعليل يقال في القول الخامس الذي حكاه ابن عباس ، عن علي بن أبي طالب .

وأما القول الثاني –وهو الحديث الذي رواه النسائي والترمذي- فقد علق عليه أحد العلماء المحققين بقوله : " في إسناده نظر كثير ، بل هو عندي ضعيف جداً ، بل هو حديث لا أصل له . يدور إسناده في كل رواياته على " يزيد الفارسي " . . ويزيد الفارسي هذا اختلف فيه : أهو يزيد بن هرمز أم غيره .

قال البخاري في التاريخ الكبير : " قال لي علي : قال عبد الرحمن : يزيد الفارسي هو ابن هرمز . قال : فذكرته ليحيى فلم يعرفه ، قال : " وكان يكون مع الأمراء " . وفي التهذيب : " قال ابن أبي حاتم : اختلفوا هل هو يعني ابن هرمز يزيد الفارسي أو غيره . . .

فهذا يزيد الفارسي الذي انفرد برواية هذا الحديث يكاد يكون مجهولاً ، حتى شبه على مثل ابن مهدي وأحمد والبخاري أن يكون هو ابن هرمز أو غيره .

ويذكره البخاري في الضعفاء ، فلا يقبل منه مثل هذا الحديث ينفرد به ، وفيه تشكيك في معرفة سور القرآن الثابتة بالتواتر القطعي ، قراءة وسماعا وكتابة في المصاحف . وفيه تشكيك في إثبات البسملة في أوائل السور ، كأن عثمان كان يثبتها برأيه وينفيها برأيه ، وحاشاه من ذلك .

فلا علينا إذا قلنا إنه " حديث لا أصل له " تطبيقاً للقواعد الصحيحة التي لا خلاف فيها بين أئمة الحديث .

قال السيوطي في تدريب الراوي في الكلام على أمارات الحديث الموضوع : أن " يكون منافيا لدلالة الكتاب القطعية ، أو السنة المتواترة ، أو الإجماع القطعي " . . . ( {[14]} ) .

وأما القول الثالث الذي يقول " إنه لما سقط أولها سقط معه بسم الله الرحمن الرحيم . . . " فهو قول ساقط لا يعتد به ، لأنه لا دليل عليه ولا سند له ، ويؤدى الالتفات إليه إلى المساس بقداسة القرآن الكريم ، حيث إن بعض سوره كانت طويلة ثم سقط منها ما سقط .

وأما القول الرابع الذي يزعم قائلوه أن بعض الصحابة قال : " براءة والأنفال سورة واحدة . . . " فهو قول ضعيف ولا يعتد به –أيضاً- كاسبقه ، لأنه قد عرف واشتهر بأنهما سورتان مستقلتان منذ عهد النبي صلى الله عليه وسلم إلى يومنا هذا .

ولأن الذي يقرأ السورتين بإمعان وتدبر ، يرى أن لكل منهما موضوعاتها الخاصة بها ، والتي اهتمت بها أكثر من غيرها ، فسورة الأنفال تحدثت باستفاضة عن غزوة بدر وما يتعلق بها . . بينما سورة التوبة قد تحدثت باستفاضة عن غزوة تبوك أي في السنة التاسعة .

قال الحاكم : استفاض النقل أنهما سورتان .

وقال أبو السعود : اشتهارها –أي سورة التوبة- بهذه الأسماء المتقدمة –براءة والفاضحة . . . إلخ- يقضى بأنها سورة مستقلة ، وليست بعضاً من سورة الأنفال . . . " ( {[15]} ) :

وقال بعض العلماء : وهذه الأسماء وغيرها مما ثبت إطلاقه على السورة –أي سورة التوبة- من الصدر الأول ، لم يعرف إطلاق واحد منها على السورة التي قبلها وهي سورة الأنفال ، كما لم يعرف أنه أطلق اسم سورة الأنفال على هذه السورة . وبذلك احتفظت كل من السورتين منذ العهد الأول بما لها من اسم لم تشاركها فيه صاحبتها .

وكما احتفظت كل من السورتين بما لها من اسم ، احتفظت كل منهما بوقت نزولها ، فسورة الأنفال نزلت بعد غزوة بدر . أي : في السنة الثانية من الهجرة . وسورة التوبة نزلت بعد غزوة تبوك ، وبعد خروج أبي بكر على رأس المسلمين إلى الحج . أي : في أواخر السنة التاسعة .

وكما احتفظت كل منهما بهذا وذاك ، احتفظت كل منهما –أيضاً- بهدفها الخاص .

فسورة التوبة عالجت شئوناً حدثت بعد زمن طويل من نزول سورة الأنفال ، ومعرفتها باسم سورة الأنفال . وسورة الأنفال عالجت شئوناً حدثت قبل نزول سورة التوبة ولم يرد لها ذكر فيها .

