فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير للشوكاني - الشوكاني  
{وَكَذَٰلِكَ جَعَلۡنَٰكُمۡ أُمَّةٗ وَسَطٗا لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ وَيَكُونَ ٱلرَّسُولُ عَلَيۡكُمۡ شَهِيدٗاۗ وَمَا جَعَلۡنَا ٱلۡقِبۡلَةَ ٱلَّتِي كُنتَ عَلَيۡهَآ إِلَّا لِنَعۡلَمَ مَن يَتَّبِعُ ٱلرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَىٰ عَقِبَيۡهِۚ وَإِن كَانَتۡ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى ٱلَّذِينَ هَدَى ٱللَّهُۗ وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَٰنَكُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ بِٱلنَّاسِ لَرَءُوفٞ رَّحِيمٞ} (143)

وقوله : { وكذلك جعلناكم } أي : مثل ذلك الجعل جعلناكم ، قيل معناه : وكما أن الكعبة وسط الأرض كذلك جعلناكم أمة وسطا . والوسط الخيار أو العدل ، والآية محتملة للأمرين ، ومما يحتملهما قول زهير :

هُم وَسَطٌ تَرْضَى الأنَامُ بِحُكْمِهِم *** إذَا نَزَلت إحْدَى الليالِي بِمُعْظِم

ومثله قول الآخر :

أنْتُم أوْسطُ حَيٍّ علِمُوا *** بِصَغِير الأمْرِ أو إحْدى الكُبرَ

وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم تفسير الوسط هنا بالعدل كما سيأتي ، فوجب الرجوع إلى ذلك ، ومنه قول الراجز :

لا تذهبنَّ في الأمور مفرطا

لا تسألنّ إن سألتَ شطَطَا

وكن مِن النَّاسِ جميعاً وسَطَاً

ولما كان الوسط مجانباً للغلو ، والتقصير كان محموداً ، أي : هذه الأمة لم تغلُ غلوّ النصارى في عيسى ، ولا قصروا تقصير اليهود في أنبيائهم ، ويقال : فلان أوسط قومه وواسطتهم : أي : خيارهم . وقوله : { لتَكُونُوا شُهَدَاء عَلَى الناس } أي : يوم القيامة تشهدون للأنبياء على أممهم ، أنهم قد بلَّغوهم ما أمرهم الله بتبليغه إليهم ، ويكون الرسول شهيداً على أمته بأنهم قد فعلوا ما أمر بتبليغه إليهم ، ومثله قوله تعالى : { فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ على هَؤُلاء شَهِيداً } [ النساء : 41 ] ، قيل : إن قوله : { عَلَيْكُمْ } يعني لكم ، أي : يشهد لهم بالإيمان . وقيل معناه : يشهد عليكم بالتبليغ لكم . قال في الكشاف : لما كان الشهيد كالرقيب والمهيمن على المشهود له جيء بكلمة الاستعلاء ، ومنه قوله تعالى : { والله على كُلّ شَىْء شَهِيدٌ } [ المجادلة : 9 ] { كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنتَ على كُلّ شَىْء شَهِيدٌ } [ المائدة : 117 ] . انتهى . وقالت طائفة : معنى الآية : يشهد بعضكم على بعض بعد الموت . وقيل : المراد لتكونوا شهداء على الناس في الدنيا ، فيما لا يصح إلا بشهادة العدول ، وسيأتي من المرفوع ما يبين معنى الآية إن شاء الله . وإنما أخر لفظ «على » في شهادة الأمة على الناس ، وقدّمها في شهادة الرسول عليهم ، لأن الغرض كما قال صاحب الكشاف في الأوّل : إثبات شهادتهم على الأمم ، وفي الآخر اختصاصهم بكون الرسول شهيداً عليهم . وقوله : { وَمَا جَعَلْنَا القبلة التى كُنتَ عَلَيْهَا } قيل المراد بهذه القبلة : هي بيت المقدس ، أي : ما جعلناها إلا لنعلم المتبع والمنقلب ، ويؤيد هذا قوله : { كُنتَ عَلَيْهَا } إذا كان نزول هذه الآية بعد صرف القبلة إلى الكعبة . وقيل : المراد الكعبة ، أي : ما جعلنا القبلة التي أنت عليها الآن بعد أن كانت إلى بيت المقدس إلا لذلك الغرض ، ويكون { كُنتُ } بمعنى الحال ، وقيل : المراد بذلك القبلة التي كان عليها قبل استقبال بيت المقدس ، فإنه كان يستقبل في مكة الكعبة ، ثم لما هاجر توجه إلى بيت المقدس تألفاً لليهود ، ثم صُرِف إلى الكعبة . وقوله : { إِلاَّ لِنَعْلَمَ } قيل المراد بالعلم هنا الرؤية ، وقيل : المراد إلا لتعلموا أنا نعلم بأن المنافقين كانوا في شك ، وقيل : ليعلم النبي ؛ وقيل : المراد لنعلم ذلك موجوداً حاصلاً ، وهكذا ما ورد معللاً بعلم الله سبحانه لا بدّ أن يؤول بمثل هذا كقوله : { وَلِيَعْلَمَ الله الذين ءامَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاء } [ آل عمران : 140 ] . وقوله : { وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً } أي : ما كانت إلا كبيرة ، كما قاله الفراء في " أن " و " إن " أنهما بمعنى ما وإلا . وقال البصريون : هي : الثقيلة خففت ، والضمير في كانت راجع إلى ما يدل عليه قوله : { وَمَا جَعَلْنَا القبلة التى كُنتَ عَلَيْهَا } من التحويلة ، أو التولية ، أو الجعلة ، أو الردّة ، ذكر معنى ذلك الأخفش ، ولا مانع من أن يرجع الضمير إلى القبلة المذكورة : أي : وإن كانت القبلة المتصفة بأنك كنت عليها لكبيرة إلا على الذين هداهم الله للإيمان ، فانشرحت صدورهم لتصديقك ، وقبلت ما جئت به عقولهم . وهذا الاستثناء مفرّغ ، لأن ما قبله في قوّة النفي ، أي : أنها لا تخفّ ، ولا تسهل إلا على الذين هدى الله . وقوله : { وَمَا كَانَ الله لِيُضِيعَ إيمانكم } قال القرطبي : اتفق العلماء على أنها نزلت فيمن مات ، وهو يصلي إلى بيت المقدس ، ثم قال : فسمى الصلاة إيماناً ؛ لاجتماعها على نية ، وقول ، وعمل ، وقيل : المراد ثبات المؤمنين على الإيمان عند تحويل القبلة ، وعدم ارتيابهم كما ارتاب غيرهم . والأول يتعين القول به ، والمصير إليه لما سيأتي من تفسيره صلى الله عليه وسلم للآية بذلك . والرءوف كثير الرأفة ، وهي أشدّ من الرحمة . قال أبو عمرو بن العلاء : الرأفة أكبر من الرحمة ، والمعنى متقارب .

وقرأ أبو جعفر بن يزيد بن القعقاع : «لروف » بغير همز ، وهي : لغة بني أسد ، ومنه قول الوليد بن عتبة :

وَشَرُّ الغالبين فلا تَكُنْه *** يقَاتِلِ عمه الروف الرحِيم

/خ143