{ وكذلك جعلناكم أُمَّةً وَسَطًا } اعتراض بين كلامين متصلين وقعا خطاباً له صلى الله عليه وسلم استطراداً لمدح المؤمنين بوجه آخر أو تأكيداً لرد الإنكار بأن هذه الأمة وأهل هذه الملة شهداء عليكم يوم الجزاء وشهاداتهم مقبولة عندكم فأنتم إذاً أحق باتباعهم والاقتداء بهم فلا وجه لإنكاركم عليهم ، وذلك إشارة إلى الجعل المدلول عليه بجعلناكم وجيء بما يدل على البعد تفخيماً . والكاف مقحم للمبالغة وهو إقحام مطرد ومحلها في الأصل النصب على أنه نعت لمصدر محذوف ، وأصل التقدير جعلناكم أمة وسطاً جعلا كائناً مثل ذلك الجعل فقدم على الفعل لإفادة القصر ، وأقحمت الكاف فصار نفس المصدر المؤكد لا نعتاً له أي ذلك الجعل البديع جعلناكم لا جعلا آخر أدنى منه كذا قالوا ، وقد ذكرنا قبل أن ( كذلك ) كثيراً ما يقصد بها تثبيت ما بعدها وذلك لأن وجه الشبه يكون كثيراً في النوعية والجنسية كقولك هذا الثوب كهذا الثوب في كونه خزاً أو بزاً ، وهذا التشبيه يستلزم وجود مثله وثبوته في ضمن النوع فأريد به على طريق الكناية مجرد الثبوت لما بعده ، ولما كانت الجملة تدل على الثبوت كان معناها موجوداً بدونها وهي مؤكدة له فكانت كالكلمة الزائدة ، وهذا معنى قولهم إن الكاف مقحمة لا أنها زائدة كما يوهمه كلامهم ، وأما استفادة كون ما بعدها عجيباً فليس إلا لأن ما ليس كذلك لا يحتاج لبيان فلما اهتم بإثباته في الكلام البليغ علم أنه أمر غريب ، أو لحمل البعد المفهوم من ذلك على البعد الرتبي ، ومن الناس من جعل { كذلك } للتشبيه بجعل مفهوم من الكلام السابق أي مثل ما جعلناكم مهديين ، أو جعلنا قبلتكم أفضل القبل جعلناكم أمة وسطاً ويرد على ذلك أن المحل المشبه به غير مختص بهذه الأمة لأن مؤمني الأمم السابقة كانوا أيضاً مهتدين إلى صراط مستقيم ، وكانت قبلة بعضهم أفضل القبل أيضاً ، والجعل المشبه مختص بهم فلا يحسن التشبيه على أنهم لا يفهم من السابق سوى أن التوجه إلى كل/ واحد القبلتين في وقته صراط مستقيم والأمر به في ذلك الوقت هداية ولا يفهم منه أن قبلتهم أفضل القِبَلِ ، والناسخ لا يلزم أن يكون خيراً من المنسوخ اللهم إلا أن يكون مراد القائل كما جعلنا قبلتكم الكعبة التي هي أفضل القبل في الواقع جعلنا إلا أنه على ما فيه لا يحسم الإيراد كما لا يخفى . ومعنى : { وَسَطًا } خياراً أو عدولاً وهو في الأصل اسم لما يستوي نسبة الجوانب إليه كالمركز ثم استعير للخصال المحمودة البشرية لكونها أوساطاً للخصال الذميمة المكتنفة بها من طرفي الإفراط والتفريط كالجود بين الإسراف ، والبخل والشجاعة بين الجبن والتهور ، والحكمة بين الجربزة والبلادة ، ثم أطلق على المتصف بها إطلاق الحال على المحل واستوى فيه الواحد وغيره ؛ لأنه بحسب الأصل جامد لا تعتبر مطابقته ، وقد يراعى فيه ذلك ، وليس هذا الإطلاق مطرداً كما يظن من قولهم : خير الأمور الوسط إذ يعارضه قولهم على الذم أثقل من مغن وسط لأنه كما قال الجاحظ يختم على القلب ويأخذ بالأنفاس وليس بجيد فيطرب ولا برديء فيضحك ، وقولهم : أخو الدون الوسط بل هو وصف مدح في مقامين في النسب لأن أوسط القبيلة أعرقها وصميمها ، وفي الشهادة كما هنا لأنه العدالة التي هي كمال القوة العقلية والشهوية والغضبية أعني استعمالها فيما ينبغي على ما ينبغي ، ولما كان علم العباد لم يعط إلا بالظاهر أقام الفقهاء الاجتناب عن الكبائر وعدم الإصرار على الصغائر مقام ذلك وسموه عدالة في إحياء الحقوق فليحفظ ، وشاع عن أبي منصور الاستدلال بالآية على أن الإجماع حجة إذ لو كان ما اتفقت عليه الأمة باطلاً لانثلمت به عدالتهم وهو مع بنائه على تفسير الوسط بالعدول وللخصم أن يفسره بالخيار فلا يتم إذ كونهم خياراً لا يقتضي خيريتهم في جميع الأمور فلا ينافي اتفاقهم على الخطأ لا يخلو عن شيء ، أما أولاً : فلأن العدالة لا تنافي الخطأ في الاجتهاد إذ لا فسق فيه كيف والمجتهد المخطئ مأجور ، وأما ثانياً : فلأن المراد كونهم ( وسطاً ) بالنسبة إلى سائر الأمم ، وأما ثالثاً : فلأنه لا معنى لعدالة المجموع بعد القطع بعدم عدالة كل واحد ، وأما رابعاً : فلأنه لا يلزم أن يكونوا عدولاً في جميع الأوقات بل وقت أداء الشهادة وهو يوم القيامة ، وأما خامساً : فلأن قصارى ما تدل عليه بعد اللتيا والتي حجية إجماع كل الأمة أو كل أهل الحل والعقد منهم وذا متعذر ، ولا تدل على حجية إجماع مجتهدي كل عصر والمستدل بصدد ذلك ؛ وأجيب عن الأول والثاني بأن العدالة بالمعنى المراد تقتضي العصمة في الاعتقاد والقول والفعل وإلا لما حصل التوسط بين الإفراط والتفريط وبأنه عبارة عن حالة متشابهة حاصلة عن امتزاج الأوساط من القوى التي ذكرناها فلا يكون أمراً نسبياً ، وعن الثالث : بأن المراد أن فيهم من يوجد على هذه الصفة ، فإذا كنا لا نعرفهم بأعيانهم افتقرنا إلى اجتماعهم كيلا يخرج من يوجد على هذه الصفة لكن يدخل المعتبرون في اجتماعهم ومتى دخلوا وحصل الخطأ انثلمت عدالة المجموع .
وعن الرابع : بأن { جعلناكم } يقتضي تحقق العدالة بالفعل ، واستعمال الماضي بمعنى المضارع خلاف الظاهر . وعن الخامس : بأن الخطاب للحاضرين أعني الصحابة كما هو أصله فيدل على حجية الاجماع في الجملة ، وأنت تعلم أن هذا الجواب الأخير لا يشفي عليلاً ، ولا يروي غليلاً ، لأنه بعيد بمراحل عن مقصود المستدل ، على أن من نظر بعين الانصاف لم ير في الآية أكثر من دلالتها على أفضلية هذه الأمة على سائر الأمم ، وذلك لا يدل على حجية إجماع ولا عدمها ، نعم ذهب بعض الشيعة إلى أن الآية خاصة بالأئمة الاثني عشر ، ورووا عن الباقر أنه قال : نحن الأمة الوسط ، ونحن شهداء الله على خلقه ، وحجته في أرضه ، وعن علي كرم الله تعالى وجهه : نحن الذين قال الله تعالى فيهم : { وكذلك جعلناكم أُمَّةً وَسَطًا } وقالوا : قول كل واحد من أولئك حجة/ أفضلاً عن إجماعهم ، وأن الأرض لا تخلو عن واحد منهم حتى يرث الله تعالى الأرض ومن عليها ، ولا يخفى أن دون إثبات ما قالوه خرط القتاد
{ لّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى الناس } أي سائر الأمم يوم القيامة بأن الله تعالى قد أوضح السبل وأرسل الرسل فبلغوا ونصحوا وهو غاية للجعل المذكور مترتبة عليه .