ولا شك أن كل هذه الاعتبارات الواضحة المبينة والمحققة في السورتين من الصدر الأول ، تدل دلالة واضحة على أنهما سورتان منفصلتان ، وأن عدهما سورة واحدة رأى لا قيمة له ، كما لا قيمة للاشتباه في استقلال كل منهما حتى يقال : تركت البسملة بينهما نظراً لاحتمال وحدتهما ، وتركت بينهما فرجة نظراً لاحتمال انفصالهما .

وقد عرف مع ترك التسمية بينهما أنهما سورتان مستقلتان من عهد النبي صلى الله عليه وسلم إلى يومنا هذا .

وقد جاءنا كذلك في المصاحف الأولى : مصحف عثمان ، وعلي ، وابن عباس ، فلا معنى بعد هذا كله لإثارة شبهة قد تمس من قرب أو بعد قداسة تنظيم كتاب الله وترتيبه بناء على روايات ضعيفة أو موضوعة( {[16]} ) .

والخلاصة أن القول بأنهما سورة واحدة ، قول لا وزن له ، ولا يعول عليه للأسباب التي ذكرناها آنفاً .

6- مناسبتها لسورة الأنفال :

قال الآلوسي : ووجه مناسبتها للأنفال أن في الأولى قسمة الغنائم وجعل خمسها لخمسة أصناف على ما علمت ، وفي هذه قسمة الصدقات وجعلها لثمانية أصناف على ما ستعلم إن شاء الله .

وفي الأولى –أيضاً- ذكر العهود وهنا نبذها . وأنه –سبحانه- أمر في الأولى بالإعداد فقال : [ وأعدلوا لهم ما استطعتم من قوة ] ونعي هنا على المنافقين عدم الإعداد بقوله : [ ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة ] .

وأنه –سبحانه- ختم الأولى بإيجاب أن يوالي المؤمنون بعضهم بعضاً وأن يكونوا منقطعين عن الكفار بالكلية ، وصرح –جل شأنه- في هذه بهذا المعنى فقال : [ براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين . . ] .

إلى غير ذلك من وجوه المناسبة( {[17]} ) .

وقال صاحب المنار : وأما التناسب بينها وبين ما قبلها فإنه أظهر من التناسب بين سائر السور بعضها مع بعض ، فهي –أي التوبة- كالمتممة لسورة الأنفال في معظم ما فيهما من أصول الدين وفروعه والسنن الإلهية والتشريع وأحكام المعاهدات . . فما بدئ به في الأولى أتم في الثانية ، مثال ذلك .

1- أن العهود ذكرت في سورة الأنفال ، وافتتحت سورة التوبة بتفصيل الكلام فيها ، ولاسيما نبذها الذي قيد في الأولى بخوف خيانة الأعداء .

2- تفصيل الكلام في قتال المشركين وأهل الكتاب في كل منهما .

3- ذكر في الأولى صد المشركين عن المسجد الحرام وأنهم ليسوا بأوليائه ، وجاء في الثانية [ ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله . . . ] .

4- ذكر في أول الأولى صفات المؤمنين الكاملين ، وذكر بعد ذلك بعض صفات الكافرين . ثم ذكر في آخرها حكم الولاية بين كل من الفريقين . وجاء في الثانية مثل هذا في مواضع أيضاً( {[18]} ) .

والحق أن الذي يقرأ السورتين بتأمل وتدبر يراهما تعطيانه ما يشبه أن يكون صورة تاريخية مجملة لدعوة النبي صلى الله عليه وسلم وجهاده إلى أن أتم الله له نعمة النصر .

فمثلاً عندما تقرأ سورة الأنفال نراها تتحدث عن حالة المسلمين قبل الهجرة كما في قوله –تعالى- [ واذكروا إذا أنتم قليل مستضعفون في الأرض تخافون أن يتخطفكم الناس . . . ] الآية 26 .

كما تتحدث عن المكر السيء الذي صدر عن المشركين والذي كان من أسباب الهجرة ، كما في قوله –تعالى- [ وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين ] الآية 30 .

ثم نراها تفيض في الحديث عن غزوة بدر ، وتشير إلى ما ظهر من المنافقين فيها [ إذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض غر هؤلاء دينهم ] . الآية 49 . وإلى ما حدث من اليهود من نقض للعهود [ وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء إن الله لا يحب الخائنين ] الآية 58 .

أما سورة التوبة فنراها تذكر المسلمين بالنصر الذي منحه الله لهم في مواطن كثيرة قال –تعالى- [ لقد نصركم الله في مواطن كثيرة . . . ] " الآية 25 " كما تصف بالتفصيل مواقف المنافقين في غزوة تبوك وغيرها .

ولعل قيام السورتين الكريمتيتن بإعطاء القارئ ما يشبه أن يكون صورة تاريخية مجملة للدعوة الإسلامية هوالحكمة في وضعهما مقترنتين وفي تسميتهما بالقرينتين .