أخرج الإمام أحمد وغيره عن أبي سعيد قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «يجيء النبي يوم القيامة ومعه الرجل والنبي ومعه الرجلان وأكثر من ذلك فيدعى قومه فيقال لهم هل بلغكم هذا ؟ فيقولون : لا ، فيقال له : هل بلغت قومك ؟ فيقول : نعم ، فيقال له : من يشهد لك ؟ فيقول : محمد وأمته ، فيدعى محمد وأمته فيقال لهم : هل بلغ هذا قومه ؟ فيقولون : نعم . فيقال : وما علمكم ؟ فيقولون : جاءنا نبينا صلى الله عليه وسلم فأخبرنا أن الرسل قد بلغوا فذلك قوله تعالى : { وكذلك جعلناكم أُمَّةً وَسَطًا } » وفي رواية : «فيؤتى بمحمد صلى الله عليه وسلم فيسأل عن حال أمته فيزكيهم ويشهد بعدالتهم » وذلك قوله عز وجل : { وَيَكُونَ الرسول عَلَيْكُمْ شَهِيدًا } وكلمة الاستعلاء لما في الشهيد من معنى الرقيب ، أو لمشاكلة ما قبله ، وأخرت صلة الشهادة أولاً وقدمت آخراً لأن المراد في الأول : إثبات شهادتهم على الأمم ، وفي الثاني : اختصاصهم بكون الرسول شهيداً عليهم وقيل : لتكونوا شهداء على الناس في الدنيا فيما لا يصلح إلا بشهادة العدول الأخيار { وَيَكُونَ الرسول عَلَيْكُمْ شَهِيدًا } ويزكيكم ويعلم بعدالتكم ، والآثار لا تساعد ذلك على ما فيه
{ وَمَا جَعَلْنَا القبلة التي كُنتَ عَلَيْهَا } وهي صخرة بيت المقدس ، بناءاً على ما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن قبلته صلى الله عليه وسلم بمكة كانت بيت المقدس لكنه لا يستدبر الكعبة بل يجعلها بينه وبينه و{ التى } مفعول ثان لجعل لا صفة القبلة والمفعول الثاني محذوف أي ( قبلة ) كما قيل . وقال أبو حيان : إن الجعل تحويل الشيء من حالة إلى أخرى ، فالمتلبس بالحالة الثانية هو المفعول الثاني ، كما في جعلت الطين خزفاً فينبغي أن يكون المفعول الأول هو الموصول والثاني هو القبلة وهو المنساق إلى الذهن بالنظر الجليل ، ولكن التأمل الدقيق يهدي إلى ما ذكرنا لأن القبلة عبارة عن الجهة التي تستقبل للصلاة وهو كلي والجهة التي كنت عليها جزئي من جزئياتها ، فالجعل المذكور من باب تصيير الكلي جزئياً ، ولا شك أن الكلي يصير جزئياً كالحيوان يصير إنساناً دون العكس ، والمعنى أن أصل أمرك أن تستقبل الكعبة كما هو الآن ، { وَمَا جَعَلْنَا } قبلتك بيت المقدس لشيء من الأشياء { إِلاَّ لِنَعْلَمَ } أي في ذلك الزمان { مَن يَتَّبِعُ الرسول } أي يتبعك في الصلاة إليها ، والالتفات إلى الغيبة مع إيراده صلى الله عليه وسلم بعنوان الرسالة للإشارة إلى علة الاتباع .
{ مِمَّن يَنقَلِبُ على عَقِبَيْهِ } أي يرتد عن دين الإسلام فلا يتبعك فيها ألفاً لقبلة آبائه ، و( من ) هذه للفصل كالتي في قوله تعالى : { والله يَعْلَمُ المفسد مِنَ المصلح } [ البقرة : 0 22 ] والكلام من باب الاستعارة التمثيلية بجامع أن المنقلب يترك ما في يديه ويدبر عنه على أسوأ أحوال الرجوع ، وكذلك المرتد يرجع عن الإسلام ويترك ما في يديه من الدلائل على أسوأ حال . و( نعلم ) حكاية حال ماضية ، و( يتبع ) و( ينقلب ) بمعنى الحدوث ، والجعل مجاز باعتبار أنه كان الأصل استقبال الكعبة ، أو المعنى : ما جعلنا قبلتك بيت المقدس إلا لنعلم الآن بعد التحويل إلى الكعبة من يتبعك حينئذ ممن لا يتبعك كبعض أهل الكتاب ارتدوا لما تحولت القبلة فنعلم على حقيقة الحال .
والحاصل أن ما فعلناه كان لأمر عارض ، وهو امتحان الناس إما في وقت الجعل أو في وقت التحويل ، وما كان لعارض يزول بزواله ، وقيل : المراد بالقبلة الكعبة بناءاً على أنه صلى الله عليه وسلم كان يصلي إليها بمكة ، والمعنى ما رددناك إلا لنعلم الثابت الذي لا يزيغه شبهة ولا يعتريه اضطراب ممن يرتد بقلقلة واضطراب بسبب التحويل بأنه إن كان الأول حقاً فلا وجه للتحويل عنه ، وإن كان الثاني فلا معنى للأمر بالأول والجعل على هذا حقيقة ، و{ يَتَّبِعُ } للاستمرار بقرينة مقابله ، ويضعف هذا القول أنه يستلزم دعوى نسخ القبلة مرتين ، واستشكلت الآية بأنها تشعر بحدوث العلم في المستقبل وهو تعالى لم يزل عالماً وأجيب بوجوه ، الأول : أن ذلك على سبيل التمثيل ، أي فعلنا ذلك فعل من يريد أن يعلم . الثاني : أن المراد العلم الحالي الذي يدور عليه فلكُ الجزاء أي ليتعلق علمنا به موجوداً بالفعل ، فالعلم مقيد بالحادث ، والحدوث راجع إلى القيد .
الثالث : أن المراد ليعلم الرسول والمؤمنون ، وتجوز في إسناد فعل بعض خواص الملك إليه تنبيهاً على كراهة القرب والاختصاص ، فهو كقول الملك : فتحنا البلد ، وإنما فتحها جنده . الرابع : أنه ضمن العلم معنى التمييز أو أريد به التمييز في الخارج ، وتجوز بإطلاق اسم السبب على المسبب ، ويؤيده تعديه بمن كالتمييز ، وبه فسره ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ويشهد له قراءة { لِيَعْلَمَ } على البناء للمفعول حيث إن المراد ليعلم كل من يأتي منه العلم ، وظاهر أنه فرع تمييز الله وتفريقه بينهما في الخارج بحيث لا يخفى على أحد الخامس أن المراد به الجزاء ، أي لنجازي الطائع والعاصي ، وكثيراً ما يقع التهديد في القرآن بالعلم . السادس : أن { نَعْلَمَ } للمتكلم مع الغير ، فالمراد ليشترك العلم بيني وبين الرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنين ، ويرد على هذا أن مخالفته مع جعلنا آب عنه ، مع أن تشريك الله تعالى مع غيره في ضمير واحد غير مناسب ، ثم العلم إن كان مجازاً عن التمييز فمن ، وممن مفعولاه بواسطة وبلا واسطة ، وإن كان حقيقة فإما أن يكون من الإدراك المعدى إلى مفعول واحد فمن موصولة في موضع نصب به ، و{ مِمَّنْ } حال أي متميزاً ( ممن ) أو من العلم المعدى إلى مفعولين فمن استفهامية في موضع المبتدأ ، و{ يَتَّبِعُ } في موضع الخبر ، والجملة في موضع المفعولين ، { مِمَّن يَنقَلِبُ } حال لمن فاعل { يَتَّبِعُ } وبهذا يندفع قول أبي البقاء : إنه لا يجوز أن تكون ( من ) استفهامية لأنه لا يبقى لقوله تعالى : { مِمَّن يَنقَلِبُ } متعلق لأن ما قبل الاستفهام لا يعمل فيما بعده ، ولا معنى لتعلقه بيتبع والكلام دال على هذا التقدير فلا يرد أنه لا قرينة عليه ثم إن جملة { وَمَا جَعَلْنَا } الخ ، معطوفة كالجملتين التاليتين لها على مجموع السؤال والجواب بيان لحكمة التحويل ، وقيل : معطوفة على { وَلِلَّهِ المشرق والمغرب } [ البقرة : 142 ] ويحتاج إلى أن يقال حينئذ : إنه صلى الله عليه وسلم مأمور بأداء مضمون هذا الكلام بألفاظه إذ لا يصح ضمير المتكلم في كلامه عليه الصلاة والسلام ، وفيه بعد مّا كما لا يخفى
{ وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً } أي شاقة ثقيلة ، والضمير لما دل عليه قوله تعالى : { وَمَا جَعَلْنَا } الخ من الجعلة ، أو التولية ، أو الردة ، أو التحويلة ، أو الصيرورة ، أو المتابعة ، أو القبلة ، وفائدة اعتبار التأنيث على بعض الوجوه الدلالة على أن هذا الرد والتحويل بوقوعه مرة واحدة ، واختصاصه بالنبي صلى الله عليه وسلم كانت ثقيلة عليهم حيث لم يعهدوه سابقاً ، والقول بأن تأنيث ( كبيرة ) يجعله صفة حادثة ، وتأنيث الضمير لتأنيث الخبر فيرجع إلى الجعل أو الرد أو التحويل بدون تكلف تكلف عريّ عن الفائدة و{ إن } هي المخففة من الثقيلة المفيدة لتأكيد الحكم ألغيت عن العمل فيما بعدها بتوسط ( كان ) واللام هي ألفاً صلة بين المخففة والنافية .
وزعم الكوفيون أن ( إن ) هي النافية واللام بمعنى إلا ، وقال البصريون ، لو كان كذلك لجاز أن يقال : جاء القوم لزيداً على معنى إلا زيداً وليس فليس وقرئ { لَكَبِيرَةٌ } بالرفع ففي ( كان ) ضمير القصة ، و( كبيرة ) خبر مبتدأ محذوف ، أي لهي ( كبيرة ) والجملة خبر ( كان ) وقيل : إن كانت زائدة كما في قوله :
واعترض بأنه إن أريد أن ( كان ) مع اسمها زائدة كانت ( كبيرة ) بلا مبتدأ و( إن ) المخففة بلا جملة ، ومثله خارج عن القياس ، وإن أريد إن ( كان ) وحده كذلك والضمير باق على الرفع بالابتداء فلا وجه لاتصاله واستتاره ، وأجيب بأنه لما وقع بعد ( كان ) وكان من جهة المعنى في موقع اسم ( كان ) جعل مستتراً تشبيهاً بالاسم ، وإن كان مبتدأ تحقيقاً ، ولا يخفى أنه من التكلف غايته ، ومن التعسف نهايته
{ إِلاَّ عَلَى الذين هَدَى الله } أي إلى سر الأحكام الشرعية المبنية على الحكم والمصالح إجمالاً أو تفصيلاً ، والمراد بهم { مَن يَتَّبِعُ الرسول } من الثابتين على الإيمان الغير المتزلزلين المنقلبين على أعقابهم .
{ وَمَا كَانَ الله لِيُضِيعَ إيمانكم } أي صلاتكم إلى القبلة المنسوخة ، ففي الصحيح أنه لما وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى القبلة قالوا : يا رسول الله ، فكيف بالذين ماتوا وهم يصلون إلى بيت المقدس ، فنزلت ، فالإيمان مجاز من إطلاق اللازم على ملزومه ، والمقام قرينة وهو التفسير المروي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وغيره من أئمة الدين ، فلا معنى لتضعيفه كما يحكيه صنيع بعضهم وقيل : المراد ثباتكم على الإيمان أو إيمانكم بالقبلة المنسوخة واللام في { لِيُضِيعَ } متعلقة بخبر ( كان ) المحذوف كما هو رأي البصريين وانتصاب الفعل بعدها بأن مضمرة أي ما كان مريداً لأن يضيع وفي توجيه النفي إلى إرادة الفعل مبالغة ليست في توجيهه إليه نفسه ، وقال الكوفيون : اللام زائدة وهي الناصبة للفعل ، و( يضيع ) هو الخبر ، ولا يقدح في عملها زيادتها كما لا تقدح زيادة حروف الجر في العمل ، وبهذا يندفع استبعاد أبي البقاء خبرية ( يضيع ) بأن اللام لام الجر و( إن ) بعدها مرادة فيصير التقدير ما كان الله إضاعة إيمانكم فيحوج للتأويل لكن أنت تعلم أن هذا الذي ذهب إليه الكوفيون بعيد من جهة أخرى لا تخفى .
{ إِنَّ الله بالناس لَرَءوفٌ رَّحِيمٌ } تذييل لجميع ما تقدم ، فإن اتصافه تعالى بهذين الوصفين يقتضي لا محالة أن الله لا يضيع أجورهم ولا يدع ما فيه صلاحهم والباء متعلقة ب ( رءوف ) وقدم على { رَّحِيمٌ } الرأفة مبالغة في رحمة خاصة ، وهي رفع المكروه وإزالة الضرر كما يشير إليه قوله تعالى :
{ وَلاَ تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ في دِينِ الله } [ النور : 2 ] أي لا ترأفوا بهما فترفعوا الجلد عنهما الرحمة أعم منه ، ومن الافضال ودفع الضرر أهم من جلب النفع ، وقول القاضي بيض الله تعالى غرة أحواله : لعل تقديم الرءوف مع أنه أبلغ محافظة على الفواصل ليس بشيء ؛ لأن فواصل القرآن لا يلاحظ فيها الحرف الأخير كالسجع فالمراعاة حاصلة على كل حال ولأن الرحمة حيث وردت في القرآن قدمت ولو في غير الفواصل كما في قوله تعالى : { رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ابتدعوها } [ الحديد : 72 ] في وسط الآية ، وكلام الجوهري في هذا الموضع خزف لا يعول عليه ، وقول عصام : إنه لا يبعد أن يقال : الرءوف إشارة إلى المبالغة في رحمته لخواص عباده والرحيم إشارة إلى الرحمة لمن دونهم فرتباً على حسب ترتيبهم ، فقد الرءوف لتقدم متعلقه شرفاً وقدراً لا شرف ولا قدر ، بل ولا عصام له لأنه تخصيص لا يدل عليه كتاب ولا سنة ولا استعمال ، وقرأ نافع ، وابن كثير ، وابن عامر ، وحفص { لَرَءوفٌ } بالمد ، والباقون بغير مد كندس .
تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :
{جعلناكم أمة وسطا}: عدلا، نظيرها في "ن والقلم"، قوله سبحانه: {قال أوسطهم}، (القلم: 28)، يعني أعدلهم، وقوله سبحانه: {من أوسط ما تطعمون أهليكم}، (المائدة: 89)، يعني أعدل، فقول الله: {وكذلك جعلناكم أمة وسطا}، يعني أمة محمد، تشهد بالعدل في الآخرة بين الأنبياء وبين أممهم.
{لتكونوا شهداء على الناس}: على الرسل هل بلغت الرسالة عن ربها إلى أممهم.
{ويكون الرسول}: محمد صلى الله عليه وسلم
{عليكم شهيدا}: يعني على أمته أنه بلغهم الرسالة.
{وما جعلنا القبلة التي كنت عليها}: يعني بيت المقدس.
{من يتبع الرسول}: محمدا صلى الله عليه وسلم على دينه في القبلة ومن يخالفه من اليهود.
{ممن ينقلب على عقبيه}: ومن يرجع إلى دينه الأول.
{وإن كانت لكبيرة}: يعني القبلة حين صرفها عن بيت المقدس إلى الكعبة، فعظمت على اليهود.
ثم استثنى، فقال: {إلا على الذين هدى الله}: فإنه لا يكبر عليهم ذلك.
{وما كان الله ليضيع إيمانكم}: وذلك أن حيي بن أخطب اليهودي وأصحابه قالوا للمسلمين: أخبرونا عن صلاتكم نحو بيت المقدس، أكانت هدى أم ضلالة؛ فوالله لئن كانت هدى لقد تحولتم عنه، ولئن كانت ضلالة لقد دنتم الله بها فتقربتم إليه بها، وإن من مات منكم عليها مات على الضلالة. فقال المسلمون: إنما الهدى ما أمر الله عز وجل به، والضلالة ما نهى الله عنه، قالوا: فما شهادتكم على من مات منكم على قبلتنا؟
وكان قد مات قبل أن تحول القبلة إلى الكعبة: أسعد بن زرارة، ومات البراء بن معرور، وكانا من النقباء، ومات رجال، فانطلقت عشائرهم، فقالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: توفي إخواننا وهم يصلون إلى القبلة الأولى، وقد صرفك الله عز وجل إلى قبلة إبراهيم، عليه السلام، فكيف بإخواننا، فأنزل الله عز وجل: {وما كان الله ليضيع إيمانكم}، يعني إيمان صلاتكم نحو بيت المقدس، يقول: لقد تقبلت منهم.
{إن الله بالناس لرءوف}: يرق لهم. {رحيم}: حين قبلها منهم قبل تحويل القبلة.