قال القرطبي : كانتا تدعيان القرينتين ؛ فوجب أن تجمعا وتضم إحداهما إلى الأخرى ؛ للوصف الذي لزمهما من الاقتران ورسول الله صلى الله عليه وسلم حي( {[19]} ) .

7- المقاصد الإجمالية لسورة التوبة :

عندما تقرأ سورة التوبة بتأمل وتدبر نراها في مطلعها تحدد تحديداً حاسماً المنهاج الذي يجب أن يسلكه المؤمنون في علاقتهم مع المشركين ، وتبين بوضوح وجلاء الأسباب التي تدعو المؤمنين إلى التزام هذا المنهاج .

فهي في أولها تعلن براءة الله ورسوله من المشركين بسبب خيانتهم ، وتمنحهم الأمان لمدة أربعة أشهر لكي يدبروا فيها أمر أنفسهم ، وتعلن للناس عامة يوم الحج الأكبر أن الله ورسوله قد برئا من عهود المشركين ، وأنها قد نبذت إليهم ، وتستثني من هؤلاء المشركين أولئك الذين لم ينقضوا ، فتأمر المؤمنين بأن يتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم ، فإذا ما انتهت مدة الأمان فعلى المؤمنين أن يقتلوا المشركين الناكثين حيث وجدوهم ، وأن يؤمنوا من يطلب الأمان منهم حتى يسمع القرآن وبتدبره ، ويطلع على حقيقة الإسلام . وبذلك لا يبقى له عذر .

استمع إلى السورة الكريمة وهي تصور كل هذه المعاني بأسلوبها البليغ الحاسم فتقول :

[ براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين* فسيحوا في الأرض أربعة أشهر ، واعلموا أنكم غير معجزي الله وأن الله مخزي الكافرين* وأذان من الله ورسوله إلى الناس يوم الحج الأكبر أن الله برئ من المشركين ورسوله ؛ فإن تبتم فهو خير لكم . وإن توليتم فاعلموا أنكم غير معجزي الله ، وبشر الذين كفروا بعذاب أليم ] .

ثم تسوق السورة بعد ذلك الأسباب التي دعت إلى البراءة من المشركين ، والتي أوجبت على المؤمنين قتالهم ، وحرضتهم على ذلك بأنواع من المشجعات فقالت :

[ ألا تقاتلون قوماً نكثوا أيمانهم وهموا بإخراج الرسول وهم بدأوكم أول مرة ، أتخشونهم ؟ فالله أحق أن تخشوه إن كنتم مؤمنين* قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين* ويذهب غيظ قلوبهم ويتوب الله على من يشاء والله عليم حكيم ] .

ثم توجه السورة الكريمة خطابها إلى الذين شق عليهم القتال من المؤمنين ، وتبين أن الحكمة في الأمر به ، إنما هي الامتحان والتمحيص فتقول :

[ أم حسبتم أن تتركوا ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ، ولم يتخذوا من دون الله ولا رسوله ولا المؤمنين وليجة والله خبير بما تعملون ] .

ثم تصرح السورة الكريمة بعد ذلك بأن المؤمنين وحدهم هم الذين من حقهم أن يعمروا مساجد الله . . . أما المشركون فليس من حقهم ذلك بسبب كفرهم ونجاستهم .

قال تعالى : [ ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله شاهدين على أنفسهم بالكفر أولئك حبطت أعمالهم وفي النار هم خالدون* إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة ولم يخش إلا الله فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين ] .

فإذا ما وصلنا إلى الربع الثاني من سورة التوبة رأيناها في أوائله توجه إلى المؤمنين نداء تأمرهم فيه أن يؤثروا محبة الله ورسوله على محبة الآباء والأبناء والأموال . . وتهدد من يخالف ذلك فتقول :

[ يأيها الذين آمنوا لا تتخذوا آباءكم وإخوانكم أولياء إن استحبوا الكفر على الإيمان ، ومن يتولهم منكم فأولئك هم الظالمون* قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ، ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله ، فتربصوا حتى يأتي الله بأمره ، والله لا يهدي القوم الفاسقين ] .

ثم أخذت السورة الكريمة في تذكير المؤمنين بألوان من نعم الله عليهم ، حيث نصرهم ، سبحانه : على أعدائهم في مواطن كثيرة ، وحيث أيدهم بعونه بعد أن ضاقت عليهم الأرض بما رحبت .

قال تعالى : [ لقد نصركم الله في مواطن كثيرة ، ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا ، وضاقت عليكم الأرض بما رحبت ثم وليتم مدبرين* ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين ، وأنزل جنودا لم تروها ، وعذب الذين كفروا وذلك جزاء الكافرين ] .

ثم وجهت إليهم نداء ثانياً نهتهم فيه عن تمكين المشركين من قربان المسجد الحرام ، وبشرتهم بأن الله –تعالى- سيغنيهم من فضله متى تابوا إليه وأطاعوه .

قال تعالى : [ يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله إن شاء الله إن الله عليم حكيم ] ( الآية 28 ) .