... سمى الطَّهُورَ والصلوات إيمانا في كتابه، وذلك حين صرف الله تعالى وجه نبيه صلى الله عليه وسلم إلى بيت المقدس، وأمره بالصلاة إلى الكعبة. وكان المسلمون قد صلوا إلى بيت المقدس ستة عشر شهرا، فقالوا: يا رسول الله! أرأيت صلاتنا التي كنا نصليها إلى بيت المقدس ما حالها وحالنا؟ فأنزل الله تعالى:
{وَمَا كَانَ اَللَّهُ لِيُضِيعَ إِيـمَانَكُم إِنَّ اَللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ} فسمى الصلاة إيمانا. فمن لقي الله حافظا لصلواته، حافظا لجوارحه، مؤديا بكل جارحة من جوارحه ما أمر الله به وفرض عليها، لقي الله مستكمل الإيمان من أهل الجنة. ومن كان لشيء منها تاركا متعمدا مما أمر الله به لقي الله ناقص الإيمان. (مناقب الشافعي: 1/392. ومن مناقب الإمام الشافعي: 123. و أحكام الشافعي: 1/67. ومعرفة السنن والآثار: 1/484.)...
جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :
"وكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمّةً وَسَطا": كما هديناكم أيها المؤمنون بمحمد عليه الصلاة والسلام، وبما جاءكم به من عند الله، فخصصناكم بالتوفيق لقبلة إبراهيم وملّته، وفضلناكم بذلك على من سواكم من أهل الملل كذلك خصصناكم ففضلناكم على غيركم من أهل الأديان بأن جعلناكم أمة وسطا. وقد بينا أن الأمة هي القرن من الناس والصنف منهم وغيرهم.
وأما الوسط فإنه في كلام العرب: الخيار، يقال منه: فلان وسط الحسب في قومه: أي متوسط الحسب، إذا أرادوا بذلك الرفع في حسبه، وهو وسط في قومه وواسط... وأنا أرى أن الوسط في هذا الموضع هو الوسط الذي بمعنى الجزء الذي هو بين الطرفين، مثل «وسط الدار»، محرّك الوسط مثقّله، غير جائز في سينه التخفيف. وأرى أن الله تعالى ذكره إنما وصفهم بأنهم وسط لتوسطهم في الدين، فلا هم أهل غلوّ فيه غلوّ النصارى الذين غلوا بالترهب وقيلهم في عيسى ما قالوا فيه، ولا هم أهل تقصير فيه تقصير اليهود الذين بدلوا كتاب الله وقتلوا أنبياءهم وكذبوا على ربهم وكفروا به، ولكنهم أهل توسط واعتدال فيه، فوصفهم الله بذلك، إذ كان أحبّ الأمور إلى الله أوسطها.
وأما التأويل فإنه جاء بأن الوسط العدل، وذلك معنى الخيار لأن الخيار من الناس عدولهم. حدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا مؤمل، قال: حدثنا سفيان عن الأعمش عن أبي صالح، عن أبي سعيد الخدري: وكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمّةً وَسَطا قال: «عُدُولاً.
حدثني عليّ بن عيسى، قال: حدثنا سعيد بن سليمان، عن حفص بن غياث، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم في قوله: جَعَلْنَاكُمْ أُمّةً وَسَطا قال: عُدُولاً»...
حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: وكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمّةً وَسَطا قال: هم وسط بين النبيّ صلى الله عليه وسلم وبين الأمم.
"لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَىَ النّاس ويَكُونَ الرّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدا".
والشهداء جمع شهيد. فمعنى ذلك: وكذلك جعلناكم أمة وسطا عدولاً (لتكونوا) شهداء لأنبيائي ورسلي على أممها بالبلاغ أنها قد بلغت ما أمرت ببلاغه من رسالاتي إلى أممها، ويكون رسولي محمد صلى الله عليه وسلم شهيدا عليكم بإيمانكم به، وبما جاءكم به من عندي. كما:
حدثني أبو السائب، قال: حدثنا حفص، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يُدْعَىَ بِنُوحٍ عَلَيْهِ السّلاَمُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيُقَالُ لَهُ: هَلْ بَلّغْتَ ما أُرْسِلْتَ بِهِ؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ، فَيُقَالُ لِقَوْمِهِ: هَلْ بَلّغَكُمْ؟ فَيَقُولُونَ: مَا جَاءَنَا مِنْ نَذِيرٍ، فَيُقَالُ لَهُ: مَنْ يَعْلَمُ ذَاكَ؟ فَيَقُولُ مُحَمّدٌ وأُمّتُهُ فهو قوله: وكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمّةً وَسَطا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَىَ النّاسِ ويَكُونُ الرّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدا».
حدثنا مجاهد بن موسى، قال: حدثنا جعفر بن عون، قال: حدثنا الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد عن النبيّ صلى الله عليه وسلم بنحوه، إلا أنه زاد فيه: «فَيُدْعَوْنَ وَيَشْهَدُونَ أنّهُ قَدْ بَلّغَ»...
حدثني عصام بن ورّاد بن الجراح العسقلاني، قال: حدثنا أبي، قال: حدثنا الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن عبد الله بن الفضل، عن أبي هريرة، قال: خرجت مع النبيّ صلى الله عليه وسلم في جنازة، فلمّا صلّى على الميت قال الناس: نعم الرجل فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «وَجَبَتْ». ثم خرجت معه في جنازة أخرى، فلما صلوا على الميت قال الناس: بئس الرجل فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «وَجَبَتْ». فقام إليه أبيّ بن كعب فقال: يا رسول الله ما قولك وجبت؟ قال: «قول الله عَزّ وجَلّ: لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَىَ النّاسِ».
حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا زيد بن حباب، قال: حدثنا عكرمة بن عمار، قال: حدثني إياس بن سلمة بن الأكوع، عن أبيه، قال: كنا مع النبيّ صلى الله عليه وسلم، فمرّ عليه بجنازة فأثنى عليها بثناء حسن، فقال: «وَجَبَتْ»، ومرّ عليه بجنازة أخرى، فأثنى عليها دون ذلك، فقال: «وَجَبَتْ»، قالوا: يا رسول الله ما وجبت؟ قال: «المَلاَئِكَةُ شُهَدَاءُ اللّهِ في السّماءِ وأنْتُمْ شُهَداءُ اللّهِ في الأرْضِ فَمَا شَهِدْتُمْ عَلَيْهِ وَجَبَ». ثم قرأ: وَقُلْ اعْمَلُوا فَسَيَرَىَ اللّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ والمُؤْمِنُونَ... الآية...
"وَمَا جَعَلْنَا القِبْلَةَ الّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إلا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتّبِعُ الرّسُولَ مِمّنْ يَنْقَلِبُ عَلَىَ عَقِبَيْهِ": ولم نجعل صَرْفَك عن القبلة التي كنت على التوجه إليها يا محمد فصرفناك عنها إلا لنعلم من يتبعك ممن لا يتبعك ممن ينقلب على عقبيه. والقبلة التي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم عليها التي عناها الله بقوله: وَمَا جَعَلْنَا القِبْلَةَ الّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا هي القبلة التي كنت تتوجه إليها قبل أن يصرفك إلى الكعبة... يعني بيت المقدس.
وإنما قلنا ذلك معناه لأن محنة الله أصحاب رسوله في القبلة إنما كانت فيما تظاهرت به الأخبار عند التحويل من بيت المقدس إلى الكعبة، حتى ارتدّ فيما ذكر رجال ممن كان قد أسلم واتبع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأظهر كثير من المنافقين من أجل ذلك نفاقهم، وقالوا: ما بال محمد يحوّلنا مرّة إلى هَهنا، ومرّة إلى هَهنا؟ وقال المسلمون فيما مضى من إخوانهم المسلمين، وهم يصلون نحو بيت المقدس: بطلت أعمالنا وأعمالهم وضاعت. وقال المشركون: تحير محمد صلى الله عليه وسلم في دينه. فكان ذلك فتنة للناس وتمحيصا للمؤمنين...
فإن قال لنا قائل: أوَما كان الله عالما بمن يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه إلا بعد اتباع المتبع، وانقلاب المنقلب على عقبيه، حتى قال: ما فعلنا الذي فعلنا من تحويل القبلة إلا لنعلم المتبع رسول الله صلى الله عليه وسلم من المنقلب على عقبيه؟ قيل: إن الله جل ثناؤه هو العالم بالأشياء كلها قبل كونها، وليس قوله: "وَمَا جَعَلْنَا القِبْلَةَ الّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إلا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتّبِعُ الرّسُولَ مِمّنْ يَنْقَلِبُ عَلَىَ عَقِبَيْهِ "يخبر أنه لم يعلم ذلك إلا بعد وجوده.
فإن قال: فما معنى ذلك؟ قيل له: أما معناه عندنا فإنه: وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا ليعلم رسولي وحزبي وأوليائي من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه. فقال جل ثناؤه: "إلاّ لِنَعْلَمَ "ومعناه: ليعلم رسولي وأوليائي، إذ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وأولياؤه من حزبه، وكان من شأن العرب إضافة ما فعلته أتباع الرئيس إلى الرئيس، وما فعل بهم إليه نحو قولهم: فتح عمر بن الخطاب سواد العراق، وجبى خراجها، وإنما فعل ذلك أصحابه عن سبب كان منه في ذلك.