وإلى هنا نرى السورة الكريمة قد حددت تحديدا حاسما المنهاج الذي يجب أن يسلكه المؤمنون في علاقاتهم مع المشركين ، وأبرزت بصورة واضحة ومقنعة الأسباب المتنوعة التي أوجبت سلوك هذا المناهج .

وتلك عادة القرآن الكريم في تشريعاته ، لا تكاد تجد تشريعا من تشريعاته إلا وقد صاحبته الحكمة التي كان لأجلها هذا التشريع ، والتي من شأنها أن تدفع الناس إلى المسارعة في التنفيذ والامتثال .

ثم بدأت السورة بعد ذلك في تحديد المنهاج الذي يجب أن يسلكه المؤمنون في علاقاتهم مع المنحرفين من أهل الكتاب ، وأبرزت ، أيضا : الأسباب التي تدعو إلى التزام هذا المنهاج ، فأمرت باستمرار قتالهم ، وذكرت ما هم عليه من صفات سيئة تحمل المؤمنين على تأديبهم ، وأرشدت إلى ما كان عليه رؤساؤهم من أكل لأموال الناس بالباطل ، ومن صد عن سبيل الله ، استمع إلى الآيات الكريمة وهي تحكي كل ذلك فتقول :

[ قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ، ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون* وقالت اليهود عزيز ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله ، ذلك قولهم بأفواههم يضاهئون قول الذين كفروا من قبل قاتلهم الله أنى يؤفكون ] .

[ يا أيها الذين آمنوا إن كثيرا من الأحبار والرهبان ليأكلون أموال الناس بالباطل ويصدون عن سبيل الله ، والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم ] .

ثم وجهت السورة نداء رابعا إلى المؤمنين ، نعت فيه على المتثاقلين الذين دعوا إلى الجهاد فتكاسلوا عنه . . وحذرتهم من سوء عاقبة هذا التكاسل وذكرتهم بما كان من نصر الله –تعالى- لنبيه وقت أن أحاط به المشركون وهو في الغار ، وأمرتهم بالخروج للجهاد في حالتي اليسر والعسر والمنشط والمكره .

قال تعالى : [ يا أيها الذين آمنوا مالك إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض ، أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة ، فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل* إلا تنفروا يعذبكم عذابا أليما ويستبدل قوما غيركم ولا تضروه شيئاً ، والله على كل شيء قدير ] .

وبعد هذه الدعوة الحارة للمؤمنين إلى الجهاد في سبيل الله بالنفس والأموال بدأت السورة الكريمة في الحديث عن المنافقين ، فكشفت عن أصنافهم وأوصافهم ، ورسمت أحوالهم النفسية والعملية ، وفضحت مواقفهم في غزوة تبوك وما كان منهم قبلها وبعدها وأثناءها ، وأظهرت حقيقة نواياهم وحيلهم ومعاذيرهم عن القتال ، وأزاحت الستار عن أساليب نفاقهم وألوان فتنهم وتخذيلهم للمؤمنين ، وحكت ما كانوا ينطقون به من سوء في حق النبي صلى الله عليه وسلم وفي حق أصحابه .

وقد استغرق الحديث عن المنافقين زهاء نصف سورة التوبة –أي من أواخر الربع الثالث منها إلى نهاية الربع السابع .

وقد تركتهم السورة الكريمة –بعد هذا الكشف السافر لأحوالهم : عراة من الخير أمام المؤمنين ، منبوذين من جماعة المسلمين ، مميزين بصفاتهم القبيحة التي فصلها القرآن تفصيلا يجعل العقلاء يعرفونهم ويحذرونهم .

فمن صفاتهم الذميمة ومسالكهم الخبيثة التي تحدثت السورة عنها :

( أ‌ ) الفرار من مواطن الجد والجهاد ، والتعلل بالأعذار الكاذبة ، والتستر بالأيمان الفاجرة ، وقد حكت السورة عنهم ذلك في مواضع كثيرة منها .

قال تعالى : [ لو كان عرضا قريبا وسفرا قاصداً لاتبعوك ولكن بعدت عليهم الشقة ، وسيحلفون بالله لو استطعنا لخرجنا معكم يهلكون أنفسهم والله يعلم إنهم لكاذبون ] :

وقوله تعالى : [ ومنهم من يقول ائذن لي ولا تفتني ألا في الفتنة سقطوا وإن جهنم لمحيطة بالكافرين ] .

وقوله تعالى : [ فرح المخلفون بمقعدهم خلاف رسول الله ، وكرهوا أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله ، وقالوا لا تنفروا في الحر ، قل نار جهنم أشد حرا لو كانوا يفقهون ] :

وقوله تعالى : [ وإذا أنزلت سورة أن آمنوا بالله وجاهدوا مع رسوله استأذنك أولو الطول منهم وقالوا ذرنا نكن مع القاعدين* رضوا بأن يكونوا مع الخوالف وطبع على قلوبهم فهم لا يفقهون ] .