وكالذي رُوي في نظيره عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال: «يَقُولُ اللّهُ جَلّ ثَنَاؤُهُ: مَرِضْتُ فَلَمْ يَعُدْنِي عَبْدِي، وَاسْتَقْرَضْتُهُ فَلَمْ يُقْرِضْنِي، وَشَتَمَنِي وَلَمْ يَنْبَغِ لَهُ أنْ يَشْتِمَنِي»...
عن ابن عباس: "وَمَا جَعَلْنَا القِبْلَةَ الّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إلا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتّبِعُ الرّسُولَ مِمّنْ يَنْقَلِبُ عَلَىَ عَقِبَيْهِ": لنميز أهل اليقين من أهل الشرك والريبة.
وقال بعضهم: إنما قيل ذلك من أجل أن العرب تضع العلم مكان الرؤية، والرؤية مكان العلم، كما قال جل ذكره: ألَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبّكَ بأصحابِ الفِيلِ. فزعم أن معنى: ألَمْ تَرَ: ألم تعلم، وزعم أن معنى قوله: إلاّ لِنَعْلَمَ بمعنى: إلا لنرى من يتبع الرسول. وزعم أن قول القائل: رأيت وعلمت وشهدت حروف تتعاقب فيوضع بعضها موضع بعض... وهذا تأويل بعيد، من أجل أن الرؤية وإن استعملت في موضع العلم من أجل أنه مستحيل أن يرى أحد شيئا، فلا توجب رؤيته إياه علما بأنه قد رآه إذا كان صحيح الفطرة، فجاز من الوجه الذي أثبته رؤية أن يضاف إليه إثباته إياه علما، وصحّ أن يدلّ بذكر الرؤية على معنى العلم من أجل ذلك. فليس ذلك وإن كان في الرؤية لما وصفنا بجائز في العلم، فيدلّ بذكر الخبر عن العلم على الرؤية لأن المرء قد يعلم أشياء كثيرة لم يرها ولا يراها، ويستحيل أن يرى شيئا إلا علمه، كما قد قدمنا البيان، مع أنه غير موجود في شيء من كلام العرب أن يقال: علمت كذا بمعنى رأيته، وإنما يجوز توجيه معاني ما في كتاب الله الذي أنزله على محمد صلى الله عليه وسلم من الكلام إلى ما كان موجودا مثله في كلام العرب دون ما لم يكن موجودا في كلامها، فموجود في كلامها «رأيت» بمعنى «علمت»، وغير موجود في كلامها «علمت» بمعنى «رأيت»، فيجوز توجيه إلاّ لِنَعلمَ إلى معنى: إلا لنرى.
وقال آخرون: إنما قيل: "إلاّ لِنَعْلَمَ" من أجل أن المنافقين واليهود وأهل الكفر بالله أنكروا أن يكون الله تعالى ذكره يعلم الشيء قبل كونه، وقالوا إذ قيل لهم: إن قوما من أهل القبلة سيرتدّون على أعقابهم، إذا حوّلت قبلة محمد صلى الله عليه وسلم إلى الكعبة: ذلك غير كائن، أو قالوا: ذلك باطل. فلما فعل الله ذلك، وحوّل القبلة، وكفر من أجل ذلك من كفر، قال الله جل ثناؤه: ما فعلت إلا لنعلم ما عندكم أيها المشركون المنكرون علمي بما هو كائن من الأشياء قبل كونه، أني عالم بما هو كائن مما لم يكن بعد.
فكأن معنى قائل هذا القول في تأويل قوله: إلا لِنَعْلَمَ إلا لنبين لكم أنا نعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه. وهذا وإن كان وجها له مخرج، فبعيد من المفهوم.
وقال آخرون: إنما قيل: "إلاّ لِنَعْلَمَ" وهو بذلك عالم قبل كونه وفي كل حال، على وجه الترفّق بعباده، واستمالتهم إلى طاعته، كما قال جل ثناؤه: (وإنّا أو إيّاكُمْ لَعَلَىَ هُدًى أوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ) وقد علم أنه على هدى وأنهم على ضلال مبين، ولكنه رفق بهم في الخطاب، فلم يقل: أنا على هدى، وأنتم على ضلال. فكذلك قوله: "إلاّ لِنَعْلَمَ" معناه عندهم: إلا لتعلموا أنتم إذ كنتم جهالاً به قبل أن يكون فأضاف العلم إلى نفسه رفقا بخطابهم. وقد بينا القول الذي هو أولى في ذلك بالحقّ.
"مَنْ يَتّبِعُ الرّسُولَ": الذي يتبع محمدا صلى الله عليه وسلم فيما يأمره الله به، فيوجه نحو الوجه الذي يتوجه نحوه محمد صلى الله عليه وسلم.
"مِمّنْ يَنْقَلِبُ عَلَىَ عَقِبَيْهِ": من الذي يرتدّ عن دينه، فينافق، أو يكفر، أو يخالف محمدا صلى الله عليه وسلم في ذلك ممن يظهر اتباعه...
وأصل المرتدّ على عقبيه: هو المنقلب على عقبيه الراجع مستدبرا في الطريق الذي قد كان قطعه منصرفا عنه، فقيل ذلك لكل راجع عن أمر كان فيه من دين أو خير، ومن ذلك قوله: فارْتَدّا على آثارِهِما قَصصا بمعنى رجعا في الطريق الذي كانا سلكاه.
وإنما قيل للمرتدّ مرتدّ، لرجوعه عن دينه وملّته التي كان عليها. وإنما قيل رجع على عقبيه لرجوعه دبرا على عقبه إلى الوجه الذي كان فيه بدء سيره قبل رجعه عنه، فيجعل ذلك مثلاً لكل تارك أمرا وآخذ آخر غيره إذا انصرف عما كان فيه إلى الذي كان له تاركا فأخذه، فقيل ارتدّ فلان على عقبه، وانقلب على عقبيه.
"وَإنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إلاّ عَلَى الّذِينَ هَدَىَ اللّهُ":
اختلف أهل التأويل في التي وصفها الله جلّ وعزّ بأنها كانت كبيرة إلا على الذين هدى الله؛
فقال بعضهم: عنى جل ثناؤه بالكبيرة: التولية من بيت المقدس شطر المسجد الحرام والتحويل، وإنما أنّث الكبيرة لتأنيث التولية...
وقال آخرون: بل الكبيرة هي القبلة بعينها التي كان صلى الله عليه وسلم يتوجه إليها من بيت المقدس قبل التحويل... أي قبلة بيت المقدس.
وقال بعضهم: بل الكبيرة: هي الصلاة التي كانوا يصلّونها إلى القبلة الأولى. وقال بعض نحويي البصرة: أنثت الكبيرة لتأنيث القبلة، وإياها عنى جل ثناؤه بقوله: وَإنْ كانَتْ لَكَبِيرَةً. وقال بعض نحويي الكوفة: بل أنثت الكبيرة لتأنيث التولية والتحويلة.
فتأويل الكلام على ما تأوله قائلو هذه المقالة: وما جعلنا تحويلتنا إياك عن القبلة التي كنت عليها وتوليتناك عنها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه، وإن كانت تحويلتنا إياك عنها وتوليتناك لكبيرة إلا على الذين هدى الله.
وهذا التأويل أولى التأويلات عندي بالصواب، لأن القوم إنما كبر عليهم تحويل النبيّ صلى الله عليه وسلم وجهه عن القبلة الأولى إلى الأخرى لا عين القبلة ولا الصلاة، لأن القبلة الأولى والصلاة قد كانت وهي غير كبيرة عليهم إلا أن يوجه موجّه تأنيث الكبيرة إلى القبلة، ويقول: اجتزئ بذكر القبلة من ذكر التولية والتحويلة لدلالة الكلام على معنى ذلك، كما قد وصفنا لك في نظائره، فيكون ذلك وجها صحيحا ومذهبا مفهوما. ومعنى قوله: "كَبِيرَةً": عظيمة...
"إلاّ عَلَىَ الّذِينَ هَدَىَ اللّهُ": وإن كان تقليبَتُناك عن القبلة التي كنت عليها لعظيمة إلا على من وفّقه الله جل ثناؤه فهداه لتصديقك، والإيمان بك وبذلك، واتباعك فيه وفيما أنزل الله تعالى ذكره عليك... عن ابن عباس: "وَإنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إلاّ عَلَى الّذِينَ هَدَى اللّهُ": إلا على الخاشعين، يعني المصدّقين بما أنزل الله تبارك وتعالى.
" وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُضِيعَ إيمَانَكُم" قيل: عنى بالإيمان في هذا الموضع الصلاة... صلاتكم نحو بيت المقدس.
قد دللنا فيما مضى على أن الإيمان التصديق، وأن التصديق قد يكون بالقول وحده وبالفعل وحده وبهما جميعا، فمعنى قوله: "وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُضِيعَ إيمَانَكُمْ" على ما تظاهرت به الرواية من أنه الصلاة: وما كان الله ليضيع تصديق رسوله عليه الصلاة والسلام بصلاتكم التي صليتموها نحو بيت المقدس عن أمره لأن ذلك كان منكم تصديقا لرسولي، واتباعا لأمري، وطاعة منكم لي. قال: وإضاعته إياه جل ثناؤه لو أضاعه ترك إثابة أصحابه وعامليه عليه، فيذهب ضياعا ويصير باطلاً، كهيئة إضاعة الرجل ماله، وذلك إهلاكه إياه فيما لا يعتاض منه عوضا في عاجل ولا آجل. فأخبر الله جل ثناؤه أنه لم يكن يبطل عمل عامل عمل له عملاً وهو له طاعة فلا يثيبه عليه، وإن نسخ ذلك الفرض بعد عمل العامل إياه على ما كلفه من عمله.
فإن قال قائل: وكيف قال الله جل ثناؤه: "وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُضِيعَ إيمَانَكُمْ" فأضاف الإيمان إلى الأحياء المخاطبين، والقوم المخاطبون بذلك إنما كانوا أشفقوا على إخوانهم الذين كانوا ماتوا وهم يصلون نحو بيت المقدس، وفي ذلك من أمرهم أنزلت هذه الآية؟ قيل: إن القوم وإن كانوا أشفقوا من ذلك، فإنهم أيضا قد كانوا مشفقين من حبوط ثواب صلاتهم التي صلوها إلى بيت المقدس قبل التحويل إلى الكعبة، وظنوا أن عملهم ذلك قد بطل وذهب ضياعا، فأنزل الله جل ثناؤه هذه الآية حينئذ، فوجه الخطاب بها إلى الأحياء، ودخل فيهم الموتى منهم لأن من شأن العرب إذا اجتمع في الخبر المخاطب والغائب أن يغلبوا المخاطب، فيدخل الغائب في الخطاب، فيقولوا لرجل خاطبوه على وجه الخبر عنه وعن آخر غائب غير حاضر: فعلنا بكما وصنعنا بكما، كهيئة خطابهم لهما وهما حاضران، ولا يستجيزون أن يقولوا فعلنا بهما وهم يخاطبون أحدهما فيردّوا المخاطب إلى عداد الغَيَبِ.
"إن اللّهَ بالنّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ": إن الله بجميع عباده ذو رأفة. والرأفة أعْلى معاني الرحمة، وهي عامة لجميع الخلق في الدنيا ولبعضهم في الاَخرة. وأما الرحيم، فإنه ذو الرحمة للمؤمنين في الدنيا والاَخرة على ما قد بينا فيما مضى قبل.
وإنما أراد جل ثناؤه بذلك أن الله عزّ وجلّ أرحم بعباده من أن يضيع لهم طاعة أطاعوه بها فلا يثيبهم عليها، وأرأف بهم من أن يؤاخذهم بترك ما لم يفرضه عليهم. أي ولا تأسوا على موتاكم الذين ماتوا وهم يصلون إلى بيت المقدس، فإني لهم على طاعتهم إياي بصلاتهم التي صلوها كذلك مثيب، لأني أرحم بهم من أن أضيع لهم عملاً عملوه لي. ولا تحزنوا عليهم، فإني غير مؤاخذهم بتركهم الصلاة إلى الكعبة، لأني لم أكن فرضت ذلك عليهم، وأنا أرأف بخلقي من أن أعاقبهم على تركهم ما لم آمرهم بعمله.
جهود ابن عبد البر في التفسير 463 هـ :
من الدلائل على أن الإيمان قول وعمل –كما قالت الجماعة والجمهور، قول الله -عز وجل-: {وما كان الله ليضيع إيمانكم}، لم يختلف المفسرون أنه أراد صلاتكم إلى بيت المقدس، فسمى الصلاة إيمانا، ومثل هذا قوله: {ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من –آمن بالله واليوم الآخر} -الآية، إلى قوله: {أولئك هم المتقون}. (ت: 9/245).
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية 542 هـ :
سمى الصلاة إيماناً لما كانت صادرة عن الإيمان والتصديق في وقت بيت المقدس وفي وقت التحويل، ولما كان الإيمان قطباً عليه تدور الأعمال وكان ثابتاً في حال التوجه هنا وهنا ذكره، إذ هو الأصل الذي به يرجع في الصلاة وغيرها إلى الأمر والنهي. ولئلا تندرج في اسم الصلاة صلاة المنافقين إلى بيت المقدس فذكر المعنى الذي هو ملاك الأمر، وأيضاً فسميت إيماناً إذ هي من شعب الإيمان.
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 671 هـ :
ثبت في صحيح البخاري عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يدعى نوح عليه السلام يوم القيامة فيقول: لبيك وسعديك يا رب فيقول: هل بلغت؟ فيقول: نعم فيقال لأمته: هل بلغكم؟ فيقولون ما أتانا من نذير. فيقول: من يشهد لك؟ فيقول محمد وأمته، فيشهدون أنه قد بلغ ويكون الرسول عليكم شهيدا، فذلك قوله عز وجل وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا...). وذكر هذا الحديث مطولا ابن المبارك بمعناه، وفيه: (فتقول تلك الأمم كيف يشهد علينا من لم يدركنا، فيقول لهم الرب سبحانه كيف تشهدون على من لم تدركوا؟ فيقولون: ربنا بعثت إلينا رسولا وأنزلت إلينا عهدك وكتابك وقصصت علينا أنهم قد بلغوا فشهدنا بما عهدت إلينا فيقول الرب: صدقوا. فذلك قوله عز وجل وكذلك جعلناكم أمة وسطا – و الوسط العدل.
قال ابن أنعم: فبلغني أنه يشهد يومئذ أمة محمد عليه السلام، إلا من كان في قلبه حنة على أخيه.
وقالت طائفة: معنى الآية يشهد بعضكم على بعض بعد الموت، كما ثبت في صحيح مسلم عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال حين مرت به جنازة فأثني عليها خير فقال: (وجبت وجبت وجبت). ثم مر عليه بأخرى فأثني عليها شر فقال: (وجبت وجبت وجبت). فقال عمر: فدى لك أبي وأمي، مر بجنازة فأثني عليها خير فقلت: (وجبت وجبت وجبت) ومر بجنازة فأثني عليها شر فقلت: (وجبت وجبت وجبت)؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من أثنيتم عليه خيرا وجبت له الجنة، ومن أثنيتم عليه شرا وجبت له النار أنتم شهداء الله في الأرض، أنتم شهداء الله في الأرض أنتم شهداء الله في الأرض). أخرجه البخاري بمعناه...
و...عن عبادة بن الصامت قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (أعطيت أمتي ثلاثا لم تعط إلا الأنبياء: كان الله إذا بعث نبيا قال له ادعني استجب لك وقال لهذه الأمة "ادعوني استجب لكم".وكان الله إذا بعث النبي قال له: ما جعل عليك في الدين من حرج، وقال لهذه الأمة: "وما جعل عليكم في الدين من حرج". وكان الله إذا بعث النبي جعله شهيدا على قومه، وجعل هذه الأمة شهداء على الناس). خرجه الترمذي الحكيم أبو عبد الله في "نوادر الأصول".
قال علماؤنا: أنبأنا ربنا تبارك وتعالى في كتابه بما أنعم علينا من تفضيله لنا باسم العدالة وتولية خطير الشهادة على جميع خلقه، فجعلنا أولا مكانا وإن كنا آخرا زمانا، كما قال عليه السلام: (نحن الآخرون الأولون). وهذا دليل على أنه لا يشهد إلا العدول، ولا ينفذ قول الغير على الغير إلا أن يكون عدلا.
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :
ولما أعلم بما {سيقول السفهاء} [البقرة: 142] وعلم جوابهم وبين سر التحويل بين علة التوجيه إلى قبلتين بقوله: {وما جعلنا} أي بعظمتنا التي لا يقاويها أحد {القبلة}
قال الحرالي: في جملته إنباء بأن القبلة مجعولة أي مصيرة عن حقيقة وراءها ابتلاء بتقليب الأحكام ليكون تعلق القلب بالله الحكيم لا بالعمل المحكم، فالوجهة الظاهرة ليكون ذلك علماً على المتبع عن صدق فيثبت عند تقلب الأحكام بما في قلبه من صدق التعلق بالله والتوجه له أيان ما وجهه، وعلى المجيب عن غرض ظاهر ليس يسنده صدق باطن فيتعلق من الظاهر بما لا يثبت عند تغيره -انتهى.