( ب‌ ) إشاعة الفتنة في صفوف الجيش الإسلامي متى وجدوا فيه ، أي أن خلو الجيش منهم خير وبركة ووجودهم فيه شر وفتنة .

قال تعالى [ لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا ولأوضعوا خلالكم يبغونكم الفتنة وفيكم سماعون لهم والله عليم بالظالمين ] .

( ج ) كراهتهم الخير للرسول صلى الله عليه وسلم ولأصحابه ، ومحبتهم السوء لهم .

قال تعالى : [ إن تصبك حسنة تسؤهم ، وإن تصبك مصيبة يقولوا قد أخذنا أمرنا من قبل ويتولوا وهم فرحون ] .

( ه ) تظاهرهم بالإسلام تقية وجبنهم عن التصريح بما هم عليه من كفر .

قال تعالى : [ ويحلفون بالله إنهم لمنكم وما هم منكم ولكنهم قوم يفرقون* لو يجدون ملجأ أومغارات أو مدخلا لولوا إليه وهم يجمحون ] .

( و ) طعنهم على الرسول صلى الله عليه وسلم في قسمة الأموال وفي توزيع الصدقات بقصد إشاعة التهم الباطلة حوله .

قال تعالى : [ ومنهم من يلمزُكَ في الصدقاتِ ، فإن أعطُوا منها رضوا وإنْ لم يُعْطَوْا منها إذا هم يسخطون ] .

( ز ) وصفهم للرسول صلى الله عليه وسلم بأنه أُذُن –أي يصدق كل ما يقال له بدون تثبت . . .

قال تعالى : [ ومنهم الذين يؤذون النبيّ ويقولون هو أذُن قل أذنُ خير لكم ، يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين ورحمة للذين آمنوا منكم ، والذين يؤذونَ رسول اللهِ لهم عذاب أليم ] .

( ح ) استهزاؤهم بتعاليم الإسلام فيما بينهم ، واعتذارهم عن ذلك بأنهم لم يكونوا جادين فيما ينطقون به من سوء ، وتكذيب الله لهم فيما اعتذروا عنه .

قال تعالى : [ يحذر المنافقون أن تنزل عليهم سورة تنبئُهم بما في قلوبهم ، قل استهزئوا إن الله مخرج ما تحذرون* ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوضُ ونلعبُ ، قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون* لا تعتذرُوا قد كفرتم بعد إيمانكم إن نعفُ عن طائفة منكم نعذب طائفة بأنهم كانوا مجرمين ] .

( ط ) تعاطفهم فيما بينهم وتعاونهم على الإثم والعدوان لا على البر والتقوى .

قال تعالى : [ المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض يأمرون بالمنكر وينهوْن عن المعروف ، ويَقبضون أيديهُم نسوا الله فنسيهم إن المنافقين هم الفاسقون ] .

( ي ) سخريتهم من فقراء المؤمنين ، لأنهم يتصدقون بالقليل الذي لا يملكون سواء .

قال تعالى : [ الذين يلمزون المطوعين من المؤمنين في الصدقات والذين لا يجدون إلا جهدهم فيسخرون منهم سخر الله منهم ولهم عذاب أليم ] .

( ك ) نقضهم للعهود ، وبخلهم بما آتاهم الله من فضله .

قال تعالى : [ ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدقن ولنكونن من الصالحين* فلما آتاهم من فضله بخلوا به وتولوا وهم معرضون ] .

( ل ) اتخاذهم مسجدا لهم لا من أجل العبادة ، وإنما من أجل المضارة وإيذاء المسلمين ومحاولة تفريق كلمتهم ، وتشتيت وحدتهم .

قال تعالى : [ والذين اتخذوا مسجداً ضراراً وكفراً وتفريقاً بين المؤمنين وإرصادا لمن حارب الله ورسوله من قبل ، وليحلفن إن أردنا إلا الحسنى ، والله يشهد إنهم لكاذبون ] .

وهكذا نرى السورة الكريمة قد تتبعت المنافقين ، فكشفت عن أصنافهم وأوصافهم وأحوالهم . . بصورة تجعل المؤمنين الصادقين يعرفونهم ويحذرونهم .

بعد ذلك اتجهت السورة : في أواخرها بالحديث إلى المؤمنين الصادقين .

( أ‌ ) فذكرتهم بالتعاقد الذي بينهم وبين خالقهم : عز وجل وبشرتهم برضوانه ومحبته متى وفوا بعهودهم فقال ، تعالى :

[ إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون وعدا عليه حقا في التوراة والإنجيل والقرآن ومن أوفى بعهده من الله فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به ، وذلك هو الفوز العظيم ] .

( ب‌ ) وأعلمتهم بأن إيمانهم يحتم عليهم عدم الاستغفار لمن خالفهم في الدين مهما بلغت درجة قرابته .

[ ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم ] .