تفسير المنار لرشيد رضا 1354 هـ :
{ويكون الرسول عليكم شهيدا} أي إن الرسول عليه الصلاة والسلام هو المثل الأكمل لمرتبة الوسط، وإنما تكون هذه لأمة وسطا باتباعها له في سيرته وشريعته، وهو القاضي بين الناس فيمن اتبع سنته ومن ابتدع لنفسه تقاليد أخرى أو حذا حذو المبتدعين، فكما تشهد هذه الأمة على الناس بسيرتهم وارتقائهم الجسدي والروحي بأنهم قد ضلوا عن القصد، يشهد لها الرسول بما وافقت فيه سنته وما كان لها من الأسوة الحسنة فيه، بأنها استقامت على صراط الهداية المستقيم، فكأنه قال: إنما يتحقق لكم وصف الوسط إذا حافظتم على العمل بهدي الرسول واستقمتم على سنته، وأما إذا انحرفتم عن هذه الجادة فالرسول بنفسه ودينه وسيرته حجة عليكم بأنكم لستم من أمته التي وصفها الله في كتابه بهذه الآية وبقوله {كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر} (آل عمران: 110) الخ. بل تخرجون بالابتداع من الوسط وتكونون في أحد الطرفين.
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي 1376 هـ :
{وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا} أي: عدلا خيارا، وما عدا الوسط، فأطراف داخلة تحت الخطر، فجعل الله هذه الأمة، وسطا في كل أمور الدين، وسطا في الأنبياء، بين من غلا فيهم، كالنصارى، وبين من جفاهم، كاليهود، بأن آمنوا بهم كلهم على الوجه اللائق بذلك، ووسطا في الشريعة، لا تشديدات اليهود وآصارهم، ولا تهاون النصارى.
وفي باب الطهارة والمطاعم، لا كاليهود الذين لا تصح لهم صلاة إلا في بيعهم وكنائسهم، ولا يطهرهم الماء من النجاسات، وقد حرمت عليهم الطيبات، عقوبة لهم، ولا كالنصارى الذين لا ينجسون شيئا، ولا يحرمون شيئا، بل أباحوا ما دب ودرج.
بل طهارتهم أكمل طهارة وأتمها، وأباح الله لهم الطيبات من المطاعم والمشارب والملابس والمناكح، وحرم عليهم الخبائث من ذلك، فلهذه الأمة من الدين أكمله، ومن الأخلاق أجلها، ومن الأعمال أفضلها.
ووهبهم الله من العلم والحلم، والعدل والإحسان، ما لم يهبه لأمة سواهم، فلذلك كانوا {أُمَّةً وَسَطًا} [كاملين] ليكونوا {شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ} بسبب عدالتهم وحكمهم بالقسط، يحكمون على الناس من سائر أهل الأديان، ولا يحكم عليهم غيرهم، فما شهدت له هذه الأمة بالقبول، فهو مقبول، وما شهدت له بالرد، فهو مردود. فإن قيل: كيف يقبل حكمهم على غيرهم، والحال أن كل مختصمين غير مقبول قول بعضهم على بعض؟ قيل: إنما لم يقبل قول أحد المتخاصمين، لوجود التهمة فأما إذا انتفت التهمة، وحصلت العدالة التامة، كما في هذه الأمة، فإنما المقصود، الحكم بالعدل والحق، وشرط ذلك، العلم والعدل، وهما موجودان في هذه الأمة، فقبل قولها.
فإن شك شاك في فضلها، وطلب مزكيا لها، فهو أكمل الخلق، نبيهم صلى الله عليه وسلم، فلهذا قال تعالى: {وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا}
ومن شهادة هذه الأمة على غيرهم، أنه إذا كان يوم القيامة، وسأل الله المرسلين عن تبليغهم، والأمم المكذبة عن ذلك، وأنكروا أن الأنبياء بلغتهم، استشهدت الأنبياء بهذه الأمة، وزكاها نبيها.
وفي الآية دليل على أن إجماع هذه الأمة، حجة قاطعة، وأنهم معصومون عن الخطأ، لإطلاق قوله: {وَسَطًا} فلو قدر اتفاقهم على الخطأ، لم يكونوا وسطا، إلا في بعض الأمور، ولقوله: {ولتكونوا شهداء على الناس} يقتضي أنهم إذا شهدوا على حكم أن الله أحله أو حرمه أو أوجبه، فإنها معصومة في ذلك. وفيها اشتراط العدالة في الحكم، والشهادة، والفتيا، ونحو ذلك.
يقول تعالى: {وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا} وهي استقبال بيت المقدس أولا {إِلَّا لِنَعْلَمَ} أي: علما يتعلق به الثواب والعقاب، وإلا فهو تعالى عالم بكل الأمور قبل وجودها.
ولكن هذا العلم، لا يعلق عليه ثوابا ولا عقابا، لتمام عدله، وإقامة الحجة على عباده، بل إذا وجدت أعمالهم، ترتب عليها الثواب والعقاب، أي: شرعنا تلك القبلة لنعلم ونمتحن {مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ} ويؤمن به، فيتبعه على كل حال، لأنه عبد مأمور مدبر، ولأنه قد أخبرت الكتب المتقدمة، أنه يستقبل الكعبة، فالمنصف الذي مقصوده الحق، مما يزيده ذلك إيمانا، وطاعة للرسول.
وأما من انقلب على عقبيه، وأعرض عن الحق، واتبع هواه، فإنه يزداد كفرا إلى كفره، وحيرة إلى حيرته، ويدلي بالحجة الباطلة، المبنية على شبهة لا حقيقة لها.
في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :
(أمة وسطا).. في التصور والاعتقاد.. لا تغلو في التجرد الروحي ولا في الارتكاس المادي. إنما تتبع الفطرة الممثلة في روح متلبس بجسد، أو جسد تتلبس به روح. وتعطي لهذا الكيان المزدوج الطاقات حقه المتكامل من كل زاد، وتعمل لترقية الحياة ورفعها في الوقت الذي تعمل فيه على حفظ الحياة وامتدادها، وتطلق كل نشاط في عالم الأشواق وعالم النوازع، بلا تفريط ولا إفراط، في قصد وتناسق واعتدال.
(أمة وسطا).. في التفكير والشعور.. لا تجمد على ما علمت وتغلق منافذ التجربة والمعرفة... ولا تتبع كذلك كل ناعق، وتقلد تقليد القردة المضحك.. إنما تستمسك بما لديها من تصورات ومناهج وأصول ثم تنظر في كل نتاج للفكر والتجريب؛ وشعارها الدائم: الحقيقة ضالة المؤمن أنى وجدها أخذها، في تثبت ويقين.
(أمة وسطا).. في التنظيم والتنسيق.. لا تدع الحياة كلها للمشاعر، والضمائر، ولا تدعها كذلك للتشريع والتأديب. إنما ترفع ضمائر البشر بالتوجيه والتهذيب، وتكفل نظام المجتمع بالتشريع والتأديب؛ وتزاوج بين هذه وتلك، فلا تكل الناس إلى سوط السلطان، ولا تكلهم كذلك إلى وحي الوجدان.. ولكن مزاج من هذا وذاك.
(أمة وسطا).. في الارتباطات والعلاقات.. لا تلغي شخصية الفرد ومقوماته، ولا تلاشي شخصيته في شخصية الجماعة أو الدولة؛ ولا تطلقه كذلك فردا أثرا جشعا لا هم له إلا ذاته.. إنما تطلق من الدوافع والطاقات ما يؤدي إلى الحركة والنماء؛ وتطلق من النوازع والخصائص ما يحقق شخصية الفرد وكيانه. ثم تضع من الكوابح ما يقف دون الغلو، ومن المنشطات ما يثير رغبة الفرد في خدمة الجماعة؛ وتقرر من التكاليف والواجبات ما يجعل الفرد خادما للجماعة، والجماعة كافلة للفرد في كافلة للفرد في تناسق واتساق.
(أمة وسطا).. في المكان.. في سرة الأرض، وفي أوسط بقاعها. وما تزال هذه الأمة التي غمر أرضها الإسلام إلى هذه اللحظة هي الأمة التي تتوسط أقطار الأرض بين شرق وغرب، وجنوب وشمال، وما تزال بموقعها هذا تشهد الناس جميعا، وتشهد على الناس جميعا؛ وتعطي ما عندها لأهل الأرض قاطبة؛ وعن طريقها تعبر ثمار الطبيعة وثمار الروح والفكر من هنا إلى هناك؛ وتتحكم في هذه الحركة ماديها ومعنويها على السواء.