( ج ) وأمرتهم بأن يصحبوا رسولهم : صلى الله عليه وسلم : في جهاده للأعداء ، وأن يكابدوا معه الشدائد والأهوال برغبة ونشاط ؛ لأن كل تعب يلحقهم معه مكتوب لهم في سجل حسناتهم .

[ ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول الله ، ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه ، ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ولا نصب ولا مخمصة في سبيل الله ولا يطأون موطئا يغيظ الكفار ولا ينالون من عدو نيلا إلا كتب لهم به عمل صالح إن الله لا يضيع أجر المحسنين ] .

( د ) وأرشدتهم إلى أنه في حالة عدم خروج النبي صلى الله عليه وسلم معهم للجهاد ، عليهم أن يقسموا أنفسهم إلى قسمين : قسم يخرج للجهاد وقسم آخر يبقى مع النبي صلى الله عليه وسلم ليتعلم منه العلم ويحفظ عنه ما تجدد من أحكام .

[ وما كان المؤمنون لينفروا كافة ، فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون ] :

( ه ) ثم ختم –سبحانه- هذه السورة الكريمة بهاتين الآيتين الدالتين على سابغ رحمته بعباده ، حيث أرسل إليهم رسولا من أنفسهم حريصاً على منفعتهم رحيما بهم ، فقال تعالى :

[ لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حيرص عليكم بالمؤمنين رءوف رحيم . فإن تولوا فقل حسبي الله لا إله إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم ] .

أما بعد : فهذا عرض إجمالي لما اشتملت عليه سورة التوبة من موضوعات ومن هذا العرض يتبين لنا أن السورة الكريمة قد اهتمت بأمور معينة من أهمها ما يأتي :

1- رسم المنهاج النهائي الذي يجب أن يسير عليه المسلمون في علاقاتهم مع مشركي العرب ، ومع أهل الكتاب ، ومع المنافقين ، مع بيان الأسباب التي تدعو المسلمين إلى التزام هذا المنهاج .

2- كشف الغطاء عن المنافقين وأصنافهم وأوصافهم ، وعما انطوت عليه قلوبهم من أحقاد ، وعما سلكوه من مسالك خبيثة لمحاربة الدعوة الإسلامية ، ومناوأة أتباعها الصادقين .

وقد أفاضت السورة في الحديث عن ذلك إفاضة لا توجد في غيرها من سور القرآن الكريم .

3- حددت السورة الكريمة معالم المجتمع الإسلامي بعد أن تم فتح مكة ، وبعد أن دخل الناس في دين الله أفواجا .

فأثنت على السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان ووعدتهم بالفوز العظيم .

قال تعالى : [ والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه ، وأعد لهم جنات تجري تحتها الأنهار خالدين فيها أبداً ذلك الفوز العظيم ] .

وحكمت على كل فريق من المتخلفين عن غزوة تبوك من أهل المدينة وما حولها بالحكم الذي يناسبه .

قال تعالى : [ وممن حولكم من الأعراب منافقون ومن أهل المدينة مردوا على النفاق لا تعلمهم نحن نعلمهم سنعذبهم مرتين ثم يردون إلى عذاب عظيم ] .

وقال تعالى : [ وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحاً وآخر سيئاً عسى الله أن يتوب عليهم ] .

وقال تعالى : [ وآخرون مرجون لأمر الله إما يعذبهم وإما يتوب عليهم ] .

وهكذا نرى السورة الكريمة قد وضحت الطوائف المتنوعة التي كان المجتمع الإسلامي يتكون منها عند نزولها ، أي : بعد أن تم فتح مكة .

4- يؤخذ من الحديث المستفيض الذي ساقته السورة عن المنافقين وصفاتهم وأحوالهم . . أنهم بعد فتح مكة بدأت دولتهم تعود إلى الظهور في المجتمع الإسلامي بينما كانت قبيل الفتح قد أوشكت على التلاشي والاندثار .

ولعل السبب في ذلك : أن كثيراً من الناس قد دخل في الإسلام بعد أن فتحت مكة ، لأسباب دنيوية متنوعة ، دون أن يستقر الإيمان بالله في قلوبهم ، وإنما بقيت آثار الجاهلية لها وزنها في تحريك طباعهم واتجاهاتهم وأفكارهم .

قال بعض العلماء : سباق السورة يرسم صورة كاملة للمجتمع المسلم في فترة ما بعد الفتح ، ويصف تكوينه العضوي ، ومن هذه الصورة يتجلى نوع من الخلخلة وقلة التناسق بين مستوياته الإيمانية ، كما تنكشف ظواهر وأعراض من الشح بالنفس والمال ، ومن النفاق والضعف ، والتردد في الواجبات والتكاليف ، والخلط وعدم الوضوح في تصور العلاقات بين المعسكر الإسلامي والمعسكرات الأخرى ، وعدم المفاضلة الكاملة على أساس العقيدة ، وإن كان هذا كله لا يتعارض مع وجود القاعدة الصلبة الأمينة الخالصة من المهاجرين والأنصار ، مما استدعى حملات مفصلة ومنوعة للكشف والتوعية والبيان والتقرير تقي بحاجة المجتمع إليها .

وإن سبب هذه الحالة هو دخول جماعات كثيرة متنوعة من الناس في الإسلام بعد الفتح ، لم تتم تربيتها ، ولم تنطبع بعد بالطابع الإسلامي الأصيل( {[20]} ) .

5- عرضت السورة لبيان كثير من الأحكام والإرشادات التي تحتاج إليها الدولة الناشئة ، كحديثها عن مصارف الزكاة ، وعن الجهاد وموجباته ، وعن العهود وأحكامها ، وعن الأشهر الحرم . . إلى غير ذلك من الأحكام .

هذا ، ولعلنا ، بعد هذا التمهيد الذي سقناه بين يدي تفسير سورة التوبة نكون قد أعطينا القارئ الكريم فكرة واضحة عن أسماء هذه السورة ، وعن زمان ومكان نزولها ، وعن السبب في عدم ذكر البسملة في أولها ، وعن مقاصدها وموضوعاتها الإجمالية .

والله نسأل أن يوفقنا لما يحبه ويرضاه ، وأن يجنبنا الزلل والانحراف عن الطريق القويم .

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .

قال الإِمام ابن كثير : أول هذه السورة نزل على رسول الله - صلى الله عليه وسلم لما رجع من غزوة " تبوك " وهم بالحج ، ثم ذكر أن المشركين يحضرون عامهم هذا الموسم على عادتهم في ذلك ، وأنهم يطوفون بالبيت عراة ، فكره مخالطتهم وبعث أبا بكر الصديق - رضى الله عنه - أميرا على الحج تلك السنة ، ليقيم للناس مناسكهم ، ويعلم المشركين أن لا يحجوا بعد عامهم هذا ، وأن ينادى بالناس { بَرَآءَةٌ مِّنَ الله وَرَسُولِهِ . . . . } فلما قفل أبتعه بعلى ابن أبى طالب ، ليكون مبلغا عنه - صلى الله عليه وسلم - ليكونه عصبة له .

وقال محمد بن إسحاق : " لما نزلت { بَرَآءَةٌ } على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقد كان بعث أبا بكر الصديق - ليقيم للناس الحج ، قيل له : يا رسول الله ، لو بعثت بها إلى أبى بكر ؟ فقال : " لا يؤدى عنى إلا رجل من أهل بيتى " " .

ثم دعا على بن أبى طالب فقال له : أخرج بهذه القصة من صدر براءة ، وأذن في الناس يوم النحر إذا اجتمعوا بمنى : أنه لا يدخل الجنة كافر ، ولا يحج بعد العام مشرك ، ولا يطوف بالبيت عريان ، ومن كان له عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عهد فهو له إلى مدته .

فخرج على بن أبى طالب على ناقة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " العضباء " حتى أدرك أبا بكر بالطريق ، فلما رآه أبو بكر قال : أمير أم مأمور ؟ فقال : بل مأمور . ثم مضيا ، فأقام أبو بكر للناس الحج ، والعرب إذ ذاك في تلك السنة على منازلهم من الحج التي كانوا عليها في الجاهلية .

حتى إذا كان يوم النحر قام على بن أبى طالب فأذن في الناس بالذى أمره به رسول الله . صلى الله عليه وسلم . فقال : أيها الناس ، إنه لا يدخل الجنة كافر ، ولا يحج بعد العام مشرك ، ولا يطوف بالبيت عريان ، ومن كان له عهد عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فهو إلى مدته ، وأجل الناس أربعة أشهر من يوم أذن فيهم ، ليرجع كل قوم إلى مأمنهم وبلادهم ، ثم لا عهد لمشرك ولا ذمة ، إلا أحد كان له عند رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، عهد إلى مدة ، فهو له إلى مدته . فلم يحج بعد العام مشرك ، ولم يطف بالبيت عريان ، ثم قدما على رسول الله صلى الله عليه وسلم .

وقال الفخر الرازى : روى أن النبى ، صلى الله عليه وسلم ، لما خرج إلى غزوة تبوك وتخلف المنافقون وأرجفوا الأراجيف ، جعل المشركون ينقضون العهد ، فنبذ رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، العهد إليهم .

هذه بعض الآثار التي ذكرها المفسرون في هذا المقام .

وقوله - تعالى - : { بَرَآءَةٌ } مصدر بَرِئ " كتعب " ، وأصل البراءة : التباعد عن الشئ والتخلص منه . تقول : برئت من هذا الشئ أبرأ براءة فأنا منه برئ ، إذا أزلته عن نفسك ، وقطعت الصلة بينك وبينه . ومنه قولهم : برئت من الدين أى تخلصت منه .