(أمة وسطا).. في الزمان.. تنهي عهد طفولة البشرية من قبلها؛ وتحرس عهد الرشد العقلي من بعدها. وتقف في الوسط تنفض عن البشرية ما علق بها من أوهام وخرافات من عهد طفولتها؛ وتصدها عن الفتنة بالعقل والهوى؛ وتزواج بين تراثها الروحي من عهود الرسالات، ورصيدها العقلي المستمر في النماء؛ وتسير بها على الصراط السوي بين هذا وذاك.
وما يعوق هذه الأمة اليوم عن أن تأخذ مكانها هذا الذي وهبه الله لها، إلا أنها تخلت عن منهج الله الذي اختاره لها، واتخذت لها مناهج مختلفة ليست هي التي اختارها الله لها، واصطبغت بصبغات شتى ليست صبغة الله واحدة منها! والله يريد لها أن تصطبغ بصبغته وحدها. وأمة تلك وظيفتها، وذلك دورها، خليقة بأن تحتمل التبعة وتبذل التضحية، فللقيادة تكاليفها، وللقوامة تبعاتها، ولا بد أن تفتن قبل ذلك وتبتلى، ليتأكد خلوصها لله وتجردها، واستعدادها للطاعة المطلقة للقيادة الراشدة.
وإذن يكشف لهم عن حكمة اختيار القبلة التي كانوا عليها، بمناسبة تحويلهم الآن عنها: (وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه) ومن هذا النص تتضح خطة التربية الربانية التي يأخذ الله بها هذه الجماعة الناشئة، التي يريد لها أن تكون الوارثة للعقيدة، المستخلفة في الأرض تحت راية العقيدة. إنه يريد لها أن تخلص له؛ وأن تتخلص من كل رواسب الجاهلية ووشائجها؛ وأن تتجرد من كل سماتها القديمة ومن كل رغابها الدفينة؛ وأن تتعرى من كل رداء لبسته في الجاهلية، ومن كل شعار اتخذته، وأن ينفرد في حسها شعار الإسلام وحده لا يتلبس به شعار آخر، وأن يتوحد المصدر الذي تتلقى منه لا يشاركه مصدر آخر.
ولما كان الاتجاه إلى البيت الحرام قد تلبست به في نفوس العرب فكرة أخرى غير فكرة العقيدة؛ وشابت عقيدة جدهم إبراهيم شوائب من الشرك، ومن عصبية الجنس، إذ كان البيت يعتبر في ذلك الحين بيت العرب المقدس.. والله يريده أن يكون بيت الله المقدس، لا يضاف إليه شعار آخر غير شعاره، ولا يتلبس بسمة أخرى غير سمته. لما كان الاتجاه إلى البيت الحرام قد تلبست به هذه السمة الأخرى، فقد صرف الله المسلمين عنه فترة، ووجههم إلى بيت المقدس، ليخلص مشاعرهم من ذلك التلبس القديم أولا؛ ثم ليختبر طاعتهم وتسليمهم للرسول صلى الله عليه وسلم ثانيا، ويفرز الذين يتبعونه لأنه رسول الله، والذين يتبعونه لأنه أبقى على البيت الحرام قبلة، فاستراحت نفوسهم إلى هذا الإبقاء تحت تأثير شعورهم بجنسهم وقومهم ومقدساتهم القديمة.
إنها لفتة دقيقة شديدة الدقة.. إن العقيدة الإسلامية لا تطيق لها في القلب شريكا؛ ولا تقبل شعارا غير شعارها المفرد الصريح؛ إنها لا تقبل راسبا من رواسب الجاهلية في أية صورة من الصور. جل أم صغر. وهذا هو إيحاء ذلك النص القرآني: (وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه).. والله -سبحانه- يعلم كل ما يكون قبل أن يكون. ولكنه يريد أن يظهر المكنون من الناس، حتى يحاسبهم عليه، ويأخذهم به. فهو -لرحمته بهم- لا يحاسبهم على ما يعلمه من أمرهم، بل على ما يصدر عنهم ويقع بالفعل منهم. ولقد علم الله أن الانسلاخ من الرواسب الشعورية، والتجرد من كل سمة وكل شعار له بالنفس علقة.. أمر شاق، ومحاولة عسيرة.. إلا أن يبلغ الإيمان من القلب مبلغ الاستيلاء المطلق، وإلا أن يعين الله هذا القلب في محاولته فيصله به ويهديه إليه: (وإن كانت لكبيرة إلا على الذين هدى الله).. فإذا كان الهدى فلا مشقة ولا عسر في أن تخلع النفس عنها تلك الشعارات، وأن تنفض عنها تلك الرواسب؛ وأن تتجرد لله تسمع منه وتطيع، حيثما وجهها الله تتجه، وحيثما قادها رسول الله تقاد. ثم يطمئن المسلمين على إيمانهم وعلى صلاتهم.
إنهم ليسوا على ضلال، وإن صلاتهم لم تضع، فالله سبحانه لا يعنت العباد، ولا يضيع عليهم عبادتهم التي توجهوا بها إليه؛ ولا يشق عليهم في تكليف يجاوز طاقتهم التي يضاعفها الإيمان ويقويها: (وما كان الله ليضيع إيمانكم، إن الله بالناس لرؤوف رحيم).. إنه يعرف طاقتهم المحدودة، فلا يكلفهم فوق طاقتهم؛ وإنه يهدي المؤمنين، ويمدهم بالعون من عنده لاجتياز الامتحان، حين تصدق منهم النية، وتصح العزيمة. وإذا كان البلاء مظهرا لحكمته، فاجتياز البلاء فضل رحمته (إن الله بالناس لرؤوف رحيم).. بهذا يسكب في قلوب المسلمين الطمأنينة، ويذهب عنها القلق، ويفيض عليها الرضى والثقة واليقين...
التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :
من مكملات معنى الشهادة على الناس في الدنيا وجوب دَعوتنا الأممَ للإِسلام، ليقوم ذلك مقامَ دعوة الرسول إياهم حتى تتم الشهادة للمؤمنين منهم على المعرضين... وقد دلت هذه الآية على التنويه بالشهادة وتشريفها حتى أظهر العليم بكل شيء أنه لا يقضي إلاّ بعد حصولها. ويؤخذ من الآية أن الشاهد شهيد بما حصل له من العلم وإن لم يشهده المشهود عليه وأنه يشهد على العلم بالسماع والأدلة القاطعة وإن لم ير بعينه أو يسمع بأذنيه، وأن التزكية أصل عظيم في الشهادة، وأن المزكي يجب أن يكون أفضل وأعدل من المزكَّى، وأن المزكي لا يحتاج للتزكية، وأن الأمَّة لا تشهد على النبي صلى الله عليه وسلم ولهذا كان يقول في حجة الوداع:"أَلاَ هل بَلغْتُ فيقولون نعم فيقول اللهم اشْهَد" فجعل الله هو الشاهد على تبليغه وهذا من أدق النكت...
وأياً ما كان معنى الرأفة فالجمع بين رءوف ورحيم في الآية يفيد توكيد مدلول أحدهما بمدلول الآخر بالمساواة أو بالزيادة. وأما على اعتبار تفسير المحققين لِمعنى الرأفة والرحمة فالجمع بين الوصفين لإفادة أنه تَعَالى يرحم الرحمة القوية لمُستحقها ويرحم مطلق الرحمة مَنْ دونَ ذلك...
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل - لجنة تأليف بإشراف الشيرازي 2009 هـ :
«شهادة» الأمة المسلمة على النّاس، و«شهادة» النّبي على المسلمين، قد تكون إشارة إلى الأُسوة والقُدْوَةِ، لأن الشاهد يُنتخب من بين أزكى النّاس وأمثلهم. فيكون معنى هذا التعبير القرآني أن الأمة المسلمة نموذجيّة بما عندها من عقيدة ومنهج، كما أن النّبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فرد نموذجيّ بين أبناء الأمة.
الأمة المسلمة بعملها وبتطبيقها المنهج الإسلامي تشهد أن الإنسان بمقدوره أن يكون رجل دين ورجل دنيا... أن يكون إنساناً يعيش في خضم الأحداث الاجتماعية وفق معايير روحية ومعنوية.
الأمة المسلمة بمعتقداتها ومناهجها تشهد بعدم وجود أي تناقض بين الدين والعلم، بل إن كلا منهما يخدم الآخر.