ولفظ { بَرَآءَةٌ } مرفوع على أنه خبر لمبتدأ محذوف ، والتنويف فيه للتفخيم و { مِّنَ } لابتداء الغاية ، والعهد : العقد الموثق باليمين ، والخطاب في قوله { عَاهَدْتُمْ } للمسلمين .

والمعنى : هذه براءة واصلة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين بسبب نقضهم لعهودهم وإصرارهم على باطلهم . .

قال صاحب الكشاف : فإن قلت : لم علقت البراءة بالله ورسوله والمعاهدة بالمسلمين ؟ .

قلت : قد أذن الله في معاهدة المشركين أولا ، فاتفق المسلمون مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعاهدوهم ، فلما نقضوا العهد أوجب الله - تعالى - النبذ إليهم ، فخوطب المسلمون بما تجدد من ذلك فقيل لهم : اعلموا أن الله ورسوله قد برئا مما عاهدتم به المشركين .

وروى أنهم عاهدوا المشركين من أهل مكة وغيرهم من العرب ، فنكثوا إلا ناسا منهم ، فنبذ العهد إلى الناكثين ، وأمروا أن يسيحوا في الأرض أربعة أشهر آمنين . .

وقال بعض العلماء : والمعنى أن الله قطع ما بينه وبين المشركين من صلات فلا عهد ولا تعاهد ولا سلم ولا أمان ، وتركهم تعمل فيهم سيوف المؤمنين حتى يقوموهم أو يبيدوهم . ولا يدخل في هذا التبرى قطع رحمته العامة عنهم التي كتبها على نفسه من جهة أنه الخالق وأنهم المخلوقون . . فهو مع هذا التبرى لا يزال من هذه الجملة يرحمهم بمنح الحياة وموارد الرزق ، والتمكين من العمل حسب تقديره العام وسنته الشاملة في خلقه ولو أن التبرى كان على إطلاقه لما عاش كافر طرفة عين ، ولما استطاع كافر أن يقف في وجه مسلم .

فالآية تقرر حكما تكليفيا للمسلمين في شأن معاملة المشركين . . .

واعتبار أن الآية تقرر حكما شرعيا والمشرع هوالله أضيف صدور البراءة إليه - سبحانه - وعطف عليه الرسول - صلى الله عليه وسلم - في هذا المقام ، لأنه هو المبلغ عنه ، والمنفذ لما يبلغه . .

ولما كان التعاهد بين المؤمنين وغيرهم تنفيذا لأمر الله به ، وأصله حق لجماعتهم ، وإنما يقوم الإِمام به نائبا عن الجماعة ، أضيف - أى التعاهد - إلى جماعة المسلمين ، فقيل : { عَاهَدْتُمْ } . . وكثيراً ما ينسب القرآن الأحكام العامة لجماعة المؤمنين . .

ويؤخذ من تقرير البراءة من المشركين في هذه الآية جواز نبذ العهود لمن كان بيننا وبينه عهد متى رأى الإِمام مصلحة الأمة في ذلك ، كأن خيف منهم خيانة ، أو نقضوا شيئا من شروط المعاهدة ، أو وضعت المعاهدة على غير شرط احترامها الشرعى ، وذلك كله أخذا من هذا المقام ، ومن قوله - تعالى - في سورة الأنفال :

{ وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فانبذ إِلَيْهِمْ على سَوَآءٍ } كما يؤخذ أن عقد المعاهدات إنما هو حقا للجماعة ، يوافق عليه أصحاب الرأى والاختصاص في موضوع المعاهدة ، وما هو في مصلحة الجماعة ، ثم يباشرها الإِمام بعد ذلك نيابة عن الجماعة .


[1]:- سورة إبراهيم: الآية 1.
[2]:- سورة الإسراء. الآية 9.
[3]:- سورة المائدة: الآيتان 15، 16.
[4]:- سورة الجن: الآيتان 1، 2.
[5]:- سورة البقرة: الآيتان 23، 24.
[6]:- الأترجة: ثمرة حلوة الطعم، طيبة الرائحة، جميلة اللون، تشبه التفاحة.
[7]:- تفسير القرطبي: ج1 ص4 وما بعدها.
[8]:- سورة الحجر. الآية 9.
[9]:- تفسير القرطبي ج1 ص26.
[10]:- تفسير ابن كثير ج1 ص4 وما بعدها –بتصرف وتلخيص-.
[11]:- عرض الشيء: أظهره وأبرزه. المعجم ج2 ص593.
[12]:- سورة إبراهيم: الآية 1.
[13]:- سورة الإسراء. الآية 9.
[14]:- سورة المائدة: الآيتان 15، 16.
[15]:- سورة الجن: الآيتان 1، 2.
[16]:- سورة البقرة: الآيتان 23، 24.
[17]:- الأترجة: ثمرة حلوة الطعم، طيبة الرائحة، جميلة اللون، تشبه التفاحة.
[18]:- تفسير القرطبي: ج1 ص4 وما بعدها.
[19]:- سورة الحجر. الآية 9.
[20]:- تفسير القرطبي ج1 ص26.